Tag Archives: الشيوعية الآسرة

الشيوعية الآسرة

كيف استطاعت الثورة الروسية بديكتاتوريتها أن تشكل مرجعية كونية خلال الجزء الأكبر من هذا القرن ؟ .. وكيف افتتن بها المثقفون واستسلموا لها رغم وضوح الوقائع ؟

الشيوعية الآسرة

  • حرب 14 / 18 أم الشيوعية والفاشية ؟ ..

  • أكتوبر والعاطفة الثورية.
  • الثورة الدائمة ببلد واحد.
  • انتصار ستالين.
  • هل يمكن تصور الإيديولوجيا بدون تنظيمات.

بقلم : جان كلود ـ بوربالان
عن : مجلة العلوم الإنسانية ، رقم 63 يوليوز 96 .

لم تتوقف الشيوعية عن أسر المثقفين الفرنسيين ، وفرانسوا فوري في كتابه ” ماضي وهم ” يعرض مكامن قوة إيديولوجية مستلهمة من ديكتاتورية المذهب اليعقوبي الفرنسي لسـنة 1793 .

**********************

  • في أكتوبر 1917 أخذ الحزب البولشفي بزمام السلطة عن طريق القوة في وضعية انهيار لجهاز سلطة الدولة ناجمة عن الهزيمة العسكرية وسقوط القيصرية . وسيعوض هذا الحزب الذي أصبح تروس جهاز الدولة السوفياتية ومولدها ضعفه الذاتي ( فلم يكن يضم في صفوفه سوى 24000 عضوا عند استلامه السلطة ) بالصلابة التي تسمح بها الإيديولوجيا الماركسية . ولم يمض وقت طويل حتى سميت هذه الإيديولوجيا بالمذهب اللينيني من خلال الاهتمام بالعناصر التاكتيكية والاستراتيجية المرتبطة باستلام السلطة بروسيا .
  • فكيف استطاعت الثورة الروسية بشيوعيتها الفتاكة بالأرواح وديكتاتوريتها غير المسبوقة أن تشكل نقطة مرجعية أو دفّاعة كونية أيضا خلال الجزء الأكبر من هذا القرن ؟ .. لماذا وكيف استسلم عديد من المثقفين مأسورين ومأخوذين بالمذهب الشيوعي السوفياتي رغم وضوح الوقائع ؟ .. هذه أسئلة ضمن عديد من الأسئلة حاول فرانسوا فوري أن يجيب عنها في مجلد سميك ظهر في بداية سنة 1995 :»ماضي وهم ، محاولة بخصوص الفكرة الشيوعية للقرن العشـرين«(1) .
  • ولكي نستوعب جيدا قوة ” الوهم الشيوعي ” يجمل بنا أن ندرجه مدة زمنية طويلة وأن نموضعه في علاقته التفاعلية مع الأفكار الكبرى الفاعلة والرائجة في المجتمع الغربي منذ عدة قرون . فانطلاقا من القرن 18 شكلت البورجوازية ؛ أي ” الإسم الآخر للمجتمع الحديث ” الفئة الاجتماعية الحاملة للواء قيم كونية . وهي لم تتحدد لا عن طريق السياسة والمواطنة كما في العصر القديم ، أو عن طريق الأصل الأسري والنسب كما هو الحال في المجتمعات الإقطاعية ، وإنما تحددت بالعكس من ذلك عن طريق الاقتصاد والعمل . وبوصف العمل خاصية أولية لكل إنسان فإن القدرة عليه تفترض حرية التصرف والمساواة وإزالة العراقيل الدينية أمام المبادرة والتصرف . إن الإنسان الحديث ديمقراطي بشغف وليبرالي ( أي مناهض لموانع حرية المبادرة ) ، والنموذج الأمثل للبورجوازية يتمثل في الاتفاق على حد أدنى من القواعد الميسرة لحرية المبادرة والفعل ، الباقي ـ الدين والأخلاق وغيرها ـ هي شأن خاص ما دامت وجهات النظر بصددها لا تعيد النظر في العقد المشترك .
  • وتتضمن هذه الحداثة وهذا الشغف بالديموقراطية تناقضا جوهريا يشغلها ويزودها بديناميكية لا تتوقف : » … إن فكرة تساوي البشر وكونيتهم التي تعلن البورجوازية أنها أساس لها ، والتي هي جديد إسهامها هي فكرة منفية بشكل ثابت جراء التفاوت واللامساواة في الملكية والثروات « . ومن زاوية النظر هاته فإن فكرة المساواة ” تشتغل كمتخيل للمجتمع البورجوازي ” لا يمكن بلوغه وتحقيقه بطبيعة الحال ، ولكنه أساس اتهام هذا المجتمع . إن مسار الثورة الفرنسية الصانعة حقيقة للمجتمع البورجوازي تضمن في ديكتاتورية روبيسبيير التعبير عن التنازع التعادلي و ” التوتاليتاري ” للمجتمع الجديـد . وهكذا ، فإن المواجهة التي تبلورت منذ البداية في أصل الثورة الفرنسية في ما بين المنادين بالمساواة والليبراليين ستسم القرنين التاليين .
“إن فكرة تساوي البشر وكونيتهم التي تعلن البورجوازية أنها أساس لها ، والتي هي جديد إسهامها ، هي فكرة منفية بشكل ثابت جراء التفاوت واللامساواة في الملكية والثروات”
  • إن رد الفعل المنادي بالمساواة ، والذي سيتضخم بقوة طوال القرن 19 بأوربا سيطالب بالثورة الفرنسية ، وبالأخص بحقبتها الديكتاتورية . الاشتراكية أولا ثم الشيوعية التي تشكل جزءا منها ستعتمدان معا هذه الحقبة كمرجعية لهما . أما البورجوازية الفرنسية ومعها عدد من المالكين بأوربا وخارجها فستتحرك في رد فعل على النقيض من ذلك ضد ” المنادين بالاقتسام ” المصدومين نفسيا بفعل ذكرى الثورة . وبالمقابل ، وبالنسبة للأنجلو سكسونيين ، فإن المذهب النفعي استطاع أن يشكل ” ضمانة فلسفية للرابطة الاجتماعية ” . وقد قدرت عدد من الشرائح الأوربية الحاكمة انطلاقا من القرن19 أن الديمقراطية الليبرالية الحديثة تعرض المجتمع لخطر تحلل دائم كنتيجة للنزعة الفردية التي تؤدي إلى تذرير أفراد المجتمع ( تحويله إلى ذرات فردية ) ، ونتيجة عدم اهتمامهم بالشأن العام وإضعاف السلطة محدثة بذلك الضغينة والبغضاء في ما بين الطبقات .
  • وما عدا إنجلترا وأمريكا فقد شهدت أوربا بذلك طوال القرن19 ازدهار غضب ثوري مناهض للبورجوازية والرأسمالية شكلت الماركسية وادعاءاتها العلمية أحد مرتكزاته الأساسية .

1.حرب 14 – 18 أم الشيوعية والفاشية؟..

  • لقد استكانت وهدأت العاطفة الثورية في نهاية القرن 19 وفقدت فكرة ” المساء الأكبر ” المسيحية ؛ فكرة الإطاحة بالرأسمالية ، الميدان حتى لدى ماركسيي الأممية الثانية : بيد أن حرب 18-14 ستنتهي بظهورها ثانية بصيغة مزدوجة : شيوعية وفاشية ؛ وذلك بنسب لم يتم بلوغها أبدا في السابق . لقد زعزعت هذه الحرب الواقع السياسي بشكل لا يصدق ، وكذا الحدود والعقليات والأخلاق حتى لدى الذين ظلوا على قيد الحياة . وسيتمخض الصراع عن ميلاد الشيوعية والفاشية كصيغتين لرد الفعل على الحرب والديموقراطية .
  • وستشتغل الثورة الروسية كيوتوبيا معبئة قوية : فما دامت المصداقية قد سقطت عن النزعة الوطنية ” الديموقراطية ” ، فإن الثورة الاجتماعية المفروض أنها انطلقت بروسيا وفرت في ذلك الحين الأسطورة الكونية التي ستلتصق بها فئة من قدماء الأحزاب الاشتراكية ـ الديمقراطية وعدد من المثقفين . وستجدد الثورة الروسية العهد على المستوى الميثولوجي وبدرجة أعظم ضخامة وكبرا إلى جانب مع ابتكار الثورة الفرنسية . وكهذه الأخيرة فإنها ستتأسس على ” نمط يعطي الأولوية للتغيير وعلى فكرة الإرادة الإنسانية وعلى تصور مسيحي للسياسة ” .

2.أكتوبر والعاطفة الثورية

  • إن الحرب بالنسبة لفرانسوا فوري وفرت أيضا ظروف ميلاد الفاشية التي ستتبلور كرد فعل خصوصي ضد الديمقراطية ، وكإضافة لرد الفعل ذي النزعة الكونية لدي البولشفيكيين . ومع ذلك ففي ما بين هاتين ” النظريتين السياسيتين العلمانيتين ” فإن تفوق الماركسية اللينينية ارتبط في المقام الأول بنظرية ماركس ( التي لا تقبل أن تعادل مع غيرها حسب فرانسوا فوري ) وكونيتها التي رفعتها بذلك إلى مصاف الديمقراطية . أما الفاشية فلم تستدع من جهتها لتكسير النزعة الفردية البورجوازية ” إلا شرائح من الإنسانية ” : الأمة ، السلالة . وفرانسوا فوري يقدم هنا أحد مفاتيح تعلق عدد من المثقفين بالشيوعية ، وذاك تعاطف لم تتمتع به الفاشية ، وهو يستند لهذا الغرض على مسارات الذين بددوا أوهام الشيوعية : من بوريس سوفارين وبيير باسكال ، وهما مناضلان من مناضلي الفترات الأولى ، إلى مثقفي الثلاثينيات مثل ه.ج ويلز أو أندريه جيد اللذين أدركا من خلال مساراتهما وكتاباتهما حقيقة الشيوعية . وقد أخذ في حسبانه أيضا بعض المؤمنين بها مثل جورج لوكاش الذي تفحص حياته النضالية وتراجعاته . كل هذا أعطى تركيبات ثاقبة مثل هذا التركيب : ” . . . في معرض المعتقدات السياسية التي تحتل مكانة شاسعة في فكر المعاصرين شكلت الشيوعية مشروبا روحيا قويابشكل خاص من حيث محتواه الإيديولوجي ، لا فقط بفعل مقاومته للتجربة : فتلك سمة مشتركة لجميع القناعات المناضلة والمتمنعة بشكل كبير عن اختراق الوقائع لها ، و لا بفعل طول عمر استثنائي : فالإيمان الشيوعي ينفقد أو يتكسر أكثر في الغالب من أي معتقد سياسي آخر إذا ما اعتمدنا كمعيار للحكم عليه الملايين من قدماء الشيوعيين الذين أنتجهم هذا القرن . و ما تمتلكه الشيوعية بشكل خاص من سمو ورفعة من حيث درجة الاستثمار السيكولوجي يتأتي من كونها تبدو موحدة وجامعة لكل من العلم والأخلاق ، وهما نظامان من نظم العقل مستخلصان من عوالم مختلفة ومتضايفان بشكل معجز . وعندما يعتقد المناضل أنه ينجز قوانين التاريخ فإنه يعارك أيضا أنانية العالم الرأسمالي باسم كونية البشر ، إنه يعلل عمله بضمير صاح من نوع جديد مشاد به كفضيلة مدنية ومماثل مع ذلك للنزعة الدنيوية البورجوازية التي يكرهها : فلم يعد لقلق العيش من سيطرة عليه . [ .. ] وقد اعتقد كل الشيوعيين بشكل مستقل عن استدلالهم وعن مساراتهم أو يعتقدون أنهم يحيون مقدما حالة تصالح الإنسان مع ذاته عينها ” ، ويعتقد فرانسوا فوري أن لوكاش بالضبط ” انطلاقا من هذا التطمين الإلهي كلية لم يستطع مطلقا هجران الألم واللذة ” .
  • لقد أمسك الحزب البولشفيكي بزمام السلطة باسم الطبقة العاملة في روسيا المهزومة عسكريا ، والفكرة السائدة حينذاك كانت هي أن هذه ” الحرب ـ الانتحار ” ستنجب بالضرورة ثورة اجتماعية . وقد تحدث لينين متنبئا ـ بشكل خاطئ ـ بما يلي (2) : »إن عشرات الملايين من الجثث أومن مشوهي الحرب المخلفين من طرف حرب شنت من أجل تحديد إلى أي فريق ـ إنجليزي أو ألماني ـ من قطاع الطرق الماليين سيعود الجزء الأعظم من الغنيمة ، ثم إن معاهدتي السلام الاثنتين تفتح الأعين بسرعة لا سابق لها لملايين وعشرات الملايين من الناس المقموعين والمسحوقين والمخدوعين والمستغفلين من قبل البورجوازية . وكعاقبة للدمار الكوني الناجم عن الحرب فإننا نرى بذلك وهي تكبر أزمة ثورية عالمية مهما كانت مفاجئاتها وتحولاتها طويلة وشاقة فإنها لا يمكن أن تنتهي بأيشكل آخر ما عدا عن طريق الثورة البروليتارية وانتصارها     «. أكيد أن الكبوات بألمانيا وهنغاريا واستيلاء الفاشيين على السلطة بإيطاليا أشارت بسرعة إلى لثورة العالمية لن تقع ، ولكن لينين وخلفاءه سيتمادون في التشبث بهذا الاعتقاد .
  • لكن الثورة الروسية ، كما يذكر بذلك فرانسوا فوري ، كانت أيضا آسرة بفعل أسباب أخرى غير تعميمها الضروري الوشيك ؛ ففي فرنسا على سبيل المثال أحالها أصلها اليعقوبي جذابة بداخل الدوائر الاشتراكية وحتى لدى رابطة حقوق الإنسان . كثير من الناس ، إن لم يكن الجميع ، صفح عنها باسم الضرورة التي وجدت الثورة الفرنسية ذاتها بداخلها لمواجهة أعدائها ـ وتلك أسطورة مؤسسة لليسار الاشتراكي والجمهوري ـ . وبرنسا خاصة تم اعتبار الثورة الروسية مماثلة للثورة الفرنسية ، ولم يتم أبدا إجراء أي فحص حقيقي للواقع السوفياتي ، وهذا يفسر فضلا عن ذلك لماذا لم يمسس عرض الوقائع القناعات التي استندت على مبررا وتصورات أخرى .

3.الثورة الدائمة ببلد واحد

  • حزب لينين بالسلطة ، وهو يريد تأسيس مشروعيته على ” معرفة بقوانين التاريخ ” لا على انتخاب من طرف الشعب ، وبذلك تمت إعادة التأكيد على ديكتاتوريته ، إن لم تكن تضخمت عندما انتهت ظروف الحرب سنة 1922 . وقد شكل ستالين واحترف ديكتاتورية لم يكن لفعاليتها القاتلة سابق انطلاقا من انتصاره النهائي في حضن الحزب البولشفيكي سنة 1927 . وخلال ما يقارب أربعين سنة ستتغذى ديكتاتورية الحزب التي تزايدت شراستها على الخوف من الاعتداء الإمبريالي أولا ثم الفاشي في ما بعد . وستتدخل هذه الأخيرة فضلا عن ذلك سنة 1941 بأمر هتلر الحليف اللحظي للاتحاد السوفياتي والذي لم يكن ستالين يعتقد حينذاك أن سينقلب ضد روسيا . أما بالنسبة للباقي ، فقد استخدم الوهم المتخيل من أجل التنشيط الدائم للديناميكية الثورية . وقد شكل الاعتداء الخارجي بصيغته التآمرية واستعداداته الحربية المفتوحة أو السرية الخيط ” الأحمر ” لسلوك الحزب البولشفيكي في ما يتعلق بعمليات التطهير الداخلية وذبح الشعوب ونفيها كما هو الشأن بخصوص أهداف بناء المجتمع الجديد .
  • كل سياسة ستالين وجهت لتحاشي وهن السيرورة الثورية ؛ فاستدعى شبحا ترميدوريا روسيا ( الترميدوريون : جماعة من النواب اتحدوا ليضعوا نهاية لديكتاتورية روبيسبيير ، والترميدور أيضا هو الشهر الحادي عشر من السنة الجمهورية على عهد الثورة الفرنسية ) بالانطلاق في مزايدة منهجية ، لكنها مكيفة بالإيديولوجيا الثورية : فمن أجل تحاشي الثورة المضادة يجب الاستمرار والإمعان في الثورة . والأكثر أسرا وجاذبية حسب فرانسوا فوري ليس فقط قدرات الرعب التي توصلت إليها ديكتاتورية الحزب الشيوعي (3)وإنما استمرار عملية الانخراط أو التعاطف وخاصة انخراط وتعاطف المثقفين . وكشهادة على ذلك المناظرة المنظمة من طرف رابطة حقوق الإنسان سنة 1973 في موضوع محاكمات موسكو التي انتهت المناظرة إلى سلامة إجراءاتها . وبفضل كتابات منشقين وشهادة أندريه جيد أمكن أن نعرف حقيقة وضعية التطهير التي كشفت عنها محاكمات الثلاثينيات والتي نددت بها كتب ككتاب أنتي سيليغا سنة 1938 والمعنون ب: ” في بلد الكذبة الكبرى ” . ومع ذلك فإن الأساسي في ردود الأفعال المدافعة عن الاتحاد السوفياتي في تلك اللحظة جاء من طرف التحالف المضاد للفاشية ( المثقفون الشيوعيون ـ أراغون ، نيزان ، وورمسر ـ المتعاطفون ورفاق الطريق ـ رومان رولان ، بول لانجفان ، بيير جوليو – كوري ، مالرو ـ كانوا حينها قليلي العدد ) .
  • وقد فصل فرانسوا فوري أيضا مواقف السورياليين ؛ لدى إيمانويل مونيي ومثقفي اليسار الكاثوليكيين لدى جورج باطاي أو كتاب مأخوذين بالمذهب التوتاليتاري كدريو لاروشيل . ويؤشر منذ البداية على موقف ريمون آرون الأصيل : ” على مستوى الفكر الفكر متيقظ اتجاه الجدة الجذرية في ثورات القرن العشرين وحامل لفهم للتاريخ يدين أكثر لفيبر أكثر مما يدين للترجمة الديمقراطية الثورية الفرنسية ، وعلى المستوى السياسي ديمقراطي أكثر منه جمهوري ، إصلاحي بالزائد بالنسبة لليمين ، وأكثر معاداة للخطاب المضاد للفاشية بالنسبة لليسار ، وبالنسبة للإثنين ثاقب البصيرة بالزائد بالنسبة للحرب القادمة ” .
  • إن موقف المثقفين الأوربيين ( الفرنسيين في غالبيتهم ) اتجاه الشيوعية أجاب على ظهور الفاشية والأوجه المتقلبة ، ولو أنها كانت دائما متماسكة ، للسياسة التي انتهجها ستالين . وستشكل الحركة لمضادة للفاشية ، ما عدا خلال المعاهدة الألمانية ـ السوفياتية من 1939 إلى 1941 خط معركة أساسي للحركات الشيوعية . ولكن عم كان يدور الحديث ؟ .. يذكرنا فرانسوا فوري بأنه في اللغة الشيوعية لتلك الفترة وخلال فترات طويلة وفي مناسبات عديدة اعتبر كل أولئك الذين لم يكونوا شيوعيين فاشيين أو ” عملاء ” لهم : وبالأخص الاشتراكيين ـ الديمقراطيين ، ومن عايش إلى حدود سنة 1935 إقامة سياسة الجبهات الشعبية ، فإن عقيدة الكومينتيرن كانت تتمثل في أن الفاشية تشكل تمهيدا للثورة البروليتارية في الوقت نفسه الذي تشكل فيه آخر درع واق للبورجوازية . وانطلاقا من سنتي 35-1934 ، ولأسباب جيوبوليتيكية وداخلية بالاتحاد السوفياتي لايفصله فرانسوا فوري ، كان الحدث هو أن السياسة تغيرت وأن السياسة المضادة للفاشية اتخذت هيئة الجبهات الشعبية . السبب الأساسي الذي تم شرحه مطولا في فقرة حول الحرب الإسبانية كان هو التقليل من التهديد الواضح منذ ذلك الحين والذي أثقلت به ألمانيا النازية على كاهل روسيا من خلال ” شلها ” عن طريق متابعة الحرب المدنية من جهة وتقوية إرادة دخول المعركة لدى الديمقراطيات من جهة أخرى .

4.انتصار ستالين

  • سيمحو انتصار الجيش الأحمر سنة 1945 خزي المعاهدة الألمانية ـ السوفياتية لسنة 1939 ، كما لو أن الأمر قد تم بمعجزة ، وسيمكن هذا الانتصار من الانتشار الأقصى للشيوعية بفضل الاحتلالات العسكرية . وقد أصبحت معاداة الفاشية منذ ذلك الحين قاسما مشتركا بين الديمقراطيات والشيوعية ، وهذا سيشكل بالنسبة لهذه الأخيرة وسيلة إغراء إضافية ؛ وذلك لأنها تزعم أنها علاج جذري ـ لكونها مضادة للرأسمالية ـ لأشكال الجنوح الفاشي لما بعد الحرب التي أدانتها غالبا . الرعب الناجم عن الوحشية النازية ، والاندماج في معسكر المنتصرين سيشكلان مبررات إضافية كي لا تقدم الشيوعية السوفياتية لأحد ، وتستطيع على العكس من ذلك أن تتطور : ” في حالة ضعفه كان الاتحاد السوفياتي محبوبا كقضية مهددة ، أما في حال قوته فهو يجامل بنفاق كقدر لا يمكن تحاشيه ” ، لقد كانت الإيديولوجية الشيوعية تحيا حينها أزهى أيامها .
  • خر وتشوف ، محو آثار الستالينية ، ثم احتضار الاتحاد السوفياتي البطيء ، لم تثر كلها إلا قليلا من اهتمام فرانسوا فوري الذي لم يخصص لها إلا عشر صفحات . إلا أنه يشير مع ذلك إلى موقف الأنتلجنسيا : ” . . . إذا كان الاتحاد السوفياتي قد فقد بشكل نهائي خلال العشريتين الأخيرتين من وجوده امتياز النموذج الكوني المفرط ، فإنه يظل محميا بفعل ما تبقى نسبيا في كل مكان من وعده الأصلي . إن إفلاس طموح أكتوبر المعترف به من طرف الجميع لم يطفئ كل الطموح الشيوعي ” .

5.هل يمكن تصور الإيديولوجيا بدون تنظيمات

  • إن المؤاخذة الكبرى التي يمكن توجيهها للكتاب تتعلق بالاستقلال الذاتي الذي يقبله فرانسوا فوري للإيديولوجيا في علاقتها بالتنظيمات الحاملة لها . إن استخدام كتابات وأفعال المثقفين كمقياس أساسي لقياس قوة الوهم والتمثلات الشيوعية شيء يدعو للاستغراب . والسؤال الذي يظل مطروحا على طول الكتاب هو : هل يمكننا أن نفهم تاريخ الشيوعية بدون أن نتساءل عن طريقة اشتغال التنظيمات ـ والحزب البولشفيكي على رأسها ـ و لا أن نتساءل عن الروابط التي أقامتها في ما بينها الحركة العمالية والنقابية والعقيدة الشيوعية ؟ .. إن الجواب هين ؛ نعم إذا ما حكمنا عن طريق خصوبة القصد الذي تمثل في إعادة تسجيل الشيوعية والفاشية في التاريخ الطويل لظهور الديمقراطية واللتان شكلتا معا ردود فعل رهيبة عليها . لا إذا ما تعلق الأمر بفهم المسار الملموس لتغيرات التوجه السياسي أو بتفسير الإيديولوجيا في ما وراء ستالين وامتداداته في جهات عديدة من العالم . إن التحليل الأكثر تفصيلا لاشتغال قوة عطالة الحزب الشيوعي على سبيل المثال ستكون نافعة في هذا المنظور . إن كوني الشيوعية هو بكامله ، بالنسبة لفرانسوا فوري ، داخل حلمها المسيحــي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش :
(1 روبير لافون ـ كالمان ـ ليفي ، 1995 . أنظر أيضا ” الشيوعية والفاشية في القرن العشرين89 ، مارس ـ أبريل 1996 . ” لوديبا ، رقم
(2 مقدمة طبعة ” الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية أرمان كولان ، 1995 . ” مذكور من قبل مارك نوشي ، ” القرن العشرون “
(3 هذه القدرة كانت مع ذلك استثنائية إذا ما صدقنا جي ريشار ما دام مجموع الخسائر البشرية بالاتحاد السوفياتي ما بين 1953-1918 ، وبتقديرات دنيا ، حاذى ما بين 36 و 40 مليونا … ( التاريخ اللاإنساني1993 ) . ، جي ريشار ، أرمان كولان ،
Advertisements