Category Archives: II. إبستمولوجيا

وضعية علوم الإنسان

3ـ المشكل المطروح على كل تصنيف:

وضعية علوم الإنسان

يمكن للمشكل الذي يطرح بالنسبة لتصنيف العلوم أن يقفنا على أربعة مشاكل : ما هي وضعية الرياضيات وعلم المنطق؟.. كيف ترتبط علوم الطبيعة فيما بينها؟..هل يمكن تصنيف البيولوجيا التي تدرس الإنسان أيضا ضمن علوم الطبيعة ؟.. وهل يمكن اعتبار العلوم الإنسانية علوما؟ ..

نريد أن نعالج هنا فقط علوم الإنسان التي توضع خاصيتها العلمية بين قوسين عن طريق صوت الشعب  la vox populi  أكثر مما توضع بين القوسين عن طريق القنوات الإيديولوجية، ومن طرف بعض العلماء والإبستمولوجيين أو الفلاسفة المهيمنين والمعتدين بأنفسهم.


لنحاول أولا تنظيم مختلف هذه الانتقادات وصياغتها:

1)      اعتراض أول صادر بالخصوص عن الفلاسفة الذين أرادوا بالاستناد إلى حس شعبي سليم ، يشتركون فيه لوحدهم ، حماية حديقة الفلسفة من أي اختراق علمي، رافضين بذلك حتى إمكانية وجود علوم للإنسان، وبذلك يقررون بأن الإنسان لا يمكن بفعل جوهره الإنساني أن يشكل موضوعا للعلوم. في معرض نقده لمواقف حراس المعبد هؤلاء ، والذين لا يمكن إحصاؤهم ، يختصر بيير تويليي هذا الدور الفاسد الذي يزعم الفلاسفة حصر إنسان العلم داخله؛ هكذا ” يقرر (…) أنه يجب أن تدرس علوم ” الفعل الإنساني الكلي ” ما دام الإنسان قد عرف باعتباره حرية سحيقة الغور لا تقبل الإرجاع قبليا للمقاربة العلمية، وليس مدهشا أن العلوم الإنسانية لم تستطع أبدا التوصل إلى إرضاء التعاقد المفروض عليها. إن التعاقب واضح : فإما أن المسعى علمي، لكنه لا يستطيع دراسة الإنسان “ الكلي ” ، وإما أن الموضوع المدروس هو حقا الإنسان ” الكلي ” ، لكن المسعى حينذاك لا يمكنه أن يكون علميا بشكل قبلي ” ( ألعاب ورهانات العلم  ص 199 ). إن هذه المطالب التي تبدو بدون معنى ، والمطروحة على العلم من قبل فلسفة ” كلية ” تصاحب باعتراضات تبدو ظاهريا أفضل تأسيسا : فالعلم لا يستطيع معرفة ” المعيش ” الذي يبدو أنه البعد الجوهري للفعل الإنساني، ويصطدم من جهة أخرى بمشكل منهجي تجهله علوم الطبيعة : فالإنسان هنا هو في نفس الآن ملاحظ (بكسر الحاء) وملاحظ ( بفتحها). وأخيرا تبدو الوقائع الإنسانية وقائع شخصية ومن طبيعة كيفية ، في حين أن العلم حسب الإبستمولوجيا الأولية التي يعشق باشلار التشهير بها لدى بعض الفلاسفة ” تكوين الروح العلمية ص 55 وما يليها ) لا ينشغل و لا يهتم إلا بما هو عام وكلي . إن موقفا فلسفيا كهذا له ” عمله الخاص به ” ينتهي بإدانة واتهام كل علم إنساني وبالخصوص علم التاريخ ، أو على الأقل تصورا معينا لتاريخ حكائي بشكل جوهري ، لا يمكنه أن يدعي سوى رص الوقائع الخاصة والجزئية.

2)      توجه ثان إزاء علوم الإنسان ، هو توجه الأمبريقيين : فهؤلاء لا يدينون علوم الإنسان، وإنما يحاولون دائما تشجيعها ، لكنهم يطرحون في مواجهتها مطالب منهجية تؤدي إلى اتهامها على الدوام بالدونية مقارنة بعلوم الطبيعة، وبالفعل ، فأمبريقية كارناب على الخصوص ، أو أمبريقية لازارسفيلد ، تتطلب من كل علم أن يستنسخ مناهجه عن مناهج الفيزياء ( عزل المتغيرات وإنشاء علاقات وظيفية بين هذه المتغيرات . . إلخ ) ، كما تقرر من جهة أخرى أن العلوم الإنسانية مطالبة بتبني مسعى إرجاعي ( على سبيل المثال يتم إرجاع الوقائع الاجتماعية في السوسيولوجيا الأمبريقية إلى وقائع نفسية ترجع بدورها إلى سلوكات) ، وأخيرا ، وباستثناء علم النفس ، ترتب النزعة الأمبريقية العلوم الإنسانية في أسفل السلم ، ما دامت لا تستطيع أبدا امتلاك الكرامة القصوى التي تتمتع بها العلوم التجريبية ( فنحن لا نستطيع إحداث ثورة لدراسة وقياس تأثيراتها الناجمة عنها ).

3)      نقد ثالث للعلوم الإنسانية يريد أن يكون إبستمولوجيا : فبمعارضة العلوم الإنسانية بعلوم الطبيعة ، وافتراض موضوعية مطلقة لدى هاته الأخيرة ، يؤكد هذا النقد أن العلوم الإنسانية لا يمكنها أن تدعي تحقيق نفس الدرجة من الموضوعية : إذ أن هنالك بالنسبة لنفس الموضوع في العلوم الإنسانية كثرة وتعدد وتنوع في المقاربات، وهكذا فنحن نجد في مجال اللسانيات المقاربة البنائية والمقاربة التوليدية اللتان تتعارضان جذريا ، كما نجد في مجال علم النفس الإبستمولوجيا التكوينية وسيكولوجيا الشكل والنزعة السلوكية . . . إلخ.

4)      وأخيرا نجد نزوعا رافضا بشكل جذري لعلوم الإنسان هو نزوع التيار الألتوسيري ، ويستند هذا الموقف على حقيقة اجتماعية لا تقبل الجدل : فبعض العلوم الإنسانية على الأقل ( لنقل الاقتصاد وعلم الاجتماع على الخصوص ) ليست إلا أردية نظرية للممارسات الاجتماعية ( إنشاء مؤشرات الأثمنة ومنحنيات من جميع الأصناف مستعملة لغايات الدعاية الرأسمالية ـ إعداد أدوات سبر أو قياس للرأي العام تستخدم لترويز واختبار سوق اقتصادي أو سياسي ، ولتقييم رغبات المستهلك أو المواطن ، واستثمارها للتأثير فيهما لتحقيق المكاسب والأرباح أو للحفاظ على السلطة) . غير أن الأطروحة الألتوسيرية تتأسس على قواعد إبستمولوجية مغلوطة : فهي تقرر أن كل الأبحاث في العلوم الإنسانية باستثناء السيكولوجيا الفرويدية ، وبفعل الخيط الغريب الذي يربط فيما بين ” لاكان ” وألتوسير ، ليست لها في مجتمعنا إلا وظائف إيديولوجية ، وهو ما يؤدي إلى نفي إمكانية وجود أبحاث لها محتوى إيجابي وقيمة معرفية موضوعية ، باستقلال عن تطبيقاتها العملية في نمط الإنتاج الرأسمالي.إن هذا التصور الوظيفي للعلم ، والذي يريد أن يكون مع ذلك ماركسيا ، هو تصور غائي بشكل غريب ؛ فهو يعرف حقلا علميا معينا عن طريق تقنيات التطبيق التي يسمح بإنتاجها: وهكذا كتب ميشال بيشو على سبيل المثال قائلا : ” تجد البيولوجيا ( ميدانها التطبيقي تاريخيا ) في الممارسات الطبية باعتبارها معالجة وتكييفا لقوة العمل ” (حول تاريخ العلوم ـ ماسبيرو 1969 ص 41) و لا تعترف بالاستقلال الذاتي النسبي للعلم عن التقنية في نمط الإنتاج الرأسمالي.

إن النزوعات السلبية الأربعة إزاء علوم الإنسان التي أتينا على استعراضها تقوم كلها على تثمين مفرط لمناهج ونتائج العلوم المسماة بالعلوم ” الدقيقة ” وتحدث ” قطيعة إبستمولوجية ” بين العلم الموضوعي غير القابل للجدال ، والمجسد في علوم الطبيعة وبالأخص الفيزياء من جهة ، والعلوم الإنسانية التي هي علوم ذاتية من جهة أخرى. إلا أنه من اليسير رفض كل هذه الأطروحات الإيديولوجية إذا ما أخذنا في الحسبان فتاوة وجدة العلوم الإنسانية التي ولدت كلها في نهاية القرن التاسع عشر ، ويمكننا أن نقول إن مختلف المقاربات للظواهر الإنسانية تنزع أكثر فأكثر نحو الاستناد على المنهج العلمي. ليس هنالك علم إنساني يدرس ” الإنسان الكلي “، وبدل أن تكون هذه البديهة عرضا من أعراض اللاعلمية ، فهي بالعكس من ذلك مؤشر على تقطيع علمي للظواهر الإنسانية ، فلا يمكن أن يوجد علم يشكل الإنسان موضوعه( إذ لن يكون إذ ذاك إلا ميتافيزيقيا) ، مثلما لا يوجد علم يدرس الطبيعة في كليتها. إن تعدد الأبحاث ليس انعكاسا لموضوعية نجهلها ، وإنما يترجم بالعكس من ذلك تنوع الموضوعات ( هكذا على سبيل المثال تدرس نفسية الإنسان بشكل تنافسي من طرف علم النفس وطب الأمراض النفسية والتحليل النفسي وعلم النفس التكويني الذي يدرس تكون نفسية الطفل ، وعلم نفس الشكل الذي يدرس الإدراك بشكل خاص . . . إلخ). يحدث بطبيعة الحال أن هذه المقاربات تتعارض في بعض المجالات ، حيث يعاد تطبيق موضوعاتها ( مثلا ينسب علم الاجتماع الانتحار لأسباب اجتماعية في حين أن علم التحليل النفسي ينسبها لأسباب نفسية)، غير أن هذا النوع من الصراع فيما بين العلوم ليس خاصا أو وقفا على العلوم الإنسانية ؛ فالفيزياء والميكروفيزياء مثلا تعرضان تفسيرات متباينة ومختلفة لظواهر الطبيعة. وفيما يخص الاعتراضات على المبادئ أو على المناهج ، فغنها فقط أكثر ظهورا وبروزا في العلوم الإنسانية التي لا زال الكثير منها في بداية طريق التكون ، في حين أن بعض علوم الطبيعة تجاوزت وبشكل واسع هذه المرحلة، لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة للفيزياء ، ألم تفند الأزمة الواقعة في نهاية القرن الأخير حقيقة بعض النتائج أو مشروعية بعض الإجراءات ؟ .. إن الصراع فيما بين مقاربات العلوم الإنسانية ليس من طبيعة من شأنها أن تفرمل أو توقف الاكتشافات العلمية في هذا المجال : فهناك حدسيون في ميدان علم النفس ( علم نفس الشكل ) أو في اللسانيات ( اللسانيات التوليدية ) تتعارض مقارباتهم مع مقاربات التجريبيين ( علم النفس التكويني ـ النزعة السلوكية ) أو مع مقاربات الأمبريقيين ( اللسانيات البنائية ) ، لكن هنالك أيضا تعارضات مماثلة بين الحدسيين والمنطقيين والشكلانيين في مجال علم الرياضيات، رغم أن هذا العلم ينظر إليه باعتباره أكثر ” دقة ” من العلوم الدقيقة.

غ. باشلار

إذا قبلنا إذن ، كما يوحي بذلك واقع الممارسة العلمية ذاتها ، بأنه ليست هناك ” قطيعة إبستمولوجية ” Coupure تحدث مرة واحدة ونهائية بين ما هو علمي وما هو غير علمي ، وإنما هناك بالعكس من ذلك في العلم ” انقطاعات ”  Ruptures متجددة باستمرار مع المعرفة العامية ، ومن ثمة فهو سيرورة تنهض مما سيكون لا مما هو كائن ، إذا قبلنا ذلك فإننا لا نستطيع أن ننكر على العلوم الإنسانية وجودها ومشروعيتها ، وبشكل أكبر ، إمكانية تشكلها عبر تنازع المبادئ والمناهج ومقارنة النتائج ، أي تنازعا ” جدليا ” حسب تعبير غاستون باشلار.

Advertisements

تصنيف العلوم

2ـ تنوع العلوم : مشكل التصنيف.

قمنا لحد الآن بفحص للعلم في وحدته ، غير أن التشتت المطرد للعلوم يضطرنا للتساؤل في نفس الآن عن علاقات القرابة التي تقوم فيما بينها في مجموعها ، وعن الاختلافات التي تعمل على تعارضها فيما بينها.

إن تصنيف العلوم هو إذن ، وبادئ ذي بدء ، ضرورة إبستمولوجية. لنشر هنا إلى مثالين تاريخيين يوضحان هذه الضرورة : ففي بداية القرن العشرين تساءل الرياضيون عن وضعية مبحثهم ، وبالخصوص عن علاقاته أو غياب هذه العلاقات ) مع الواقع، وانتهت أبحاثهم إلى إنشاء رياضيات أكسيومية مؤسسة على المنطق بالنسبة لبعضهم ، وفرضية استنتاجية بشكل كلي بالنسبة للبعض الآخر . وفي نفس الحقبة ، تساءل الفيزيائيون من جانبهم عن العلاقات القائمة بين الميكروفيزياء والماكروفيزياء، ففتحوا بذلك باب صراع لم ينته بعد بشكل حقيقي فيما بين المدرستين الوضعية والواقعية. إننا نرى إذن أن ضرورة تحديد مواقع العلوم في علاقاتها ببعضها، أي ضرورة القيام بتصنيف للعلوم.

ومع ذلك ، فإن أي تصنيف يخفي توجهات إيديولوجية ظاهرة أو خفية.

إنها ليست إلا محاولة تلك التي ستستهدف إما تأكيد توقف علم ما أو مجموعة من العلوم على العلوم الأخرى ، أو إقامة معايير تسمح إما بإثبات مشروعية علم ما كان غير معروف تماما حتى تلك اللحظة ، وإما استثناء أحد أو عددا من العلوم من شرف البحث العلمي. إن تصنيفا معينا سيمنح الفيزياء شرفا خاصا، في حين أن تصنيفا آخر سيستهدف دمج علم النفس أو علم الاجتماع ضمن جسد العلوم، هذان العلمان اللذان لم ينظر إليهما دائما كعلمين، وتصنيف آخر سيحاول إقصاء التاريخ وعلم النفس من مجال العلم . . . إلخ.

يمكن إجمال معايير التصنيف في ثلاثة : إذ يمكن تصنيف العلوم إما حسب موضوعها ( مثلا تمييز التجريبيين بين العلوم الصورية : المنطق والرياضيات ، وعلوم الطبيعة : الفيزياء ـ الكيمياء ، البيولوجيا . . . إلخ ، والعلوم الإنسانية : علم النفس ، علم الاجتماع . . إلخ). أو حسب مناهجها ( مثلا التمييز بين العلوم الفرضية الاستنتاجية : الرياضيات والمنطق ، وعلوم الملاحظة : علم الفلك ، علم النبات ، الإثنولوجيا . . . إلخ، والعلوم التجريبية : الفيزياء ، البيولوجيا ، علم النفس . . إلخ) وأخيرا حسب وضعيتها( مثلا التمييز فيما بين علوم تصنيفية (تاكسينوميك ): علم الحيوان ، علم الفطريات . . إلخ، العلوم الاستقرائية : الفيزياء ما قبل الكلاسيكية ، وربما اليوم علم الاجتماع الأمبريقي وعلم النفس التحليلي ، العلوم الاستنتاجية : الفيزياء الكلاسيكية ، البيولوجيا المعاصرة . . إلخ، والعلوم الأكسيومية : الرياضيات والفيزياء المعاصرة). وهذا التصنيف الأخير يأخذ بعين الاعتبار تطورات العلوم التي ينظر إليها كلها ، بمعنى معين ، كما لو كانت تقترب من النموذج ” الكامل ” للرياضيات؛ بمعنى وضع أكسيومات ( هي موضوعة بالنسبة للعلوم الأمبريقية بشكل طبيعي انطلاقا من التجربة ، خصوصا خلال المرحلة الاستقرائية) هذه الأكسيومات التي تستنتج منها عن طريق قواعد إجرائية كل الظواهر التي نريد تفسيرها.

وكيفما كان المعيار المستخدم فإننا نرى كيف تنبثق من كل هذه التصنيفات فكرة التراتبية ، وإعطاء قيمة لعلوم معينة على حساب علوم أخرى، وهذا أيضا بديهي بالنسبة للتصنيف حسب النتائج الذي ينتصر للتجريب ( وهي الصفة المرفوضة فيما يبدو بشكل قطعي ومتعسف لعلوم معينة أثبتت وجودها كعلم الفلك بالنظر لطبيعته)، وأيضا بالنسبة للتصنيف حسب الوضعيات الذي يعطي للفيزياء خاصية الامتياز لجهوده التي تستحق ذلك في مجال الصورنة، وهذا يصدق أيضا ـ ولو أن ذلك يتم بطريقة أكثر خداعا ـ بالنسبة للتصنيف حسب الموضوع الذي يقيم فصلا جذريا فيما بين الرياضيات والمنطق من جهة ، وكل العلوم التي لها محتوى أمبريقي من جهة أخرى، مرتبا بذلك هذه الأخيرة تبعا لقدرتها على استعمال اللغة الصورية ، وبذلك يمتلك خاصية مماثلة تماما لخاصية التصنيف حسب الوضعيات.

في النص التالي، ينتقد روبير بلانشي مختلف تصنيفات العلوم :

4. قسمة العلوم

” ظلت العلوم، في تشتتها المضطرد، مجتمعة ضمن مجموعات كبرى، حسب اشتراك معين في الموضوعات وفي وجهات النظر أو في المناهج (. . . ).

إن التمييز بين علوم مجردة وعلوم مشخصة (. . . ) لا يمكن الأخذ به إلا كتمييز يرسم الحدين المثاليين اللذين تتدرج في إطارهما كل العلوم . وقد كان على سبنسر الذي تبنى هذه القسمة أن يحشر مجموعة من العلوم ” المجردة ـ المشخصة “، لكن ما إن نفتح خانة كهاته ، إلا وتكون كل العلوم مجبرة على الدخول إليها ؛ ذلك لأن العلوم الأكثر تشخيصا تستدعي تصورات معينة ، أي تستدعي التجريد ، وليست هناك أيضا علوم مجردة كليا فقدت كل اتصال مع المشخص الذي تشكل هذه العلوم جزءا منه ؛ فحتى عندما تتحول إلى علوم رمزية وصورية خالصة فإنها تستند إلى هذا المشخص المتمثل في حدس العلامات، وبدل تقسيم مزدوج ، نجدنا بالأحرى بصدد تطور مستمر. وقد توجب قول ذلك أيضا ، وبنفس القدر عن التمييز بين علوم استنتاجية وعلوم إستقرائية. لقد بدأت الرياضيات بوصفها استقرائية، والعلوم المسماة علوما استقرائية ،  تتخذ غالبا ، وهي تنحو دومت نحو الاصطباغ بالصبغة الاستنتاجية ، والاستنتاج والاستقراء يسمان مرحلتين من مراحل تطور العلم ، وهما بدورهما مؤطران بواسطة مرحلة ابتدائية وأخرى نهائية. لقد بدا بالفعل أن كل العلوم تتبع نفس المسارات ، وذلك بتميزها فقط بدرجة تقدمها وسبقها ، مارة أو مستدعاة للمرور تباعا من المرحلة الوصفية ، ثم الاستقرائية ، ثم الاستنتاجية فالأكسيومية.

إن ما هو مبرر أكثر هو القسمة الكبرى التقليدية منذ القدم ، والتي هي على وفاق مع المؤسسات التي تفصل الرياضيات عن الفيزياء بالمعنى العام؛ حيث تشير هذه اللفظة الأخيرة إلى دراسة الطبيعة في كل امتداداتها.

لقد شكلت الرياضيات في العصور الوسطى اختصاص كليات الفنون كمبحث إعدادي ، في حين أن الفيزياء كانت تدرس كجزء من الفلسفة في الكليات العليا. وفي بداية الأزمنة الحديثة ، وبينما يعلي ترييض الفيزياء من شأن العلاقات بين المبحثين الإثنين ، نجد أن التوصل إلى دراسة الطبيعة على مستوى العلم كان له من جهة أخرى تأثير تمثل في تقسيم المعرفة العلمية إلى قسمين أو شقين . هذا الفصل فيما بين المعرفة القبلية والمعرفة البعدية الأمبريقية يتوافق بشكل جيد مع الفلسفة العقلانية القائلة بالأفكار الفطرية ومع الفصل الجذري بين الفهم والحساسية المرتبطان بثنائية الطبيعة الإنسانية.

لكن النزعة الأمبريقية ذاتها تجد نفسها كما لو كانت محرجة ومتضايقة للاعتراف بذلك ؛ لقد قسم هيوم المعارف الإنسانية إلى قسمين حسبما تدور حول العلاقات بين الأفكار أو حول أشياء الواقع : إن قوانين الأولى هي يقينية سواء حدسيا أو برهانيا ، أما المتعلقة بالثانية فهي احتمالية فقط. مثل هذه الثنائية ، كانت على الأقل مزعجة بالنسبة للأمبريقي ، هذا الأمبريقي الذي يعزو كل كمعارفنا لمنبع واحد ووحيد هو التجربة. ولقد تم اقتراح حل جذري من قبل ميل ( جون استيوارت ميل ) الذي يرى في القضايا ، لا قضايا الهندسة فقط ، بل حتى قضايا الأرتميطيقا ، مجرد حقائق تجريبية . لكنه ، وبدلا من معارضة شعور وأحاسيس الرياضيين القوية ، وجدت الأمبريقية ذاتها مقادة بالتدريج لاتباع مسار آخر ؛ فليست الرياضيات علما بنفس المعنى الذي نلصقه بالعلوم الأخرى ، إنها علمية يقينا ، وبشكل نموذجي حتى نظرا لصرامتها ودقتها ويقينيتها ، لكنها ليست معرفة بالأشياء ، إنها لغة متماسكة ، لكنها غير مبالية اتجاه الواقع.

إن هذه الفكرة هي التي أعيد تبنيها في العصر الحاضر بصورة سافرة ، مفصلة ومنهجية ، من طرف التجريبية المنطقية، فكرة تجعل ” علوم الواقع ” في حال تعارض مع ” العلوم الصورية ” ؛ أي المنطق والرياضيات منظورا إليهما كإنشاءات ذات خاصية لسانية . إن نسقا للمنطق الرمزي ، كتب كارناب : ” ليس نظرية ونسقا من العلامات حول موضوعات معينة ، وإنما هو لغة ، أي نسق من العلامات مع  قواعد اشتغاله “. إن تصورا كهذا يستدعي مع ذلك بعض التحفظات ، وليس فقط من قبل الرياضيين ” الأفلاطونيين ” ؛ فالقسمة التي يرسمها تقوم بين مجموعتين من العلوم أكثر مما تقوم بين الأنساق الصورية المحضة من جهة ، والتأويلات المشخصة التي يمكن لهذه القسمة تصورها أو تخيلها منى جهة أخرى، وهذا أيضا حتى في الميدان المنطقي أو الرياضي أقل منه في ميدان الفيزياء أو البيولوجيا. وكما أن بناء أنسقة كهاته ليس ممكنا إلا بالنسبة للعلوم التي تمت أكسمتها مسبقا ، فإننا نفهم فقط بأنها ستكون الأكثر تقدما وتطورا في مسار الصورنة الأكسيومية التي تقدم لنا عنها أحسن الأمثلة “.

إبستمولوجيا ر.بلانشي

روبير بلانشي ” الإبستمولوجيا ”

المنشورات الجامعية الفرنسية 1972

ص ص : 63-68.

كل تصنيف ، كما سبق وقلنا يخفي تراتبية معينة ؛ وتصنيف أوجست كونت المذكور أدناه هو بدون شك أحسن الأمثلة على ذلك؛ ففي الوقت الذي يدعي فيه أن هذا التصنيف إيجابي ووضعي ، بمعنى أنه محرر من كل ميتافيزياء ، أو متطابق في نفس الآن مع تراتبية الوقائع المدروسة من قبل العلوم ومع التطور التاريخي لهذه الأخيرة ، فإنه كان موجها بشكل كلي لكي يجعل من السوسيولوجيا ( الفيزياء الاجتماعية ) التتويج والاكتمال بالنسبة للمعرفة العلمية.

غير أن هذا التصنيف يكتسي أيضا بالنسبة لتصنيفات أخرى عديدة ، أهمية أكثر خصوصية : فأوغست كونت يصنف الظواهر ، وبالتالي العلوم التي تشكل هذه الظواهر موضوعاتها ، حسب مستويات مختلفة ، من البسيط إلى المعقد ، وبطريقة تجعلنا ، عندما نمر من مستوى أدنى إلى مستوى أعلى ، نجد مسبقا الظواهر مفسرة جزئيا ، ولن يتبقى أمام العلم من المستوى الأعلى إلا تقرير العلاقات الخاصة القائمة بين الظواهر التي يدرسها. إن المحاولة مثيرة، وإن كانت النتائج بخصوص حالات معينة تبعث على اليأس، بل هي مضحكة أحيانا : فصحيح على سبيل المثال أننا عندما ننتقل من مستوى علم الفلك إلى مستوى الفيزياء ، فإن الظواهر تكون مفهومة مسبقا بشكل جزئي ، والفيزياء تعيد إنتاج قوانين علم الفلك ، وتقيم أخرى خاصة بها ، لكن، هل نستطيع القول إن قوانين علم الفلك هي أكثر بساطة من قوانين الفيزياء؟ ..

إن صنافة كونت مهمة من زاوية نظر أخرى : فقد استعملت كمبرر ميتودولوجي ( وإيديولوجي ) لمفهوم الممارسة العلمية التي هي في نفس الآن خصبة على مستوى الاكتشافات ، وقابلة للمناقشة على مستوى الاستقطابات الفلسفية : إن النزعة الاختزالية أو الإرجاعية تذهب إلى أبعد مما ذهب إليه أوغست كونت نفسه ؛ حيث تدعي هذه المدرسة الفكرية أن مستوى معينا من الظواهر قابل للإرجاع بشكل تام إلى المستوى الأدنى منه. إن الإرجاعية تعلن عن نفسها بصورة أكثر نشاطا في البيولوجيا المجهرية ، حيث أجهدت نفسها في أن لا تستدعي مطلقا أية قوانين أخرى غير قوانين الكيمياء لتفسير الأنظمة الحية ( وهي بذلك تخرق أحد مبادئ التصنيف الكونتي ).

إن التصنيف الكونتي في حقيقته التاريخية ، كما في أشكال استغلاله اللاحقة ، هو وككل تصنيف آخر ، ليس محايدا.

5. تصنيف العلوم حسب تعقد الظواهر التي تدرسها.

أوغست كونت

” للحصول على تصنيف طبيعي وإيجابي ( وضعي ) للعلوم الأساسية ، يجب أن نبحث عن مبدأ التصنيف من خلال مقاربة مختلف الظواهر التي تهتم بها العلوم للكشف عن قوانينها، وما نريد توضيحه هو التعالق الواقعي بين مختلف الأبحاث العلمية، والحال أنه لا يمكن أن ينتج هذا الاعتماد المتبادل إلا من تعالق الظواهر المقابلة [ لهذه الأبحاث ].

وبأخذنا بعين الاعتبار لكل الظواهر القابلة للملاحظة ، ومن زاوية النظر هاته ، سنرى أنه يمكن تصنيفها في عدد قليل من الدرجات الطبيعية ، مرتبة بطريقة تجعل الدراسة العقلانية لكل صنف دراسة مؤسسة على معرفة القوانين الأساسية للصنف السابق ، وتصير بذلك أساس دراسة الصنف اللاحق. وهذا النظام والترتيب هو محدد بدرجة البساطة أو بدرجة عمومية الظواهر ، حيث ينتج تعالقها المتتابع كنتيجة البساطة الأكبر أو الأصغر لدراستها( . . . ).

إن تأملا أوليا لمجموع الظواهر الطبيعية يدفعنا إلى تقسيمها تبعا للمبدأ الذي أتينا على وضعه في صنفين أساسيين كبيرين ، يضم الأول منهما كل ظواهر الأجسام الخام ، في حين يضم الثاني كل ظواهر الأجسام المنظمة ( العضوية ).

هذه الأخيرة هي بالفعل أكثر تعقدا أو خصوصية من الأخرى ، فهي تتوقف على الظواهر السابقة التي لا تتوقف ، بالعكس من ذلك مطلقا ، على الأولى. ومن هنا ضرورة عدم دراسة الظواهر الفيزيولوجية إلا بعد دراسة ظواهر الأجسام غير العضوية. ويتأكد من بعض الطرق التي تفسر بها الفوارق بين هذين الصنفين من الكائنات ، أننا نلاحظ داخل الأجسام الحية كل الظواهر التي توجد داخل الأجسام الخام ، سواء كانت هذه الظواهر ميكانيكية أم كيميائية ، إضافة إلى نظام خاص بالظواهر الحية الخالصة ؛ أي تلك التي تقوم على التنظيم ( . . . ).

لننتقل الآن إلى التحديد الأساسي للتصنيف الموالي الذي يحتمله ، تبعا لنفس القاعدة ، كل من هذين الصنفين الكبيرين للفلسفة الطبيعية.

نرى أولا بالنسبة للفيزياء اللاعضوية ، وبتقيدنا دائما لخاصية العمومية والاعتماد في الظواهر ، وجوب تقسيمها إلى قسمين متمايزين تبعا لكونها تدرس الظواهر العامة للكون ، أو بشكل خاص ، تلك التي تعرضها الأجسام الأرضية ، حيث نجد الفيزياء السماوية أو علم الفلك ، سواء أكان هندسيا أم ميكانيكيا ، ثم الفيزياء الأرضية. إن ضرورة هذه القسمة ، هي بالضبط ، مشابهة للقسمة السابقة.

وباعتبار الظواهر الفلكية ظواهر أكثر عمومية وبساطة وتجريدا من غيرها ، فبديهي أنه يجب أن تبتدئ الفلسفة الطبيعية بدراستها ؛ ما دامت القوانين التي تخضع لها تؤثر على قوانين كل الظواهر الأخرى، والتي هي ذاتها ، وبالعكس من ذلك ، منفصلة عنها بصورة جوهرية؛ ففي كل ظواهر الفيزياء الأرضية نلاحظ أولا النتائج العامة للجاذبية الكونية ، وكذا بعض النتائج الأخرى التي هي خاصة بها ، والتي تُعَدل الأولى ( . . . ).

والفيزياء الأرضية بدورها تندرج في صنافة أدنى ، تبعا لنفس المبدأ ، في قسمين مختلفين جدا ، تبعا لما إذا كنا نتأمل الأجسام من زاوية نظر ميكانيكية أم من زاوية نظر كيميائية، أي حيث تتأتى الفيزياء بالمعنى التام للكلمة ، ثم الكيمياء. ولكي يتم تصور ذلك بصورة منهجية حقيقية ، يفترض بالبداهة وجود معرفة سابقة [ العلم السابق ] ؛ ذلك لأن كل الظواهر الكيميائية هي بالضرورة أكثر تعقيدا من الظواهر الفيزيائية ، وهي تتوقف عليها بدون أن تؤثر فيها. وكل منا يعرف بالفعل أن كل تفاعل كيميائي هو خاضع أولا لتأثير الثقل والحرارة والكهرباء . . . إلخ ، ويعرض زيادة على ذلك شيئا ما خاصا، يعدل حركة العناصر السابقة( . . . ).

تعرض كل الظواهر الحية نظامين أو نوعين من الظواهر المتميزة جوهريا ، أي تلك المتعلقة بالفرد وتلك المتعلقة بالنوع ، خصوصا عندما تكون قابلة للاجتماع ، ويعتبر هذا التمييز أساسيا وبالخصوص بالعلاقة مع الإنسان؛ فهذا النوع أو النظام الأخير من الظواهر هو بالبداهة أكثر تعقيدا وخصوصية من الأول، إنه يتوقف عليه دون أن يؤثر فيه ، ومن هنا ينتج قطاعان كبيران بداخل الفيزياء العضوية : الفيزيولوجيا بمعنى الكلمة ، والفيزياء الاجتماعية المؤسسة على الأولى.

إننا نلاحظ أولا في كل الظواهر الاجتماعية تأثير القوانين الفيزيولوجية لدى الفرد ، وفوق ذلك شيئا خاصا يعدل تأثيراتها ، ويتعلق بتأثير الأفراد على بعضهم البعض ، وهو معقد بالأخص لدى النوع الإنساني ، نتيجة تأثير كل جيل على الجيل الذي يليه. من البديهي إذن أنه يجب لكي ندرس الظواهر الاجتماعية بشكل ملائم ، أن ننطلق أولا من معرفة معمقة بالقوانين المتعلقة بالحياة الفردية ( . . . ).

كنتيجة لهذه المناقشة ، تجد الفلسفة الوضعية ذاتها مقسمة بشكل طبيعي إلى خمسة علوم أساسية، يتحدد تباينها بفعل اعتماد متبادل ضروري وثابت ومؤسس باستقلال عن أي رأي افتراضي ، على مجرد المقارنة المعمقة بين الظواهر المقابلة ، وتلك العلوم هي : علم الفلك ـ الفيزياء ـ الكيمياء ـ الفيزيولوجيا ـ وأخيرا الفيزياء الاجتماعية.”

أوغست كونت: دروس في الفلسفة الوضعية

الدرس الثاني في : كتب مختارة 1842

أوبيي ص ص 119 – 127

1.مــا هـــو الـــعلـــم ؟..

العلم نشاط خاص لم تكن له على الدوام ، لا القوة ، و لا الانتشار اللذين يعرف بهما اليوم . جغرافيا ، ظهر العلم في حوض البحر الأبيض المتوسط وأوربا الغربية ، ولم يمتد إلى أجزاء الكرة الأرضية الأخرى إلا مؤخرا ( القرن 19 ) وبشكل غير متكافئ . تاريخيا ، نستطيع القول إن له عقدين للميلاد : فقد ظهر أولا ، وبشكل خاص ، على شكل رياضيات ومنطق وعلم فلك ، وذلك منذ القديم . هذه العلوم ـ التي ذهبت بها شعوب معينة بالحوض المتوسطي إلى درجة من الاكتمال مبهرة ـ كانت علوما تأملية خالصة ، بمعنى أنه في مجتمع كمجتمع أثينا ـ مثلا ـ لم يكن لهذه العلوم أي ميل لخدمة أي تقدم تقني ، بل كانت وظيفتها ، الترويح عن النفس ، وتثقيف المواطنين العاطلين عن العمل بإعطائهم تصورا معينا عن العالم . وقد ظهر العلم بعد ذلك في القرن 17 في أوربا الغربية في خضم منافسة مع النسق التجاري ، ولكن بشكل أكثر مغايرة هذه المرة للسابق : حيث ، وباعتباره ظل أبعد ما يكون عن الصبغة التأملية ، فقد حاول ، ما في وسعه ، تحصيل المعارف المشبعة للحاجات العملية . وهذا هو السبب في كون العلوم المنحدرة من هذا المهد الثاني ، تختلف جذريا ، من حيث موضوعاتها ومناهجها ، عن العلوم التأملية الخالصة : إنها ستحاول معرفة العالم المشخص الفيزيقي ( في القرن 17 كانت ” الفيزياء ” تعني كل علوم الطبيعة ) ، وستطبق المنهج التجريبي لإنجاز هذه المهمة . و لا يتعلق الأمر مطلقـــا ، وبطبيعة الحال ، بادعاء أن كل الأبحاث كانت لها غايات عملية ، و لا أن كل الاكتشافات أمكن استيعابها كاكتشافات مشتقة من الحاجات التكنولوجية ، ومع ذلك فإن العلم المولود في القرن 16 لم يبق متجاهلا من طرف عقول خالصة ، وفر لها استعباد الآخرين فرص التفلسف مجانا ، ولكنه أصبح علما شكّل موضوع اهتمام البورجوازيين أو التجار الذين ، مع أنهم لم يمارسوه بأنفسهم بل تركوا أمره للاختصاصيين ، فإنهم حلموا بتملك العالم بواسطته ، كما باشروا ذلك فعليا عن طريق نشاطهم الاقتصادي . وكما بشر بذلك ديكارت ، فإن العلم ، منذ ذلك الحين ، استهدف ” جعلنا أسيادا متملكين للطبيعة ” . ولكن تجديد العلم في القرن 17 لم يفعل سوى أنه فتح أمام العلم قارة أخرى : قارة ” الفيزياء ” ، وساهم أيضا بالتدريج ، وبروح نفعية ، في استخدام العلوم القديمة التأملية من رياضيات ومنطق في دراسة الطبيعة . وهذا هو السبب في أننا عندما نتكلم اليوم عن العلم المعاصر ، فإننا نتجاهل مكتسبات العلم القديم وعلوم القرون الوسطى ، التي لا يمكن اعتبارها مكتسبات بدون معنى، لكي نشير ونعني بشكل جوهري العلم الأمبريقي أو التجريبي ، هذان النعتان اللذان يشيران في نفس الآن للموضوع ( الطبيعة ) وللمنهج ( الاختبار التجريبي ) العلميين (1).
إن العلم معرفة موضوعية تنشئ بين الظواهر علاقات كلية وضرورية تسمح بالتنبؤ بالنتائج ( المعلولات ) التي نحن قادرون على التحكم فيها تجريبيا ، أو تحديد سببها عن طريق الملاحظة . لنوضح حدود هذا التعريف :
1 ] إن العلم معرفة : من زاوية النظر الوحيدة هاته ، يماثل العلم ما نسميه : المعرفة الأمبريقية ، بمعنى المعرفة المؤسسة على التجربة الفورية التي هي غالبا خاطئة ( النار تحرق ـ الصوف يحتفظ بالحرارة ..الخ ) ، والمعرفة التقنية ( فن صناعة البواخر ـ والنار ..الخ ) . غير أن المقارنة تتوقف عند هذا الحد : إذ المعرفة الأمبريقية وكذا المعرفة التقنية تتحددان بواسطة الحاجات الفورية التي تستجيبان لها ( أتعرف على النجوم من أجل أن ترشدني ـ أسوق سيارتي لغرض التنقل … الخ ) ، في حين لم تكن للمعرفة العلمية أبدا ، وبمعنى معين ، تطبيقات فورية : إنها بالفعل إجراء ثقافي وفكري خالـص ، ولو أنها أُنشئت لغاية تطبيقات عملية محددة . لقد استطاع علماء معينون ـ مثلا ـ دراسة علم القذائف بغية تحسين مردودية قطع المدفعية ، إلا أنهم كانوا مطالبين باستخلاص قوانين عامة صالحة بالنسبة لجميع الأجسام المقذوفة . وقد استُخدمت هذه القوانين في ما بعد من طرف رجال المدفعية ، ولكن ، أيضا ، من طرف الصناع ، وحديثا من طرف المهتمين بإطلاق المكبات الفضائية إننا نجد أن العلم ، وربما كان ذلك هو السبب الأقوى لميلاده في المجتمع التجاري ، يفترض تقسيما للعمل : إنه يتعارض مع المعرفتين الأمبريقية والتقنية في أن الإجراءات الفكرية الخالصة وكذا المادية الخالصة مفصولتان عن بعضهما في العلم والتقنية ، كما أن الأشخاص القائمين بهذه الإجراءات هم أنفسهم منفصلون عن بعضهم البعض ومقسمون إلى علماء وتقنيين .
2 ] إن المعرفة العلمية معرفة موضوعية أو تنزع نحو الموضوعية : فهي تتمثل في قضايا ( قوانين ) و/أو أنسقة من القضايا ( نظريات ) هي مطالبة ، وفي الآن نفسه ، بالاستجابة لمعايير الصلاحية ( التماسك المنطقي الداخلي لقضية أو نسق من القضايا ) ولمعايير الحقيقة ( التطابق بين القضية والوقائع ) . وهذان النوعان من المعايير ( خاصة المعايير الثانية ) مستقلان أو يحاولان الاستقلال عن كل تقدير ذاتي . هكذا يلغي العلم ، لا فقط قضايا اللغة الدارجة أو الشعرية التي تتضمن تناقضا داخليا ( ” هذا التلميذ متوسط الذكاء لأنه ينتمي إلى وسط متواضع ـ متوسط ـ ” أو ” الأرض زرقاء كبرتقالـة ” ) ، بل أيضا القضايا المتناقضة مع أخرى ( ” الشمس هي مركز الكون وهي لا تتحرك ” هي قضية غير متسقة مع القضية التالية : ” الشمس تدور حول الأرض ” ) ، بل وأيضا حتى القضايا التي تم تكذيبها بواسطة التجربة أو الملاحظة ( ” الطبيعة تخشى الفراغ ” هي قضية تم تكذيبها عن طريق التجربة ) . وبإرضاء هذين الشرطين يستطيع العلم أن يدعي الموضوعية والحصول على موافقة ( إجماع ) الجماعة العلمية ( المجتمع ) . ثم ، بمقدار ما يتشرب العلمُ الجسد الاجتماعي ( بواسطة مجموع الأنسقة والأنظمة التربوية ) للمجتمع بأكمله . وهذه الملاحظة الأخيرة تبين أن الموضوعية لا تحصلها المعرفة العلمية بشكل فوري ومباشرة ، لأنها مسألة يمكن امتلاكها بالتدريج ، نتيجة التعديل المتعاقب للأخطاء ، والتدقيق والإرهاف المستمرين للنظريات . فالعلم يترك دائما في بعض الجهات مناطق تشكل غنيمة سهلة للذاتية : ليست الموضوعية ، إذن ، محمولا جوهريا (2) للمعرفة العلمية ، إنها بمعنى ما ، النواة الصلبة للعلم ، وهي متأتية من محيط معين من الاحتمال والارتياب … الخ : إنها لا تنتمي إلى ما هو كائن ، لأنها من صنف ما يصير ويكون .
سمة مميزة أخرى تضع العلم في حال تعارض مع الحس المشترك ( المعرفة العامية ) تتمثل في كونه يستخدم مفاهيم وحيدة المعنى ، تجعل من المعرفة العلمية معرفة موضوعية : فبتعارض المفاهيم العلمية ، بهذا الخصوص ، مع المفاهيم اللسانية ( مفاهيم اللغة المتداولة ) تتميز بكونها ليس لها ، أو تحاول أن لا يكون لها إلا معنى واحدا محددا من طرف العالــم ، وذلك لتغطية مجموع من الظواهر أو العلاقات ، في حين أن المفاهيم اللسانية ملتبسة بطبيعتها : فهي تغطي عدة مجموعات من الظواهر ، وهي معرضة لانزلاق المعاني وللتشوهات مثلا ، أو لترابط غير لائق للأفكار . إن مفهوم العطالة مثلا في اللغة العلمية يشير إلى خاصية تنسحب على كل الأجسام الصلبة ، وعليها وحدها فقط ، وحسب هذا المفهوم فإن جسما متروكا لحاله يظل في حالة اللاحركة ، أو في حالة حركة دائمة ما دام لم يتعرض لأي شيء يغير حركته . وبالعكس من ذلك في اللغة المتداولة ، تُتمثل العطالة باعتبارها غيابا للحركة ، أو كمقاومة لها ( قوة العطالة ) ، كما يمكن سحب هذا المفهوم على الأجسام والأرواح معا ، إلى حد أنه يتحول أحيانا إلى مرادف للجمود والبلادة . نرى بوضوح إذن أنه لا يمكننا إقامة أية معرفة موضوعية انطلاقا من التصور اللساني للعطالة ، وذلك لأنه ليست هنالك أية علاقة مشتركة بين عطالة الفتاة الشابة المغمى عليها ، وعطالة السيد ” دوبون ” الذي يرفض مغادرة كرسيه لممارسة عملية غسل الأطباق المنزلية ، أو العطالة الاجتماعية التي تمنع النواب الجيسكارديين من القيام بالإصلاحات الضرورية . إن المفهوم العلمي ، بالعكس من ذلك ، لا يسمح بأي شيء على الأقل خلا بناء كل الميكانيكا المتعلقة بالأجسام الصلبة .
3 ] يدرس العلم الظواهر : و لا نعني بهذا اللفظ الأشياء أو الوقائع التي يستطيع أي إنسان ملاحظتها في ما حوله ، بل نعني به الأشياء أو الوقائع المحددة ، والمنتقاة ، والمصنوعة من طرف العلماء . فالكيمياء ، على سبيل المثال ، لا تدرس ماء الحنفية أو ماء سيدي حرازم ، بل تدرس مركبا كيميائيا H2O ، والفيزيائي الذي يريد تبديه قانون السقوط الحر للأجسام لا يهتم بالانتحار والسقوط من النافذة ( بالنسبة للأشخاص ) ، وذلك لكي يحصر اهتمامه وانتباهه في دراسة كويرة معدنية تتدحرج فوق سطح مائل ، في الوقت الذي يدرس فيه عالم الطيور سلوك العصافير المحصية والمفهرسة قبليا ، والمصنفة حسب معايير مورفولوجية وإيكولوجية … الخ .
4 ] يقيم العلم علاقات كلية وضرورية : وبذلك يتجاهل الحالات الخاصة والجزئية ، و لا يهتم إلا بالظواهر التي تحدث دائما في ظروف محددة . إن العلاقات المقامة بين حدوث الظواهر والشروط والأسباب التي تؤدي إلى حدوثها هي ضرورية بمعنى أن الظاهرة لا يمكن أن لا تحدث عندما تجتمع وتتوفر شروط حدوثها . والعلاقات المستخلصة بهذه الصورة تحمل صفة ” قانون ” . وسنرى في ما بعد أن قوانين علمية معينة هي قوانين وصفية

خالصة ، في حين أن قوانين أخرى هي قوانين سببية . تنبؤ العرافة
5 ] يمكِّن العلم من التنبؤ انطلاقا من القوانين التي ينشئها : وهنا يجب أن نميز بوضوح بين نشاطات وإمكانيات العلم في مجال التنبؤ ونبوءات وتكهنات العرافين الممارسة بكل أصنافها من طرف بائعي الأوهام والدجالين . إن التنبؤ العلمي هو في نفس الآن أكثر فعالية وأكبر محدودية من تنبؤ أو فراسة العرافة : فالتنبؤ يفترض بالفعل التحكم الكامل في سيرورة ما ، بمعنى معرفة سبب ما وتأثير ما ، و نتيجة لذلك تتوفر لهذه المعرفة ميزة مطلقة . على سبيل المثال يمكن التنبؤ وبدقة لامتناهية بحالات الخسوف كما هو الشأن بالنسبة لمسارات المركبات الفضائية . وإذا كانت التنبؤات المناخية ( الأرصاد الجوية ) ـ والتي ليست بالسوء الذي يزعمه البعض ـ لا تضمن في شيء الحالة الجوية المثلى ( المتنبئ بها ) لعطلنا الأسبوعية أو الكبرى ، فإن مرد ذلك فقط إلى التعقد والتفاعل بين الظواهر التي لا نعرفها بشكل جيد دائما ، وإلى صعوبة ملاحظتها بالامتداد والاتساع الضروريين . وبالمقابل ، يتميز التنبؤ أو التكهن المبني على التنجيم أو على قراءة فنجان القهوة بعدم فعاليته كليا ، لأنه لا يقيم أية علاقة ضرورية بين سبب ونتيجة . وإذا كان مدى التكهن لا نهائيا ( حيث نستطيع التكهن بموت أحد السياسيين بشكل أفضل من التكهن بزواج نجمة من نجوم الطرب ) فإن الثقة التي نضعها في هذا التكهن تساوي صفرا .
وهكذا فإن العلم ـ بفضل موضوعيته ، وبفضل الضرورة المطلقة للعلاقات التي يقيمها ، والتنبؤات التي يقوم بها ، وأيضا بفضل التواضع والحذر المصاحبين لكل قضية من قضاياه ـ هو معرفة من طبيعة أخرى مغايرة لطبائع أنواع المعارف الأخرى ، صحيحة كانت أم خاطئة .

1 ـ خصائص المعرفة العلمية :
ـ العلم والرأي : [ بادئ الرأي ] .

ليس العلم معرفة مختلفة عن تلك التي يمدنا بها الرأي فقط ( أو المعرفة العامية ) ، ولكنه لا يمكن أن يوجد أيضا ، كما أوضح ذلك وبقوة جاستون باشلار في جميع أعماله ، إلا بإحداثه قطيعة إبستمولوجية مع الرأي ؛ فالمعرفة العلمية مطالبة حتى تنتج معرفة إيجابية ، بإنكار شبه ـ معرفة سابقة ، وبالنسبة لباشلار فإن المعرفة العلمية هي دائما مفارقة [ رأي مغاير للرأي السائد ] تؤكد ذاتها ضد حكم مسبق .
هكذا لن ننزعج ، تبعا لإشكالية باشلار ، من أننا نتحاشى الطرح المغلوط للتعارض بين المعرفة العلمية والرأي الشخصي ( الإحساس ـ الذاتية ) ، والذي عودنا التقليد الفلسفي على حله باللجوء إلى ” ثياثيثوسنا ” أو إلى مقدمة أرسطو الكبرى ” لا علم إلا بما هو كلي ” ؛ إذ يتعلق الأمر هنا بإبستمولوجية طفولية تختزل رادة المعرفة العلمية إلى العمومية ، إلى المفهوم ، بفصله عن إطاره المتمثل في العالم المحسوس ـ وهو ما يعتبر تعسفا ـ ؛ فتأسيسا على إبستمولوجيا مثل هاته لا يمكن لأي علم أن يتشكل ما عدا الرياضيات والمنطق ، ما دامت ترفض مفاهيم العلم الأمبريقي المعاصر : أي تلك المتعلقة بالكم والقياس ، فالثياثيثوس ـ مثلا ـ يقصي مستثنيا التيرموميتر ( مقياس الحرارة ) .
وإذا كنا نريد تعريف العلم بالعلاقة مع الرأي فعلا ، فيجب أن نمنح لهذا الأخير لا معنى الفكرة الشخصية الذاتية ، بل بالعكس معنى الفكرة المتلقاة ؛ فليس للعلم ، أو لم يعد من مهامه الصراع ضد المعيش ، بل هو مطالب بالمصارعة الدائمة وغير المهادنة للإيديولوجيا .
في أي شيء إذن يختلف العلم عن بادئ الرأي المتمثل بهذا الشكل ؟ .. إن بادئ الرأي ، صادقا كان أم كاذبا ، لم يكن أبدا مُحفّزا إلا من طرف حاجة اجتماعية : فالفكرة القائلة بأنه في مناطق ساحلية معينة تجلب الرياح الغربية الأمطار والعواصف ، هي فكرة تستجيب لضرورة حيوية لدى الفلاحين للحفاظ على إنتاجيتهم الفلاحية ، ولدى البحارة لكي يعرفوا إن كان بإمكانهم الإبحار بدون مخاطر ، ونفس الشيء يذكر بالنسبة للفكرة القائلة بأن المحار البحري مهيج للشهوة الجنسيــة ، فهي فكرة ليس لها من معنى إلا ما تشهد به ـ على سبيل المثال ـ عدة لوحات لدى المجتمع الفلاماندي الراقي في القرن 17 حيث كان الاهتمام بالغا بالنتيجة الناشئة عن التهام هذه الرخويات أكثر من الاهتمام بالسيرورة التي تؤدي لهذه النتيجـــة . إن بادئ الرأي يبحث عن نتيجة ، عن معلول ، في الوقت الذي يقيم فيه العلم علاقة . ألم يكن باشلار إذن محقا في القول بأن بادئ الرأي لا يمكن أن يكون على صواب ، حتى ولو كان صائبا بالصدفة وانطلاقا من الوقائع ، ” إن بادئ الرأي هو بحق خاطئ دوما ” . إن العلم ينشغل ويحرص بالفعل على إضفاء المشروعية على أحكامه وإثباتاته بدون أن يهتم بنتائج وتأثيرات محتوياتها ، أما الرأي ، فهو على العكس ، لا يبالي بتفسير الظاهرة ولا يفعل سوى أن يقرر وجودهـــا ، و لا تهمه إلا المنفعة التي يمكنه أن يجنيها منها . سنرى في ما بعد أنه يمكن إيجاز التعارض بين العلم وبادئ الرأي في الكلمات التالية : يبحث العلم عن الأسباب الفاعلة في حين يتجه بادئ الرأي مباشرة صوب الأسباب الغائية .
وإذا كنا نريد تقدير وقياس أهمية القطيعة الإبستمولوجية التي يحدثها العلم ، فإننا نستطيع مساءلة أنفسنا عن معنى إصلاح النظام التربوي المسمى إصلاح ” هابي ” [ في فرنسا ] في ميدان التعليم العالي : فهذا الإصلاح ينزع ، في ميدان التعليم الابتدائي والإعدادي نحو إبدال الخبرات المعرفية العلمية ، المتهمة بأنها صعبة المنال ، متجهمة ،جافة ، وغير منفتحة على الحياة ، بمعارف يزعم أنها نافعة ( كما لو أن المعارف العلمية الحقة ليست كذلك ) ومباشرة ، كما ينزع نحو تعويض التفسير العلمي للظواهر بالخبرات العملية savoir faire . في هذا الميدان الذي يهمنا بالدرجة الأولى ، نتناول من جديد مشعل باشلار ، ولا نسمح للعلم بالتنازل لبادئ الرأي كي يستحوذ على الساحة التي استوطنها العلم بصبر وأناة .

جاستون باشلار

(1) الرأي بحق ، خاطئ دوما .

إن العلم في حاجته إلى الاكتمال ، كما في مبدئه ، يعارض بإطلاق الرأي . وإذا حدث له في نقطة معينة أن يجعل من الرأي موقفا مشروعا ، فذلك لغايات أخرى غير تلك التي تؤسس الرأي ، بشكل يجعل من الرأي دائما موقفا خاطئا . إن الرأي يفكر بشكل سيء ، بل إنه لا يفكر : إنه يترجم الحاجات العملية إلى معارف ، وبتحديده للأشياء انطلاقا من مردودها العملي يعوق ذاته عن معرفتها . لا يمكن أن نؤسس أي شيء على الرأي إذ يجب أولا تدميره ، فهو أول عائق يجب تجاوزه ، ولا يكفي مثلا تعديله في نقاط معينة ، والاحتفاظ به كشكل من الأخلاق المؤقـتة ، كمعرفة عامية مؤقتة . إن الروح العلمية تمنعنا من اتخاذ رأي حول مسائل لا نفهمها ولا نستطيع صياغتها بشكل واضح . يجب أن نعرف أولا وقبل كل شيء كيفية طرح المشاكل . ومهما قلنا عن الحياة العملية ، فإن المشاكل لا تطرح من تلقاء ذاتها ، وهذا المعنى بالضبط هو الذي يسم الروح العلمية الحقيقية ؛ فكل معرفة ـ بالنسبة للروح العلمية ـ هي جواب عن سؤال . وإذا لم يكن هنالك سؤال ، فلا يمكن أن تكون هنالك معرفة علمية . إذ لا شيء ينبثق من ذاته ، لا شيء معطى بذاته ، فكل شيء يبنى ” .

ك . باشلار : ” مكونات الروح العلمية ” .
فران 1967 ص : 14 .

لا يسجل العلم فقط ـ بالنسبة لباشلار ـ قطيعة مع بادئ الرأي في اللحظة التي يتكون فيها : إنها قطيعة أبدية دائمة ؛ ففكرة علمية ما تستطيع دائما أن تصير رأيا معقِّما متى ما تم إقرارها وتكريسها . لا يمكن ، إذن ، اعتبار تاريخ الفكر العلمي تاريخا لتطور مستمر متصل ( الأطروحة التي يساندها الإبستمولوجيون القائلون بالاتصال ) ، بل بالعكس ، تاريخا لثورة دائمة تبرز خلالها أفكار مناقضة لأفكار أخرى ، ووقائع مناقضة لوقائع أخرى … الخ . وتحدد هذه ” الجدلية ” الأبدية الحركة الذاتية للعلم المتمثلة في تعديل دائم للأفكار بواسطة الوقائع ، وللوقائع بواسطة الأفكار .

(2) التقدم العلمي متتالية من القطائع .

” يعلن التقدم العلمي دائما عن قطيعة ، عن قطائع أبدية بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية ، وذلك كلما تناولنا علما متطورا ، علما هو بفعل هذه القطائع ذاتها ، يحمل ميزة المعاصرة .
كي نعطي لمشكلة التقدم العلمي أفقها الفلسفي ، علينا أن نفحص عن قرب بعض الاعتراضات المصاغة من طرف أنصار الاستمرارية الثقافية ( . . . ) .
أحد الاعتراضات الطبيعية لأنصار الاستمرارية الثقافية يستدعي استمرارية التاريخ ؛ فما دمنا نقوم باستعراض استمراري للوقائع ، فإننا نظن بسهولة في إمكانية إعادة إحياء الحوادث في استمرارية الزمن ، ونعطي بدون انتباه لمجمل التاريخ صفة وحدة واستمرارية كتاب ما ( . . . ) .
إن الاستمراريين شغوفون بالتفكير في الأصول ، إنهم يهتمون بالبحث عن العناصر الأولى للمعرفة ؛ فالتقدم العلمي يحدث ببطء شديد ، ويظهر أنهم أكثر بطئا وأكثر استمرارية . وكما أن العلم يخرج ببطء من جسد المعارف العامية ، فإنهم يعتقدون في إمكانية امتلاك اليقين النهائي بالاستمرار بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية . وفي المحصلة ، هذه هي المصادر الأساسية للإبستمولوجيا الموضوعة من طرف الاستمراريين : ما دامت البدايات بطيئة فإن أنواع التقدم مستمرة . لذلك لا يذهب الفيلسوف بعيدا ، فهو يظن أن لا جدوى من معايشة الأزمنة الجديدة حيث تنفجر أشكال التقدم العلمي من كل جهة مفجرة معها بالضرورة الإبستمولوجيا التقليدية ( . . . ) .
طريقة أخرى لتمويه الانقطاعات في التطورات العلمية تتمثل في نسب استحقاقها لحشد من الخدام المجهولين ؛ حيث يُعشق الادعاء بأن التطورات كانت ” في الهواء ” عندما حيّنها رجل [ العلم ] العبقري . وبذلك تؤخذ بعين الاعتبار ” الأجواء ” و ” التأثيرات ” . وكلما كنا بعيدين عن الوقائع ، كلما كان سهلا استدعاء ” التأثيرات ” التي تستدعى بدون توقف من أجل الأصول الموغلة في البعد ، فهي تمرّرُ عبر العصور والقارات .غير أن مفهوم التأثير هذا العزيز على الفكر الفلسفي ليس له من معنى في ميدان بلوغ الحقائق والاكتشافات في حضن العلم المعاصر . إن العاملين [ في المختبرات ] يجتمعون بدون شك ، وبدون شك يتعاونون في مجال البحث ، وهم يشكلون الآن فرقا ومدارس ، ولكن عبقرية مختبرات ما تقوم في نفس الوقت على النقــد والتجديد ؛ والنقد الذاتي لدى عمال المختبرات يدحض من جوانب متعددة كل ما ينهض من ” التأثير ” ( . . . ) إنه وصف للفكر العلمي باعتباره فكرا موجها داخل دوغماتية حقيقة لا تناقش ، وتلك ممارسة لعلم ـ نفس كاريكاتوري عفا عليه الزمن ، إذ أن نسيج تاريخ العلم المعاصر هو النسيج الزمني للجدال ، والبراهين التي تتقاطع فيه هي كذلك [ ناجمة عن ] فُرص الانقطاعات .
نوع ثالث من الاعتراضات مستعار من طرف أنصار الاستمرارية الثقافية من مجال البيولوجيا ؛ فما دمنا نعتقد في الاستمرار بين المعرفة العامة والمعرفة العلمية ، فإننا نعمل على الاحتفاظ بها ونجعل مسألة تقويتها إلزاما لنا ، ونريد أن نستخرج من الحس السليم ، بتؤدة ورفق ، أصول ومبادئ المعرفة العلمية ، وننفر من ممارسة العنف ” بالمعنى العامي ” . زفي مناهج التعليم الأولية نزجي ، كما في لحظات الاستمتاع ، ساعات التلقين الخصبة ، ونتمنى الاحتفاظ بتقليد العلم الأولي ، العلم البسيط ، ونجعل من واجبنا إشراك التلميذ في جمود المعرفة الأولى .يجب عكس ذلك التوصل إلى نقد الثقافة الأولية ، فنلج بذلك مملكة الثقافة العلمية الصعبة والمعقدة .
ها هنا حالة انقطاع لا يمكن محوها بسهولة باستدعاء نزعة نسبية بسيطة : فمن البسيط والسهل أصبحت الكيمياء فجأة صعبة ومعقدة . إنها لم تصبح معقدة بالنسبة لنا فقط ، ولا بالنسبة للفيلسوف فقط ، ولكن وبشكل أكبر صعبة في ذاتها . لن يقبل مؤرخو العلم بدون شك أن توصف الثقافة العلمية لعصرنا بأنها ثقافة صعبة بشكل خاص . إنهم سيعترضون بأنه ـ خلال حركة التاريخ ـ كانت كل أشكال التقدم صعبة ، وسيكرر الفلاسفة أن أطفالنا يتعلمون اليوم في المدرسة وبيسر ما تطلب مجهودا ضخما من العباقرة المتفردين للأزمنة المتطورة . ولكن هذه النسبية الواقعية والبديهية لا تفعل سوى إبراز السمة المطلقة لصعوبة العلوم الفيزيائية والكيميائية المعاصرة متى توجب علينا الخروج من مملكة العناصر الأولية ” .

ك . باشلار : ” المادية العقلانية ”
المطبوعات الجامعية الفرنسية 1972 .
ص ـ ص 213 – 207 .

إن القطيعة الإبستمولوجية هي بالبداهة أكثر ظهورا في العلم المعاصر منه في العلوم عند ولادتها . وباشلار هنا يوضح كلك بواسطة مثال مستعار من تقنية ” عقلانية ” هي عقلانية المصباح الكهربائي الذي يفترض وجوده ذاته لا فقط التخلي عن بادئ الرأي الذي يقنعنا بأن مصباحا لا يمكنه أن يضيء إلا بإحراق مادة معينة ، بل أيضا تشكيل وتأسيس مجموعة بكاملها من المعارف العقلانية تسمح بتصور وصنع الموضوع التقني البالغ التعقيد المتمثل في المصباح [ الكهربائي ] .

(3) مثال تقني ـ علمي للقطيعة : المصباح الكهربائي .

” لنوضح ( . . . ) كيف أن التقنية التي صنعت المصباح الكهربائي ذي الخيط المتوهج تقطع حقيقة مع كل تقنيات الإنارة المستخدمة من طرف الإنسانية كلها حتى القرن 19 . فلكي ننير مكانا في التقنيات القديمة وجب إحراق مادة ما . أما الفن التقني في مصباح أديسون فيقوم على تجنب الإحراق . إن التقنية القديمة هي تقنية الاحتراق ، أما التقنية الجديدة فهي تقنية اللااحتراق .
ولكي نتمكن من هذه الجدلية ، [ نتساءل ] عن المعرفة العقلانية الخاصة التي يتوجب امتلاكها عن الاحتراق | إن أمبريقية الاحتراق لم تعد كافية للذي يكتفي بتصنيف المواد القابلة للاشتعال والاحتراق ، وبتضخيم قيمة المواد القابلة للاحتراق أكثر من غيرها ، وبتمييز بين المواد القابلة للاحتفاظ بالاحتراق والمواد غير القمينة بذلك . يجب أن نمتلك فهما مؤداه أن احتراقا ما هو تأليف لإعاقة الاحتراق ، وليس نموا لقوة جوهرية . وقد أصلحت كيمياء الأوكسجين في العمق ، وبشكل جذري المعرفة المتعلقة بالاحتراق .
في [ إطار ] تقنية اللااحتراق ابتكر أديسون المصباح الكهربائي ، زجاج المصباح المغلق ، المصباح الذي لا يسحب ( الأوكسجين الضروري للاحتراق ) . إن المصباح لم يصنع لكي يعوق توهج المصباح ذاته بفعل التيارات الهوائية ، بل صنع للمحافظة على الفراغ حول السلك المتوهـج ، فليس للمصباح الكهربائي مطلقا أية خاصية مشتركة مع المصباح العادي ، والخاصية الوحيدة التي تسمح بالإشارة إلى المصباحين معا باستخدام نفس اللفظ هي أن كليهما ينيران الغرفة عندما يحل الظلام ، وحتى نجعلهما متقاربين ومتقابلين ، فإننا نجعل منهما هدفا لسلوك حياتي مشترك . لكن هذه الوحدة في الهدف ليست وحدة للفكرة ، إلا لمن لا يفكر في أشياء أخرى غير الهـــــدف ( . . . ) .
ما نريد البرهنة عليه هو أنه في العلم الكهربائي ذاته ، هناك تأسيس لتقنية “غير طبيعية ” ، لتقنية لا تتلقى دروسها من اختبار تجريبي للطبيعة ؛ إذ لا يتعلق الأمر بالفعل ، كما سنشير إلى ذلك ، بالانطلاق من الظواهر الكهربائية كما تعرض للفحص المباشر والفوري .
في العلم الطبيعي للكهرباء في القرن 18 طُرح بدقة التساوي الجوهري بين المبادئ الثلاثـــة : نار ـ كهرباء ـ نور . وبكلمة أخرى ، فإن الكهرباء أخذت من الخصائص البديهية للشرارة الكهربية ؛ فالكهرباء نار ونور ” التيار الكهربائي ، يقول l’abbé bertholon ( كهرباء النباتات . ص : 25 . ) نار محورة ، أو هو بنفس المعنى تيار مشابه تماما للنار والنور ، ذلك لأن له معهما أكبر العلاقات ، وهي المتمثلة في الإنارة واللمعان ، والاشتعال والإحراق ، أو تذويب أجسام معينة : وهذه ظواهر تثبت أن طبيعته هي طبيعة النار ما دامت تأثيراته العامة مشابهة لتأثيرات النار ، ولكنه نار محورة ما دام يختلف عنها من بعض الأوجه ” . وليس هذا الكلام حدسا معزولا لأننا نجده بسهولة في كتب عديدة خلال القرن 18 .
هكذا لا تستطيع المعرفة العامية أن تتطور بتأصلها في القيم الأولى ؛ إنها لا تستطيع هجر أمبريقيتها الأولى ، إن لها من الإجابات أكثر مما لديها من الأسئلة ، إن لديها جوابا عن كل شـيء . وسنرى ذلك في المثال المختار التالي : إذا كانت عصا resine راتنج [ مادة صمغية لزجة تفرزها بعض النباتات لاسيما الصنوبر ] تقذف الشرارات لأقل احتكاك ، فلأنها مليئة بالنار . فلماذا نندهش من هذه الظاهرة الجديدة ؟ … ألم نكن نصنع منذ عهود غابرة مشاعل بواسطة الراتنج ؟ … وهذه الشرارات ليست فقط نورا باردا بل حارا ، وتستطيع أن ماء الحياة ملتهبا ، ماء النار . كل هذه الملاحظات في النمط الأمبريقي للقرن 18 تثبت الاستمرارية بين الحس المشترك والتجربة العلمية . إن الظاهرة التي فاجأتنا أولا لم تكن أبدا إلا مثالا لسريان النار في مجمل الطبيعة وفي الحياة ذاتها ، وكما قال بوت pott باستخدامه للكلمة العالمة phlogistique مصدر اللهب [ سائل تصوره الكيميائيون القدامى لتفسير الاحتراق ] ، ولكن بالتفكير ضمنيا في الكلمة الشعبية : النار : ” إن امتداد هذه المادة ( le phlogistique = مصدر اللهب ) يذهب أبعد في الكون ، فهو منتشر في الطبيعة كلها ولو في توليفات جد مختلفـــــة ” . هكذا ، ليس هناك من حدوس عامة غير الحدوس الساذجة ، والحدوس الساذجة تفسر كل شيء ( . . . ) .
إن صورا كهاته ـ والتي يمكن مضاعفتها ـ توضح بشكل كاف بأي بساطة ينشئ أمبريقي من الملاحظة نسقه ، ومدى السرعة التي يغلق بها هذا النسق . إننا نرى ذلك ؛ فالمعارف العلمية الكهربائية كتلك التي يكونها الملاحظون الأوائل مُلحقة ، وبسرعة ، بكوسمولوجية للنار . ولو تم إنجاز مصباح كهربائي في القرن 18 ، فإن السؤال التالي كان سيطرح لا محالة وهو : كيف يمكن أن تصير النار الكهربائية الكامنة نارا ظاهرة ؟ .. كيف يمكن أن يصير نور الشرارة نورا دائما ؟ .. وكثيرة هي الأسئلة التي تستهدف جوابا مباشرا ، و لا واحدة من هاته النظرات للكون استطاعت أن تقود وتهدي تقنية معينة.
لنعد إذن إلى فحص الظاهرة ـ التقنية . إن التاريخ الفعلي قائم هنا لإثبات أن التقنية عقلانية ، تقنية ملهِمة بواسطة قوانين عقلانية وقوانين جبرية ( الجبر ) ، ونحن نعلم جيدا أن القانون العقلاني الذي يضبط ظواهر المصباح الكهربائي في توهجها هو قانون ” جول ” الذي يخضع للمعادلة الجبرية التالية :
W = RI2t
( W = طاقة ، R : مقاومة ، I : قوة التيار ، t : زمن )
هاهنا علاقة مضبوطة لمفاهيم محددة بدقة . W تسجل في العداد ، RI2t تستهلك بداخل المصباح . إن التنظيم الموضوعي للقيم يتصف بالكمال .
من المعلوم أن الثقافة المجردة شطبت على الحدوس المحسوسة الأولى ؛ إننا لم نعد نقول ـ أو نعتقد بالكاد ـ أن النار والنور يتجولان في خيط الكهرباء العجيب ، لأن التفسير التقني يذهب إلى المعنى المعاكس للتفسير الجوهراني ، وهكذا فإننا عندما نريد أن نحدد بشكل أفضل آثار المقاومة نستدعي المعادلة التالية : . R = P L
s

( P = مقاومة المعدن ، L : طول الخيط الكهربائي ، S : القطع المخروطي للخيط الكهربائي ) . وسندرك الضرورة التقنية لاستعمال خيط طويل ودقيق لتصعيد المقاومة ، وسنتعجب لدقة الخيط المرتعش . إن العامل p يحتفظ بدون شك بتحفظ معين اتجاه الأمبريقية ، ولكنها أمبريقية مؤطرة جيدا ، مؤطرة عقلانيا . ومن جهة أخرى ، يستطيع علم أكثر تطورا أن يأتي في ما بعد ليضاعف فتوحاته ضد هذه الأمبريقية . إن الصناعة المعاصرة بالتصاقها وتشبثها بتقنية محددة ، وباشتغالها على مادة مصفاة بعناية كما هو شأن فلزات ” تنغستن ” تنتهي إلى نوع من عقلنة المادة ؛ فبالنسبة للمعمل الذي يصنع المصابيح ذات السليكات من نوع تنغستن لم يعد العامل p يحتفظ أبدا بأية مفاجأة امبريقية ؛ فهو بمعنى ما منزوع الفردية ماديا ، إذا كنا حساسين اللطائف الفلسفية التي لا يمكن أن يفوتها الاعتراف بالدور الفعلي للعقلنة في صناعة المصابيح الكهربائية بالجملة .
نستطيع إذن أن نؤكد أن المصباح الكهربائي هو موضوع للفكر العلمي ، وبهذه الصفة ، هو مجرد مثال بالنسبة لنا ، ولكنه مثال واضح تماما لموضوع مجرد ـ مشخص ، لنفهم وظيفته ، يجب القيام بانعطاف يقودنا نحو دراسة علاقات الظواهر في ما بينها ؛ أي نحو علم عقلاني معبّر عنه جبريا ” .

ك . باشلار
” العقلانية المطبقة ”
المطبوعات الجامعية الفرنسية 1949 .
ص ص 109 – 105 .

إن للتصور الباشلاري الذي يعرّف العلم كمتتالية من القطائع مع المعرفة العامية نتائج من الأهمية بمكان : فلا يجب أن نبحث للاكتشافات العلمية عن سوابق أو أسلاف . إن باشلار يريد محاربة فكرة ، هي مع ذلك أكثر انتشارا ، يتم الإحساس وفقها بكل المعارف العلمية مسبقا ” في خطوطها الكبرى ” قبل أن يتم بناؤها بشكل صارم . وهكذا فإن القول بأن لوكريس ـ أو لماذا لا ديمُوقريطس ـ هو مبتكر النظرية الذرية للمادة ، هو قول لا معنى له . إنها نظرة للعقل ليؤكد ، كما فعل جوزيف نيدهام ذلك ، أن الاكتشافات المعاصرة حول النسبية والتطور كانت بشكل مسبق متضمنة في الفكر الفلسفي والديني للصين القديمة [” العلم الصيني والغرب ” ـ نقط ـ 1973 . ص 45 وما يليها ] . إنه خلط للفكر العلمي ـ الذي يجهد في إقامة قوانين صارمة ونظريات متماسكة ومثبتة بواسطة التجربة ـ مع أمواج الحدوس الميتافيزيقية . إن الظاهرة النفسية التي تغطي هذا الخلط والبلبلة هي مماثلة للخلط الذي نجده في الحلم المنذر [ بوقوع أحداث معينة ] ، وللطريقة ذاتها التي نلصق بها معنى خاصا بالحلم [ المنذر ] الذي ، بخلاف كل الأحلام الأخرى ، يبدو ومع ذلك أنه يعرض الواقع بشكل فضفاض . وبالمثل فإن من بين النظريات الفلسفية حول المادة والتي لا تحصى ، فإننا لا نحتفظ به من بينها إلا تلك التي لها علاقة ، هي غالبا محض لسنية ، مع الاكتشافات العلمية ( فهناك هوة عميقة بين ذرة لوكريس وذرة روثرفورد ) . ونحن في الحالتين معا نعزو للضرورة ما هو ناشئ عن مجرد الصدفة .
نفس الشيء يقال عن الإبداعات التقنية : فمما لا معنى له ، وما هو ساذج أن ننسب لليوناردو دافينشي اختراع مظلة هبوط المظليين أو الهيليكوبتر أكثر من كوننا نجعل من جول فيرن أب الرجال ـ الضفادع ؛ فهذا النوع من السخافات المروّجة تجاريا ببراعة وتعالم شديد الخطورة ، حيث تنزع إلى اختزال قيمة هذه الابتكارات وتجعل منها مجرد أفكار فضفاضة هي في مقدور أي عقل متخيِّل .