Tag Archives: أسطورة العولمة

أسطورة ” العولمة ” والدولة الاجتماعية الأوربية°

  • بقلم  : بيير بورديو
  • عن كتاب : نقيض ـ نار [مطفأة الحريق]

نسمع اليوم كلاما يقال في كل مكان ، ــ وذاك هو ما يشكل قوة هذا الخطاب المهيمن ــ ، مفاده أن لا شيء يمكن أن يقف موقف المعارض للمنظور النيوليبرالي الذي نجح في أن يقدم نفسه كمنظور بديهي لا بديل له أو عنه . وإذا كان لهذا المنظور كل هذا الانتشار ، فلأن هنالك مجهودا  بكامله للغرس والترسيخ الرمزي ساهم فيه بفعالية كل من الصحافيين أو المواطنين العاديين ، وخاصة وبنشاط ، عدد معين من المثقفين . ضد هذه السيطرة المفروضة دوما ، المخاتلة والمخادعة ، والتي تنتج عن طريق التشرب والاختراق اعتقادا حقيقيا ، يبدو لي أن للباحثين دورا يلعبونه في هذا الإطار ؛ فهم يستطيعون أولا تحليل كيفية إنتاج وتغلغل هذا الخطاب : وهنالك انشغال متزايد أكثر فأكثر بإنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا بالوصف  الدقيق للإجراءات التي يتم وفقها إنتاج وترويج هذه النظرة للعالم ، وعن طريق سلسلة من التحاليل التي تنسحب في نفس الآن على النصوص والمجلات التي تم نشر هذا الخطاب وفرضه بها رويدا رويدا باعتباره مشروعا ، وكذا عبر الخصائص المميزة لكتابها واللقاءات التي يجتمع من خلالها هؤلاء الأخيرون من أجل إنتاجه . . الخ ، فإن هذه الأشغال أوضحت ، بإنجلترا وفرنسا ، كيف تم إنجاز عمل دائم أشرك لهذا الغرض مثقفين ، صحافيين ورجال أعمال ، من أجل فرض منظور نيو ليبرالي يبدو كما لو أنه ينطلق من ذاته ، منظور يُلبِس من حيث الجوهر العقلنات الاقتصادية الافتراضات الأكثر كلاسيكية للفكر المحافظ لكل الأزمنة ولكل البلدان . إنني أعني بهذا دراسة حول دور مجلة Preuves تم ترويجها ، وهي الممولة من طرف الـ CIA ، من طرف كبار المثقفين الفرنسيين ، والتي خلال ما بين 20 إلى 25 سنة ــ إذ يحتاج الأمر إلى وقت حتى تتحول بعض الأشياء الخاطئة إلى أشياء سليمة ــ أنتجت بدون هوادة ، وضد التيار في البداية ، أفكارا تحولت رويدا رويدا إلى أفكار واضحة (1) . ونفس الشيء حدث بإنجلترا ؛ فالنزعة التاتشرية لم تعرف ميلادها مع السيدة تاتشر ، بل تم إعدادها منذ مدة طويلة من طرف جماعات من المثقفين الذين كانت لديهم ، في غالبيتهم ، منابر بكبريات الجرائد (2) . وأول مساهمة كانت ممكنة للباحثين تمثلت في العمل على نشر هذه التحليلات بصيغ يمكن للجميع الوصول إليها والاطلاع عليهــا .

إن عملية فرض هذه الأفكار التي ابتدأت منذ مدة طويلة لا زالت مستمرة إلى اليوم ؛ فيمكننا أن نلاحظ بانتظام في كل الجرائد الفرنسية ، بشكل متعاقب كل بضعة أيام ، مع بعض التنويعات المرتبطة بموقف كل جريدة على حدة في عالم الجرائــد ، وكما ولو أن الأمر يتعلق بمعجزة ، معاينات وإفادات حول الوضعية الاقتصادية المبهرة للولايات المتحدة وإنجلتـــرا . هذا الضرب من القطرة ـ قطرة الرمزي الذي تساهم فيه النشرات المكتوبة والمتلفزة بصورة كثيفة ــ بشكل لاشعوري في الجزء الأعظم منه لأن غالبية الناس الذين يكررون معطياته يقومون بذلك بشكل برئ ــ يُحدث تأثيرات عميقة الغور ، وهكذا ، وفي نهاية المطاف تقدم الليبرالية الجديدة ذاتها تحت يافطة ما لا يمكن تحاشيه وما ليس منه بد .

ما يتعلق الأمر به هنا هو مجموع من الافتراضات يتم فرضها باعتبارها تنطلق من ذاتها : حيث يتم الاعتراف بأن النمو الأقصى ، وإذن الإنتاجية والمنافسة ، هما الحد النهائي والأوحد للنشاطات البشرية ؛ الحد الذي لا يمكن عنده مقاومة القوى الاقتصادية ، أو أيضا ، وهو افتراض يؤسس كل افتراضات الاقتصاد ، عنده يتم إحداث قطيعة راديكالية في ما بين ما هو اقتصادي وما هو اجتماعي ، هذا المتروك على الهامش والمتخلى عنه للسوسيولوجيين كشكل من أشكال البقايا والمهملات . افتراض مهم آخر يتمثل في المعجم اللغوي الذي يجثم علينا ، القاموس الذي نمتصه حالما نفتح جريدة ما ، حالما نستمع لمحطة إذاعية ، والمصنوع في جوهره من نزعة تلطيف الكلام .

إنني للأسف لا أمتلك مثالا يونانيا ، لكنني أعتقد بأنكم لن تجدوا عناء في العثور عليه . على سبيل المثال بفرنسا لم نعد ننطق أبدا كلمة ” الباطرونا ” ، إذ نقول بدل ذلك ” القوى الحية للأمة ” ؛ و لا نتحدث عن عمليات طرد من العمل ، وإنما عن ” dégraissage ” إزالة الشحم والترهل باستخدام مماثلة رياضية ( فجسم قوي صلد لا بد أن يكون نحيفا ) . وللإعلان عن أن مقاولة ستوظف 2000 شخصا فإن الحديث سيدور عن ” برنامج اجتماعي جرئ تنجزه شركة ألكاتيل ” . هناك أيضا لعبة بكاملها من المعاني الضمنية والترابطات في ما بين كلمات مثل مرونة ، ليونة وطواعية وخروج عن المألوف التي تنحو نحو جعلنا نعتقد أن الرسالة الليبرالية الجديدة رسالة للتحرير كونية النزعة  .

يتوجب في ما يبدو لي أن ندافع عن أنفسنا ضد هذه الدوكسا بإخضاعها للتحليل ومحاولة فهم ميكانيزماتها التي أنتجت وفرضت بها . لكن ذلك لا يكفي ولو أنه في غاية الأهمية ، إلا انه يمكننا أن نقابلها بعدد معين من المعاينات الأمبريقية . في حالة فرنسا ، شرعت الدولة في التخلي عن عدد معين من ميادين العمل الاجتماعي . النتيجة هي كم هائل من الآلام من جميع الأصناف والألوان لم يمسس فقط الأشخاص الذين ألم بهم الفقر المدقع وحدهم . ويمكننا أن نبين أن في جذر المشاكل الملاحظة في ضواحي المدن الكبرى سياسة ليبرالية جديدة للسكن أحدثت بتطبيقها في السبعينيات ( المساعدة ” للفرد ” ) ميزا اجتماعيا ببروليتاريته السفلى من جهة ، المكونة في جانب هام منها من المهاجرين ، والتي ظلت في كبريات المجموعات جماعية ، ومن جهة أخرى بالعمال الدائمين الحائزين لأجر قار والبورجوازية الصغرى اللذين يشكلان مكونا من مكونات هذه الطبقة في منازل فردية صغيرة اشتروها بقروض أحدثت لديهم إكراهات كبرى . إن هذه القطيعة الاجتماعية تم إقرارها بواسطة إجراء سياسي .

بالولايات المتحدة نشهد ازدواجية للدولة ، دولة تؤمن من جهة ضمانات اجتماعية ، لكن بالنسبة للمحظوظين المطمئنين كفاية بتأمينات وضمانات ، ودولة قمعية بوليسية بالنسبة للشعب . إن ولاية كاليفورنيا ، وهي إحدى أغنى ولايات الولايات المتحدة ــ وقد اعتبرت في لحظة معينة من قبل بعض السوسيولوجيين الفرنسيين جنة لكل الحريات ــ وأكثرها محافظة أيضــــا ، ولاية متمتعة بجامعة هي بدون شك من أكبر الجامعات في العالم ، وميزانية السجون بها هي أعلى  منذ سنة 1994 من ميزانية كل الجامعات مجتمعة . في هذه الولاية لم يعرف سود غيتو شيكاغو من الدولة إلا رجل الأمن ، القاضي ، حارس السجن و le parol officier  الناطق الرسمي ؛ أي ضابط تنفيذ العقوبات الذي يتوجب الحضور أمامه دائما بانتظام تحت طائلة العودة إلى السجن . إننا هنا بحضرة ضرب من ضروب إنجاز حلم المهيمنين ؛ دولة تتقلص كما أوضح ذلك لويك فاكانت أكثر فأكثر ويتم اختزالها إلى حد ممارسة وظيفتها البوليسية وحدها .

إن ما نراه بالولايات المتحدة وما ترتسم خطوطه الكبرى بأوربا هو سيرورة الانحطاط . عندما ندرس ميلاد الدولة في المجتمعات التي تشكلت لديها قبل غيرها كفرنسا وإنجلترا نلاحظ أولا تمركزا للقوة الفيزيائية وتمركزا للقوة الاقتصادية ـ الإثنان ينطلقان كزوج ؛ فلابد من المال للقدرة على خوض الحروب وللقدرة على ممارسة المهمة البوليسية . . الخ ، و لا بد من وجود قوة البوليس للقدرة على استخلاص الأموال . ثم لدينا تمركز للرأسمال الثقافي ، ثم تمركز للسلطة . إن هذه الدولة بالإيقاع الذي تتقدم به تحوز الاستقلال الذاتي وتضحي جزئيا مستقلة عن القوة الاجتماعية والاقتصادية المهيمنة . وتشرع الدولة في التحول نحو أن تصبح قادرة على تشويه إرادات المهيمن عليهم وتأويلها والإيحاء بالسياسات وإملائها أحيانا .

إن سيرورة نكوص الدولة تجعلنا نرى أن مقاومة عقيدة وسياسة الليبراليين الجدد هي أقوى بكثير في البلدان التي كانت فيها التقاليد الدولتية أقوى وأعمق ، وهذا يفسر بكون الدولة وجدت بصيغتين أو شكلين : وجدت في الواقع الموضوعي على صورة مجموع من المؤسسات كمؤسسات التنظيم والتقنين والمكاتب والوزارات . . الخ ، ووجدت في الأذهان أيضا ، فمثلا  في حضن البيروقراطية الفرنسية غداة إصلاح تمويل السكن صارعت الوزارات الاجتماعية الوزارات المالية للدفاع عن السياسة الاجتماعية في مجال السكن . لقد كانت لهؤلاء الموظفين مصلحة في الدفاع عن وزاراتهم ومواقعهم ، ولكن أيضا لأنهم كانوا يؤمنون بها ولأنهم كانوا يدافعون عن قناعاتهم . إن الدولة في كل البلدان هي في جانب معين العلامة الواقعية للفتوحات الاجتماعية ، إن وزارة الشغل هي على سبيل المثال فتح اجتماعي تحول إلى واقع ، حتى إذا كان يمكن أن تكون في بعض الظروف والملابسات أيضا أداة قمع . والدولة توجد أيضا في أذهان الشغالين على صورة الحق الذاتي ( ” هذا حقي ” ، ” لا يمكن أن تعاملوني هكذا ” ) ، على صورة التشبث ب ” المكتسبات الاجتماعية ” . . الخ . مثلا ، أحد أكبر الاختلافات في ما بين فرنسا وإنجلترا يتمثل في كون الإنجليز المتتشرين ( نسبة للسيدة تاتشر ) اكتشفوا أنهم لم يقاوموا بالشكل الذي كان بإمكانهم أن يقاوموا في جزئهم الأعظم لأن عقدة الشغل كانت عقدة ودية Common Low وليس كما هو الشأن في فرنسا اتفاقا مضمونا من طرف الدولة . واليوم بشكل مفارق ، وفي اللحظة التي يتم فيها بأوربا القارية مدح النموذج الإنجليزي ، في اللحظة ذاتها ينظر الشغالون الإنجليز إلى القارة فيكتشفون أنها توفر أشياء لا يوفرها لهم تقليدهم العمالي ، أي حق وقانون الشغل .

إن الدولة في الحقيقة واقع ملتبس . ولكن يمكن الاكتفاء بالقول إنها أداة في خدمة المهيمِنين . ليست الدولة بدون شك محايدة كليا ، مستقلة كليا عن المهيمنين ، لكن لها استقلالا ذاتيا هو من الكبر بقدر ما هو عريق ، بقدر ما أنها أقوى وأنها سجلت مدوِّنةً في بنياتها فتوحات اجتماعية أكثر أهمية . . الخ . إنها فضاء الصراعات ( على سبيل المثال في ما بين الوزارات المالية والوزارات المستهلِكة المكلفة بالمشاكل الاجتماعية ) . ولمقاومة انحطاط الدولة ؛ أي مقاومة نكوص الدولة وتراجعها صوب أن تصير دولة عقابية مكلفة بالقمع ومضحية رويدا رويدا بالوظائف الاجتماعية ؛ التعليم ، الصحة ، المساعدة . . الخ ، تستطيع الحركة الاجتماعية أن تجد دعما من لدن المسؤولين عن الملفات الاجتماعية المكلفين بتقديم المساعدة للعاطلين لمدة طويلة ، الذين يقلقون من القطائع التي تلحق التماسك الاجتماعي ومن البطالة . . الخ والذين يعترضون على رجال المال الذين لا يريدون الاعتراف إلا بإكراهات ” الشمولية ” ومكانة فرنسا في العالم .

لقد تحدثت عن ” الشمولية ” ، وهي أسطورة بالمعنى التام للكلمة ، خطاب قوي ، ” فكرة ـ قوة ” ، فكرة لها قوة اجتماعيــة ، فكرة استطاعت جعل الناس يؤمنون بها ؛ إنها السلاح المركزي في الصراع ضد مكتسبات Welfar State : فالشغالون الأوربيون ، كما يقال ، عليهم أن يعادوا الشغالين الأقل حظوة في بقية مجموع العالم ، ويُقدَّمُ للشغالين في هذا الإطار مثال البلدان التي يعتبر الأجر الأدنى بها غير موجود إطلاقا ، وحيث يشتغل العمال 12 ساعة يوميا مقابل أجور تتراوح ما بين ¼ و 1/15 من الأجر الأوربي ، وحيث لا وجود للنقابات ، وحيث يتم تشغيل الأطفال . . الخ . وباسم مثال أو نموذج كهذا يتم فرض المرونة ، وهي كلمة /مفتاح آخر لليبرالية ؛ أي العمل الليلي والعمل في نهاية الأسبوع ( أيام العطل ) وساعات العمل غير المنتظمة ، وكثير من الأشياء المرسومة منذ الأبد في أحلام الباطرونا . وبشكل عام فإن الليبرالية الجديدة تستعيد من خلال المظاهر الخارجية لرسالة أكثر تأنقا وأكثر حداثة أكثر الأفكار قدما لأقدم أصناف الباطرونا ، ( وقد عرضت مجلات بالولايات المتحدة لائحة هؤلاء الباطرونات المثيرين الذين صُنِّفوا ورتبوا ، كما هو شأن أجورهم بالدولار ، تبعا لعدد الأشخاص الذين كانت لديهم شجاعة تسريحهم من أعمالهم ) . تلك سمة خاصة بالثورات المحافظة ، ثورات الثلاثينيات بألمانيا ، وثورات أتباع تاتشر ، ريغان وآخرين ، تتمثل في تقديم الإصلاحات باعتبارها ثورات . وتتخذ الثورة المحافظة اليوم شكلا غير مسبوق : ولا يتعلق الأمر ، كما في أوقات سابقة ، باستدعاء ماض مؤمثل عبر الإشادة بالأرض والدم ، وهي الموضوعات المهجورة للميثولوجيات الأرضية القديمة . إن هذه الثورة المحافظة من النمط الجديد تطالب بالتقدم ، بالعقل وبالعلم ( الاقتصاد بالمناسبة ) لتبرير الإصلاح ، وتحاول أن تحيل على النسيان الفكر والنشاط التقدميان . إنها تؤسسُ على شكل معايير لكل النشاطات العملية ، وإذن على شكل قواعد مثالية الانتظامات الحقيقية للعالم الاقتصادي المتروك لمنطقه ، للقانون المسمى سوقًا‍ ، أي قانون الأقوى . إنها تقر وتنتصر لسيادة ما يسمى الأسواق المالية ؛ أي عودةً لنوع من الرأسمالية الجذرية بدون أي قانون آخر ما عدا قانون الربح الأقصى ، رأسمالية بدون فرامل ولا مساحيق ، وإنما هي معقلنة ومدفوعة إلى حدود فعاليتها الاقتصادية عبر إدماج الصيغ الحديثة للهيمنة كالتسيير الإداري وتقنيات المعالجة كالبحث عن الأسواق ، الماركيتينغ والإشهار التجاري .

وإذا كان من الممكن لهذه الثورة المحافظة أن تخدعنا ، فلأنه لم يعد لها ظاهريا شيء من الغابة ـ السوداء البدوية القديمة للثوريين المحافظين زمن الثلاثينيات ؛ إنها تتزين بكل علامات ومساحيق الحداثة . ألم تأت من شيكاغو ؟ ..منذ قال جاليلي إن عالم الطبيعة مكتوب بلغة رياضية ؟ … اليوم يراد التمكن من جعلنا نعتقد أن العالم الاقتصادي والاجتماعي هو الذي يصاغ على شكل معادلات ، وأنه بالتسلح بالرياضيات ( والسلطة الإعلامية ) أصبحت النيوليبرالية الشكل الأعلى والأقصى ل sociodicée للتبرير النظري المحافظ التي يعلن عن ذاته منذ ثلاثين سنة تحت عنوان ” نهاية الإيديولوجيات ” ، أو بشكل أكثر قربا زمنيا تحت عنوان ” نهاية التاريخ ” .

من أجل مقاومة أسطورة ” العولمة ” التي تتحدد وظيفتها الأساس في جعلنا نقبل إصلاحا يعيد بعث الروح في ما كان، ينجز عودة لرأسمالية متوحشة ، لكنها معقلنة و لاأخلاقية ؛ تعتبر العودة للوقائع واجبة .  وإذا ما ألقينا نظرة على الإحصائيات فإننا سنلاحظ أن المنافسة التي يتحملها الشغالون الأوربيون هي في جوهرها ما بين ـ أوربية . وحسب المصادر التي أستعملها فإن % 70من المبادلات الاقتصادية للأمم الأوربية تقوم مع بلدان أوربية أخرى . وبإلقاء وتسليط الضوء على التهديد الخارج ـ أوربي تم إخفاء أن الخطر المركزي يتشكل من خلال المنافسة الداخلية للبلدان الأوربية وما يسمى أحيانا الإغراق الاجتماعي  le sociale dumping : تستطيع البلدان الأوربية ذات الحماية الاجتماعية الضعيفة والأجور المنخفضة أن تستفيد من مزاياها في إطار المنافسة ، لكن بجر بلدان أخرى نحو القاع ، هذه البلدان المكرهة أيضا ، من أجل ضمان البقاء ، على التخلي عن المكتسبات الاجتماعية ، وهو ما  يستلزم أنه للإفلات من هذه الدوامة الحلزونية ، فإن لشغالي البلدان المتقدمة مصلحة في الانضمام لشغالي البلدان الأقل تقدما من أجل الحفاظ على مكتسباتهم ومن اجل إنجاح تعميمها على كل الشغالين الأوربيين ( وهو ما ليس هينا بفعل الاختلافات في مجال التقاليد الوطنية ، وبالخصوص في وزن النقابات بالمقارنة مع الدولة وفي مجال أنماط تمويل الحماية الاجتماعية ) .

لكن هذا ليس كل شيء ؛ هناك أيضا تأثيرات السياسة النيوليبرالية التي يمكن لكل واحد منا أن يعاني منها . وهكذا ، فإن عددا معينا من البحوث الإنجليزية أوضحت أن السياسة التاتشرية تطلبت غيابا كبيرا للإحساس بالأمان وشعورا بخطر محدق وكاسح ، أولا لدى الشغالين اليدويين ، ولكن أيضا في أوساط البورجوازية الصغيرة . ويلاحظ بالضبط نفس الشيء بالولايات المتحدة حيث نجدنا بحضرة تعدد لمناصب الشغل المؤقتة والمتدنية الأجر ( والتي تخفض بشكل مصطنع معدل البطالة ) . إن الطبقات الأمريكية الوسطى التي يجثم عليها التهديد بالتسريح المفاجئ تعرف انعداما رهيبا للأمان ( وتجعلنا بذلك نكتشف أن المهم في منصب شغل ليس هو العمل والأجر فقط اللذين يوفرهما وإنما الأمان والطمأنينة اللذين يضمنهما ) . إن نسبة الشغالين المؤقتين في كل البلدان تتعاظم بالمقارنة مع الساكنة العاملة الرسمية والدائمة . إن الهشاشة ، أي جعل العمل هشا ومرنا تؤدي إلى فقدان المزايا الضعيفة ( الموصوفة غالبا بكونها امتيازات ل ” الفقراء ” ) التي من شأنها أن تعوض الأجور الضعيفة ؛ كالعمل الدائم وضمانات الصحة والتقاعد . وتقود الخوصصة من جهتها نحو فقدان المكتسبات الاجتماعية ؛ في حالة فرنسا على سبيل المثال ¾من الشغالين المستخدمين حديثا تم تشغيلهم بصفة مؤقتة ، والربع فقط من الـ ¾ هذه سيتحولون إلى شغالين دائمين . وبديهي أن هؤلاء الشغالين الجدد هم شباب ، وهو ما يجعل أن انعدام الأمان هذا يضرب أول ما يضرب فئة الشباب ، يحدث ذلك بفرنسا ــ ( وقد عاينا ذلك أيضا في كتابنا بؤس العالم ) وبإنجلترا أيضا حيث الرهاب لدى الشباب يصل إلى القمة ، إلى جانب نتائج وتبعات كالانحلال والإجرام وظواهر أخرى جد مكلفة .

لهذا ينضاف اليوم تدمير القواعد الاقتصادية والاجتماعية للمكتسبات الإنسانية الناذرة . إن الاستقلال الذاتي لعوالم الإنتاج الثقافي إزاء السوق الذي لم يتوقف عن التعاظم بفضل صراعات وتضحيات كتاب وفنانين وعلماء هو اليوم مهدد أكثر فاكثر . إن سيادة ” التجارة ” و ” التجاري ” تفرض ذاتها كل يوم أكثر على الأدب ، خصوصا عبر تمركز أكبر يتم إخضاعه مباشرة أكثر فاكثر لإكراهات الربح الفوري ، كما تفرض هذه السيادة ذاتها على النقد الأدبي والفني المتروكين لأكبر خدام مجال النشر انتهازية ــ أو للمتواطئين معهم عبر عمليات التسريح بواسطة المصاعد ــ وعلى السينما خاصة ( ويمكننا أن نتساءل عن ما سيتبقى خلال عشر سنوات من سينما للبحث الأوربي إذا لم يتم فعل أي شيء من أجل تمكين المنتجين الطليعيين من وسائل الإنتاج وخصوصا ربما من وسائل التوزيع ) ، بدون أن نتحدث عن العلوم الاجتماعية المحكوم عليها بالخضوع الاستعبادي للتعاليم التي تخدم المصالح المباشرة لبيروقراطيات المقاولات أو الدولة أو تلك الناجمة عن موت مراقبة السلطات التي يحل محلها المال أو ذوي المصالح الانتهازية .

وإذا كانت الشمولية قبل كل شيء أسطورة للتبرير ، فهناك حالة تعتبر فيها واقعية تماما ، وهي حالة الأسواق المالية ؛ فبفضل خفوت عدد معين من أشكال المراقبة القانونية وتحسن وسائل الاتصال الحديثة التي تقود نحو انخفاض كلفة الاتصال ، فإن التوجه الآن هو توجه نحو سوق مالية موحدة ، وهو ما لا يعني أنها منسجمة . وهذه السوق المالية مهيمن عليها من طرف اقتصادات معينة ؛ أي من طرف البلدان الأغنى ، وبخاصة البلدان التي تستعمل عملتها كعملة احتياط عالمية  ، تلك التي تستحوذ تبعا لذلك بداخل هذه الأسواق المالية على هامش حرية أرحب . إن السوق المالي حقل يحتل فيه المهيمنون ؛ أي الولايات المتحدة في هذه الحالة الخاصة ، موقعا هو من النفاذ بحيث يتمكن هؤلاء المهيمنون من تحديد قواعد لعب هذه الأسواق في جانبها الأعظم . إن هذا التوحيد للأسواق المالية حول عدد معين من الأمم الحائزة لموقع الهيمنة يحدث إقلالا من الاستقلال الذاتي للأسواق المالية الوطنية . إن رجال المال الفرنسيين ومفتشي المالية الذين يقولون لنا بأنه يتوجب الخنوع والخضوع للضرورة ، ينسون أن يخبرونا بأنهم شركاء هذه الضرورة وبأن الدولة الوطنية الفرنسية هي التي تستقيل من مهامها عبرهم وبواسطتهم .

وباختصار ، فليست الشمولية تحقيقا للتجانس ، وإنما هي على العكس من ذلك امتداد لنفوذ وسلطان عدد صغير من الأمم المهيمنة على مجموع المواقع المالية الوطنية (في الأوطان ) . وينتج عن ذلك إعادة تحديد جزئية لتقسيم العمل الدولي يتحمل الشغالون الأوربيون نتائجها ، إلى جانب تحويل الرساميل والصناعات على سبيل المثال نحو البلدان ذات اليد العاملة الرخيصـة . إن سوق رأس المال العالمي هذه تنحو نحو الإنقاص من الاستقلال الذاتي لأسواق الرأسمال الوطني ، ونحو فرض الحظر بشكل خاص على التحكم من طرف الدول الوطنية في معدلات الصرف ونسب الفائدة التي يتم تحديدها أكثر فأكثر من قبل سلطة ممركزة في أيدي عدد قليل من البلدان . إن السلطات الوطنية معرضة لخطر هجمات المضاربة من قبل وكالات مزودة بأموال طائلة قادرة على إحداث إنقاص في قيمة العملة ، وحكومات اليسار هي بداهة مهددة بشكل خاص ، وذلك لأنها تستثير حذر وريبة الأسواق المالية ( إن حكومة يمين تمارس سياسة متطابقة نسبيا مع مُثل صندوق النقد الدولي FMI معرضة لخطر أقل من حكومة يسارية حتى ولو مارست سياسة متطابقة تماما مع مثل هذا الصندوق ) . إن بنية الحقل العالمي هي التي تمارس إكراها بنيويا ، وهو ما يضفي على الميكانيزمات مظهرا قدريا ، والسياسة الخاصة لدولة ما هي محددة بشكل واسع من قبل وضعيتها بداخل بنية توزيع الرأسمال المالي ( الذي يحدد بنية الحقل الاقتصادي العالمي ) .

فما الذي يمكن فعله في حضرة هذه الميكانيزمات ؟ .. يتوجب التفكير أولا في الحدود الضمنية والمستترة التي تقبلها النظرية الاقتصادية ، والنظرية الاقتصادية لا تأخذ في الحسبان ، في إطار تقدير تكاليف سياسة ما ، ما ندعوه التكاليف الاجتماعية . إن السياسة السكنية التي قررها جيسكار ديستانغ على سبيل المثال سنة 1970 استلزمت تكاليف اجتماعية على المدى الطويل لم تبد مظهريا حتى كذلك ، وذلك لأننا لا نجد ، باستثناء السوسيولوجيين ، من يتذكر ذلك بعد عشرين سنة من هذا الإجراء . فمن يتذكر ذلك ؟ .. ومن أعاد ربط فتنة سنة 1990 بضاحية من ضواحي ليون بقرار سياسي يعود لسنة 1970 ؟ .. إن الجرائم تظل بدون عقاب لأن النسيان يقبرها . يتوجب أن تلح كل القوى الاجتماعية النقدية على عدم الفصل والتهميش في الحسابات الاقتصادية للتكاليف الاجتماعية للقرارات الاقتصادية . كم سيكلف ذلك على المدى الطويل من فساد وآلام وأمراض وحالات انتحار وإغراق في الكحول واستهلاك للمخدرات ، ومن عنف بداخل الأسر . . الخ . وكثير من الأشياء التي تكلف غاليا ماليا ومعاناة وآلاما أيضا ؟ .. اعتقد أنه يجب ، حتى ولو بدا ذلك لاأخلاقيا بالمرة ، أن نقلب ضد الاقتصاد المهيمن أسلحته الخاصة ذاتها ، وأن نتذكر أن السياسة المحض اقتصادية ليست بالضرورة بداخل منطق الربح المتضمن فيها طبعا اقتصادية ــ في مجال أمن الأشخاص والممتلكات ، وإذن في مجال التمدن والتحضر . . الخ . وبدقة أكبر يتوجب أن نضع موضع التساؤل بشكل جذري المنظور الاقتصادي الذي يفردن كل شيء ، الإنتاج كما العدالة أو الصحة ، التكاليف كما الأرباح ، والذي ينسى أن الفعالية التي يمنحها تعريفا ضيقا ومجردا بجعلها تُماهي ضمنيا المردودية المالية ، تتوقف بطبيعة الحال وبداهة على غايات يتم قياسها ، مردودية مالية بالنسبة للمساهمين والمستثمرين كما هو الحال اليوم ، أو إشباعا وإرضاء للزبناء والمستعملين ، أو بشكل واسع إشباعا ومتع حياة للمنتجين والمستهلكين ، وهكذا من جيب إلى جيب آخر لأكبر عدد ممكن . في مواجهة هذا الاقتصاد الضيق والقصير النظر ، يجب أن نقيم ” اقتصادا للسعادة ” يأخذ علما بجميع الأرباح ، فردية كانت أم جماعية ، مادية أم رمزية مرتبطة بالنشاط (كالأمان مثلا ) ، وأيضا بكل التكاليف المادية والرمزية المرتبطة بالعطالة وانعدام النشاط أو الموسمية ( مثلا، استهلاك الأدوية : حيث تحقق فرنسا رقما قياسيا في استهلاك المهدئات ) . لا يمكننا أن نتحايل على ” قانون الحماية من العنف ” : فكل عنف يُؤدَّى ثمنه ؛ العنف البنيوي الذي تمارسه الأسواق المالية على سبيل المثال  بأشكال من  الفساد والخلاعة والموسمية ، نجد مقابله على المدى الطويل نسبيا على صورة انتحارات و انحرافات ، جرائم ومخدرات ، إغراقا في الكحول وأشكال عنف يومية كبيرة كانت أم صغيرة .

يجب على الصراعات النقدية لدى المثقفين والنقابات والجمعيات ، في الحالة الراهنة ، أن تتصدى كأولوية لذبول وتحلل الدولة ؛ فالدول الوطنية ملغومة من الخارج من قبل القوى المالية ، وهي ملغومة من الداخل من قبل أولئك الذين يجعلون من أنفسهم شركاء متواطئين مع هذه القوى المالية ؛ أي رجال المال وكبار موظفي المالية . . الخ . وأعتقد أن للمهيمن عليهم مصلحة في الدفاع عن الدولة ، الدفاع بالخصوص عن بعدها الاجتماعي . و لا يتم استلهام هذا الدفاع عن الدولة من النزعة الوطنية . وإذا كان من الممكن مصارعة الدولة الوطنية ، فإن الدفاع عن الوظائف ” الكونية ” التي تؤديها ، والتي يمكن أن تتم تأديتها ربما بشكل أفضل من طرف دولة فوق ـ وطنية . وإذا كان لا يراد أن يكون البونديسبانك هو الذي يحكم السياسات المالية لمختلف الدول عبر معدل الفائدة ، فهلا يتوجب الصراع من أجل بناء دولة فوق ـ وطنية مستقلة ذاتيا نسبيا بالمقارنة مع القوى الاقتصادية العالمية والقوى السياسية الوطنية ، وقادرة على تنمية البعد الاجتماعي للمؤسسات الأوربية ؟ .. فلن تأخذ على سبيل المثال الإجراءات المستهدِفة للإنقاص من مدة الشغل كامل معناها إلا إذا تم اتخاذها من طرف مؤسسة أوربية وكانت قابلة للانسحاب على مجموع الأمم الأوربية .

لقد كانت الدولة تاريخيا قوة للعقلنة ، لكنها وضعت في خدمة القوى المهيمنة . ولتحاشي أن تكون كذلك لم يكن كافيا التمرد على تكنوقراطيي بروكسيل . لقد توجب ابتكار أممية جديدة ، على الأقل على المستوى الجهوي لأوربا ، استطاعت أن توفر بديلا للنكوص الوطني الذي هدد بفعل الأزمة ، قليلا أو بما فيه الكفاية ، كل البلدان الأوربية . لقد تعلق الأمر ببناء مؤسسات من شأنها أن تكون قادرة على مراقبة وضبط قوى السوق المالي ذاك ، وإقرار ما يعبر عنه الألمان بلفظة عجيبة هي regrezionsverbot ، أي إقرار تحريم للنكوص والتراجع عن المكتسبات الاجتماعية على المستوى الأوربي . ولهذا الغرض ، فمما لا يمكن التخلي أو التقاعس عنه هو أن تتحرك المنظمات النقابية فاعلة على هذا المستوى الفوق ـ وطني ؛ وذلك لأن القوى التي تحاربها تتحرك في هذا المجال . إذن ، فمحاولة خلق القواعد التنظيمية لأممية نقدية حقيقية قادرة على الاعتراض الحقيقي على النيوليبيرالية هي محاولة واجبة ولا مناص منها .

نقطة أخيرة وهي : لماذا نجد المثقفين غامضين بخصوص كل هذا ؟ .. إنني لا أنوي إعادة تناول المسألة لأن ذلك سيحتاج لوقت طويل وسيكون عملا وحشيا تعداد جميع صور الاستقالة ، أو ما هو أفظع من ذلك ، جميع صور التواطؤ . سأستدعي فقط مناظرات الفلاسفة الذين نعتوا أنفسهم بالحداثيين أو ما بعد الحداثيين ؛ أولئك الذين عندما لا يكتفون بترك الحبل على الغارب للأمور وهي تجري ، ينشغلون بكونهم ، بفعل لعبهم المدرسي ، ينغلقون بداخل عمل دفاعي لفظي للعقل وللحوار العقلاني ، أو أفدح من ذلك ، يقترحون تنويعا يسمى ما بعد الحداثة ، هو بالفعل ” جذرية متأنقة ” لإيديولوجية نهاية الإيديولوجيات ، إلى جانب إدانة روايات الوقائع الكبرى أو التشهير العدمي بالعلم .

وبالفعل ، فإن قوة الإيديولوجية النيوليبيرالية تتمثل في كونها تستند إلى ضرب من ضروب الداروينية الاجتماعية الجديدة : ف ” أفضل الناس وأكثرهم ذكاء ” هم الذين ينتصرون كما يقال بهارفارد ( بيكر ، جائزة نوبل في الاقتصاد : طور الفكرة التي مؤداها أن النزعة الداروينية هي أساس الكفاية في الحساب العقلاني التي تعيرها لرجال الاقتصاد ) . خلف النظرة العالمية النزعة لأممية المهيمنين هناك فلسفة للكفاءة حسبها يعتبر أن من يحكم هم أكثر الناس كفاءة ، وهم الذين يحوزون عملا ، وهو ما يلزم عنه أن أولئك الذين ليس لديهم عمل هم أناس غير أكفاء . هناك الناجحون les winners ، وهناك الفاشلون les losers ، هناك النبالة ؛ وهي ما أسميه نبالة الدولة ؛ أي هؤلاء الأشخاص الذين تتجمع لديهم كل خصائص النبالة بالمعنى القروسطي للفظ ، والذين يدينون بسلطتهم لتربيتهم وتعليمهم ؛ أي يدينون من وجهة نظرهم للذكاء المتصور هنا كما لو كان هبة من السماء ، وهو الذي نعرف عنه أنه يوزع في الواقع من طرف المجتمع ، كما نعرف أن أشكال التفاوت في الذكاء هي أشكال تفاوت اجتماعية . إن إيديولوجيا الكفاءة صالحة تماما لتبرير تعارض يشبه قليلا تعارض السادة والعبيد : من جهة بمواطنين كاملي المواطنة ، يتمتعون بكفاءات ومناشط جد ناذرة وباهظة الأجر ، هم في مستوى اختيار مشغليهم ( في حين أن الآخرين يُختارون من طرف مشغليهم في أفضل الحالات ) ، وهم في مستوى الحصول على أكبر مدخول في سوق الشغل العالمي ، وهم مشغولون بالزائد رجالا ونساء( وقد قرأت دراسة إنجليزية جد رائعة حول هؤلاء الأزواج من الأطر المجانين الذين يقطعون العالم طولا وعرضا وينطون من طائرة لأخرى وينعمون بمداخيل تصيب بالهلوسة والدوار ، مداخيل لا يحلمون حتى بصرفها خلال أربع حيوات . . الخ ) ثم ، ومن جهة أخرى ، حشد من البشر منذور لمناصب شغل مؤقتة أو للبطالة .

لقد قال ماكس فيبر إن المهيمنين هم في حاجة دائما ل ” théodicé مزاياهم ”  أي تبريرها إلهيا ( أي اعتبار الفوارق بين الناس راجعة لعدالة إلهية لا تقبل المراجعة ـ المترجم ) أو أفضل من ذلك هم في حاجة ل sociodicé هذه الامتيازات ، أي لتبرير نظري لواقع أنهم محظوظون . إن الكفاءة اليوم توجد في قلب هذه ال sociodicé المقبولة بطبيعة الحال من طرف المهيمنين ـ فتلك مصلحتهم ـ ولكنها مقبولة أيضا من طرف الآخرين . في خضم فقر المقصيين من الشغل ، في خضم بؤس العاطلين لمدة طويلة ، هناك شيء زائد عما كان في الماضي . إن الإيديولوجية الأنجلو ـ ساكسونية الموسومة بالوعظية دائما بعض الشيء ، تميز الفقراء اللاأخلاقيين عن les deserving-poor  ــ الفقراء المستحقين ـ الذين تجوز فيهم الصدقة . لهذا التبرير الأخلاقي جاء لينضاف أو ينوب تبرير ثقافي ( فكري ) ؛ فليس الفقراء فقط لاأخلاقيين ، متعاطيي كحول وفاسدين ؛ إنهم أغبياء وغير أذكياء أيضا . في خضم المعاناة الاجتماعية يتدخل في جزئه الأعظم فقر العلاقة بالمدرسة الذي لا يرسم فقط المصائر الاجتماعية وإنما أيضا الصورة التي يكونها الناس عن هذا المصير ( وهو ما يساهم بدون شك في تفسير ما نسميه انفعالية ـ أو مفعولية ـ  المهيمن عليهم وصعوبة تعبئتهم . . الخ ) . لقد كان لأفلاطون منظور للعالم الاجتماعي يشبه منظور تكنوقراطيينا ، فهذا العالم مكون من الفلاسفة والحراس ثم الشعب . وهذه الفلسفة مدونة ومندرجة ، في حالتها الضمنية ، في النظام المدرسي . وبوصفه جد قوي فهو مستوعب ومستبطن بشكل جد عميق . لماذا انتقلنا من المثقف الملتزم إلى المثقف ” المستقيل ” ؟ .. جزئيا لأن المثقفين ممسكون بالرأسمال الثقافي ، ولأنهم ولو أنهم مهيمن عليهم ضمن المهيمنين ، فهم جزء من المهيمنين ؛ ذاك أحد أسس اجتماع الضدين فيهم وأحد أسس التزامهم الملطف في خضم الصراعات . إنهم يساهمون بشكل غير واضح في إيديولوجيا الكفاءة هاته ، وعندما يثورون ، فإن ذلك يشبه مرة أخرى ما حدث سنة 1933 بألمانيا ، وذلك لأنهم يقدرون أنهم لن يحصلوا على ما يستحقونه بالنظر لكفاءتهم المضمونة من طرف ديبلوماتهم .

أثينا ، أكتوبر 1996 .

———————————————

(1)ب.جريموان ، Preuves ، مجلة أوربية بباريس ، باريس ، جوليار 1989 و ” ذكاء نقيض الشيوعية ” ، المؤتمر من أجل حرية الثقافة بباريس ، باريس ، فايار ، 1995 .

(2) ك. ديكسون : ” Les évangilistes du marché ” ليبر ، 32 شتنبر 1997 . ص ص 6-5 ؛ س.باش و س.بينيريس :     ” Les premiers pas de la société du Mont-Pélerin ou les dessous chics du neoliberalisme ”  الحوليات ( إنشاء العلوم الاجتماعية كمباحث أكاديمية ) . 8 .1997 . ص ص      216-191 .

(3) cf . ب . بورديو : ” عنصرية الذكاء ” في أسئلة السوسيولوجيا ، باريس ، منشورات مينوي ، 1980 ، ص ص : 268 – 264.

Advertisements