Tag Archives: الماركسية البديلة

الماركسية البديلة

وإذا ما ورثت حركة العولمة البديلة شيئا من هذا ، فهو التكاثر والتعدد واللاحتمية الفلسفية ونزعة الانتقاء السياسي العائدة لبدايات الاشتراكية.

الماركسية البديلة

  • بقلم : لوران جوفران
  • عن: النوفيل أوبسيرفاتور( عدد استثنائي ) 

طيف يغشى موائد العشاء بالمدينة : إنه طيف العولمة البديلة .إنها اللازمة التي نسمعها في المؤسسة التي تعكر صفوها جراء هذه الهجومات على سياستها وامتيازاتها بشكل لا يعرف الانقطاع : لقد ماتت الشيوعية ، وهاهي ذي العولمة البديلة تريد أن تبعثها من جديد ، والبرهان على ذلك ؟ .. هو أن حركة بورتو أليغري حركة معادية للرأسمالية ؛ فهي ترفض السوق وتنتقد الشركات المتعددة الجنسيات والتبادل الحر بل وحتى البورصة ، إنها تريد تنظيم الفقراء والمنبوذين في حركة سياسية عالمية معارضة لـ ” منطق البضاعة ” ؛ وهي بذلك وريثة للماركسية وإذن وريثة لتوتاليتارية الشرق ، إنها آخر أحفاد العجوز ماركس ، العولمة البديلة إذن هي ” ماركسية بديلة ” ، فالغوث الغوث !إننا نجد في نصوص الآلاف المؤلفة من الجمعيات المتحالفة في كنف حركة بورتو أليجري تحاليل تتميز بالمبالغة واقتراحات طوباوية وانتقادات جذرية ، ونحن نشهد بها غالبا انبثاقا للاحتجاجات القديمة لدى الحركات العمالية في القرنين الأخيرين . وتلك مظاهر خادعة تتناسى جوهر القضية ولبها ، إلا أن الأكيد هو أن حركة العولمة البديلة ولدت من احتجاجات القرن 19 عينها . لقد شعرت الأسواق والصناعة الكبيرة بعد سقوط الحائط في التسعينيات التي ستظل سنوات التراجع الكبير لليمين العالمي بتحررها من أي عائق؛ فقد تم اجتثاث الشيوعية واصطف اليسار الإصلاحي في صف برنامج حذر ، وسطي قبل كل شيء ، ومتجسد في توني بلير أو بيل كلينتون ، وسرعت النخب القائدة للرأسمالية العالمية ، مستندة في ذلك على ثورة معلوماتية بدت لا تقبل المقاومة ، تنفيذ برنامج تم تحديده 15 سنة قبل ذلك من قبل مارغريت تاتشر ورونالد ريغان . لا شيْ بدا أن بمستطاعه الوقوف في وجه التوسع اللامحدود للبضاعة والمنافسة وأخلاق المال الوحشية ، وقد صنعت حركة العولمة الليبرالية بشكل لا يمكن تلافيه معارضتها الخاصة بفعل قسوتها وإرادتها في إسقاط أصناف الحماية التي تم انتزاعها منذ قرنين من قبل المأجورين واحدة تلو الأخرى . سيقال إن هذه الحركة الجدلية للاقتصاد والمجتمع التي أدت إلى احتجاج آخر وجديد على الرأسمالية وضدها يكشف عن نهضة ماركسية معينة وانبعاثا جديدا لها ، وسينضاف إلى ذلك أن منشطي حركة العولمة البديلة هم في الغالب قدماء أعضاء المنظمات الشيوعية . لكنهم في كل الأحوال من قدماء الماركسيين ؛ ومناهضتهم للرأسمالية وانتقادهم للإيديولوجيا الليبرالية وأصولهم السياسية المختلفة لا تلصق بهم صفة الماركسيين ، اللهم إلا إذا كنا نعتقد أن كل اشتراكي هو بالتعريف ماركسي . لنعد إلى أصول الاشتراكية : فالماركسية ليست إلا أحد فروعها ، إنها طبعتها الأكثر حبكة (سبكا ) والأكثر منهجية وأخذا بالتلازم المنطقي، ولكنها أيضا إحدى أكثرها مذهبية وصلابة وأكثرها دينية في العمق . وبجانبها تطورت كل أصناف التيارات الأكثر تحررا أو طوباوية أو أكثرها إصلاحية . وبعدها قام عدد من الأتباع بتليين العقيدة ومراجعتها أو مناقضتها ، اللينيون منهم في المقام الأول ثم الستالينيون . وإذا ما ورثت حركة العولمة البديلة شيئا من هذا ، فهو التكاثر والتعدد واللاحتمية الفلسفية   ونزعة الانتقاء السياسي العائدة لبدايات الاشتراكية . بيد أن ماركس سبق له أن صارع طيلة حياته هذا المثقف الميهم والمائع وهذا الخليط من التقاليد وهذه المثالية الطوباوية وهذا الاعتدال البرنامجي . لنراهن : إن كارل العجوز المنبعث فجأة سيعلق بحنق على النصوص الهجينة المنجزة من قبل أصحاب العولمة البديلة ، إما لشطرهم ومهاجمتهم أو الاستهزاء منهم جميعا . أمثلة : لقد تشكلت حركة العولمة البديلة والتأمت حول مطلب هو لها بمثابة المنارة الهادية ، شكل نقطة اصطفاف كل المناضلين في العالم بأجمعه ، وهذا المطلب هو فرض ضريبة على حركات الرساميل سميت ” ضريبة توبين : . إن كارل العجوز العائد إلينا لن يتمالك نفسه من الضحك الصاخب ؛ فزيادة على أن اقتصاد توبين سيوصف بأنه عدو لا بد من الإطاحة به فورا لأنه كينزي ، والكينزية بالضبط هي نظرية تم ابتكارها لمواجهة الماركسية من خلال إصلاح الرأسمالية من الداخل ، فإن مؤلف البيان الأكثر شهرة في العالم سيرى في هذا الإصلاحي المعلن علامة مميزة على الخيانة ؛ فتضريب حركات الرساميل بنسبة مائوية جد ضعيفة يعني تقوية النظام ، يعني تناسي أن الحركة العمالية مطالبة لا فقط بالوقوف في وجه شطط السوق وإنما مطالبة أيضا وبالأخص باستهداف قلب النظام ومنطقه العميق . وهذا المنطق هو بحق وحقيق استغلال العمل الناهض من حركة تثمين الرأسمال عن طريق اغتصاب فائض القيمة ، لذلك فالتلويح بهذه الضريبة البئيسة وتغليف المطالبة ببلاغة مبهمة وملتبسة تتحدث عن ” تبضيع العالم ” و ” العولمة الليبرالية ” ، في حين أن المقصود هو التناقض الداخلي للرأسمالية ومصادرة فائض القيمة ، يعني تضليل الحركة العمالية وتحويل المناضلين في أحسن الأحوال إلى أخوات الصدقة وأعوان للرأسمال في أسوأ الأحوال .” هناك عالم آخر ممكن ” يقول أصحاب العولمة ، وتلك صيغة سديمية وغائمة كما سيقول كارل مقاطعا ؛ فزيادة على أن التعبير ” عالم آخر ” تعبير تفوح منه حسب الاختيار رائحة كنسية أو الموزيك هال وأرواحها الضاربة ، فإن في النعت ” ممكن ” شيء ما من المثالية والسذاجة . وعندما أضاف جوزي بوفيه بأنه يتوجب أن نقول ” عوالم أخرى ” بدل عالم واحد حتى يبقى أمام الديمقراطية إمكانية اختيار ما هو ممكن ، فقد برهن على أنه نسي كل شيء عن المادية التاريخية ؛ فالعالم الآخر المتحدث عنه هو المجتمع الاشتراكي الذي سيعقب المجتمع الرأسمالي طال الزمان أم قصر . إن الماركسية ” لا تطبخ طناجر المستقبل ” بل تطبق منهجها العلمي في وصف تناقضات الواقع التي ستولد بشكل لا محيد عنه ، عن طريق العنف أو القانون ، عالما جديدا ، وهذا العالم الآخر ليس ممكنا وإنما هو ضروري . يجب توحيد وتجميع الذين هم ” بدون ” يقول مناضلو بورتو أليغري ؛ أي الذين هم بدون شغل وبدون سكن وبدون أرض ؛ فهم معذبو الأرض الجدد ، إنهم لا شيء اليوم وسيكونون غدا كل شيء . ترهات استراتيجية ، سيقول كارل مزمجرا ؛ فالبدون هم بشكل أساسي غير منخرطين في العملية الإنتاجية ، بيد أن التناقض الأساسي يتموقع في قلب النشلاط الاقتصادي ، هذا التناقض القائم في ما بين المستغلين والمستغلين (بفتح الغين ) ، في ما بين البورجوازية والبروليتاريا . وأولى الأولويات هي تشكيل أممية من الشغالين وليس من شبكة عالمية العاطلين ؛ إذ أن البدون يشكلون في غالبيتهم ما ندعوه في اللغة الماركسية ” البروليتاريا الرثة ” والتي ” لن تكون قادرة على فعل أي شيء آخر سوى الجلوس على مؤخرتها ” ، تجميع وتوحيد ” البدون ” هو شيء مفيد بالنسبة لكهان الرعية ، أما الثورة فهي شيء آخر تماما .لا بد من احترام الطبيعة ، يقول أصحاب العولمة البديلة ، كما أن التحكم في التقدم العلمي وتنظيم ” تنمية قابلة للدوام ” من شأنه إبطاء نمو الإنتاج . غباء تاريخي سيقول كارل منفجرا في وجوهنا ؛ فالبورجوازية تحول العالم وتغيره ، ومن ثمة تقيم الشروط التاريخية لاختفائها الذاتي باعتبارها طبقة ، وإبطاء هذه الحركة معناه جعل عجلة التاريخ تدور في الاتجاه المعاكس . إن العلم والتقنية هما نافعان بشكل مضاعف ومزدوج : فهما من خلال تطورهما يعمقان التناقضات في ما بين قوى الإنتاج والشروط الاجتماعية للإنتاج أي علاقات الإنتاج ، ويلازمان من ثمة اللحظة التي سيعقب فيها نمط جديد للإنتاج النمط القديم ، إنهما يضاعفان السلطة المستقبلية للمجتمع الشيوعي على الطبيعة التي ستمكنه بفعل الازدهار الكبير من الانتقال من مبدأ للتوزيع إلى مبدأ آخر ، فكيف يمكننا بدون العلم والصناعة تعويض الأكسيومة : ” لكل حسب عمله ” بالقاعدة الشيوعية ” لكل حسب حاجاته ” ؟ .. إن حركة العولمة البديلة ، سيضيف كارل ، مجتاحة من قبل الإيكولوجيين الورعين والفلاحين المتطيرين والمؤمنين بالخرافة ، وهؤلاء هم الذين ينشرون أفيونا جديدا للشعوب هو ديانة الأرض التي هي مدمنة أفيون مثلها في ذلك مثل ديانة السماء .وبإمكاننا أن نستمر في سرد الأمثلة ، وهذه التمرين يقود نحو استنتاج واضح وهو : أن المرونة الفكرية والنضالية في حركة العولمة البديلة هما على طرفي نقيض من التماسك والصرامة الماركسيين . لقد ولد بورتو أليغري من عودة أصناف الشطط الرأسمالية ، ولكنه لا يؤذن بعودة مبالغات الشيوعية وشططها ، إنه يحيلنا بالفعل على حقيقة الاشتراكية التاريخية والتي هي أكثر غنى وأكثر حرية وتلألِؤا من حكايا الماركسية الحزينة والدموية التي أصيبت بالضمور من قبل اللينينية وتحولت إلى قمع توتاليتاري . إن هذه العودة إلى الأصول تحمل في ذاتها بطبيعة الحال كل أصناف السذاجة والأفكار اللاواقعية ، لكنها تستحق أن تحتفظ بالإرث الفكري لحقوق الإنسان والحرية كمكسبين لها .

******************

* لوران جوفران هو مدير تحرير مجلة ” النوفيل أوبسيرفاتور ” آخر كتاب ظهر له هو ” روح نابوليون” غاليمار 2003.

Advertisements