Tag Archives: الاقتصاد الخالص

الاقتصاد الخالص

أنسقة رياضية مزعومة للأسواق السيبرنتيكية

الاقتصاد ” الخالص “، شعوذة جديدة

د. سمير أمين

بقلم : د. سمير أمين .

عن لوموند ديبلوماتيك ـ غشت 97

هي سمة عامة لكل النزعات التوتاليتارية تتمثل في إلصاق صفة العلم بما هو إيديولوجي ؛ فالاقتصاد المنعوت بأنــــــــــه “خالص” يسمح بإضفاء رداء جامعي على أعلى قمم النزعة الليبرالية. و لا يضير ذلك في شيء ما دام الاقتصاد مفصولا عن الواقع كما هو شأن كل خرافة، فهو لا يستخدم إلا كذريعة. إن أسطورة السوق المتميزة بالكمال والمقصودة بذلك، تمكنت مع ذلك من تجديد شبابها بفضل مشروع السيد كلينتون المتمثل في تحويل الآنتيرنيت إلى رحبة ( Agora ) تجارية كونية في خدمة المصالح الأمريكية.

يُدرّس بالجامعات الأمريكية مبحث عجيب يدعى اقتصادا “خالصا” أو ” الاقتصادي économique” . اقتصادي كما نقول فيزياء physique. ولكن ، على حين أن أن المسعى العلمي يتبلور من خلال الانطلاق من الواقع فإن الاقتصادي، من وجهة نظر متطرفيه، يبنى انطلاقا من موقف مبدئي سرعان ما يدير له ظهره: فهو يتصور المجتمع مختزلا في مجموع أفراده الذين يكونونه، وهو بذلك يتعمد تجاهل أن المجتمع الواقعي بناء أكثر تعقيدا، بناء تتواجه بداخله جماعات اجتماعية، أمم، دول، شركات كبرى، مشروعات مجتمعية، قوى سياسية، دينية وإيديولوجية . . . الخ .

هل يمكننا تخيل علم طب يروم إعادة بناء وظيفة الجسم الإنساني انطلاقا فقط من العناصر الأساسية التي تشكل الجسم ـ الخلايا ـ ويتجاهل وجود أعضاء كالقلب أو الكبد ؟ .. إننا نحمد الله على أنه ـ بخصوص صحتنا البدنية ـ لم يفبرك الأطباء طبا “خالصا”. بالنسبة للنماذج الأكثر تعقيدا والمعبرة عن تفاعل الخلايا، يعتبر احتمال إنتاج شيء ما شبيه بالجسم الإنساني احتمالا قويا تقريبا بالفعل، أكثر من احتمال رؤية قرد أمام لوحة رقانة حاسوب يكتب المؤلفات الكاملة لفيكتور هيجو. كما أن احتمال تحقيق توازن عام بفضل المواجهات في السوق، بالنسبة لستة ملايير كائن إنساني تقريبا، هو من نفس درجة القوة والكبر ! يقوم إذن مقام البحث عن تفسير عقلاني للواقع الاقتصادي، ومنذ البداية، بناء لعقلانية أسطورية .

لا ينكر الاقتصادي أن الإنسان كائن ذكي، وأنه يحدد سلوكاته بالنظر للاعتقاد الذي يكونه عن ردود أفعال الآخرين، لذلك فهو مطالب إذن ببناء نموذجه لا انطلاقا من إكراهات عقلانية تبسيطية وفورية ــ سأشتري أكثر إذا انخفضت الأثمان ــ ولكن انطلاقا من عقلانية تُوسِّط مسبقات ردود أفعال الآخرين : سأتعفف عن الشراء إذا كنت أعتقد أن الثمن سيستمر في الانخفاض . وهو حين يدعي جهله بأن المجتمع ـ أبعد من أن يكون مفبركا من طرف قوى خارجية ـ ينتج ذاته بذاته ، فإن الاقتصاد “الخالص” الذي يمارسه بعض الجامعيين يلزم نفسه بذلك بتكذيبه الخاص بإقحام مفهوم المسبق، وهو ما ينتهي إلى الاعتراف بأن الشخص، المتناول من طرفه باعتباره حقيقة موضوعية، هو نفسه ذات صانعة لتاريخها.

ومن هنا المعضلة الناجمة عن هذا الخيار لصالح نزعة فردانية ميتودولوجية : فكيف تمكن البرهنة على أن تفاعل سلوكات الأفراد ـ المدمجة ( المتضمنة ) فوق ذلك للمسبق ـ توازنا واحدا فقط يمكن وسمه ( بواسطة أثمان، توزيع المداخيل، معدل البطالة ) ؟ .. إن الرياضيات، باعتبارها أداة، تستخدم لهذه الغاية .

إلا أن الرياضيات تبرهن على أن نسقا من المعادلات من هذا النوع لا يقبل حلا. وهو يمتلك بعض الحظوظ، بعدد كبير من الفرضيات كي يكون غير محدد ( لامتناهية من الحلول ) وبعدد إضافي آخر أيضا من الفرضيات كي يكون محددا ( حل واحد ووحيد ).

إن أنصار الاقتصاد ” الخالص” سيذهبون إذن إلى انتقاء الفرضيات التي هي ” على المقاس ” لكي يتوصلوا إلى النتيجة المطلوبة وبغاية حرق كل مرحلة من مراحل برهنتهم المزعومة ، سيذهبون إلى اختلاق الخرافة الملائمة. إن الخرافات تنسب بالفعل عموما للحيوانات سلوكات معقولة لتحقيق هدف محدد بدقة هو : إلغاء الأخلاق من التاريخ. إن الاقتصادي مبني كلية على أساس هذا النموذج.

إن الخرافة المركزية والضرورية لبرهنته تتمثل في أحجية المنافسة المتسمة بالكمال التي تفترض مركزة كل العروض والطلبات. والغريب في هذا النموذج هو أن كل شيء يحدث كما لو كان هنالك مخطط مركزي ، بمعرفته التامة لسلوكات الست ملايير مسود ، يستطيع اتخاذ القرارات الخالقة للتوازن المطلوب ! أن الاقتصاد “الخالص” لدى الليبراليين يمكن الذهاب بفضله إلى استنتاج أن ال ” بيغ براودرز ـ الأخ الأكبر ” يشكل الحل لهذه المشاكل ، فتلك مسألة لا تخلو من فُليفِلة ! لكنه عند غياب هذا المخطط، فإن النسق سيتمحور في كل لحظة تبعا للنتائج الناجمة عن التدخلات الفعلية للأفراد الممارسة على الأسواق. سوق التوازن ـ المستحيل ـ سيكون نتاجا للمسار ـ بمعنى للصدفة أكثر منه نتاجا للسمات المحددة لعقلانية الفاعلين.

وباستدعاء نظرية Théorème سوننشين Sonnenchein (1) قطّع الرياضيون الحقيقيون كجيورجيو إسرائيل و دانيال جيريان (2) الخداع المركزي للاقتصاد ” الخالص ” إلى أشلاء. وفي ما يتعلق خصوصا بالمسألة التي لها الأولوية في عصرنا ـ مستوى التشغيل ـ فإن التوازن العام، على فرض أن معجزة ما تسمح بتحقيقه، لم يوفر لنا قطعا أي جواب . وبإرجاعهم تلقائيا البطالة إلى كلفة الشغل المرتفعة على حد زعمهم، فإن أنصار الاقتصاد “الخالص” يجهلون بألمعية أنه بداخل منطق نظامهم ذاته سيحول تغيير كيفما كان للأجور كل معطيات التوازن العام .

في نفس السياق، تقرر النزعة النقدية، وهي آخر صيحة من صيحات الاقتصاد الخالص” أنه يمكن تحديد مبلغ العرض النقدي بحرية من طرف البنك المركزي. إلا أن تحليلا أوليا للإصدار النقدي يوضح بخلاف ذلك أن النقد ليس بضاعة كالبضائع الأخرى، كلما كان عرضه محددا من قِبل الطلب، هذا الذي تتوقف عليه جزئيا نسب الفائدة.

فضلا عن ذلك فقد تبين أن الأبناك المركزية التي يرجى لها تسيير “مستقل” ( عن من ؟ .. ) بدعوى أنها ستحوز سلطة سحرية لتثبيث العرض النقدي، غير قادرة على ممارسة هذا الدور بكل بساطة لأنه خارج متناولها: فبفعل اختيار نسبة الفائدة تستطيع فقط أن تؤثر ــ أيضا بشكل جزئي وغير مباشر ــ على الطلب النقدي لا على عرضه. لكن حينها، كيف يُجهل أن الاختيار يؤثر بدوره على مستوى النشاط ( بفعل الاستثمارات ، الاستهلاكات المؤجلة . . . الخ ) وإذن على كل معطيات التوازن ؟ .. ورغم ذلك فإن ترهات نزعات نقدية كهاته ساوت جائزة نوبل بالنسبة لميلتون فريدمان .

غدا ، سنحْلِق الذقون مجانا

لقد تبين أن الاقتصاد “الخالص” ليس إلا علم خوارق أبعد أيضا ما يكون عن علم العلم الاجتماعي كما هو حال بعد علم نفس الخوارق عن علم النفس. وككل علوم الخوارق الأخرى، بمستطاعه إحداث كل شيء ونقيضه: ” قل لي ماذا تريد، وسأصنع لك النموذج الذي يبرره ” . إن قوته تكمن في توفيره ساترا يمكن لسلطة أن تخفي خلفه أهدافها الحقيقية ـ المختارة أو المتكبدة ـ كاستفحال البطالة وتعاظم التفاوت بخصوص توزيع الثروات. ولأن أهدافا كهاته يصعب إعلانها ، فإنه تجدر “البرهنة” على أنها لا تشكل إلا وسائل انتقالية ومرحلية تقود نحو النمو والتشغيل التام، الخ .. . فغدا سنحلق ذقوننا مجانا.

ولأنه لا يمتلك أي أساس علمي فإن الاقتصادي لا يعبئ لخدمته إلا الرياضيين الهواة، كما تفعل الباراسيكولوجيا مع علماء النفس الباهتين. أليس ذا معنى أن هذا “العلم” يستخدم كثرة من الرياضيين دون المتوسط (ضعاف المستوى) الذين لا يقبلهم أي مختبر فيزيائي يحترم نفسه ؟ .. هنا يفرض ذاته التوازي بين العلم والسحر .

إن الساحر أيضا يقدم استنتاجاته بإلباسها جملا ذات ظاهر معقول. ولكي يكون مقنعا يتوجب عليه أن يتحدث في سياق كلامه عن حد أدنى من الأشياء المعقولة ذات المعنى. إن الساحر الأكبر، الأعلى ذكاء، يعرف بالضبط ماذا ينتظر منه الحاكم، ولذلك يفعله. إن الاقتصاد “الخالص” يؤدي وظائف مشابهة في مجتمعات مستلبة من طرف الاقتصاد، وذلك بفعل مناهج متطابقة في المقام الأول مع مذهب باطنية اللغة : لغة رياضيات الخردة المخصصة للاستعمال الخاص للذين ليسوا رياضيين .

وكما هو الحال في ميدان الشعوذة والسحر ، تحتل الطوائف والشيع الميدان؛ يجتمع صغار المشعوذين خلف شيوخ ساهرين على تنظيم انتعاش نحلهم. وليس صدفة أبدا إذا انتشرت في نفس الآن نحل الاقتصاديين المنتجين لخطاب ليبرالي ـ جديد متغطرس ، وكذا طوائف مشعوذي العلم الخارق البارابسيكولوجي، فالانتشار في كلتا الحالتين هو سعي من أجل احتيال فكري حقيقي .

هـوامش :

(1 نظرية سوننشين تبرهن على استحالة استنتاج أشكال منحنيات العرض والطلب انطلاقا من سلوكات مقعدة للسلوك .

(2 جيورجيو إسرائيل Giorgio Israel ، ترييض الواقع ، لوسوي ، باريس 1996 ؛ دانيال جيريان Daniel Guerrien،

3) الرياضيات الكلاسيكية الجديدة ، لاديكوفيرت ، مجموعة ” معالم ” ، باريس 1996.

Advertisements