Tag Archives: الفصام أو الشيزوفرينيا

الشيزوفرينيا

كليشيهات وأفكار مغلوطة
حول الفصام

ينعث الأشخاص الفصاميون في الغالب ، وعن خطأ ، بأنهم خطرون ، في حين أنهم يعانون قبل كل شيء من عدم انسجام وترابط فيما بين أفكارهم وعواطفهم وسلوكاتهم.


بقلم : آن كوت ـ فاياند

طبيبة نفسية مسؤولة عن مركز التقييم

الخاص بالبالغين الشباب والمراهقين بمستشفى

سانت آن (باريس) ، وقد نشرت بمعية دافيد غوريون

” الإضطرابات الفصامية ” إيليبس ، 2004.

لقد كان إميل كرابلان ( 1856 ـ 1926 ) ، وهو طبيب نفسي ألماني ، من أوائل من وصفوا الجنون المبكر La démentia Praecox : ويتعلق الأمر بالنسبة له بشكل من أشكال الانحطاط العقلي وتطور لا هوادة فيه نحو ” حالة إضعاف نفسي ” ، وهو ما سيتم تفنيده فيما بعد. وبعد ذلك ، أي في سنة 1911 ، مكنت أبحاث أوجين بلولير ( 1857 ـ 1939 ) من الإحاطة بشكل أفضل ب ” جماعة الفصاميين ” ، وهذا اللفظ الذي عوض لفظ ” الجنون المبكر ” مكون من جذرين إغريقيين هما : ” شيزو shizo” ( فصل ( و ” phrène ” ( عقل ) .وقد وصف بلولير الفصام بكونه قطيعة ، انفصالا فيما بين الميكانيزمات النفسية الممكنة من ربط الأفكار بالعواطف . وقد شكل بلولير نقطة انطلاق الأبحاث الحالية في مجال علم نفس الأعصاب Neuropsychologie.

ولقد مكن تبلور المفاهيم وتطورها ، كما مكنت العديد من المعطيات العلمية من فردنة الفصام مقارنة بحالات الجنون المبكر الانحطاطي، مشيرة إلى إمكانية تطور إكلينيكي إيجابي ، إن لم يكن إلى تناقص أعراض المرض وخمودها. وفي أيامنا هاته، يقوم تشخيص الفصام على مجموعة من علامات التطور المزمنة ( مدة تطور المرض تزيد على 6 أشهر ) والمحددة في ” المختصرات ” المخصصة للأطباء ( DSM-IVأو CIM-10 ) ، وليست هناك في هذا المجال علامة خاصة أو محددة ؛ فاجتماع عدد كبير من العلامات هو الذي يمكن من القيام بعملية التشخيص.

ثلاثة مجموعات من العلامات

تمكن المقاربة الأبعادية Dimensionnelle للمرض من التمييز بين ثلاثة مجموعات من العلامات : العلامات الإيجابية ـ العلامات السلبية ـ واختلال التنظيم :
– العلامات الإيجابية هي ” ناجمة عن المرض “:
العلامات الهذيانية : ويتعلق الأمر بأفكار غير معتادة ومعتقدات غير واقعية تتوازى مع تضعضع وانحطاط لإدراك الواقع. وعند عبارة هذيانية ما ، يكون المريض مقتنعا بأن أفكاره صحيحة، وهي في الغالب أفكار ( الشعور ) بالإضطهاد ( فلديه انطباع بأن أحدا ما يتعقب خطواته في الشارع ، أو أن أحدا ما يتنصت عليه ) ، غير أن موضوعات أخرى يمكن أن تبرز أو تطفو على السطح ، كما لو كانت أفكارا سحرية أو أفكار تملك أو أفكار القوة الكاملة ، أو البنوة أو الغيرة أو الابتكار. وتلك الأفكار يمكن أن تؤدي إلى أفعال واضطرابات سلوكية جد خطيرة كثيرا أو قليلا ، سواء نحو الذات أو نحو الآخرين ، إنها عامل من عوامل احتداد المرض بفعل الآلام الناجمة عنها.
الهلوسات : وهي إدراكات بدون موضوع تتم عن طريق الحواس ، ويمكن ان تتم عن طريقها كلها في نفس الآن. إنها في الغالب سمعية، مع امتلاك اليقين بسماع حركات أو أصوات مجهولة المصدر. ويمكن أن يتعلق الأمر بإدراك صوت داخلي، أو فكرة يتم الإحساس كما لو كان مصدرها خارجيا عن طريق التخاطر عن بعد ، تلك التي يسميها الأطباء النفسيون ” الأتمتة العقلية Automatisme mental “. هذه الأصوات أو تلك الفكرة تعاش في الغالب باعتبارها مكروهة، محدثة لآلام حادة وعنيفة.
إن حضور الهلوسات يمكن أن يغذي أفكارا هذيانية ( تدفع مثلا إلى الاعتداء على شخص ما اعتقادا من المريض بأنه يضطهده ) .
إن هذين النوعين من العلامات هما في العادة علامات يمكن ملاحظتها والوقوف عليها ، وذلك لأنها تفقأ الأعين بوضوحها .


العلامات السلبية تتسم بالانطواء العاطفي والاجتماعي وكذا بتبلد الإحساس .
اضطرابات الشعور العاطفي تتمثل في برود عاطفي يترجم عن طريق نوع من الانفصال عن الأوضاع المولدة عادة لهذا الشعور ( ولادة ـ مأتم ـ توتر وقلق stresse ) ، وعن طريق عدم تطابق في ما بين الأفكار والعواطف ، وصعوبة في تأويل عواطف الآخرين. العواطف هنا غير متلائمة مع الأوضاع أو الوضعيات ، كالانخراط في الضحك عند تذكر وفاة أحد الأقرباء.
الانزواء والانكفاء على الذات : هي العلامات الأكثر ترددا وارتباطا بهذا المرض ، وهي في الغالب عواقب انعدام التوافق العاطفي . إننا يمكن أن نجد هذه العلامات في أمراض أخرى ، غير أن السمة العامة والدائمة والمتطورة للانزواء ، في ارتباط مع البرود وعدم التوافق العاطفيان ، والتي لها تأثير كبير وحاسم على نوعية الحياة لدى المريض وجودتها ، تؤدي شيئا فشيئا إلى عدم اندماج عاطفي وسوسيو مهني معيقين. وعندما يكون الانزواء والانسحاب مهيمنا، فإننا نتحدث إذ ذاك عن انسحاب انطوائي.
التعب وقلة الحيوية والنشاط هما شائعان ، وهما غير ناجمين عن قلة الإرادة أو الكسل ، وإنما عن عدم القدرة على فعل الأشياء ( يتم الحديث حينها عن النزعة اللاعملية apragmatisme ” ) .


علامات اختلال التنظيم:
• تتمظهر إضطرابات محتوى التفكير من خلال الصعوبة التي يجدها المريض في تركيز الانتباه وفي خطاب قليل التماسك ومحاولات ضبابية لتفسير العلامات ( يتم الحديث حينذاك عن ” عقلانية مرضية ” ).
السلوكات التي هي عواقب اضطرابات التفكير وعدم انتظامه تضحي بدورها غير منظمة و لا منتظمة ؛ فالحركات غير متلائمة مع الوضعيات أو السياقات ، كالتجول في عز الصيف بملابس الشتاء وعدة التزلج على الجليد ، أو التسكع بلا هدف في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار . إلى جانب هذا يمكن أن توجد السلوكات العدوانية والعنيفة. إن حضور اختلال هام في تنظيم السلوكات يشكل أحد العناصر التي تغذي أكثر من غيرها وصمة المرضى.

إن الميكانيزمات النفسية ـ المرضية التي تشكل البنية التحتية للمرض هي متعددة ، وتوجد عوامل خطورة أخرى مثل الوراثة ومحيط المريض. إن العوامل الجينية تلعب بشكل لا محيد عنه دورا في إمكانية الإصابة بالفصام ( السكيزوفرينيا ) ، حتى ولو لم يكن الأمر يتعلق بمرض جيني خالص . استعمال الكانابيس ، ولو أننا لا نعرف إن كان يتسبب في المرض أو يسرع الإصابة به ، التعرض لفيروس الزكام الموسمي خلال فترة الحمل لدى الأم ، معاناة الجنين من آلام أثناء الوضع ، التشوهات الحادة أثناء فترة النمو، تصدعات في الجمجمة خلال فترة الطفولة ، هي كلها عوامل مجرمة بهذا الخصوص ، وهو ما يدفعنا إلى القول إن المرض متعدد العوامل والأسباب.

****************************

إقرأ أيضا :

Advertisements