Category Archives: علم اجتماع

فيديو

الجالية العربية في إسبانيا

DSCN1294جائزة المغرب في العلوم الاجتماعية مع الدكتورعبد الواحد أكمير مؤلف الكتاب / البحث : ” الجالية العربية في إسبانيا ”  عند تقديمه لمؤلفه الفائز بالجائزة، وذلك بقاعة العروض محمد العيادي برواق وزارة الثقافة بالمعرض الدولي للنشر والكتاب يوم السبت 22 فبراير 2014 .

كتاب الجالية العربية في إسبانيا

Advertisements
فيديو

الجالية العربية في إسبانيا

DSCN1295جائزة المغرب في العلوم الاجتماعية مع الأستاذ الحسن بوقنطار رئيس لجنة الجائزة عند تقديمه للكتاب الفائز ومؤلفه بقاعة العروض محمد العيادي برواق وزارة الثقافة بالمعرض الدولي للنشر والكتاب يوم السبت 22 فبراير 2014 .

DSCN1293

كواليس الهيمنة

كواليس الهيمنة

لقد فكك بيير بورديو ميكانيزمات الهيمنة الاجتماعية من خلال ملاحظة ميادين مختلفة ومتنوعة ( فلاحون جزائريون ـ جامعيون ـ باطرونات ـ عمال ـ صحافيون . . . ) وكذا من خلال بناء جهاز مفاهيمي غني . .
بقلم: فيليب كابان
في فيلم ” أذواق الآخرين ” ، وهو من إخراج أنبيس جاوي ، يلعب جان بيير باكري دور كاستيلا ، أحد باطرونات مقاولة من المقاولات الصغيرة والمتوسطة PME الذي وقع في غرام كلارا ، وهي ممثلة بالمسرح ، وبذلك وجد نفسه غارقا في دائرة أصدقائها : رسامين ومهندسين وممثلين . . . وباختصار ، ” عجل ” إقليمي غارق في الوسط الغني الأنيق. الأحداث الأكثر تميزا في الفيلم وقعت في أحد المطاعم : فقد شكل كاستيلا ( بشارب وبذلة وربطة عنق ونكث بذيئة ) بدون أن يشعر أضحوكة أصدقاء كلارا ( ببذلات سوداء مهملة بحذق وفكاهة وظرف من الدرجة الخامسة ). إن ما يؤسس هنا كراهية البورجوازيين الصغار المثقفين للباطرون الصغير الوافد هو الإحساس بأنهم مختلفون ومتميزون عنه تميزا هو من العمق من حيث استبطانه إلى حد أنه يمكن أن يقرأ من خلال النظرات والأوضاع الجسمانية والحركات والصيغ الكلامية.

مقطع من فيلم ” أذواق الآخرين “

في فيلم آخر هو ” موارد بشرية ” للوران كانتي ، نجد فرانك (جليل ليسبيير) طالبا شابا بمدرسة الدراسات التجارية العليا HEC يختار إجراء دورة تدريبية بإدارة المقاولة التي يعمل بها والده منذ ثلاثين سنة . . . وبرفض المشاركة في اللعبة، فإنه سيصطدم بخنوع واستكانة أبيه؛ فقد تقبل هذا الأخير مصيره من خلال استيطان نظام الأشياء.
إن هاتين الحكايتين تقصان علينا التباين القائم فيما بين أنماط العيش والحياة ، وهي تصف علاقات الهيمنة والحظوة : وبذلك فهي تقدم ضربا من التركيز لفكر بيير بورديو .
وبالفعل ، فلم يشيد بيير بورديو بناء شاسعا وطموحا إلا من خلال ملاحظة الممارسات الثقافية وأشكال منطق التمايزات الاجتماعية ، هذا البناء الذي يمكن تلخيصه بالصورة التالية : إن المجتمع فضاء للاختلاف تعتبر علاقات الهيمنة بداخله علاقات خفية ومستترة ، وذلك لأنها مستدمجة بعمق من قبل الأفراد . وسيمضي مشروع بيير بورديو بكامله إلى التشكل من خلال ملاحظة مجالات وسكان من مختلف الأشكال والأنواع (من الفلاحين الجزائريين إلى الجامعيين مرورا بالباطرونات والعمال والصحافيين . . . )، أي إلى إيضاح ميكانيزمات هذه الهيمنة والبرهنة عليها.

المال والثقافة

يطرح بورديو المصادرة القائلة بأن هناك في كل مجتمع مهيمنون ومهيمن عليهم ، وبأن المبدأ الأساس للتنظيم الاجتماعي يقيم في هذا الاختلاف ، غير أن هذه الهيمنة تتوقف على وضعية الموارد وإستراتيجية الفاعلين ( وهكذا فإن كاستيلا المهيمن في عالمه ، أي عالم المقاولة ، يتحول إلى مهيمن عليه عندما يغشى الوسط الفني ) . وتتوجب لاستيعاب وفهم هذه الظواهر معرفة ضروب منطق تأثيراتها المتعلقة بالموقع وبالموارد، وهذا هو سبب اقتراح بورديو منظورا طوبولوجيا للمجتمع ؛ فهذا الأخير ليس هرما أو سلما ، بل يبدو كـ ” فضاء للاختلافات ” والفوارق. وينتظم هذا الفضاء الاجتماعي حول بعدين اثنين : الحجم الإجمالي للموارد المحصل عليها وتوزيعها إلى رأسمال اقتصادي ( ثروة ، أجور ، مداخيل ) ، ورأسمال ثقافي ( معارف ، ديبلومات ، أساليب جيدة ) . إن هذا الفارق فيما بين المال والثقافة ، فيما بين ” التجاريين ” و ” الخلص ” هو جد تمييزي حسب بورديو، وأحد محددات هوية الفنانين يقيم في اختيار ” الفن للفن ” واللامبالاة حيال الجانب المادي : فالأعمال المنجزة تحت الطلب من قبل رسام تنعث بأنها أعمال ” غذائية ” ، وفي أصناف اجتماعية أخرى ، وعلى العكس من ذلك ، فإن المال يعتبر علامة على التميز : فكاستيلا في نهاية العشاء ينتهي بأداء فاتورته. إن الفاعل الاجتماعي لا يروم إذن حسب بورديو إلا المصلحة: وهو ساع أيضا وراء الحظوة والاعتراف به من قبل الآخرين. ويأتي الاختلاف أيضا فيما بين باطرون مقاولة من المقاولات الصغيرة والفنانين من المواجهة بين خانتين أو عالمين مختلفين من خانات أو عوالم المجتمع التي يسميها بورديو بالحقول؛ إنها ضرب من الميكروكوزم ( العوالم الصغيرة ) متجانسة نسبيا ومستقلة ذاتيا وهامة من ناحية الوظيفة الاجتماعية : الحقل الفني ـ الحقل الصحفي ـ الحقل الجامعي . . . إلخ.
إن الحقول هي بشكل أساسي مجالات للمنافسة والصراع؛ فالحقل الصحفي على سبيل المثال هو مجال متسلط عليه قبل كبريات وسائل الإعلام وبعض الصحفيين الذين ” يصنعون الحدث ” ، والمهيمن عليهم من بينهم يتكونون من صحافيي القاعدة والمأجورين على السطر.غير أن كل حقل يمتلك قواعد لعبه الخاصة : ففي العالم الأدبي يحسن استخدام الرأسمال الثقافي والرأسمال الاجتماعي ( شبكات العلاقات ـ حفلات الكوكتيل والتملق ) بدل استخدام الرأسمال الاقتصادي. و كل فرد يلج حقولا مختلفة، إلا أنه لا يحتل فيها كلها نفس المرتبة؛ فالجامعيون هم في موقع المهيمن عليهم في حقل السلطة ( بالمقارنة مع الصناعيين )، إلا أنهم مهيمنون في الحقل الثقافي بالمقارنة مع الفنانين ( أنظر كتاب الإنسان الأكاديمي Homo Académicus ).
ويستخدم بورديو مفهوم اللعب لوصف اشتغال الحقول ، وهذا الوضع يمكنه من تجاوز التعارض التقليدي في ما بين نشاط الفرد والحتمية الاجتماعية ( الذي هو منسوب في الغالب لبورديو ) . ويقبل اللعب الاجتماعي أن ينظر إليه كلعبة ورق أو لعبة شطرنج : فلكل فرد موقع إيجابي قليلا أو كثيرا ، ولديه مؤهلات وأوراق رابحة ( رأسمال اقتصادي ، ثقافي أو اجتماعي ) ملائمة قليلا أو كثيرا . . .

الفضاء الاجتماعي حسب بيير بورديو

الفضاء الاجتماعي حسب بيير بورديو

إذا كان البعض في حاجة كليا إلى الموارد ويجري عليهم اللعب ، فإن كثيرا من الفاعلين يستطيعون استخدام استراتيجيات من أجل تحسين أوضاعهم ؛ فكاستيلا على سبيل المثال سيبذل جهودا تجعله يهتم بالفن التشكيلي المجرد ، ذلك الفن الذي لا يفقه فيه شيئا ، وذلك من خلال تقديمه طلبا للحصول على رسم جداري مائي من رسام طليعي ، وذلك من أجل تزيين واجهة معمله ، وبذلك فقد حاول أن يحول الرأسمال الاقتصادي ( مورده الأساس ) إلى رأسمال اجتماعي وثقافي.ولقد أبان بورديو من خلال تعريف وتحديد الفضاء الاجتماعي بهذا الشكل كيف أن ” كل فئة من فئات الأوضاع تقابلها فئة من أشكال التطبع Habitus أو (الأذواق) “. وقد سبق لدوركهايم في معرض برهنته على سيطرة ما هو اجتماعي على السلوك الفردي أن تناول كموضوع الفعل الأكثر حميمية وهو المتمثل في الانتحار (1)، و بورديو يتبنى في كتابه ” التمايز ” مسعى مماثلا لمسعى دوركهايم.إنه من المقبول عادة أن ” الأذواق لا تناقش ” وأن التفضيلات مسألة شخصية : بيد أن بورديو يوضح أن أحكامنا ( سواء تعلقت بالموسيقى أو بالرياضة أو بالمطبخ . . ) هي انعكاس لموقعنا داخل الفضاء الاجتماعي، وما يقيم رابطا فيما بين البنيات الاجتماعية وأذواقنا الخاصة هو التطبع Habitus. إن التطبع هو ضرب من القالب الذي من خلاله نرى العالم ويتم توجيه سلوكنا ، وهو يظهر من خلال مجموع متماسك من الأذواق والممارسات ؛ فباطرون صغير ككاستيلا مثلا يملك كلبا وتغطي جدران شقته أوراق موردة ، يعشق مسرح الشارع والمسلسلات الأمريكية ، ومن المحتمل أنه يحب كرة القدم وصلصة لحم العجل. إلا أنه ليست لتطبع أصدقاء كلارا نفس السمات والخصائص : فهم بالأحرى يتبنون قطة ويعشقون المسح الطليعي وأفلام جان لوك غودار أو وودي ألن ، يأكلون مطبوخات صينية أو مكسيكية ويكرهون كرة القدم. وإذن فما هو مناسب من أجل ملاحظة الفضاء ليس هو قطار الحياة وإنما هو أسلوب العيش أو نمط الحياة. إن كل صنف من أصناف المستخدمين والتجار الصغار والجامعيين والعمال الاجتماعيين يقابل عالما ونظاما مرجعيا ، ويمكن أن تكون هناك بطبيعة الحال استثناءات لهذه القاعدة : أي العمال الذين يقرأون كتب مارغريت دوراس أو الجامعيين الذين يحبون جوني هاليداي: ليست هناك إذن حتمية ميكانيكية ، وإنما قوانين نزوعية يتعلق الأمر بالكشف عنها بتحيينها. غير أن تجارب الارتقاء الاجتماعي هي في الغالب مؤلمة ، لقد ألحق أنطوان بأحد الليسيات الفاخرة من طرف أبويه : ” لقد وجدت نفسي هناك داخل الليسي أغرب الغرباء، وهناك وقفت بالفعل على الفارق . . .لقد كان الليسي تقريبا كصندوق للباكالوريا بالنسبة لأبناء الأغنياء الذين كانوا يحيون بالفعل حالة شبيهة بحالة الهواية ” ، ولقد شعر بالمهانة والمذلة جراء ملاحظات رفاقه ” بخصوص ملابسه الرخيصة ” ( بؤس العالم ).

إظهار الفارق

إن محرك تنميط الحياة هذا هو التمايز؛ فهل هناك ما هو أفضل من الثقافة لإظهار أننا متميزين ؟.. لقد لاحظ بيير بورديو في أبحاثه الأولى الولوج المتفاوت للثقافة حسب اختلاف الطبقات الاجتماعية ( محبة الفن ) : إن أفراد الطبقة المثقفة ( المتعلمة ) يبدون عند زيارتهم للمتاحف ألفة واستئناسا عفويين بالفن ، يتأتيان لا من استعداد أو هبة فطرية، وإنما من سنن ولغات مكتسبة من خلال عملية التطبيع الاجتماعي ، والمهيمن عليهم لا يمتلكون هذا السنن ، وبذلك فإنهم سيذهبون كنتيجة لذلك لتطبيق خطاطات إدراكهم للوجود اليومي على الفن. وهذا هو السبب الذي يجعلهم يحبون الأفلام المصورة ، أو الأفلام التي تعتبر سيناريوهاتها مماثلة لها.السيد ل رئيس عمال بالسكك الحديدية يعشق الرسوم الجدارية بكنيسة سيكستين يقول عن سبب عشقه لها : ” لأنها تعرض شيئا ما ، لكنك عندما ترى أربع خربشات بقلم الرصاص وترى أن الناس يشترونها بأسعار مجنونة ، فأنا شخصيا عندما أجد هذه الخربشات الأربع فإنني سأرميها في القمامة ” ( مذكور في التمايز ) . أما الطبقات المثقفة فهي تعطي الأولوية والحظوة للتفوق والرفاهية ثم للقراءة في الدرجة الثانية.
وبشكل أعم فإن هناك تراتبية للممارسات الثقافية ؛ فالفنون النبيلة ( رسم ـ مسرح ـ موسيقى كلاسيكية ـ نحت ) هي إقطاعة الطبقات المسيطرة . أفراد الطبقات الوسطى المتعلمة ( صغار البورجوازيين الحاصلين على ديبلومات ) يتسمون بـ ” الإرادة الثقافية الحسنة ” ؛ إنهم يمارسون أنشطة ثقافية مكثفة ، لكن ونظرا لأنهم لا يتقنون سنن الميادين الأكثر نبالة ، فإنهم ينقلبون إلى بدائل عنها : السينما ، الأفلام المصورة ، الجاز ، مجلات تبسيط العلوم ، التصوير الفوتوغرافي. أما الطبقات الشعبية فلا يفضل لها إلا الفتات والبقايا ، إذا ما صدقنا بورديو بهذا الصدد ، وهو الذي يرفض فكرة وجود ثقافة شعبية ( التمايز ـ الفقرة 7 )، إنه ينادي بأن ثقافة المهيمن عليهم يحكمها مبدأ الضرورة ؛ فليست لديهم الوسائل التي لا تجعلهم غير مبالين .
إن توزع هذه المشروعات هو أبعد عن أن يكون جامدا ؛ فهناك تنويعات شعبية للموسيقى الكلاسيكية ( AISES على سبيل المثال ) وبعض النشاطات تتدمقرط ( التنس والغولف ) ، ويحدث حتى أن بعض الأحكام ( الموقدة للنار في لحظة ما ، تتحول عن طريق لعبة للقلب إلى أحكام ” فاخرة ” في أوساط معينة ( أنظر في أيامنا هاته إلى أغاني كلود فرانسوا أو أقزام الحديقة ).
إن الثقافة ليست إلا الجزء الأكثر بروزا للتطبع ؛ فهذا الأخير يصنع بالفعل مجموع السلوكات الاجتماعية : التغذية ـ الأدوار الذكورية أو الأنثوية ـ طريقة الجلوس إلى المائدة ـ اللغة . . . إن التطبع يحدد ما هو خير و ما هو شر، ما هو جميل و ما هو قبيح، وما يبدو متميزا لشخص ما ( سيارة من نوع 4×4 بالنسبة لأحد الأغنياء الجدد على سبيل المثال ) قد يبدو فجا بالنسبة لشخص آخر ( الأرستقراطي مثلا ).

المملوكون من قبل ما هو اجتماعي

إن منطق التميز يندفن في الهيمنة، وما يشكل قوة هذا التأثير بالنسبة لبورديو هو أنه ينغرس في أعماق النفوس والأجساد ، والبنيات الاجتماعية هي نوعا ما ” مستنسخة ” من البنيات العقلية ، ونحن في الجزء الأعظم من اهتماماتنا ومشاغلنا لا نفكر : إذ نحن نتحرك على قاعدة التصور الذي لدينا عن العالم والذي تعلمناه ، إننا ” أسرى اللعبة ” الاجتماعية ، واللعبة ( أي منطق التمايز والهيمنة ) يتم نسيان أنها كذلك ، وتمكن هذه القدرة على الفعل بدون تفكير ( الحس العملي ) حسب بورديو من تجاوز الهوة الفاصلة في ما بين الموضوعية والذاتية ؛ فالبنيات الاجتماعية الموضوعية مكون من مكونات ذاتيتي ، وهذه تشارك الأخرى.
وهكذا ، فالمعايير وترميز الأدوار الأنثوية و الذكورية على سبيل المثال هو ترميز مطبوع في الأجساد ؛ ففي مجتمع القبائل يجد الرجل نفسه مضطرا للوقوف مستقيما وللأكل بطريقة فظة ، في حين أن المرأة مطالبة بأن تتحرك بتحفظ ومرونة وأن تأكل ” بأطراف شفتيها ” ( الحس العملي ) ، وبورديو يلح في كتابه ” التمايز ” على هذا التسجيل الجسدي للحركة؛ فالرياضات الشعبية مثلا ( كرة القدم ـ الكرة الطائرة ـ الملاكمة ) تعلي من شأن روح التضحية والقوة، أما رياضات الطبقات الوسطى والعليا ( الغولف ـ التني ـ الفروسية ) فتعطي الامتياز للرحابة والمسافة وغياب الاتصال المباشر. الأفضليات الغذائية لدى الطبقات الشعبية موجهة من قبل بحث لاشعوري عن القوة والمنفعة : فهذه الطبقات تحب اللحم والذهون ، أما الطبقات الوسطى فتروم بالأحرى التفنن في الأكل والطعام الخفيف : فالجسد في حاجة للرشاقة أكثر مما هو في حاجة للمتانة. إن المهيمن عليهم لا يعون هذه الميكانيزمات التي تمارس عن طريقها الهيمنة ، إلا أن المهيمنين أيضا لا يعونها : وقد ساءل بورديو الباطرونات مؤخرا خلال ملتقى باطرونات كبريات وسائل الإعلام ( فوكس ـ بيرتيلسمان ـ آوول ـ كنال بلوس . . . ) قائلا: ” هل تعرفون ماذا تفعلون ؟ ..” (2) . ومع ذلك فقد أسيء استخدام مصادرة اللاوعي هاته في كتاب لبورديو ذاته هم ” بؤس العالم ” ؛ فهذا الكتاب الجماعي المنشور سنة 1993 مشكل من سلسلة من الحوارات المونوغرافية ، بيد أن ما يفاجئ عند قراءته هو أن لدى الناس عملية انعكاسية وأنهم واعون في الجانب الأعظم بميكانيزمات الهيمنة. وهكذا فقد ساعدت البلدية العامل الاجتماعي الذي أنشأ جمعية وشركة لسيارة الإسعاف في إنشاء شركته ، ولكنه يعتقد أنها ستستفيد من هذه العملية سياسيا؛ ” إن كل بنيات السلطة تقوم على قاعدة السلط الصغيرة التي لها مع هذه السلطة علاقة ارتهان من أجل أن ترفع من قيمتها وشأنها” كما علق العامل على ذلك.
وبشكل عام فإن هذه المحاور الكبرى لنظرية بورديو ، والتي بلورها في كتابه ” تأملات باسكالية ” ، تقوم على الاقتراح التالي : ليست هناك أفكار خالصة ؛ فالإنتاجات الفكرية ( الفلسفة، الإيديولوجيات والأدب أيضا ، الخيال ، الإبداع ) هي كلها تعابير عن البنيات الاجتماعية لعصرها. إن وجه الكاتب أو الفنان المستقل ، والمبدع ( المجسد من قبل شخصيات مثل فلوبير أو ماني ) هو بناء اجتماعي ـ تاريخي لم يبرز إلا في القرن 19 ” قواعد الفن “.

العنف ( الرمزي ) بالمدرسة


قبل دخول الفاعلين في الممارسة اليومية تكون المعايير قد ترسخت في أذهانهم عبر عملية التطبيع الاجتماعي وعبر سيرورات إيديولوجية يشير إليها بورديو باسم العنف الرمزي. ومن خلال إجرائه لبحث بمعية كلود باسرون على الطلبة في الستينيات ، لاحظ بورديو اللامساواة في ولوج التعليم الأولي؛ فأبناء العمال ممثلون بشكل كبير بنسبة ضئيلة ( يمثل الطلبة 10÷ من 35 ÷ من السكان النشيطين ) إن السلوك اتجاه المؤسسة المدرسية والعلاقة معها هما أيضا غير متماثلين بكثير تبعا للأصل؛ فالطلبة البورجوازيون يعتقدون أنهم موهوبون : إذ أنهم يعلنون موقفا صريحا وكراهية للتقنيات الأكثر مدرسية ، ولديهم ” ضمان للوضعية ” هو عبارة عن تطبع الطبقة. وبالفعل، فالثقافة المرفوع من شأنها وقيمتها من قبل المؤسسة مألوفة لديهم لأنها ثقافة وسطهم الاجتماعي. أما طلبة الطبقات المتوسطة والشعبية فلديهم سلوك معوز لأنهم يعتقدون أن بإمكان المدرسة أن تمنحهم النجاح المدرسي.أما المدرسون فهم متواطئون مع هذا النظام : فهم يضفون القيمة على ” إيديولوجية الهبة ” والعمل اللامع. الثقافة الجامعية إذن إرث بالنسبة للبعض، وتعلم بالنسبة للآخرين. وفي كتابه ” نبالة الدولة ” 1989 يتابع بورديو تحليلاته ؛ حيث إن قراءة تقرير لجنة التحكيم في مباراة التبريز تؤكد يؤكد ” النبرة الطيبة ” الجامعية : فالمرشحون مطالبون بالبرهنة على رزانتهم وعلى تهذيبهم وكياستهم وموهبتهم ونباهتهم ، إنهم مطالبون بتحاشي الطبقات الكادحة والادعاء والطمع والسوقية.
إن فرض معايير الامتياز هاته يتم عن طريق خدع ومن خلال ستر وإخفاء علاقات الطبقة بالهيمنة: إنها تشتغل بالعنف الرمزي ، إنها احتجاب يستهدف المتعلمين والمعلمين أيضا : ” إن البروفيسور الذي يعزو لهذا التلميذ أو ذاك من تلامذته صفات ونعوت البورجوازية الصغيرة سيتم استنكار موقفه إن لم يتم اتهامه بإقامة أحكامه على اعتبارات طبقية ، حتى ولو كانت ضمنية”.
وليست المدرسة هي المؤسسة الوحيدة التي تنتج العنف الرمزي ؛ وهكذا فالتمثلات التي تنتجها الصحافة المتلفزة ” تُفرض أحيانا على الأكثر خصاصة كمنطوقات معدة سلفا لما يعتقدون أنها تجربتهم” ” بؤس العالم ” ، والنظام السياسي محلل في إطار منظور مماثل. إن هناك ” نزعة وهم ديمقراطي ” توهم الجميع أن لهم نفس الحق في الرأي والتعبير. و الحقيقة هي أن السياسة مجال محتكر من قبل الطبقات المهيمنة، وللمهيمن عليهم نزوع للاعتقاد بأنهم غير أكفاء في هذا المجال ، لذلك فهم يقصون أنفسهم ذاتيا من الحياة السياسية بالتخلي عن سلطة القرار لديهم ، وبذلك يكون نظامنا نظام حظر مقنع (3).

إعادة إنتاج الهيمنة

إن الهيمنة في حاجة أيضا إلى الامتداد في الزمن ، والمدرسة تبدو عبر الغربلات العديدة التي تقوم بها أداة لتعميق الفوارق الاجتماعية.إن كبريات المدارس هي في قلب عملية إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية المهيمنة، وهي أيض أكثر انتقائية اجتماعيا من الجامعة؛ فهي تستقبل جزءا هاما من التلاميذ المنحدرين من الطبقات المهيمنة ( 60÷ وأكثر بالمدرسة الوطنية للإدارة ومعهد الدراسات العليا في التجارة HEC ,ENA أو مدرسة العلوم السياسية ) . وفضلا عن ذلك فتراتبية هذه المؤسسات تعيد تفصيل المواقع داخل الفضاء الاجتماعي : فنحن نجد أبناء الصناعيين بمدرسة الدراسات العليا في التجارة HEC ، في حين نجد أبناء الأساتذة بالمدرسة العليا للأساتذة. إن هذه المؤسسات متجانسة اجتماعيا ومنغلقة على ذاتها، وهي تساهم بذلك في نحت ” روح الجسد “.
وهكذا ، فلخلق أسطورة الاستحقاق ( الاستحقاقوقراطية Méritocratie ) تستخدم المدارس الكبرى كأدوات في خدمة استراتيجيات إعادة إنتاج المهيمنين ، وبورديو يشير إلى أن وجه العصامي ( الذي يصنع نفسه بنفسه ) لا يمثل إلا استثناء : فنحن لا نجد إلا 3÷ من أبناء العمال ضمن فئة كبار الباطرونات.

بيع الفتيل

لقد فرضت أعمال بورديو المتعلقة بالمدرسة ذاتها باعتبارها نموذجا حقيقيا، وذلك من خلال إعادة النظر في أسس الإيديولوجيا التربوية (4)، وهي كاشفة عن التصور كما هي كاشفة عن تصور صاحبها وعن وظيفته السوسيولوجية، فسواء تعلق الأمر بدمقرطة التعليم أو بالاستفتاء أو التفضيلات الثقافية أو العلاقات في ما بين الرجال والنساء ، فإن هدفه كان دائما واحد : وهو الكشف عن ما يكمن ويختفي خلف الأوهام والمظاهر السطحية للعبة الاجتماعية.
لقد أرادت سوسيولوجيا بيير بورديو إذن أن تكون سوسيولوجيا للكشف عن المستور : فهو حسب كلماته ذاتها ذاك الذي ” يبيع الفتيل ” ، ولهذا الوضع عواقب : فإذا كانت السوسيولوجيا تكشف وتميط اللثام ، فإنها سوف تزعج الماسكين بزمام النظام. وكما يقول لنا بورديو على سبيل المثال من خلال تبيانه أن الوسط العلمي هو أيضا مجال للمنافسة فيما بين المراكز المهنية والمختبرات ، فإن السوسيولوجي يعارض هذا العالم الصغير . وخطر منطق مثل هذا يتمثل في تجميد السوسيولوجي وتحنيطه في وضع بطولي : فالانتقادات الموجهة لبورديو تم في الغالب وقبليا إدانتها باعتبارها معبرة عن أولئك الذين يرومون الحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم.
لقد قادت إرادة إرباك أولئك الذين يمارسون عملية شد الحبل بورديو مؤخرا إلى التصدي للقطاعات التي لم يكتشفها بعد منهجيا كما فعل في معظم أعماله ، وهذه بالخصوص هي حال كتابه ” حول التلفزة ” الذي تمت في الوقت الذي يؤكد فيه أنه يعرض ” مكتسبات البحث بخصوص التلفزة ” عملية محاكمته بقسوة لجهله بعديد من الأعمال التي أنجزت في إطار سوسيولوجيا وسائل الإعلام ، ولغياب المتكأ التجريبي فيها(5).
مؤاخذة لا يمكننا توجيهها إليه إلا بصعوبة بالنظر إلى العدة الهائلة من المعطيات والمناهج التي يستخدمها عموما ، فهو في كتابه ” نبالة الدولة ” على سبيل المثال ، يستغل البحوث الإحصائية وقياسات الرأي والحوارات الجيدة ونصوص الأبحاث وسجلات المؤسسات والملاحظات حول سير الحياة . . . إلخ. إن بورديو يدافع بالفعل عن تصور مطالب بسوسيولوجيا علمية ، وهو ثمرة لعمليات ذهاب وإياب في ما بين البناء النظري والتأكيد التجريبي ، تصور طوره في كتابه ” مهنة عالم الاجتماع ” المؤلف بشراكة سنة 1968 مع كلود شامبورديون و ج.ك. باسرون . لنلاحظ خلال عملية العرض هاته أن اختياراته الميتودولوجية قد استطاعت أن تتطور عبر الزمن ، وهكذا فإن كتابه ” بؤس العالم ” هو كتاب مبني على قاعدة حوارات يتوجه خلالها الباحث نحو المبحوث بحديث من نوع ” الحديث العادي ” ، وهو منهج يقوم حسب البعض على مراوغات جلية : فرض الإشكاليات وتوجيه الإجابات . . . إلخ.
يبقى أن إنجاز بيير بورديو يحتل مكانة مركزية في إطار المناظرة العلمية ، في السوسيولوجيا كما في العلوم الإنسانية عموما، وتقوم هذه السلطة على بهارات متعددة ؛ فلهذه السلطة في المقام الأول خاصية جاذبة ومستفزة ، وذلك من خلال كشفها عن كواليس ما هو مجتمعي ( الفوارق المدرسية ، محددات الذوق الثقافي . . ) ، وقد أظهر صاحبها أنه مجدد سواء عبر تعبئة التقنيات العلمية المتنوعة أو عبر ابتكاراته المفاهيمية : فلقد جددت مفاهيم التطبع والحقل والتميز والعنف الرمزي التحليل السوسيولوجي بعمق .
وبشكل أعم ، فإن قوة عمل بورديو تتمثل دون شك في كونه شيد خطاطة نظرية متفرعة وموحدة في نفس الآن على قاعدة تنوع كبير للمجالات والميادين ، ومن خلال تركيب عديد من المنابع النظرية : كارل ماركس ( علاقات الهيمنة ) ، ماكس فيبر ( أهمية المعنى الذي يعطيه الفاعلون لحركتهم ، مفهوم الشرعية ) ، إميل دوركهايم ( المنهج السوسيولوجي ) ، جاستون باشلار ( بناء الموضوع ) ، تورستن فيبلن ( الاستهلاك البذخي ) ، جون أوستين ( وظائف الكلام ) ، وأيضا نوربير إلياس ، إرفينغ جوفمان ، بازيل بيرشتاين ، إيمانويل كانط ، كلود ليفي شتراوس ، لودفيغ فتجنشتاين . . . لقد عرف بورديو كيف يمزج تأثيرات متعددة من أجل إقامة نظام متماسك يلخصه هو ذاته في كتابه ” التمايز ” من خلال المعادلة التالية: (تطبع)(رأسمال)+حقل=ممارسة.
**************
هوامش:
دوركهايم ” الانتحار ” 1897 ، طبعة ثانية ، 1997 م ج ف .
أنظر ليبراسيون ، 13 أكتوبر 1999.
هذا التحليل معمق في كتاب د. جاكسي ” المعنى المستور ، الفوارق الثقافية والميز السياسي ” 1978.
أنظر ف. دوبي: السوسيولوجيا والتربية ـ ماغازين ليتيرير رقم 369 أكتوبر 1998.
أنظر بخصوص هذه النقطة نصوص د. بونيو في نفس العدد السابق من ماغازين ليتيرير ـ س. لوميو في ب. لاهير ” عمل بيير بورديو السوسيولوجي ” ، لاديكوفيرت ، 1999.
أنظر ف. مايير ـ الحوار حسب بيير بورديو ـ المجلة الفرنسية للسوسيولوجيا ، 35 ، 1995.

معجم بيير بورديو الصغير :
الرأسمال: ليس المال وحده هو الذي يهم في الحياة ، فالرأسمال الثقافي بالنسبة لبورديو ( الديبلومات ، المعارف ، الأساليب الجيدة ) والرأسمال الاجتماعي ( شبكات العلاقات ) هي في أوضاع عديدة مصادر أكبر نفعا من الرأسمال الاقتصادي.
الحقل: الحقل الجامعي، الحقل الصحافي، الحقل الأدبي. . .إن هذه ” العوالم الصغيرة ” تقابل خانات في المجتمع، إنها فضاءات للهيمنة والصراع: والحقل هو أيضا سلة عقارب ، غير أن لكل حقل استقلالا ذاتيا معينا ويمتلك قواعده الخاصة، إنها حقول للقوة يتحرك الأفراد داخلها، كما هو الحال في لعبة الشطرنج، من مواقعهم الخاصة.
التطبع Habitus: التنس ، البادية ، الجاز ، الطبخ الصيني ، سفر ثقافي ومجلات التسطيح: تتواجد هذه الممارسات بالخصوص لدى الطبقات الوسطى المتعلمة، وهي تحدد في مجموعها تطبعا ، أي مصفوفة محددة من قبل موقعنا الاجتماعي من خلالها نرى العالم وندركه ونتحرك داخله. ويترجم التطبع من خلال أنماط العيش ، غير أنه يترجم أيضا من خلال الأحكام ( السياسية ، الأخلاقية ، الجمالية ) ، إنه ليس مجموعا من المعايير ، فهو أيضا أداة للفعل تمكن من خلق وتطوير استراتيجيات معينة.
العنف الرمزي: إنه التطويع النافع للرؤوس ، ويتمثل العنف الرمزي في جعل مظاهر الهيمنة ( الدوكسا ) تبدو كما لو كانت “طبيعية” في أذهان الناس، و يتم تطويره من خلال المؤسسات ويتكئ على تأثيرات السلطة. إن نقل الثقافة المدرسية عن طريق المدرسة بالنسبة لبورديو مثلا ( وهي التي تؤطر وتحكم معايير الطبقات المهيمنة ) هو عنف رمزي ممارس على الطبقات الشعبية.
التمايز: أن تكون متميزا يعني أن تعمق اختلافك. إن فن التميز البورجوازي مثلا هو أن تتميز الذات بدل أن لا تكون متميزة عن لاشيء، عبر المعارضة بالتباهي والاعتراض على سوقية الغني حديث العهد بالغنى. إن التمايز هو في قلب اللعبة الاجتماعية ، إنه يعتبر بمثابة المحرك لسلوكاتنا : ثقافة وتربية وأوقات فراغ ومطبخ ولغة.

وجهة نظر – في حوار مع فرانسيس فوكوياما

لن تتخلى أمريكا عن سياسة ازدواجية المعايير، كما لن تزعزع أمن واستقرار الأنظمة التسلطية الحليفة في العالم العربي من أجل دعم الديمقراطية بالمنطقة

أجرت الحوار هند عروب
شارحا أسباب تراجعه عن نصرة الغزو الأمريكي للعراق بعد أن كان أول الدعاة إلى استخدام منطق القوة، فرانسيس فوكوياما المفكر المثير للجدل و ذو الأفكار المستوقفة، و الذي يعيش حاليا مرحلة مراجعة الكثير من أفكاره، يفيض صراحة في هذا الحوار حيث يقر باتخاذ الديمقراطية ذريعة للحرب على العراق التي افتقرت لأية إستراتيجية بعيدة المدى. و لن تقف صراحته عند هذه الحدود بل سيعترف بخوف الجمهوريين من عضوية المحكمة الجنائية الدولية، وبضرورة محاكمة حتى المثقفين الذين دفعوا بفكرهم قبلة الحرب، وبعدم تخلي أمريكا،ضمن خطتها الجديدة للألفية الثالثة، عن مصالحها المستدعية لسياسة ازدواجية المعايير. في هذا الحوار أيضا، نناقش مجددا فوكوياما في فكرة نهاية التاريخ و تصدير المؤسسات الديمقراطية للبلدان الثالثية، ونهاية السيطرة الأمريكية على العالم و اتجاه هذا الأخير صوب تعددية الأقطاب، ثم المواجهة بين العالم الغربي و لإسلام السياسي في صيغته الراديكالية. و لن ينتهي الحوار دون أن يبوح فرانسيس فوكوياما للقراء بفحوى كتابه القادم ” جذور النظام السياسي .”

  • في سنة2003 غيرت موقفك حيال فكرة استخدام آلية القوة لتدعيم وترسيخ الديمقراطية،وفي سنة2006 نشرت مقالا تنتقد فيه سياسة المحافظين الجدد ومواقفهم وأفعالهم،ماهي الدواعي الحقيقية لهذاالتحول علما أنك مصنف كواحد من مثقفي المحافظين الجدد،وواحد من دعاة استخدام القوة ضد الإرهاب والتخلص من نظام صدام؟

فرانسيس فوكوياما: حدث هذا التحول في مواقفي سنة بعدهجمات الحادي عشرمن شتنبر،وسنة قبل غزوالعراق،أي في سنة2002 حين كانت إدارة بوش تحضر لغزو العراق،وكنت أنا حينها في جولة أوربية لتباحث قضايا تتعلق بالسياسة الأمريكية، وأولها مسألة الغزو مع كبارالشخصيات بأوربا. أثناء هذه المباحثات،وفي خضم متابعتي لخطوات الغزو عن كثب، تكشف لي أن إدارة بوش لم تحضر بشكل جيد لهذا الغزو، وتحديدا لمرحلة ما بعد الغزو وأن الدواعي المعلنة من قبيل الديمقراطية لا صلة لها بحقيقة الغزو ومآربه ،خاصة وأني أمضيت سنوات أفكروأبحث حالات الغزو الأمريكي كحالة الفيتنام،وفي كل مرة أخلص إلى الخلاصة ذاتها،أن الغزوالأمريكي لا يهتم ولايدرس مرحلة ما بعدالغزو،والأمرذاته حدث في حالة لعراق، إذ كان كلما دنا موعد الغزو تبين لي أن إدارة بوش لا تملك أي مخطط جدي لما بعدالحرب في العراق. لقد كانت مغامرة غير محسوبة العواقب على السياسة الخارجية الأمريكية. كانت نظرة بوش للغزو ونتائجه المتخيلة فوق تفاؤلية، خاصة في مسألة الاعتماد على سهولة الانتقال نحوالديمقراطية،لقد بدا جليا أنهم لا يفهمون تعقيدات الحالة وأبعادها التاريخية، الثقافية و الجيواستراتيجية، إذ ليس من السهل خلق مؤسسات ديمقراطية بدولة نامية فيسرعة البرق،إنهم لم يكونوا واعين بمحاذير الاختلاف البيئي والثقافي، ليتبنواهم أنفسهمفيما بعد،أن الأمرلم يكن فسحة ربيعية.إذن عدم التحضير الكافي للغزو،وعدم التخطيط له ولما بعده،جعلني متيقنا أن الخسائر والأخطاء ستكون فادحة وفظيعة ،لذا غيرت موقفي ولم أعد مناصرا للغزو.

  • ألاتعد قيادة حرب باسم “الديمقراطية” جريمة ضدالإنسانية و ضد الديمقراطية ذاتها ؟وهل يمكن بناء الديمقراطية عبر الغزو والدمار والتعذيب؟

فرانسيس فوكوياما: طبعا لا يمكن ؛ فالديمقراطية لم تكن الهدف الرئيسي من هذه الحرب،إنها ذريعة روجت وصدقها الكثيرون، لقد كان الهاجس الأول لهذه الحرب أمنيا صرفا، أما الهاجس الثاني فتجلى في إنهاء نظام صدام كجزء من مسلسل الحرب على الإرهاب وقبل أن يمتلك هذا النظام فعليا أسلحة الدمار الشامل ،أما الديمقراطية فكانت مجرد مبرر.

  • ألم يكن الأمرجريمة ضد الإنسانية ؟

فرانسيس فوكوياما: مبدئيا يمكن استخدام القوة لحماية حقوق الإنسان،والاتقاء من خطرهجوم ما ليس خطأ. ولكني أعتقد أن القوة يجب أن تستخدم بحذرشديد،وأن تخضع لمعايير القوانين الدولية وضوابطها، وأن يكون الهدف حماية المنظومة الدولية واحترام قوانينها.

  • مقاطعة: ولكنه تصور لمفهوم استخدام القوة بشكلوقائي، فلا أحد يضمن التجاوزات والخروقات والجرائم الشنيعة التي تقترف باسم الدفاع عن النفس، إذ كيف تصنفأبوغريبوما اقترفه الجيش الأمريكي بالعراق تحت ذريعةاتقاء” خطر محتمل.

فرانسيس فوكوياما: سأعطي مثالا لاستخدام القوة لغايات حسنة، كحالة سيراليون عام1999 حيث تدخلت بريطانيا تحت المظلة الأممية، ليس من أجل الديمقراطية ، ولكن من أجل استتباب الأمن، وهو نموذج لاستخدام القوة.

  • تعقيب: أعتقد أنه لا رابط بين حالة سيراليون وحالةالعراق، هذا دون مناقشة أن ما يحدث بدول إفريقيا جنوب الصحراء، من اضطرابات وحروب ومجاعات، يقف خلفه القوى الكبرى بالتواطؤ مع الأنظمة المحلية، ليتستروا فيما بعد في ثوب الحمل مطوعين المظلة الأممية

فرانسيس فوكوياما) متدخلا(: ولكني مع ذلك أقول إنه من الممكن استخدام القوة من أجل الديمقراطية، مشددا في ذات الآن على أن الأمر يجب أن لا يتحول إلى عادة روتينية أو سهلة ؛لأننا لا نستطيع ضمان كيفية استخدام القوة، فالشطط والخروقات واردة كما حدث بالعراق.

  • بناءا عليه،هل التخلص من نظام صدام كان يتطلب13 سنة من الحصار والعقوبات الاقتصادية، ثم الإجهاز على العراق عبر الغزو، وتدمير بنياته التحتية، وتقتيل شعبه صغارا وكبارا ؟ ألا      تعتقد أنه لو تخلصت الولايات الأمريكيةالمتحدة من صدام بالطريقة التي تخلصت بها من نظام سلفادور أليندي،لكان الأمر أقل تكلفة من الحرب وعتادها، أم أن الثمن كان يستحق ذلك كما صرحت مادلين أولبرايت؟

فرانسيس فوكوياما: لا، مطلقا، لم يكن الثمن مستحقا لذلك، فالتخلص من نظام صدام لم يكن يستدعي جعل الشعب العراقي يتجرع كل هذه المعاناة. وأمريكا مسؤولةعن معاناة الشعب العراقي وآلامه، لقد كان الأمر خطأ فظيعا.

  • متدخلة: مجرد خطأ فظيع! أوليس الأمر جريمة؟

فرانسيس فوكوياما: ) يضحك( الحقيقة، لا يوجد معيار لتحديد صورةالجريمة وحيثياتها ،لذا أقول إنه خطأ شنيع ناجم عن سياسة فظيعة، أكثر منه جريمة.

  • تعقيب: كيف ذلك ؟ لا يوجد معيار؟هناك القوانين الدولية خاصة تلك المتعلقة      بالحروب اتفاقيات جنيف وباقي فصول القانون الدولي الإنساني،كما أن      كبارالعلماء والمفكرين ورجال القانون الدولي وحتى بعض العسكريين      الأمريكيين،أكدوا أنها جريمة بكل المقاييس والمعايير، إنهاجريمة حرب وجريمة      ضد الإنسانية

فرانسيس فوكوياما: أكتفي بالقول إن الأمر كان خطأ فظيعا.

  • حسن، لقد حضرت بمعية البروفسور لارلي دايموند، تقريرا حول ما استقام وما اعوج في التجربتين العراقية والأفغانية ، تحت عنوان What went wrong and right in Iraq and Afghanistanتقيمون من خلاله التجربتين، وتسطرون الأخطاء القاتلة في كلتاهما، فما كانت هذه الأخطاء القاتلة في كل من العراق وأفغانستان؟

فرانسيس فوكوياما: إنهما حالتان مختلفتان: في الحالةالأفغانية،لم يكن الغزوالأمريكي مساندا أمميا،والخطأ القاتل يتمثل في المبادرة المبكرة لإعادة بناء دولة أفغانستان وفق المعاييرالغربية، مما جعل أمريكا تتكبد تكاليف ضخمة وهائلة لم تكن تطيقها ، وقد طالت المدة ووجدت القوات والإدارة الأمريكيتان نفسيهما في حالة استنزاف. أماالحالة العراقية، فهي على خلاف الأفغانية، حيث الغزو في حد ذاته يعتبرخطأ قاتلا رغم أنه كان مدعوما أمميا، إضافة إلى عدم التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب، وعدم توقع حدوث الحرب الأهلية، والأشياء الفظيعة التي حدثت كأبو غريب.

  • ألكل هذه الأسباب تخشى أمريكا عضوية المحكمة الجنائية الدولية ؟ وهل يمكن لإدارة أوباما الدفع في اتجاه العضوية، بعد ما رفضتها رفضا قاطعا إدارة بوش؟

فرانسيس فوكوياما: إن المشكل يكمن في عدم إمكانية المصادقة على أية معاهدة دولية دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، وأوباما وحده لن يتمكن من إصدار قرار الموافقة على العضوية بالمحكمة الجنائية الدولية نظرا لسيطرة الجمهوريين الضاغطين في اتجاه الرفض.

  • معلقة: إذن هم خائفون من العضوية ،ومن إمكانية محاكمة أعضاء إدارة الصقور من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

فرانسيس فوكوياما) يتأمل ثم يجيب(: أجل، الأمركذلك ،إنهم خائفون.

  • وهذا دليل على أن أيديهم ملطخة بالدماء ،وأن ما اقترفوه جريمة وليس مجرد خطأ فظيع. في نفس سياق المحاكمة والمحاسبة ،ألا تعتقد أنه ينبغي محاكمة المثقفين والباحثين الذين دفعوا في اتجاه الحرب ، فهم متورطون في الجريمة بفكرهم؟

فرانسيس فوكوياما: أعتقد أن أي شخص يتورط في مثل هذه الأعمال الشنيعة ،ينبغي أن يحاسب ،حتى المثقفين. ولكن كيف يجب أن تتم محاسبتهم ؟. إنه في الحقيقة سؤال معقد ،فقرار الحرب يعتبر قرارا سياسيا، وأول المتورطين هم إدارة بوش والعسكريون الذين أنجزوا هذه الحرب، أما المفكرون ،فلا شيء في القانون يشير إليهم.

  • معقبة: على الأقل، تتوجب محاسبتهم من الناحية الأخلاقية .

فرانسيس فوكوياما: أجل، إني أعتقد وبشدة بضرورة محاسبة المفكرين المتورطين في الحروب ،لكن الأكيد أن محاسبتهم ينبغي ألا تتم بالكيفية التي يحاسب بها العسكريون.

  • هل من المحتمل أن تقود إدارة أوباما حربا على إيران أو سوريا؟

فرانسيس فوكوياما: لا،لا أعتقد أن إدارة أوباما ستقود حربا على إيران أو سوريا. فالحرب ليست من أولويات الإدارة الأمريكية الحالية ،بل إن أمريكا اليوم باتت عاجزة عن قيادة أية حرب جديدة في الشرق الأوسط ، فالحرب باتت سيناريو يخشاه الكل في أمريكا.وأمريكا لن تدعمفي اعتقاديأية خطوة حرب منفردة قد تقدم عليها إسرائيل حيال حزب الله مثلا.

  • في هذه الحالة، تعتقد جديا أن أمريكا لن تدعم إسرائيل إذا ما أقدمت على خطوة الحرب منفردة؟

فرانسيس فوكوياما: أجل، أعتقد جازما أن أمريكا حاليا لن تدفع إسرائيل لاتخاذ أية خطوة حرب، كما لن تدعمها في حالة كان القرار إسرائيليا محضا، فلو تعلق الأمر بإدارة بوش لدفع في اتجاه الحرب.والحقيقية أنه الآن ، لا أحد يرغب في الدفع صوب الحرب.

  • ألا تعتقد أن المواجهة بين الإسلام الراديكالي والعالم العربي بقيادة أمريكا،فتحت عهدا جديدا من التاريخ وليس نهايته كما توقعت ؟ثم ألا ترى أن النموذج الغربي للديمقراطية وتحديدا مفهوم تحريرالسوق فتح تاريخا من العبودية والسيطرة والفقر والتبعية كما عمق الفجوة بين جنوب العالم وشماله، وبالتالي ففكرة نهاية التاريخ وتبني العالم لنموذج واحد ) الديمقراطية الغربية( هي ضد الطبيعة الإنسانية ودينامية المجتمعات البشريةعلى الصعيدين المحلي والدولي؟

فرانسيس فوكوياما: لا أعتقد ذلك،لأنه حتى في العالم الإسلامي، الإسلام الراديكالي غيرمرحب به، والإسلاميون إجمالا لديهم مفهوم ثيوقراطي جدا للسلطة وللدولة كنموذج طالبان والحركات السلفية. ففي العالم العربي لا يوجد دعم قوي لهذه التيارات، وأشك أن تصل هذه الحركات إلى السلطة، فالعيش في ظل جمهورية إسلامية لن يجد قبولا كبيرا. ولكني أقر بأن النموذج الإسلاميالسياسي، يبقى على المستوى العالمي، بديلا من البدائل المطروحة على الساحة كالماركسية مثلا، والأكيد أنه بديل مختلف من حيث مضامينه، مبادئه ومفاهيمه ،مختلف حتى في صراعه، فصراع أمريكا والإسلام الراديكالي مغاير للصراع الأمريكيالسوفياتي.

  • تتحدث في كتابكBuilding Nations عن فكرة تصدير المؤسسات، بمعنى أنه يتوجب على أمريكا ألا تصدر السلع وأموال المساعدات فقط، بل المؤسسات الديمقراطية. ألا تعتقد أن هذه الفكرة ضد المسلسل الطبيعي لخلق المؤسسات، فأي مجتمع هو بحاجة إلى خلق      مؤسساته عبر ديناميته ،لا أن تُصدر له؟

فرانسيس فوكوياما: أولا،لا يمكن أن تكون لك مؤسسات ما لم يكن هناك دعم من داخل المجتمع، فإقامة المؤسسات تعني حلا للمشاكل التي يعرفها مجتمع ما، والسير به نحو حكامة مؤسساتية جيدة ولكني أيضا لا أرى ضيرا في استلهام نماذج مؤسساتية خارجية ، فليس في الأمر ما يوحي باستعمار جديد.

  • إذن ما الذي تقصده بتصدير المؤسسات؟

فرانسيس فوكوياما: المقصود هو دعم المؤسسات الدولية الكبرى كالبنك الدولي للمجتمعات النامية ، والضغط عليها في اتجاه المأسسة، وامتلاك مؤسسات أكثر فعالية، شفافية وديمقراطية ،لهذا لا أعتقد بأن عملية تصدير المؤسسات بسيطة وسهلة.

  • معقبة: المجتمعات بحاجة إلى المسار الطبيعي لخلق مؤسساتها ،أما فكرة      تصديرالمؤسسات فلها وقع كولونيالي، والحقيقة انه طفح بنا الكيل من كل ما هو حامل للشارة الأمريكية – التدخل الأمريكيالغزو الأمريكي، الوصاية الأمريكيةحتى الدعم الأمريكي. إننا في المجتمعات      الثالثية بحاجة إلى ان نخط مسارنا ونخوض معركتنا لوحدنا بما لها و ما عليهافلماذا يجب أن تفكروا بدلا عنا؟

فرانسيس فوكوياما: صحيح ما تقولينه صحيح،فمن بين أكبر التراجيديات في العقد الأخير،استغلال إدارة بوش لفكرة تنمية الديمقراطية ودعم او اتخاذها ذريعة لغزو العراق، وللتدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى ، الأمر الذي يجرد مفهوم المساعدة من المصداقة كما أنه شوه صورة أمريكا.

  • لهذا أعتقد أنك بادرت وخبراء آخرين أمثال : Larry Diamond.& Michael AFaul Mc ،إلى      كتابة وتوقيع تقرير New Day New Way,      U.S foreign assistance for the“” 21 h centryتقرير تُلاحظ فيه نبرة ضمير يقظ واعتراف بأخطاء وقطاعات السياسة الخارجية الأمريكية في كنف النظام العالمي أحادي القطبية، كما يلاحظ سعيكم إلى إعادة بناء صورة أمريكا الأخلاقيةمن خلال هذا التقرير بالقول إن لأمريكا أخلاقا أيضا وهي تستطيع أن تكون شريكا جيدا بعد أن كانت سيدا متعجرفا ،لكن ما لم ألاحظه في هذا التقرير هو هل أمريكا ستُبقي في إطار سعيها إلى بناء صورة جديدةعلى سياسة ازدواجية المعاير بمعنى دعم الأوتوقراطية باليمنى ، والديمقراطية باليسرى؟.

فرانسيس فوكوياما: صحيح أن أمريكا تدعم الديمقراطية ، وتهتم بها كأساس من أسس سياستها الخارجية ،ولكن أمريكا في ذات الآن لم تهب نفسها راعية للديمقراطية عبر العالم كهدف أوحد وأسمى للسياسة الخارجية الأمريكية ،فللمصالح ثقل كبير في هذه العملية . إن المصالح الأمريكية متضاربة ومتعددة بتعدد واختلاف مناطق العالم، فهناك هاجس الأمن، الحرب على الإرهاب، دعم الأوتوقراطية، ضمان الولوج الدائم لمصادر النفط.. كل هذه المصالح هي التي تسطر السياسة الأمريكية الخارجية، وبالتالي إذا كنا ندعم الديمقراطية ببقعة ما، فنحن في ذات الآن ندعم الأنظمة الأوتوقراطية في السعودية مصر،والمغرب.. إلخ وهذه الحالات تدل على أن الديمقراطية ليست أولية الأولويات على طول الخط، وإن كنا ندعم برامج التنمية والديمقراطية بالعالم العربي إلا أنها ليست أولوية في هذه المنطقة. والسؤال العملي الذي ينبغي طرحه هو كيف تغير أو على الأقل تقلص سياسة ازدواجية المعايير.الحقيقة ،إني لا أعتقد بوجود حكومة ستتخلى عن هذه السياسة في تعاملها مع المصالح الأمريكية ، فلا أحد سيقولهيا لنزعزع النظام في المغرب أو في مصر من أجل الديمقراطيةلا أحد سيفعل ذلك ، إنهم حلفاؤنا وإن كانوا أوتوقراطيين ، ولهم دور مهم في كبح الخطر الإسلامي والحرب على الإرهاب.
لذا، أظن وحتى تقلص أمريكا من سياسة ازدواجية المعايير، عليها الوعي أكثر بعدم تغليب كفة الاستبداد على كفة الديمقراطية ، أثناء سعيها لحماية مصالحها ، وبالتالي فعليها الضغط على الأنظمة الأوتوقراطية الحليفة ، حتى يوسعوا من مساحة الحريات والحقوق وعدم التعرض للديمقراطيين المدافعين عن حقوق الإنسان.

  • معقبة: عذرا، حين تلقي أنظمتكم الحليفة بالقوى الديمقراطية في السجون، أو تضيق عليهم الخناق ، فأمريكا تغلق عينيها ، ولا تهتم بالأمر ، فأي دعم  للديمقراطيين والحقوقيين هذا؟.

فرانسيس فوكوياما: تماما ، لهذا أرى أنه من واجبنا كقوى فاعلة في أمريكا الضغط على حكوماتنا لاتخاذ خطوات عملية أكثر من أجل دعم حقوق الإنسان وحماية المدافعين عنها في المناطق حيث الحاكم أوتوقراطي وحليف لأمريكا في ذات الآن ، ففي مصرمثلا، على أمريكا الضغط أكثرعلى مبارك للدفع بنظامه في اتجاه اتخاذ قرارات تخدم الديمقراطية أكثر، وتوفير ضمانات بعدم التعرض للمعارضين الديمقراطيين. والحقيقة إن أمريكا لا تخشى الديمقراطيين بقدر ما تخشى القوى الإسلامية في الشرق الأوسط.

  • معلقة: لذا تدعم أمريكا حكام المنطقة المتسلطين ، وتمنحهم الضوء الأخضر بأن افعلوا ما شئتم ، فقط ابقوا الخطر الأخضر بعيدا عنا.

فرانسيس فوكوياما: صحيح وهذا من بين الأخطاء التي اقترفتها الإدارة الأمريكية بأن استخدمت الحكام المتسلطين بالمنطقة العربية للحد من خطر الإسلاميين، ولكنهم استغلوا الأمر لقمع الديمقراطيين.

  • هل لنا أن نتعرف على الإشكالية التي يناقشها كتابك القادم The origins of political order؟

فرانسيس فوكوياما: كتابي القادم يبحث مسألة جذور الدولة وأسس هذا الكيان ، ودور القانون ، كما انه يغطي بعض المناطق الجغرافية والحقول السياسية المختلفة لمعاينة تجربة الدولة بكل من الصين،الهند،الخلافة الإسلامية و تجربة السلطنة بمصر ،ثم تاريخ التطور السياسي والمؤسساتي بالشرق الأوسط ، إضافة إلى دراسة بعض الحالات الأوروبية في السياق ذاته.

  • بعد أن غيرت مواقفك ،وبعد الحروب المكلفة التي خاضتها أمريكا، وما زالت كتلك التي خاضتها ضدالإرهاب ، كيف تقرأ مستقبل التاريخ الآن ؟ أما زال في اتجاه النهاية التي تحدثت عنها ؟ أم أنها نهاية السيطرة الأمريكية على العالم في اتجاه عالم متعدد الأقطاب ؟.

فرانسيس فوكوياما) ضاحكا(:إن مقولةنهاية التاريختتعلق بفكرة الديمقراطية الغربية كنموذج جيد ، وأنا ما زلت أعتقد بصحتها ، إضافة إلى اعتقادي بأن نهاية السيطرة الأمريكية قد حلت بالفعل ، خاصة بعد الأزمة المالية الأخيرة. لقد باتت اليوم دول أخرى تنافس أمريكا كالصين وروسيا وحتى البرازيل ، لم تعد أمريكا وحدها المؤثرة في قرارات الساحة الدولية. ثم إن سيطرة دولة واحدة على العالم ليست أمرا صحيا ولا طبيعيا ، فنحن اليوم متجهون صوب عالم متعدد الأقطاب وهو أمر طبيعي أكثر

———————————————
أجري الحوار في ستانفورد يونيفرسيتي بولاية كاليفورنيا في فاتح نوفمبر من سنة 2010
يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما كاتب ومفكر أمريكي الجنسية من أصول يابانية، ولد في مدينة شيكاغو الأمريكية عام1952. يعد من أهم مفكري المحافظين الجدد. من كتبه: نهاية التاريخ والإنسان الأخير و الانهيار أو التصدع العظيم و) الثقة(.
يعتبرفوكوياما واحدا من الفلاسفة والمفكرين الأميركيين المعاصرين ، فضلا عن كونه أستاذا للاقتصاد السياسي الدولي ومديرا لبرنامج التنمية الدولية بجامعة جونزهوبكنز، ويعمل حاليا بمركز الأبحاث حول الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون بجامعة ستانفورد- كاليفورنيا.
تخرج فوكوياما من قسم الدراسات الكلاسيكية في جامعة كورنيل ، حيث درس الفلسفة السياسية على يد ألن بلووم Allen Bloom ، بينما حصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد ،حيث تخصص في العلوم السياسية .
وفضلا عن التدريس الجامعي عمل بوظائف عديدة :عمل مستشارا في وزارة الخارجية الأمريكية.
في عام1989 كان قراء دورية ناشيونال انترست National Interestعلى موعد مع مقالة” نهايةالتاريخ” والتي أحدثت رجة فكرية ،حيث قال : إن نهاية تاريخ الاضطهاد والنظم الشمولية قد ولى وانتهى إلى غير رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وهدم سور برلين، لتحل محلها الليبرالية وقيم الديمقراطية الغربية. وقد أضاف وشرح فوكوياما نظريته المثيرة للجدل في كتاب صدر عام 1992 بعنوان “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”. وقد قصد فوكوياما أن يعارض فكرة نهاية التاريخ في نظرية كارل ماركس الشهيرة ” المادية التاريخية “، والتي اعتبر فيها أن نهاية تاريخ الاضطهاد الإنساني سينتهي عندما تزول الفروق بين الطبقات . كما تأثر فوكوياما في بناء نظريته بآراء الفيلسوف الشهير هيغل و أستاذه الفيلسوف ألان بلوم، حيث ربط كلاهما بين نهاية تاريخ الاضطهاد الإنساني واستقرار نظام السوق الحرة في الديمقراطيات الغربية.
لفترة طويلة ، وقبل أن يغير مواقفه، اعتبر فرانسيس فوكوياما واحدا من منظري المحافظين الجدد حيث أسس هو ومجموعة من هؤلاء في عام1993 مركزا ًللبحوث عرف آنذاك بمشروع القرن الأميركي ، وقد دعا هو ورفاقه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون إلى ضرورة التخلص من نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
وقد عبر فوكوياما في مقالاته ومؤلفاته في السنوات الأخيرة عن قناعته بأنه على الولايات المتحدة أن تستخدم القوة في ترويجها للديمقراطية ، ولكن بالتوازي مع ما أطلق عليه نموذج ديبلوماسية نيلسون الواقعي. حيث اعتبر أن استخدام القوة يجب أن يكون أخر الخيارات التي يتم اللجوء إليها ، ملمحا إلى أن هذه الإستراتيجية تحتاج المزيد من الصبر والوقت. واعتبر أن التركيز على إصلاح التعليم ودعم مشاريع التنمية يمنحان سياسة الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية أبعادا شرعية.

الاقتصاد والحركة الاجتماعية

الباحثون ، علم الاقتصاد والحركة الاجتماعية

  • بيير بورديو
  • من كتابه : نقيض نار ( مطفأة الحريق )[نصوص للمساهمة في مناهضة المد النيوليبرالي]

بيير بورديو

لقد كانت حركة ديسمبر 1995 الاجتماعية حركة غير مسبوقة بفعل مداها وأهدافها الخاصة . وإذا كانت قد اعتبرت جد هامة من قبل جزء كبير من الساكنة الفرنسية والساكنة العالمية أيضا فلأنها على الخصوص اعتمدت أهدافا جديدة كليا في مجال الصراعات الاجتماعية . بارتباك وغموض ، وبخصوص نمط المخطط الإجمالي فقد جاءت بمشروع مجتمعي حقيقي مصادق عليه جماعيا وقادر على مجابهة المشروع المجتمعي المفروض من طرف السياسة المهيمنة ومن طرف الثوريين المحافظين الذين هم حاليا في السلطة، وبداخل المؤسسات السياسية ومؤسسات إنتاج الخطاب .وبتساؤلي عن ما يمكن للباحثين أن يضيفوه لمبادرة شبيهة بالحالات العامة اقتنعت بضرورة حضورهم المكتشف للبعد الثقافي والإيديولوجي الخالص لهذه الثورة المحافظة . وإذا كانت حركة ديسمبر حركة موافقا عليها بالأغلبية الساحقة بشكل جد واسع؛ فذلك لأنها بدت كدفاع عن المكتسبات الاجتماعية لا لفئة اجتماعية خاصة ـ حتى ولو كانت فئة اجتماعية خاصة هي عود ثقاب هذه الحركة لأنها مست بشكل خاص أكثر من غيرها ـ وإنما لمجتمع بأكمله ، بل حتى لعدد من المجتمعات : وتتعلق هذه المكتسبات بالشغل ، بالتعليم والنقل العموميين ، وبكل ما هو عمومي ، ومن ثمة فهي تتعلق بالدولة ؛ هذه المؤسسة التي ليست بالضرورة ـ بعكس ما يراد لنا أن نعتقد ـ بدائية ورجعية . وإذا كانت هذه الحركة قد ظهرت بفرنسا ، فإن ذلك ليس وليد الصدفة ؛ فهناك أسباب تاريخية ، لكن ما يمكن أن يثير الملاحظين هو أنها تتواصل بصيغة تناوبية ؛ بفرنسا بصيغ مختلفة وغير متوقعة ـ حركة السائقين ، فمن كان ينتظر وقوعها بهذا الشكل ؟ .. ـ وأيضا بأوربا ؛ بإسبانيا حاليا ؛ باليونان منذ بضعة سنوات ؛ بألمانيا حيث استلهمت الحركة من الحركة الفرنسية وأعلنت بشكل صريح عن صلتها بها ؛ بكوريا ـ وهو ما يعتبر أيضا جد هام لأسباب رمزية وعملية . إن هذا الضرب من الصراع التناوبي هو في ما يبدو لي في بحث عن وحدته النظرية والعملية خاصة، ويمكن أن تعتبر الحركة الفرنسية طليعة صراع عالمي ضد الليبرالية الجديدة وضد الثورة المحافظة الجديدة التي يتخذ البعد الرمزي ضمنها أهمية كبيرة جدا . إلا أنني أعتقد أن إحدى نقط ضعف الحركات التقدمية يتمثل في كونها قللت من شأن هذا البعد، ولم تنحث دائما أسلحة ملائمة لمقاومته ومصارعته . إن الحركات الاجتماعية متخلفة عن العديد من الثورات الرمزية بالمقارنة مع خصومها الذين يعتمدون مستشارين في الاتصال ومستشارين في التلفزة .. الخ . تعلن الثورة المحافظة أنها ليبرالية جديدة، مضفية على ذاتها الهالة العلمية والقدرة على العمل بوصفها نظرية، وإحدى الأخطاء النظرية والعملية لكثير من النظريات ـ ابتداء بالنظرية الماركسية ـ تمثلت في نسيان الأخذ بعين الاعتبار لفعالية النظرية ، وليس من حقنا نحن أن نرتكب هذا الخطأ . إننا في مواجهة خصوم مسلحين بنظريات؛ ويتعلق الأمر في ما يبدو لي بمقارعتهم بأسلحة فكرية وثقافية ، ولممارسة هذا الصراع ، وبفعل تقسيم الشغل ، فإن البعض من الناس مسلح بشكل أفضل من الآخرين ؛ وذلك لأن تلك مهنتهم، وعدد معين من بينهم مستعد للانهماك في العمل ، فبماذا يمكنهم أن يساهموا ؟ .. أولا بسلطة معينة . فماذا سمي الأشخاص الذين ساندوا حكومة ديسمبر ؟ .. لقد سموا خبراء ، في حين لم تكن تلك بالنسبة لهم كلهم ربع بداية البداية لاقتصادي ما . يجب أن يواجه تأثير السلطة هذا بتأثير سلطة أخرى للسلطة، لكن هذا ليس كل شيء ؛ فقوة السلطة العلمية الممارسة على الحركة الاجتماعية ، وحتى أعماق ضمائر العمال قوة كبيرة جدا؛ إنها تحدث شكلا من أشكال تثبيط العزائم، وأحد أسباب قوتها يتمثل في أنها تمارس من طرف أناس يبدو عليهم أنهم على وفاق في ما بينهم ـ فالتوافق هو بشكل عام علامة على الحقيقة، ولأنها أيضا تستند وتتكئ على الأدوات التي يمتلكها اليوم هذا الفكر، والتي يبدو ظاهريا أنها الأعتى قوة، أي على الرياضيات بشكل خاص . إن دور ما نسميه الإيديولوجيا المهيمنة هو دور قائم اليوم عن طريق استخدام معين للرياضيات ( وتلك مبالغة فيها إفراط ، ولكنها طريقة لإثارة الانتباه لمسألة أن فعل العقلنة ـ أي مسألة تقديم أسباب لتبرير أشياء لا تقبل التبرير غالبا ـ وجد اليوم في علم الاقتصاد الرياضي أداة جد قوية ). ومن الأهمية بمكان معارضة هذه الإيديولوجيا التي تلبس فكرا محافظا خالصا رداء العقل الخالص بأسباب وحجج وتفنيذات وبراهين؛ أي بممارسة العمل العلمي . إحدى نقاط قوة الفكر الليبرالي الجديد تتمثل في كونه يفرض ذاته باعتباره ضربا من ” سلسلة الوجود الكبيرة ” كما كان الحال في الاستعارات الثيولوجية القديمة التي نجد الله في أحد طرفيها، ثم نمضي بعد ذلك حتى نبلغ الحقائق الأكثر تواضعا عبر سلسلة من الحلقات. وفي سديم الليبرالية الجديدة ومكان الله في أعلى عليين هناك رياضي، وفي الأسفل هناك إيديولوجي للفكر لا يعرف الشيء الكثير عن الاقتصاد، ولكنه يستطيع أن يوهم الناس بأنه يعرف منه القليل بفضل بعض التلميع القاموسي التقني. ولهذه السلسلة القوية جدا تأثير سلطوي . هناك شكوك حتى في أوساط المناضلين الذين ينتجون من جانب عن القوة، القوة الاجتماعية أساسا، وعن النظرية التي تضفي السلطة على كلام السيد تريشي أو السيد تيتماير رئيس البونديسبانك، أو لهذا أو ذاك من كتاب المقالات . إن هذه ليست سلسلة من البراهين ، وإنما هي سلسلة من السلطات ذاهبة من الرياضي إلى البنكي ، ومن البنكي إلى الفيلسوف ـ الصحافي، ومن كاتب المقالات إلى الصحافي . إنها أيضا قناة يتحرك فيها المال وكل أنواع الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية، الدعوات العالمية والاعتبار والتبجيل. نستطيع نحن السوسيولوجيين، وبدون أن نمارس التشهير، أن نقوم بتفكيك هذه الشبكات وبيان كيف أن دوران الأفكار هو مسنود بدوران السلطة؛ فهناك الأشخاص الذين يبادلون خدمات إيديولوجية مقابل مواقع بالسلطة. يتوجب أن نقدم الأمثلة، ولكن يكفينا أن نقرأ باهتمام لائحة الموقعين على ” عريضة الخبراء ” الذائعة الصيت. وما هو مهم بالفعل هو أن روابط مستترة في ما بين الأشخاص الذين يعملون عادة بشكل مستقل ـ حتى ولو كنا نراهم في الغالب يظهرون مثنى مثنى في مناظرات مغلوطة بالتلفزة ـ وفي ما بين معاهد وجمعيات ومجلات ..الخ يماط عنها اللثام من خلالها في واضحة النهار.هؤلاء الناس يستعملون جماعيا، وعلى قاعدة موضة التوافق، خطابا قدريا يتمثل في تحويل النزوعات الاقتصادية إلى قدر، بيد أن القوانين الاجتماعية والقوانين الاقتصادية ..الخ، لا تشتغل إلا على المستوى الذي ندعها تؤثر فيه. وإذا كان المحافظون من جانب دعه يعمل ، فذلك لأن هذه القوانين النزاعة تحافظ، وهي في حاجة لدعه يعمل من أجل أن تحافظ. إن قوانين الأسواق المالية خاصة، تلك التي يحدثوننا عنها باستمرار، هي قوانين للمحافظة في حاجة لدعه يعمل من أجل أن تنجز. يتوجب أن نبلور ونحاج ونعبر عن دقائق أفكارنا، وألتمس العذر عن الجانب التبسيطيي لما أتيت على قوله. وأما ما يتعلق بالحركة الاجتماعية، فبإمكانها أن تكتفي بالوجود؛ فهي بذلك تخلق ما يكفي من المتاعب، ولن نطالبها زيادة على ذلك بتقديم المبررات . أما بخصوص المثقفين الذين ينضمون للحركة الاجتماعية، فإننا نسألهم على الفور: ” لكن ما ذا تقترحون ؟ .. ” ونحن لسنا في حاجة للسقوط في فخ البرنامج، فهناك ما يكفي من الأحزاب والأجهزة من أجل ذلك، وما نستطيع عمله هو أن نخلق لا برنامجا مضادا، وإنما هيئة وترتيبا للبحث الجماعي في ما بين الأنظمة وعالميا يضم باحثين ومناضلين وممثلين للمناضلين .. الخ ، وكذا الباحثين بالنظر لدورهم المحدد : فهم يستطيعون المشاركة بصورة فعالة بشكل خاص في فرق عمل وتفكير، وذلك لأن تلك مهنتهم، بشراكة مع أفراد هم داخل الحركة . وذاك ما يستثني في الحال عددا معينا من الأدوار : فالباحثون ليسوا رفاق الطريق؛ أي الأسرى والضامنين، الآنية الخزفية الصينية والأعذار الذين يوقعون العرائض والذين نتخلص منهم حالما ننتهي من استخدامهم؛ إنهم ليسوا أيضا جدانوفيين يأتون لكي يمارسوا بداخل الحركات الاجتماعية السلطات ذات المظهر الفكري التي لا يستطيعون ممارستها بداخل الحياة الفكرية؛ وهم ليسوا حتى خبراء مضادين للخبراء، وليسوا أيضا أنبياء سيجيبون على كل الأسئلة بخصوص الحركة الاجتماعية وبخصوص مستقبلها. إنهم الأشخاص الذين يستطيعون المساعدة على تحديد وظيفة هيئات مثل هذه ، أو التذكير بأن الأشخاص الذين هم هنا ليسوا حاضرين هنا بوصفهم ناطقين باسم جهات يمثلونها، وإنما بوصفهم مواطنين جاءوا إلى فضاء للمناقشة والبحث وهم يحملون أفكارا وحججا، تاركين بمستودع الملابس لغات الخشب والسقوف المسطحة وعادات الجهاز، وذلك ليس بالهين ولا باليسير دائما. ومن بين عادات الجهاز التي يتهددنا خطر عودتها من جديد هناك تكوين اللجان واقتراحات التركيبات المعدة سلفا في الغالب ..الخ . إن السوسيولوجيا تعلمنا كيف تشتغل الفرق وكيف نستفيد من القوانين التي تشتغل وفقها الفرق من أجل محاولة إبطال هذه القوانين. يجب أن نبتكر صيغا جديدة للتواصل في ما بين الباحثين والمناضلين، أي تقسيما جديدا للعمل في ما بينهم . وإحدى المهام التي يستطيع الباحثون إنجازها أفضل من أي شخص آخر ربما تتمثل في مقاومة المَطرقة الإعلامية ؛ إننا نسمع طيلة النهار جملا معدة بعناية وإتقان، ولم نعد نستطيع فتح المذياع دون أن نسمع من يتحدث عن ” القرية الكونية ” وعن ” العولمة ” ..الخ ، إنها كلمات لا شكل لها ، ولكنها كلمات تمر عبرها فلسفة ونظرة للعالم بأكملها تفرز النزعة القدرية والتركيع. إننا يمكننا أن نناهض هذه المطرقة الإعلامية من خلال انتقاد الكلمات ومن خلال مساعدة غير المختصين على التزود بأسلحة خاصة للمقاومة، وذلك من أجل مقاومة التأثير السلطوي لسلطان التلفزيون الذي يلعب بشكل مطلق دورا مركزيا؛ فلا يمكننا أن نخوض اليوم صراعات اجتماعية دون التوفر على برامج صراع نوعية مع وضد التلفزيون، وأحيل على كتاب باتريك شامباني ” صنع الرأي ” الذي يجب أن يكون نوعا من كتاب المصارع السياسي المختصر (1). إن المعركة في هذا الصراع ضد المثقفين الإعلاميين معركة هامة. ومن جهتي ، فإن هؤلاء الأشخاص لا يذهبون النوم عن عيني و لا أفكر فيهم مطلقا عندما أكتب ، لكن لهم من زاوية النظر السياسية دورا في غاية الأهمية ، والمأمول أن تقبل شريحة من الباحثين اقتطاع جزء من وقتها ومن طاقتها وتخصيصه للبحث في الطريقة النضالية الكفيلة بمناهضة تأثيرهم .هدف آخر ؛ ويتمثل في ابتكار صيغ جديدة للفعل الرمزي؛ وأعتقد بخصوص هذه النقطة أن الحركات الاجتماعية ، مع بعض الاستثناءات التاريخية ، هي حركات متأخرة . إن باتريك شامباني يعرض في كتابه كيف يمكن لبعض أشكال التعبئة الكبرى أن لا تظفر على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة إلا بأماكن أقل من أماكن مظاهرات ضئيلة الحجم ولكنها منظمة بشكل يجعلها تثير اهتمام الصحافيين. و لا يتعلق الأمر بطبيعة الحال بمصارعة الصحافيين الرازحين بدورهم تحت ضغط إكراهات الهشاشة ، مع كل تأثيرات الرقابة التي تفرزها هذه الهشاشة على مستوى كل مهن الإنتاج الثقافي. لكن من الأساسي أن نعرف أن جزءا كبيرا مما يمكننا قوله أو عمله ستتم غربلته ، أي في الغالب إبطاله من خلال ما سيقوله عنه الصحافيون ، بما فيه ما سنفعله هنا ، وهذه ملاحظة لن يعيدوا إنتاجها في تقاريرهم … ولكي أنهي كلامي أقول بأن إحدى المشاكل تتمثل في أن تكون تأمليا ـ وهذه كلمة ثقيلة ولكنها لم تستعمل مجانيا ؛ فأمامنا كهدف لا فقط ابتكار صيغة جديدة لتنظيم فعل الاحتجاج والمنازعة وتنظيمهما ، وصيغ جديدة للفعل النضالي . وما يمكننا أن نحلم به نحن الباحثين هو إمكان أن يكون جزء من أبحاثنا نافعا للحركة الاجتماعية بدل أن يضيع كما هو الحال اليوم في الغالب ، وذلك لأنه ملتقط ومشوه من طرف صحافيين أو مؤولين معادين ..الخ . إننا نتمنى في إطار فرق مثل فرقة ” بواعث التحرك Raisons d’agir ” ابتكار صيغ تعبير جديدة تمكن من إيصال مكتسبات البحث الأكثر تقدما للمناضلين ، لكن هذا يفترض من جانب الباحثين تغييرا للغة ولحال الفكر . وحتى نعود للحركة الاجتماعية أعتقد كما قلت ذلك منذ قليل أننا بصدد حركات دوارة للصراع ـ كان بإمكاني أيضا ذكر إضرابات الطلبة والأساتذة ببلجيكا ، والإضرابات بإيطاليا ..الخ ـ ضد إمبريالية الليبرالية الجديدة ؛ صراعات لا يعرف بعضها البعض الآخر في الغالب الأعم ( والتي يمكن أن تتخذ صيغا ليست مسالمة دائما كبعض صيغ الأصولية ) . يجب إذن على الأقل توحيد الإعلام العالمي والعمل على نشره وإيصاله . يجب إعادة ابتكار النزعة الأممية التي تم التقاطها وتحويل مسارها من طرف الإمبريالية السوفياتية ؛ أي ابتكار صيغ التفكير النظري وصيغ الفعل العملي القادرة على التموقع في المستوى الذي يمكن أن تحدث فيه المعركة . وإذا كان صحيحا أن أغلب القوى الاقتصادية المهيمنة تتحرك على المستوى العالمي وعبر الأوطان ، فصحيح أيضا أن هناك مكانا فارغا وهو مكان الصراعات العابرة للأوطان ، مكان فارغ نظريا وذلك لأنه غير مفكر فيه ، وهو غير مشغول عمليا لغياب تنظيم عالمي حقيقي للقوى القادرة على مناهضة الثورة المحافظة الجديدة ، على المستوى الأوربي على الأقل.

باريس ، نونبر 1996.

======================================

(1ب. شامباني ، ” صنع الرأي ” ، باريس ، منشورات مينوي ، 1993.

بورتو أليغري

ببورتو أليغري ، في هذه المدينة القديمة بجنوب البرازيل ، انعقد ما بين 25 و 30 يناير 2001 الملتقى العالمي الأول لا من أجل الانعقاد كما حدث بسياتل وواشنطن وبراغ وغيرها ضد كل أشكال الظلم والفوارق والكوارث التي تتسبب فيها ضروب الإفراط في الليبرالية الجديدة ، وإنما لمحاولة اقتراح إطار نظري وعملي جديد يمكن من تصور عولمة من نوع مغاير ، والتأكيد على أن عالما آخر أكثر إنسانية وأكثر تضامنا هو مسألة ممكنة .

بورتو أليغري

  • بقلم : إغناسيو راموني
  • لوموند ديبلوماتيك ـ عدد يناير 2002

بورتو أليغري

يبتدئ القرن الجديد ببورتو أليغري، حيث سيجتمع بالفعل كل أولئك الذين ينازعون في العولمة النيوليبرالية أو ينتقدونها بطريقة أو بأخرى ، وذلك ما بين 25 و 30 يناير 2001 . وفي هذه المدينة القديمة بجنوب البرازيل حيث سينعقد الملتقى العالمي الأول، لا من أجل الانعقاد كما وقع بسياتل  وواشنطن وبراغ وغيرها ضد كل أشكال الظلم والفوارق والكوارث التي تتسبب فيها ضروب الإفراط في الليبرالية الجديدة تقريبا في كل مكان من العالم ، وإنما وانطلاقا من روح إيجابية وبناءة هذه المرة ، لمحاولة اقتراح إطار نظري وعملي جديد يمكن من تصور عولمة من نوع مغاير، والتأكيد على أن عالما آخر أكثر إنسانية وأكثر تضامنا هو مسألة ممكنة.

إن هذا الضرب من الأممية الثورية ينعقد ببورتو أليغري، في الوقت ذاته الذي ينعقد فيه بدافوس ( سويسرا ) الملتقى الاقتصادي العالمي الذي يضم منذ عشرات السنين أسياد العالم الجدد ، وعلى الخصوص كل أولئك الذين يقودون العولمة بشكل ملموس ، تلك العولمة التي لم يعودوا يكتمون تخوفاتهم اتجاهها ، وقد أخذوا ينظرون إلى احتجاجات المواطنين بشأنها بالجدية اللازمة ، تلك الاحتجاجات التي أخذت من سياتل إلى نيس تنعقد بشكل منتظم إبان كل قمة من قمم كبريات المؤسسات التي تقود العالم بالفعل : المنظمة العالمية للتجارة OMC ، صندوق النقد الدولي FMI ، البنك العالمي BM ، منظمة التنمية والتعاون الاقتصاديينOCDE ، مجموعة السبعة G7 .

لقد سبق لأحداث سياتل في السنة الأخيرة أن زعزعت أصحاب القرار المجتمعين بدافوس بشكل عميـــــق ” فكل سنة ، كما أشار إلى ذلك أحد الصحافيين على سبيل المثال ، يشكل موضوع ما أو أحد الشخصيات نجم الملتقى الاقتصادي العالمي ، أما في سنة 2000 فقد كانت أحداث سياتل هي نجم ملتقى دافوس بدون منازع ، وقد تمركز الحديث على الأخص حول سياتل وأحداثها ” . ولأنهم واعون بالإفلاس الديمقراطي المصاحب للعولمة ، فإن منافحين آخرين عن النموذج المهيمن والسائد لم يعودوا يترددون في إعلان ما يلي : ” سنفكر بشكل جدي في مسألة تغيير معايير وإجراءات اشتغال الشمولية في اتجاه أكثر ديمقراطية ” ، وقد أصبح السيد ألان غرينسبان ذاته ، وهو رئيس الاحتياطي الفيدرالي بالولايات المتحدة يؤكد منذ اليوم : ” لا يمكن للشركات أن تنجح عندما تعتبر قطاعات هامة وذات دلالة اشتغال هذه الشركات اشتغالا غير عادل “.

إن هذه ” القطاعات الهامة وذات الدلالة ” التي جاءت من جهات العالم الأربع ، والتي تعارض البربرية الاقتصادية الحالية ، وترفض الليبرالية الجديدة بوصفها ” أفقا عصيا على التجاوز ” ، ستحاول في إطار مسعى لا بد من وصفه بأنه مسعى تجديدي ، أن ترسي قواعد سلطة مضادة حقيقية ببورتو أليغري.

لماذا سيحدث ذلك في هذا المكان بالضبط ؟ .. لأن بورتو أليغري أضحت منذ بضعة أعوام مدينة رمزا . وبحكم أنها عاصمة ولاية ريو غراندي دو سول ، في أقصى جنوب البرازيل ، على حدود الأرجنتين والأوروغواي ، فهي عبارة عن ضرب من المختبر الاجتماعي الذي ينظر إليه بعض الملاحظين الدوليين بنوع من الافتتان.

فباعتبارها مدينة حكمت بطريقة أصيلة منذ 12 سنة من قبل تحالف يساري تزعمه حزب العمال PT ، فقد عرفت هذه المدينة في عديد من الميادين ( السكن ، النقل العمومي ، السكك الحديدية ، جمع النفايات ، المستوصفات والمستشفيات ، قنوات المياه ، البيئة ، السكن الاجتماعي ، محو الأمية ، المدارس ، الثقافة ، الأمن … الخ )  تطورا ملحوظا ، فماذا كان السر في نجاح مثل هذا ؟ .. إنه ميزانية المساهمة ، أي الإمكانية التي لدى سكان مختلف الأحياء لكي يحددوا بشكل ملموس وديمقراطي مآل الأموال البلدية ، أي أن يقرروا أي نوع من البنيات التحتية يرغبون في إيجاده وتحسينه ، وكذا إمكانية التتبع اللصيق وعن كثب لتقدم الأشغال ومسار الالتزامات المالية: وبذلك لم تكن هناك أية إمكانية للسطو على هذه الأموال و لا لممارسة الشطط ، وكانت الاستثمارات مستجيبة بالضبط لرغبات أغلبية سكان الأحياء.

وتتم هذه التجربة السياسية ، كما يجب أن نشير إلى ذلك ، في مناخ من الحرية الديمقراطية التامة ، ومن خلال مواجهة واحتكاك مع معارضة سياسية حادة. إن حزب العمال لا يسيطر على كبريات الجرائد اليومية المحلية و لا على الإذاعة و لا حتى على التلفزيون الذي هو في يد كبريات المجموعات الإعلامية المتحالفة مع الباطرونا المحلية المعادية لحزب العمال . وأكثر من ذلك ، فحزب العمال المطالب باحترام الدستور الفيدرالي البرازيلي ، والذي ليست لديه إلا هوامش للاستقلال السياسي الذاتي جد محدودة ، وعلى الأخص في مجال الضريبة ، لا يمكنه أن يتصرف كيفما شاء ، ومع ذلك ، فإشباع حاجات المواطنين هو من التحقق حتى أن مرشح حزب العمال أعيد انتخابه مرة أخرى في أكتوبر 2000 على رأس البلدية بأكثر من 63 % من الأصوات.

في هذه المدينة الفريدة حيث تنتعش ديمقراطية ليست كالديمقراطيات الأخرى ، سيحاول الملتقى الاجتماعي العالمي وضع أسس عولمة مغايرة ، عولمة ليس من شأنها أبدا أن تقصي الشعوب ، فالرأسمال والسوق يرددان منذ عشر سنوات أنهما، وعلى النقيض مما تؤكده اليوتوبيات الاشتراكية ، هما اللذان يصنعان التاريخ وسعادة الناس وليس الشرور والمهالك.

ببورتو أليغري، في هذا القرن الذي انطلق ، سيذكر بعض الحالمين الجدد بالمطلق بأنه ليس الاقتصاد وحده هو الشأن العالمي الوحيد ؛ فحماية البيئة وأزمة الفوارق الاجتماعية والانشغال بحقوق الإنسان هي أيضا قضايا عالمية ، وأن أمر الإمساك بها والتقرير بشأنها هي مسألة تعود في الأول والأخير لمواطني هذه البسيطة .

ضد تدمير حضارة*

  • بقلم : بيير بورديو
  • عن كتابه : نقيض نار [مطفأة الحريق]

أنا هنا لكي أعرب عن مساندتي لكل أولئك الذين يُصارعون منذ ثلاثة أسابيع ويقاومون تدمير حضارة مرتبطة بوجود المصالح العمومية، تلك المتمثلة في المساواة الجمهورية في الحقوق: الحق في التعليم، الصحة والثقافة، البحث والفن، وقبل كل شيء، الحق في الشغل .

أنا هنا كي أقول إننا نتفهم هذه الحركة العميقة ؛ أي في نفس الآن فقدان الأمل والآمال التي تعبر عن ذاتها هنا ونستشعرها أيضا ؛ لأجل أن نقول إننا لا نفهم ( أو إننا لن نفهم إلا بشكل عميق وزائد ) أولئك الذين لا يتفهمونها كهذا الفيلسوف الذي اكتشف باندهاش من خلال ” صحيفة الأحد ليوم 10 ديسمبر ، الهوة القائمة في ما بين التفهم العقلاني للعالم “المشخص حسب رأيه في ألان جوبي ــ وهو يقولها حرفيا ــ ، و ” الرغبة العميقة لدى الناس ” .

إن هذا التعارض في ما بين الرؤيا على المدى الطويل لدى ” أحد أفراد النخبة ” المتنورة ونبضات الشعب القصيرة النظر أو نبضات ممثليه هو تعارض مميز للفكر الرجعي في كل الأزمنة والبلدان ، لكنه يتخذ اليوم صيغة جديدة مع نبالة الدولة التي تستمد الإقناع بمشروعيتها من العنوان المدرسي ، ومن سلطة العلم ، والاقتصادي منه خاصة : فليس العقل والحداثة وحدهما بالنسبة لحكام الحق الإلهي الجدد هؤلاء هما من جانب الحكام وإنما الحركة والتغيير أيضا ؛ وزراء وباطرونات أو ” خبراء ” ؛ واللاعقل والبدائية ، العطالة ونزعة المحافظة هي من جانب الشعب والنقابات والمثقفين النقدييـــن .

إن هذا اليقين التكنوقراطي هو الذي عبر عنه جوبي عندما استكتب نفسه قائلا : ” أريد أن تكون فرنسا بلدا جديا وبلدا سعيدا ” . وهو ما يقبل الترجمة هكذا :   أريد أن يكون الأشخاص الجديون ؛ أي النخبة والنبلاء ، أولئك الذين يعرفون أين توجد سعادة الشعب في مستوى تحقيق سعادة الشعب على الرغم منه ، أي ضدا على إرادته التي أعمتها بالفعل رغائبه التي تحدث عنها الفيلسوف ؛ فالشعب لا يعرف أين تكمن سعادته ــ وبخاصة سعادته في أن يُحكم من طرف أناس كالسيد جوبي ــ يعرفون أين تكمن سعادته أفضل منهم . بهذه الطريقة يفكر التكنوقراطيون وبها يفهمون الديمقراطية . ويُفهم من ذلك أنهم لا يفهمون أن الشعب الذي يدعون أنهم يحكمون باسمه ، ينزل إلى الشارع ــ مفعما بالإحساس بالغبن ! ــ من أجل معارضتهم .

إن نبالة الدولة هاته التي تبشر بذبول الدولة والسيادة بدون شريك للسوق وللمستهلك ، البديل التجاري للمواطن ، أحكمت قبضتها على الدولة وجعلت من المصلحة العامة مصلحة خاصة ، ومن الشأن العمومي ومن الجمهورية شأنها الخاص . وما هو في مهب الريح اليوم هو إعادة الغزو المنتظر أن تباشره الديمقراطية ضد التكنوقراطية : يجب أن نحسم مع طغيان ” الخبراء ” على شاكلة البنك العالمي أو صندوق النقد الدولي الذين يفرضون بدون جدال قرارات الليفياتان الجديد Léviathan المتمثل في ” الأسواق المالية ” ، والذين لا ينوون التفاوض بل ” الشرح ” ؛ يجب أن نقطع مع الإيمان الجديد باللاتحاشية التاريخية التي يجاهر بها منظروا النزعة الليبيرالية ؛ يجب إبداع صيغ جديدة لعمل سياسي جماعي قادر على الفعل في الضرورات ، الاقتصادية منها خاصة ( وتلك يمكن أن تكون مهمة الخبراء ) ، لكن من أجل مصارعتها عند الاقتضاء وتحييدها .

إن الأزمة اليوم هي فرصة تاريخية بالنسبة لفرنسا ، وبدون شك أيضا بالنسبة لكل أولئك الذين يرفضون بأوربا وبأرجاء العالم ، والمتزايد عددهم باستمرار كل يوم ، البديل الجديد المتمثل في الليبيرالية أو الوحشية . سككيون ، بريديون ، رجال تعليم ، مستخدمون بالمصالح العمومية ، طلبة ، وكثير آخرون ملتزمون عبر الفعل أو الانفعال  بداخل الحركة طرحوا من خلال مظاهراتهم وتصريحاتهم ، من خلال نقاشاتهم التي لا تحصى ، تلك التي أطلقوا شرارتها والتي يجهد الغطاء الإعلامي نفسه في خنقها وإخمادها بدون جدوى ، المشاكل الأساسية تماما والتي تمنع أهميتها من أن يُترك شأنها لتكنوقراطيين كافيين من حيث العدد أو غير كافيين : فكيف نعيد للمعنيين الأُول الذين هم كل واحد منا التعريف المتنور والمعقول لمستقبل الخدمات العمومية ؛ صحة وتعليما ونقلا . . الخ بترابط خاصة مع أولئك الذين هم معرضون في بلدان أوربا الأخرى لنفس التهديدات والمخاطر ؟ .. كيف السبيل لإعادة إبداع مدرسة الجمهورية ، برفض العودة تدريجيا ، على مستوى التعليم العالي ، لتربية بسرعتين يرمز إليها التعارض في ما بين كبريات المعاهد من جهة والكليات ؟ .. ونفس السؤال يمكن أن يطرح بخصوص الصحة أو النقل . كيف يمكننا مقاومة الهشاشة المهددة لكل مستخدمي المصالح العمومية والتي تتسبب في ألوان من المرهونية والتركيع البشع بشكل خاص في حضن مقاولات التوزيع والنشر الثقافي من راديو وتلفزة أو صحافة بفعل تأثير الرقابة التي تمارسها هذه المقاولات ، أو حتى في حضن التعليم ؟ ..

في إطار مجهود إعادة إبداع المصالح والخدمات العمومية نعتبر أن لكل من المثقفين والكتاب والفنانين والعلماء . . الخ دور حاسم عليهم أن يلعبوه ؛ إنهم يستطيعون أولا أن يساهموا في تكسير احتكار واستئثار التكنوقراطية الأورثودوكسية بوسائل البث والنشر ، ولكنهم يستطيعون أيضا ان ينخرطوا ملتزمين بطريقة منظمة ودائمة ، وليس فقط في اللقاءات بمناسبة ظرف الأزمة ، إلى جانب أولئك الذين هم في مستوى توجيه مستقبل المجتمع بفعالية ؛ جمعيات ونقابات خصوصا ، والعمل على إنجاز تحليلات صارمة ونحث اقتراحات مبتكرة حول كبريات المسائل التي تحظر الأورثودوكسية الإعلامية ـ السياسية طرحها : أعني بذلك خاصة مسألة توحيد الحقل الاقتصادي العالمي والتأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للتقسيم العالمي الجديد للعمل ، أو مسألة قوانين الأجور المزعومة للأسواق المالية التي يضحي باسمها بعديد من المبادرات السياسية ، ومسألة وظائف التربية والثقافة في اقتصادات تحول فيها الرأسمال التكويني (= الإعلامي ) أحد القوى المنتجة الأكثر تحديدا من غيرها . . . الخ .

يمكن أن يبدو هذا البرنامج مجردا ومحض نظري ، إلا أنه يمكن الطعن في النزعة التكنوقراطية السلطوية بدون السقوط في النزعة الشعبوية التي ضحت من أجلها في الغالب الأعم حركات الماضي الاجتماعية ، والتي تشكل مرة أخرى أيضا لعبة التكنوقراطيين .

إن ما أردت أن أعبر عنه على كل حال وربما بدون حذاقة ــ وأنا ألتمس العذر من أولئك الذين يناضلون اليوم من أجل تغيير المجتمع : وأعتقد بالفعل بأنه لا يمكننا ممارسة مقاومة فعالة للتكنوقراطية الوطنية والعالمية إلا بمواجهتها في ميدانها المفضل ؛ أي ميدان العلم ، الاقتصادي منه خاصة ، وأن نضع في حال تعارض مع المعرفة المجردة والمشوهة التي يتباهون بها ، معرفة أكثر احتراما للإنسان وللحقائق التي يحتك بها هذا الإنسان ويواجهها .

باريس ، ديسمبر 1995 .

=========================

* مداخلة بمحطة قطار ليون بمناسبة إضرابات ديسمبر 1995 .

أممية جديدة

من أجل أممية جديدة*

بـقـلــــمبيير بورديو

من كتابه: نقيض ـ نار [مطفأة الحريق]

توجد شعوب أوربا اليوم في منعطف من منعطفات تاريخها ؛ وذلك لأن فتوحات قرون عدة من الصراعات الاجتماعية والثقافية والسياسية من أجل كرامة العمال هي الآن مهددة بشكل مباشر . إن الحركات التي يمكن معاينتها هنا وهنالك ، هنا ثم بعد ذلك هنالك في مجموع أوربا وحتى خارجها ، حتى كوريا ، هذه الحركات التي تتوالى بألمانيا وفرنسا ، باليونان وإيطاليا . . الخ ظاهريا بدون تنسيق حقيقي ، هي في مجموعها ثورات مناهضة لسياسة تتخذ صيغا متعددة حسب المجالات وحسب البلدان ، سياسة مستلهمة دائما ، على الأقل ، من نفس النزوع والتوجه ؛ ألا وهو تدمير المكتسبات الاجتماعية التي هي ، رغم كل ما يقال عنها ، من بين الفتوحات الأكثر سموا للحضارة ؛ فتوحات يتعلق الأمر بجعلها كونية وتمديدها على مستوى مجموع الكرة الأرضية وعولمتها بدل اتخاذ ” العولمة ” ومنافسة البلدان الأقل تقدما اقتصاديا واجتماعيا مبررا لوضعها موضع التساؤل وإعادة النظر فيها . ليس هناك شيء أكثر طبيعية ومشروعية من الدفاع عن هذه المكتسبات التي يحلو للبعض أن يقدمها كما لو كانت تمثل شكلا من أشكال نزعة المحافظة أو البدائية ، فهل يمكن أن ندين بتهمة المحافظة عملية الدفاع عن المكتسبات الاجتماعية التي أتحدث عنها والمتمثلة في الحق في الشغل والضمان الاجتماعي التي عانى منها ومن أجلها صارع رجال كثيرون ونساء كثيرات هي أيضا مكتسبات سامية وثمينة ، مكتسبات لا تستمر ، من جهة أخرى ، في الوجود والبقاء فقط في المتاحف والمكتبات والأكاديميات ، وإنما هي حية فاعلة في حياة الناس وتحكم وجودهم اليومي . وهذا هو السبب في أنني لا أستطيع منع نفسي من الإحساس بشيء ما شبيه بشعور الغضب إزاء أولئك الذين بوصفهم يجعلون من أنفسهم حلفاء للقوى الاقتصادية الأعتى عنفا ، يدينون أولئك الذين بدفاعهم عن مكتسباتهم الموصوفة أحيانا بكونها ” امتيازات ” ، يدافعون عن / ويحمون مكتسبات كل الرجال والنساء بأوربا وخارجها .

إن النداء الصادر منذ بضعة أشهر عن السيد تيتماير لم يتم فهمه غالبا بشكل جيد ؛ وذلك لأنه تم فهمه باعتباره جوابا عن سؤال موضوع بشكل سيئ ، ولكونه وضع بالتحديد في سياق منطق معين هو المنطق النيوليبرالي الذي يطالب به السيد تيتماير . ضمن هذا المنظور يتقرر بأن الاندماج النقدي المرموز له من خلال وضع عملة الأورو هو الخطوة الأولى الإجبارية والشرط الضروري للاندماج السياسي بأوربا . وبعبارات أخرى يتم التشبث بأن الاندماج السياسي بأوربا سينحدر ضرورة وبشكل لا مناص منه من الاندماج الاقتصادي ، وهو ما يلزم عنه أن الاعتراض على سياسة الاندماج النقدي وعلى المنافحين عنها ، كالسيد تيتماير ، هو اعتراض صارخ على الاندماج السياسي . وباختصار ، فإن معناه هو أن تكون ” ضد أوربا ” .

بيد أن الأمر لا يتعلق بذلك أبدا ؛ فما هو موضوع السؤال هو دور الدولة ( أدوار الدول الوطنية الموجودة حاليا أو دور الدولة الأوربية التي يتعلق الأمر بإحداثها ) ، وبالخصوص في مجال حماية الحقوق الاجتماعية ؛ أي دور الدولة الاجتماعية القادرة وحدها على التصدي للميكانيزمات المتصلبة للاقتصاد المتروك لذاته . يمكن أن يكون المرء ضد أوربا كما هي في تصور السيد تيتماير ستستخدم كامتداد للأسواق المالية مع بقائه في نفس الآن بجانب أوربا ستشكل ، بفعل سياسة متوافق حولها ، عائقا في وجه عنف هذه الأسواق الذي لا يعرف حدودا . لكن لا شيء يمنحنا الأمل في سياسة كهاته لأوربا البنكيين التي يتم تهييئها وإعدادها لنا ؛ فنحن لا يمكن أن ننتظر من الاندماج النقدي أن يضمن اندماجا اجتماعيا ، بل العكس تماما : فنحن نعرف بالفعل بأن الدول التي تريد الحفاظ على تنافسيتها في حضن منطقة الأورو على حساب شركائها لن يكون لها ملجأ آخر غير تخفيض التكاليف الأجرية بالإنقاص من التكاليف الاجتماعية ؛ فالإغراق الاجتماعي dumping socialوالأجري ، و ” إحالة سوق الشغل مرنا ” ستكون هي الملجأ الأخير المتروك للدول المفرغة من إمكانية اللعب على معدلات الصرف . وسيأتي كي ينضاف لتأثير هذه الميكانيزمات بدون شك ضغط ” السلطات النقدية ” كالبونديسبانك ومسيريه المتسرعين دوما للوعظ والنصح ب “التقشف في الأجور ” . وحدها دولة اجتماعية أوربية فقط ستكون قادرة على عرقلة الفعل المضاد للاندماج الذي هو سمة للاقتصاد النقدي . غير أن السيد تيتماير والنيوليبراليين لا يريدون لا دولا وطنية يرون فيها مجرد عوائق للاشتغال الحر للاقتصاد ، و لا ، بالأحرى ، دولة فوق ـ وطنية يودون تحويلها إلى مجرد بنك . وواضح أنه إن كانوا يريدون التخلص من الدول الوطنية ( أو من مجلس وزراء دول المجموعة الأوربية ) بإفراغها من سلطاتها ، فليس ذلك بداهة من أجل خلق دولة فوق ـ وطنية من شانها أن تفرض عليهم وبسلطة متنامية الإكراهات والإلزامات في ميدان السياسة الاجتماعية خاصة ، تلك التي يريدون التحرر منها بأي ثمن .

ويمكن أن يكون المرء معاديا أيضا للاندماج الأوربي المؤسس على العملة الموحدة وحدها بدون أن يكون أبدا معاديا للاندماج السياسي لأوربا ، بل على العكس تماما بالدعوة لخلق دولة أوربية قادرة على السيطرة على البنك الأوربي ، وبتدقيق أكبر ، قادرة على السيطرة عن طريق الاستباق ، على التأثيرات الاجتماعية للاتحاد المقزم إلى بعده النقدي الصرف حسب الفلسفة النيوليبرالية التي تنوي العمل على محو كل آثار الدولة ( الاجتماعية ) باعتبارها عوائق تقف في وجه الاشتغال المتناغم للأسواق .

أكيد أن المنافسة الدولية ( خاصة في ما بين بلدان أوربا ) هي عائق أمام الوضع موضع التنفيذ ” في بلد واحد ” لما نسميه ” تحريم التراجع والنكوص ” ؛ وذلك ملحوظ بشكل واضح في مجال الإنقاص من مدة الشغل أو الاستنهاض الاقتصادي ( رغم واقعة أن الإنقاص من مدة الشغل تمول نفسها ذاتيا جزئيا بفعل الارتفاع المحتمل للإنتاجية وأنها تمكن من استرجاع المبالغ الهائلة التي صرفت من أجل مساندة البطالة ) .

وقد فهمها جيدا جون ميجور الذي قال بسخرية : ” ستكون التكاليف الاجتماعية همكم ، وسيكون همنا الشغل ” . كما فهمها أيضا الباطرونات الألمان الذين شرعوا في تهجير بعض المقاولات نحو فرنسا التي يعتبر تدمير الحقوق الاجتماعية بها أكثر ” تقدما ” نسبيا . وبالفعل ، فحقيقي أن المنافسة هي في جوهرها منافسة في ما بين بلدان أوربا وأن الشغالين الفرنسيين هم الذين يسرقون عملهم من العمال الألمان ، والعكس بالعكس بشكل متبادل ـ كما هو الحال ، ما دام قرابة ثلاثة أرباع المبادلات الخارجية في البلدان الأوربية تتم داخل حدود الفضاء الأوربي ـ ، نرى أن تأثيرات إنقاص من مدة الشغل بدون إنقاص من الأجر ستكون خفيفة بشرط أن يتخذ قرار كهذا وينفذ على المستوى الأوربي .

ونفس الشيء في ما يتعلق بسياسات إعادة تنمية الطلب أو الاستثمار في مجال التكنولوجيات الجديدة ، التي هي مستحيلة أو مدمرة كما يردد ذلك أنصاف ـ الحذاق ، كلما تم الأخذ بها لمدة طويلة في بلد واحد فإنها ستضحي معقولة على مستوى القارة . ونفس الشيء أيضا ، وبشكل أعم ، في ما يتعلق بأي نشاط موجه من قبل مبادئ اقتصاد حقيقي للسعادة ، قادر على أن يثبت في محضر كل الأرباح وكل التكاليف ، مادية كانت أم رمزية ، وكل السلوكات الإنسانية وبخاصة النشاط والعطالة . وباختصار ، يعتبر ضروريا في مواجهة أوربا نقدية مدمرة للمكتسبات الاجتماعية إيجاد أوربا اجتماعية مؤسسة على تحالف في ما بين شغالي وعمال مختلف البلدان الأوربية ، قادر على تحييد التهديدات التي يسلطها عمال كل بلد من بلدان أوربا على حدة على عمال البلدان الأخرى عبر الإغراق الاجتماعي خاصة .

في أفق كهذا ، وللخروج من دائرة برنامج مجرد ، فإن الأمر يتعلق بإبداع أممية جديدة ، وهي المهمة الملقاة في المقام الأول على عاتق التنظيمات النقابية . بيد أن أممية ما وراء تلك التي فقدت مصداقيتها في صيغتها التقليدية بفعل تبعيتها للإمبريالية السوفياتية تصطدم بعوائق كبرى بفعل أن البنيات النقابية بنيات وطنية ( مرتبطة بالدولة ومُنتجَةٌ في جانب منها من قبلها ) ومنفصلة عن بعضها البعض بفعل عادات وتقاليد تاريخية متباينة : ففي ألمانيا على سبيل المثال هناك استقلال ذاتي قوي للشركاء الاجتماعيين ، في حين أن بفرنسا تقليدا نقابيا ضعيفا في مواجهة دولة قوية ، وأيضا ، فإن الحماية الاجتماعية متنوعة بشكل كبير في هذه الأشكال والصيغ التنظيمية بدءا من إنجلترا حيث هي ممولة عن طريق الضريبة إلى ألمانيا وفرنسا حيث هي مدعومة عن طريق الاشتراكات والمساهمات ، ولا يوجد على المستوى الأوربي أي شيء تقريبا من ذلك . إن ما ندعوه “أوربا الاجتماعية ” التي لم يعد يهتم أو ينشغل بها مطلقا ” حراس الأورو ” تحجمت إلى بضع مبادئ كبرى من خلال ” الإعلان الاتحادي للحقوق الاجتماعية الأساسية ” مثلا ، ذلك الإعلان الذي يحدد أرضية من الحقوق الدنيا متروك أمر تنفيذها لإدارات الدول الأعضاء . لقد توقع البروتوكول الاجتماعي الملحق بمعاهدة ماستريخت إمكانية تبني توصيات الأغلبية في مجال ظروف العمل وإخبار واستشارة العمال وتكافؤ الفرص بين الرجال والنساء . ومتوقع أيضا أن تكون لـ ” الشركاء الاجتماعيين ” الأوربيين سلطة التفاوض ومناقشة الاتفاقيات الجماعية التي تصبح لها قوة القانون بمجرد إقرارها والمصادقة عليها من طرف مجلس الوزراء .

كل هذا جميل ورائع ، لكن أين هي القوة الاجتماعية الأوربية القادرة على فرض اتفاقيات كهذه على الباطرونا الأوربيــة ؟ .. إن المؤسسات الدولية كالكونفدرالية الأوربية للنقابات هي مؤسسات ضعيفة ( حيث تُبقى مثلا خارج دائرتها بعض النقابات كنقابة ن ع ع CGT ) أمام باطرونا منظمة وتترك دائما تقريبا ، بشكل مفارق ، المبادرة للمؤسسات الاتحادية ( وللتكنوقراطيين ) حتى عندما يتعلق الأمر بالحقوق الاجتماعية . إن لجان المقاولات الأوربية استطاعت ، كما رأينا ذلك من خلال بعض الصراعات في حضن المقاولات المتعددة الجنسيات ، أن تشكل ملجأ وسندا قويا ، لكنها بوصفها بنيات استشارية اصطدمت بتباين المصالح التي تقسمها أو تجعلها في حال تعارض في ما بينها من بلد لآخر . إن التنسيق الأوربي للصراعات والمعارك هو تنسيق جد متخلف ، وقد تركت المنظمات النقابية فرصا عظيمة تضيع سدى كالإضراب الألماني بخصوص 35 ساعة عمل أسبوعيا الذي لم يجد صدى له على المستوى الأوربي ، أو حملات التعبئة الكبرى التي اشتعلت بفرنسا وبعديد من البلدان الأوربية في نهاية سنة 1995 وبداية سنة 1996 ضد سياسة التقشف وتفكيك الخدمات العمومية . لقد ظل المثقفون ، وخاصة بألمانيا ، صامتين عندما لم يشكلوا امتدادا أو صدى للخطاب المهيمن والسائد .

كيف يمكن خلق قواعد أممية جديدة على المستوى النقابي والثقافي والشعبي ؟ .. يمكننا أن نميز شكلين ممكنين من الفعل ليسا استثنائيين . هناك أولا تعبئة الشعوب التي تفترض في هذه الحالة مساهمة نوعية وخاصة من طرف المثقفين في حال ما إذا نتج جمود وانطفاء التعبئة في جانب منه عن إفشال المعنويات الناجم عن النشاط الدائم لـ ” دعاية ” كتاب المقالات والصحافيين ، وهي دعاية لا يتم إدراكها أو هي غير مدركة بوصفها كذلك . إن الأسس والقواعد الاجتماعية لنجاح تعبئة كهاته موجودة : وأذكر هنا فقط تأثيرات التحولات في العلاقات بالنظام المدرسي ، وخاصة بسبب الرفع من مستوى التكوين وإفقاد الشهادات المدرسية قيمتها والتأخر البنيوي في المراتب الناجم عنه ، وأيضا إضعاف القطيعة أو تقليص الشقة في ما بين الطلبة والعمال اليدويين ( القطيعة في ما بين الشيوخ والشباب ، الرسميين والمؤقتين ، أو المبلترين هي قطيعة مستمرة ، غير أن علاقات حقيقية نشأت مثلا من خلال أبناء العمال المتعلمين الذين مستهم الأزمة ) . إلا أن هنالك أيضا وخاصة تطور البنية الاجتماعية بسبب تنامي الفوارق الاجتماعية ضدا على أسطورة عظم حجم الطبقة الوسطى القوية بألمانيا ؛ فالكتلة الإجمالية لمداخيل الرأسمال تنامت ب % 60 في الوقت الذي ظل فيه مردود العمل المأجور ثابتا . إن حركة التعبئة الدولية هاته تفترض أن نفرد مكانة هامة للصراع بواسطة الأفكار ( بالقطع مع التقليد ” العمالي النزعة ” الذي يلازم الحركات الاجتماعية خاصة بفرنسا ، والذي يحظر أن يفرد للصراعات الفكرية مكانها الطبيعي في الصراعات الاجتماعية ) وبالخصوص لنقد التمثلات التي تنتجها وتذيعها بزخم دائم المؤسسات المهيمنة وخدامها المفكرين بإحصائيات مغلوطة وميثولوجيات تدعي التشغيل التام بإنجلترا أو الولايات المتحدة . . الخ .

الشكل الثاني من أشكال التدخل لصالح أممية قادرة على تنمية دولة اجتماعية عبر ـ وطنية يتمثل في ممارسة الفعل على / ومن خلال الدول الوطنية التي تعتبر ، بافتقادها في الحالة الراهنة لمنظور شمولي للمستقبل ، غير قادرة على تدبير المصلحة العامة الاتحادية . يجب التأثير على الدول الوطنية من جهة ، من أجل الدفاع عن / وتدعيم المكتسبات التاريخية المرتبطة بالدولة الوطنية ( وغالبا هي أكبر أهمية وأكثر رسوخا في المظاهر من أن الدولة هي الأقوى كما في فرنسا ) ، ولإرغام هذه الدول من جهة أخرى على العمل لخلق وتشييد دولة اجتماعية أوربية مراكمة ومجمعة للمكتسبات الاجتماعية الأكثر تقدما لمختلف الدول الوطنية ( مزيد من دور الحضانة والمدارس والمستشفيات وقليل من الجيوش والبوليس والسجون ) ، والعمل على ربط إيجاد أسواق موحدة بوضع معايير اجتماعية مخصصة لمجابهة العواقب الاجتماعية المحتملة على الأجراء والتي سيتسبب فيها التنافس الحر . ( ويمكن أن نستلهم هنا مثال السويد التي ترفض الانخراط في الأورو إلى حين إجراء مفاوضات تضع في الصدارة مسألة تنسيق السياسات الاقتصادية والاجتماعية ) . إن التماسك الاجتماعي هو غاية بنفس أهمية تعادل العملات وتكافئها ، والتناغم الاجتماعي هو شرط نجاح اتحاد نقدي حقيقي .

وإذا ما جعلنا من التناغم الاجتماعي ، والتضامن الذي ينتجه ويفترضه أسبقية مطلقة ، فإنه يتوجب أن نخضع فورا للتفاوض ، وبنفس هم الصرامة الذي خصصناه لحد الآن للمؤشرات الاقتصادية ( كمعدل % 3 الذائع الصيت لمعاهدة ماستريخت ) ، عددا معينا من الأهداف والمرامي المشتركة والمتمثلة في تعيين الحد الأدنى للأجور ( المنوع حسب المناطق من أجل الأخذ بعين الاعتبار للتفاوتات الجهوية ) ؛ وضع تدابير ضد الفساد والتهرب الضريبي الذين يضعفان مساهمة المناشط المالية في التكاليف العمومية محدثين بذلك وبشكل غير مباشر لضريبة متصاعدة على الشغل ؛ و ضد الإغراق الاجتماعي في ما بين النشاطات المتنافسة مباشرة ؛ صياغة وتحرير حق اجتماعي موحد يقبل بصفة انتقالية تمييزا حسب المناطق ، ولكنه يستهدف إدماج السياسات الاجتماعية بتوحيده في المراكز والنقط التي يتواجد بها وبتنميته في النقط التي لا يوجد بها : مثلا بإقرار دخل فردي أو عائد أدنى بالنسبة للأشخاص الذين هم بدون عمل مؤدى عنه أو بدون موارد أخرى ، وبإنقاص التكاليف الجاثمة على الشغل ، وبتنمية الحقوق الاجتماعية كالتكوين وإقرار حقٍّ في الشغل والسكن وإبداع سياسة خارجية في المجال الاجتماعي تستهدف نشر وتعميم المعايير الاجتماعية الأوربية ؛ وتصور وتنفيذ سياسة موحدة للاستثمار طبقا للمصلحة العامة : ضدا على استراتيجيات الاستثمار الناجمة عن نصرة الاستقلال الذاتي للنشاطات المالية المحض مضاربة و / أو الموجهة من قبل اعتبارات الربح على المدى القصير أو المؤسسة على افتراضات مسبقة مناقضة كليا للمصلحة العامة ؛ كالاعتقاد بأن ممارسة التقليص والإنقاص من فرص الشغل هو ضمان لتدبير سليم ومحكم وضمانة للمردودية ؛ يتعلق الأمر بإعطاء الأولوية لاستراتيجيات تروم ضمان الحفاظ على الموارد غير المتجددة والبيئة وتطوير شبكات عبر ـ أوربية للنقل والطاقة ، توسيع دائرة السكن الاجتماعي والتجديد الحضري ( وبخاصة عن طريق وسائل نقل حضرية إيكولوجية ) ، الاستثمار في بحوث التنمية في مجال الصحة وحماية البيئة وتمويل نشاطات جديدة تبدو حاملة للتهديد ظاهريا ، وتتخذ صيغا مجهولة من صيغ العالم المالي ( مقاولات صغيرة وأعمال حرة )(1) .

إن ما يمكن أن يبدو كما لو كان مجرد قائمة من التدابير المتنافرة مستلهم بالفعل من إرادة القطع مع قدرية الفكر النيوليبرالي ومن إرادة ” إعدام البعد القدري ” هذا من خلال التسييس واستبدال الاقتصاد المطبع لليبرالية الجديدة باقتصاد للسعادة يفرد في حساباته باعتباره مؤسسا على مبادرات الإرادة الإنسانية مكانا لتكاليف المعاناة ومزايا بناء الذات التي تتجاهلها العبادة والتقديس الاقتصادوي الخالص للإنتاجية والمردودية .

إن مستقبل أوربا متوقف بشكل كبير على وزن القوى التقدمية بألمانيا ( نقابات ، SPD ح ش د ، خضرا ) وعلى إراداتها وقدراتها على الاعتراض على سياسة الأورو ” القوي ” التي يدافع عنها البونديسبانك والحكومة الألمانية . وسيتوقف هذا المستقبل أكثر على قدراتها على تنشيط وإيجاد امتدادات للحركة من أجل إعادةٍ لتوجيه السياسة الأوربية تعبر عن ذاتها منذ الآن في بلدان عديدة ، وبخاصة في فرنسا . وباختصار ، فإنني أريد أن أؤكد لكم ضدا على كل أنبياء التعاسة الذين يريدون إقناعكم بأن قدركم هو في أيدي القوى المتعالية ، المستقلة واللامبالية ك ” الأسواق المالية ” أو ميكانيزمات ” العولمة ” ، على أمل أن أتمكن من إقناعكم بأن المستقبل ، أي مستقبلكم الذي هو أيضا مستقبلنا ومستقبل جميع الأوربيين ، يتوقف كثيرا عليكم باعتباركم ألمانا وباعتباركم نقابيين .

فرانكفورت ، يونيه 1997 .

****************************

(1) لقد استعرت عددا معينا من الاقتراحات من ييفز ساليس ، اقتراحات من أجل أوربا مغايرة ، بناء بابل ، باريس ، منشورات فيلان ، 1997 .

* مداخلة بالفوروم الثالث لـ DGB لمنطقة هيس ، فرانكفورت ، يوم 7 يونيه 1997 .

الليبرالية الجديدة

الليبرالية الجديدة ، يوتوبيا

(في طريقها للتحقق لاستغلال بدون حدود).

بـقلم : بيير بورديو

عن : نقيض ـ نار [مطفأة الحريق][نصوص للمساهمة في مناهضة المد النيوليبرالي ]ماي 98 .

هل عالم الاقتصاد حقيقة ، كما يريده الخطاب المهيمن ، نظام خالص ومتسم بالكمال ، مروج باقتدار تام لمنطق نتائجه المتوقعة وعاجل في كبث كل أشكال النقص والخصاص عن طريق التدابير والعقوبات التي يفرضها سواء بطريقة أوتوماتيكية أو ، بشكل أكثر استثنائية ، عن طريق ذراعه المسلحة المتمثلة في الـ FMIأو الـ OCDE والسياسات القاسية التي يفرضانها ، والمتمثلة في تخفيض كلفة اليد العاملة والإنقاص من المصاريف العمومية وجعل الشغل مرنا ؟ .. ماذا لو لم يكن في الواقع إلا التطبيق العملي ليوتوبيا معينة ؛ فالليبرالية الجديدة تحولت أيضا إلى برنامج سياسي ، إلا أنها يوتوبيا توصلت إلى الاعتقاد ، بمساعدة النظرية الاقتصادية التي تعلن عنها وتطالب بها ، بأنها وصف علمي للواقع ؟ ..

إن هذه النظرية الواصية هي محض خيال رياضي مؤسس من الأصل على تجريد تام ( لا يقبل الاختزال كما يريد أن يعتقد ذلك الاقتصاديون المنافحون عن حق التجريد الذي لا مناص منه إلى التأثير المؤسس لكل مشروع علمي ، ولبناء الشيء ( الموضوع ) كاستيعاب أو إدراك اختياري مقصود للواقعي ) : ذاك الذي يتمثل باسم تصور ضيق كما هو صارم للعقلنة المشبهة تماما بالعقلنة الفردية ، في وضع الشروط الاقتصادية والاجتماعية للإجراءات العقلانية بين قوسين ( وبالخصوص الإجراء الحسابي المطبق على الأشياء الاقتصادية الذي هو في أساس المنظور الليبرالي الجديد ) وللبنيات الاقتصادية والاجتماعية التي هي شرط ممارسته ، أو بدقة أكبر ، شرط إنتاج وإعادة إنتاج إجراءاته وبنياته . يكفي أن نفكر ، حتى نعطي صورة عن مقدار التغييب والإهمال ، في نظام التعليم وحده الذي لم يؤخذ في الحسبان أبدا بوصفه كذلك ، في الوقت الذي يلعب فيه دورا محددا وأساسيا سواء في مجال إنتاج الخيرات والخدمات أو في مجال إنتاج المنتجين . من هذا الضرب من الخطيئة الأصلية ، المدونة في الأسطورة الوالراسية لـ ” النظرية الخالصة ” ، تنحدر كل نواقص وعيوب المبحث الاقتصادي و العناد والتصلب القدري الذي بفعله يتشبث بالتعارض التعسفي الذي يوجده بفعل مجرد وجوده وتواجده في ما بين المنطق الاقتصادي الخالص المؤسس على المنافسة والحامل للفعالية ، والمنطق الاجتماعي المخضع لقاعدة الإنصاف .

معنى هذا أن لدى هذه ” النظرية ” المفرغة من محتواها الاجتماعي منذ الأصل ، وكذا من بعدها التاريخي اليوم أكثر من أي وقت مضى ، وسائل تحويل ما تريده وترغب فيه إلى حقيقة وقابلا للتحقق تجريبيا . وبالفعل ، فالخطاب الليبرالي الجديد ليس خطابا كالخطابات الأخرى ؛ فعلى طريقة الخطاب التحليلي ـ النفسي في المعزل l’asile حسب إرفينغ گوفمان ، هو ” خطاب مثين ” ليس بهذه القوة وصعوبة المقاومة إلا لأنه يحوز كل قوى عالم من موازين القوى التي تسهم في جعله كما هو ، وبخاصة من خلال توجيه الاختيارات الاقتصادية لأولئك الذين يهيمنون على العلاقات الاقتصادية ، ومن ثمة بإضافة قوته الذاتية المحض رمزية لموازين القوى تلك (1) . وباسم هذا البرنامج العلمي للمعرفة المحول إلى برنامج سياسي للفعل يتم إنجاز ” عمل سياسي ” هائل وشاسع (مستنكر ما دام ذا مظهر سلبي خالص ) يستهدف خلق شروط تحقيق واشتغال ” النظرية ” ؛ برنامج تدمير منهجي للجماعات ( فالاقتصاد الكلاسيكي الجديد لا يريد أن يعترف إلا بالأفراد سواء تعلق الأمر بمقاولات أو نقابات أو أسر.

إن التحرك نحو يوتوبيا ليبرالية جديدة لسوق خالصة وكاملة ، والذي أضحى ممكنا بفعل سياسة التحرير المالي ، يُنجز عبر النشاط المحول ، ويجب أن نقول ، عبر النشاط ” التدميري ” لكل الإجراءات السياسية ( والتي يعتبر l’AMI [ الاتفاق المتعدد الأطراف حول الاستثمار ] أقربها زمنيا ، وهو المخصص والموجه لحماية المقاولات الأجنبية واستثماراتها من الدول الوطنية ) المستهدفة لأن تضع موضع التساؤل كل البنيات الجماعية الكفيلة بوضع عائق أمام منطق السوق الخالصة ، والمتمثلة في : ” أمة ” لم يتوقف هامش تحركها عن التناقص ، وعلى سبيل المثال ” فرق عمل ” مع فردنة الأجور والمناصب تبعا للكفاءة الفردية وتشتت العمال الناجم عنه ، ” جماعات الدفاع ” عن حقوق العمال ، نقابات ، جمعيات ، تعاونيات ؛ ” أسر ” حتى ، تلك التي تفقد جراء تشكيل الأسواق حسب فئات الأعمار جزءا من سيطرتها على الاستهلاك . ولكون البرنامج الليبرالي الجديد يمستمد قوته الاجتماعية من القوة السياسية والاقتصادية لأولئك الذين يعبر عن مصالحهم ؛ مساهمين ، فاعلين ماليين ، صناعيين ، رجال سياسة محافظين أو اجتماعيين ديمقراطيين متحولين إلى الاشتغالات المطمئنة لدعه يعمل ؛ كبار موظفي المالية الأكثر تهالكا بنفس القدر لفرض سياسة مشيدة بثمن النتائج احتمالا ، فإن هذا البرنامج ينحو شموليا أو كليا نحو تغليب القطيعة في ما بين الاقتصاد والحقائق الاجتماعية ، وكذلك نحو البناء في الواقع لنظام اقتصادي مطابق للتوصيف النظري ، أي نوعا من آلة منطقية تفرض ذاتها كما لو كانت سلسلة من الإكراهات التي تقود الفاعلين الاقتصاديين رغما عنهم .

إن عولمة الأسواق المالية منضافة إلى تقدم تقنيات الإعلام تضمن حركية غير مسبوقة للرساميل وتوفر للمستثمرين ( أو المساهمين ) المهمومين بمصالحهم الفورية ، أي بمردودية استثماراتهم على المدى القصير ، إمكانية المقارنة في أية لحظة لمردوديات كبريات المقاولات ومعاقبة حالات الفشل بالتالي بالعلاقة معها . والمقاولات ذاتها الرازحة تحت تهديد دائم كهذا مطالبة بالتكيف والتلاؤم بطريقة أكثر فأكثر سرعة مع مطالب وإكراهات السوق ، وذلك تحت طائلة ” فقدان ثقة الأسواق كما يقال عادة ” ، وفي نفس الآن فقدان دعم المساهمين الذين هم قادرون أكثر فأكثر بوصفهم مهمومين بالحصول على مردودية في أقصر مدة ، على فرض إرادتهم على ” المسيرين ” وإملاء المعايير عبر التوجيهات المالية ، وعلى توجيه سياساتهم في مجال التشغيل والتوظيف والأجور . هكذا تتشيد سيادة المرونة المطلقة من خلال التوظيف بعقود ذات مدى زمني محدد حيث فترات الإنابة و ” المخططات الاجتماعية ” المتكررة وإعمال المنافسة في حضن المقاولات ذاتها في ما بين الفروع المستقلة ذاتيا ، وفي ما بين فرق العمل المكرهة على أن تكون قابلة لممارسة أي عمل متعدد المهام ، وأخيرا في ما بين الأفراد من خلال فردنة العلاقة الأجرية : تحديد أهداف فردية ؛ وإنجاز مقابلات فردية للتقييم ؛ وزيادة في الأجور حسب الأفراد أو الحصول على علاوات تبعا للكفاءة والاستحقاق الفردي ؛ أوضاع شغل مفردنة ؛ واستراتيجيات ” للتحسيس بالمسؤولية ” تنحو نحو ضمان الاستقلال الذاتي لبعض الأطر الذين ولو أنهم مجرد مأجورين مندرجين ضمن تبعية تراتبية قوية يعتبرون في نفس الآن مسؤولين عن مبيعاتهم ومنتجاتهم و فروعهم ومحلاتهم التجارية . . الخ على طريقة ” المستغلين ” ، وهو مطلب من مطالب ” الضبط الذاتي ” يوسع ” توريط ” المأجورين وفق تقنيات ” التدبير الإسهامي ” في ما وراء مهام الأطر بكثير ، بكثير من تقنيات الإخضاع والقهر العقلانية التي تساهم وهي تفرض الاستثمار أو الاستغلال الزائد في العمل وليس فقط في مناصب المسؤولية والعمل في آجال مستعجلة ، في إضعاف أو اجتثاث معالم ومرجعيات وأشكال التضامن الجماعية (2) .

إن التأسيس العملي لعالم دارويني يجد نوابض انخراطه في المهمة والمقاولة في انعدام الأمان والمعاناة والقلق (3) لا يمكنه بدون شك أن ينجح بشكل تام إلا إذا كان قد توفر له تواطؤ أشكال التطبع على الهشاشة التي يولدها انعدام الأمان وتواجد ” جيش احتياطي من اليد العاملة المطوعة والخانعة بفعل الهشاشة ” وبفعل التهديد الدائم بالبطالة على كل مستويات التراتبية ، حتى العليا منها من بين الأطر خاصة . إن الأساس الأخير لكل هذا النظام الاقتصادي الموضوع تحت يافطة الدعوة لحرية الأفراد يتمثل بالفعل في ” العنف البنيوي ” للبطالة وللهشاشة و ” الخوف ” الناجم عن التهديد بالتسريح : فشرط الأداء ” المتناغم ” للنموذج الميكرو ـ اقتصادي الفرداني ومبدأ ” التحفيز ” الفردي للعمل يقيم في نهاية التحليل في ظاهرة جماهيرية تتمثل في وجود جيش احتياطي من العاطلين ، جيش لم يوجد فضلا عن ذلك لوحده ، ما دامت البطالة تعزل وتشتت وتفردن ، تعدم الحركية والتضامن .

إن هذا العنف البنيوي ينيخ أيضا على ما ندعوه عقد الشغل ( المعقلن بمهارة ودراية والمفرغ من إمكانية التحقق الفعلي بفعل ” نظرية العقود ” ) . لم يتحدث خطاب المقاولة يوما بهذا القدر عن الثقة وعن التعاون وعن الولاء وعن ثقافة المقاولة إلا في الفترة التي يتم فيها التمكن من إدماج كل لحظة من لحظات العمل ، مع العمل على اختفاء كل الضمانات الوقتية ( فثلاثة أرباع التوظيفات هي توظيفات ذات مدد زمنية محدودة ، ونصيب الوظائف المؤقتة لا يتوقف عن التعاظم ، والتسريح الفردي ينزع نحو أن لا يتم إخضاعه لأي تقنين ) . هو إشراك لا يمكن أن يكون فضلا عن ذلك إلا إشراكا غير مؤكد وملتبس ، لأن الهشاشة والخوف من التسريح يمكنه كالبطالة أن يحدث الرعب ويحطم المعنويات أو النزعة التقاليدية ( وعديد من المفاسد التي تعاينها الثقافة التسييرية وتأسف لها ) . في هذا العالم بدون عطالة ، بدون مبدأ محايث للاستمرارية يوجد المهيمن عليهم في وضع مخلوقات موجودة في عالم ديكارتي ( كارتيزياني ) : إنهم مرهونون بالقرار الاعتباطي لسلطة مسؤولة عن ” الخلق المستمر ” لوجودهم ـ كما يشهد على ذلك ويذكر به التهديد بإغلاق المعمل وإيقاف الاستثمار وتغيير المــوطن ( التهجير ) .

إن الشعور العميق بانعدام الأمان واللايقين في المستقبل وفي الذات الذي يصيب كل الشغالين والموسميين أيضا يعود تلوينه الخاص إلى واقعة أن مبدأ القسمة والتمييز في ما بين أولئك الذين طوح بهم وألحقوا بجيش الاحتياط ، وأولئك الذين يشتغلون يبدو مقيما في ” الكفاءة المضمونة مدرسيا ” ، والتي هي أيضا في أصل مبدأ التقسيمات الأخرى في حضن المقاولة ” التي أضفي عليها الطابع التقني بالكامل ” في ما بين الأطر أو ” التقنيين ” ومجرد العمال أو les os parias الجدد للنظام الصناعي . إن تعميم الإلكترونيك والإعلاميات وإكراهات الجودة التي ترغم كل المأجورين على امتلاك معرفة جديدة بأنواع من المهن ، وتؤبد بداخل المقاولة ما يعادل الامتحانات والاختبارات بالمدارس ، تنحو نحو مضاعفة الشعور بانعدام الأمان بفعل شعور عدم الأهلية المتناول بدراية وتعالم من قبل التراتبية . إن النظام المهني ، وعلى مستوى مجموع النظام الاجتماعي يبدو مؤسسا على قاعدة نظام ” الكفاءات ” أو أفدح من ذلك ، على نظام ” ضروب الذكاء ” . وكلما زادت ربما أكثر الفبركات التقنية لعلاقات العمل والاستراتيجيات المدبرة بشكل خاص بغاية تحقيق الخضوع والطاعة اللذين يشكلان موضوع انتباه لا ينقطع وإعادة ابتكار دائمة ، كلما زاد أكثر الاستثمار الضخم للأشخاص والوقت والبحث ، وزاد العمل الذي يفترضه الابتكار المتصل والمستمر لصيغ جديدة من صيغ تدبير اليد العاملة وتقنيات القيادة الجديدة ، فالاعتقاد والإيمان بتراتبية القيم المضمونة مدرسيا هو الذي يؤسس النظام والانضباط بداخل المقاولة الخاصة ، وأكثر فأكثر أيضا بداخل الوظيفة العمومية : المكرهتان على تصور الذات والتفكير فيها بالمقارنة مع نبالة المدرسة الكبرى المنذورة لمهام القيادة ، وبالمقارنة مع النبالة الصغرى للمستخدمين والتقنيين المقتصرين على مهام التنفيذ وهي دائما مؤجلة ، وذلك لأنهم بوصفهم مكرهين دوما على إثبات جدارتهم ، فإن العمال المحكوم عليهم بالموسمية وانعدام الأمان بخصوص منصب شغل هو معلق بدون توقف ومهدد بالحذف وبالسقوط في حمأة البطالة لا يمكنهم أن يكونوا إلا صورة مخيبة للآمال ، حتى عن ذواتهم ذاتها باعتبارهم أفرادا وعن جماعتهم أيضا التي كانت في ما مضى موضوع فخر واعتزاز ومتجذرة في التقاليد وقوية بإرث تقني وسياسي بأكمله ، أي صورة جماعة العمال التي إذا ما وجدت ولا تزال تتواجد أيضا على تلك الحال ، فهي منذورة لانهيار المعنويات وفقدان القيمة وفقدان الأوهام السياسية التي تعبر عن ذاتها في أزمة النزعة النضالية ، أو أفدح من ذلك ، في الاصطفاف اليائس في أطروحات نزعة التطرف الفاشــي .

إننا نرى بذلك كيف تنزع اليوتوبيا النيوليبرالية إلى التجسد في الواقع على شكل آلة جهنمية تنفرض ضرورتها على المهيمنين ذاتهم ـ المخترقين أحيانا كالسيد جورج سوروس أو هذا الرئيس أو ذاك من رؤساء صناديق المعاش من طرف التخوف من التأثيرات المدمرة للإمبراطورية والسطوة التي يمارسونها ، والمحمولين على أفعال تعويضية مستلهمة من نفس المنطق الذي يريدون القضاء عليه كحالات كرم وأريحية السيد بيل جيتس . وكالماركسية في أزمنة أخرى ، والتي لها معها في هذا الإطار الكثير من القواسم المشتركة ، فإن هذه اليوتوبيا تخلق إيمانا هائلا ، la free trade faith  ، لا فقط لدى أولئك الذين يتعيشون منها ماديا كرجال المال وباطرونات كبريات المقاولات . . . الخ ، وإنما أيضا لدى أولئك الذين يستخلصون منها مبررات وجودهم ككبار الموظفين والسياسيين الذين يقدسون سلطة الأسواق باسم الفعالية الاقتصادية ، ويشترطون إزاحة ورفع الحواجز الإدارية أو السياسية التي من شأنها أن تزعج مالكي رؤوس الأموال في مسعاهم الفرداني الخالص لمضاعفة الأرباح المعتبر نموذجا للعقلانية وتضخيمها إلى حدها الأقصى ، والذين يريدون الأبناك المركزية أبناكا مستقلة ، والذين يستعجلون إلحاق الدول الوطنية بإكراهات واشتراطات الحرية الاقتصادية من أجل أسياد الاقتصاد ، مع إلغاء كل التقنينات على مستوى كل الأسواق ، ابتداء من سوق الشغل ، وتحريم وحظر الإفلاسات والتضخم ، وإقرار الخوصصة المعممة للخدمات العمومية ، والإنقاص من النفقات العمومية والاجتماعية .

إن لدى الاقتصاديين حتى دون أن يتقاسموا بالضرورة مع المؤمنين الصادقين مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية ما يكفي من المصالح الخاصة بهم ( النوعية ) في حقل العلم الاقتصادي ، وذلك من أجل تقديم مساهمة حاسمة كيفما كانت حالات الوعي ( الفكر ) لديهم بخصوص التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية لليوتوبيا التي يلبسونها لباس العقل الرياضي ، وإنتاج وإعادة إنتاج الإيمان باليوتوبيا النيوليبرالية . إنهم بوصفهم معزولين عن العالم الاقتصادي والاجتماعي كما هو بفعل نمط وجودهم بكامله ، وبفعل مجموع تكوينهم الفكري بكامله ، ذاك الذي هو في الغالب مجرد بشكل خالص ، كتبي ونظري النزوع ، فهم كما هو الحال من وقت لآخر في مجال الفلسفة ، ميالون خاصة لخلط أشياء المنطق مع منطق الأشياء . ولأنهم واثقون من نماذج لم تتوفر لهم الفرصة عمليا أبدا لوضعها على محك الاختبار التجريبي ، ومحمولون على النظر من أعلى لمكتسبات العلوم التاريخية الأخرى ، والتي لا يتعرفون بداخلها على النقاء والشفافية البلورية لألعابهم الرياضية ، والذين هم في الغالب الأعم غير قادرين على فهم ضرورتها الحقيقية وتعقدها العميق ، فإنهم يساهمون ويشاركون في تغير اقتصادي واجتماعي هائل ، ذاك التغير الذي حتى ولو أن بعض نتائجه المصيبة إياهم بالرعب ( فهم يستطيعون أن يساهوا مشتركين في الحزب الاشتراكي ويقدموا نصائح فطنة لممثليه في محافل السلطة ) لا يمكن أن لا يروقهم كلية ما دام أنه ، وكمجازفة لدى بعض الفاشلين ، معزو بالخصوص إلى ما يسمونه ب ” فقاعات المضاربة ” ، فإنهم ينزعون نحو إضفاء صفة الحقيقة على اليوتوبيا المنطقية والمقنعة تماما ( كبعض حالات الجنون ) التي يكرسون لها حياتهم .

ومع ذلك فالعالم هناك بالنتائج المنظورة فورا ومباشرة لتنفيذ وإعمال اليوتوبيا النيوليبرالية الكبرى : لا فقط فقر ومعاناة شريحة متعاظمة أكثر فأكثر من المجتمعات الأكثر تقدما اقتصاديا ، والتعاظم الاستثنائي للفوارق في ما بين المداخيل ، والاختفاء التدريجي لعوالم الإنتاج الثقافي وللسينما والنشر . . . الخ ، ومن ثمة في النهاية للمنتجات الثقافية ذاتها بفعل التسرب المتعاظم للاعتبارات التجارية ، وإنما أيضا وبالخصوص تدمير كل المؤسسات الجماعية القادرة على المجابهة والتصدي لتأثيرات الآلة الجهنمية ، وعلى رأسها الدولة التي هي المؤتمنة على كل القيم الكونية المرتبطة بفكرة الجمهور ، والفرض في كل مكان من المراتب العليا للاقتصاد والدولة ، أو في حضن المقاولات ، لهذا الضرب من الداروينية الأخلاقية التي تجعل بفعل التعلق والولع بالناجح Winner المكون بالرياضيات العليا والقفزات المطاطية ، صراع الكل ضد الكل وقلة الحياء والوقاحة معايير لكل السلوكات والممارسـات . وهذا النظام الأخلاقي الجديد المؤسس على الإطاحة بكل القيم يتأكد بداخل الفرجة المبثوثة بمجاملة وملاطفة من طرف وسائل الإعلام ، تلك الفرجة التي يقدمها هؤلاء الممثلون السامون للدولة الذين يحطون من كرامتهم المرتبطة بمراكزهم وينزلونها إلى مستوى مهمة مضاعفة انحناءات التبجيل أمام باطرونات الشركات المتعددة الجنسيات ؛ دايوو أو تويوتا ، أو التنافس على توزيع الابتسامات وعلامات الذكاء أمام شخص إسمه بيل جيتس .

هل يمكننا أن نتوقع أن تكون كثافة المعاناة التي ينتجها نظام سياسي ـ اقتصادي كهذا في يوم من الأيام في مبدأ حركة قادرة على إيقاف التسابق نحو الهاوية ؟ .. إننا هنا بالفعل أمام مفارقة عجيبة : ففي الوقت الذي يتم فيه اعتبار العوائق الملاقاة في طريق إنجاز هذا النظام الجديد ؛ أي نظام الفرد الواحد ، لكن الحر ، عوائق معزوة إلى ضروب من الصرامة والبدائية ، ولمسألة أن كل تدخل مباشر وواع ، على الأقل عندما يأتي من الدولة كيفما كانت دوافعه ، هو تدخل فاقد للمصداقية بدعوى أنه موحى به من طرف موظفين خاضعين لمصالحهم الخاصة و لا يعرفون إلا بشكل مشوش مصالح العملاء الاقتصاديين ، ومن ثمة فهو منذور للانمحاء لصالح ميكانيزم خالص ومجهول الإسم وهو السوق ( الذي يتم إغفال أنه بدوره مكان ممارسة المصالح ) ، فإن ما هو في الطريق إلى التحلل والانمحاء في الحقيقة هو الدوام والبقاء على قيد الحياة لمؤسسات ووكلاء النظام القديم والمجهود الكامل لكل شرائح وأصناف العمال الاجتماعيين ، وأيضا لكل أشكال التضامن الاجتماعية والأسرية أو غيرها التي تحول دون النظام الاجتماعي والانهيار والغرق في السديم والعماء رغم الحجم المتزايد للساكنة المعوزة . إن الانتقال والمرور إلى الليبرالية يتحقق بطريقة غير محسوسة ، وإذن غير قابلة للإدراك ، كجنوح القارات مخفية بذلك عن الأنظار تأثيراتها الأكثر إزعاجا على المدى الطويل ؛ تأثيرات تجد ذاتها مستورة ومخفاة بشكل مفارق بفعل أشكال المقاومة التي تفرزها ، منذ الآن ، عن أعين أولئك الذين ينافحون عن النظام القديم بالاغتراف من الموارد التي احتواها ، ومن النماذج القانونية أو العملية للإسعاف والتضامن التي اقترحها ، ومن العادات التي شجعها ( لدى الممرضين ، والمساعدات الاجتماعية . . الخ ) . وباختصار ، من احتياطات الرأسمال الاجتماعي التي تحمي جزءا من النظام الاجتماعي الحالي بكامله من السقوط في الفوضى ( وهو رأسمال منذور للتلاشي إذا لم يتم تجديده وإعادة إنتاجه ، إلا أنه نظام لن يعرف الاستنفاذ غدا.

إلا أن نفس هذه القوى ” المحافظة ” ، والتي من السهولة بمكان اعتبارها ونعتها بأنها قوى محافظة ، هي أيضا من زاوية أخرى قوى ” لمقاومة ” ترسيخ  النظام الجديد يمكنها أن تصبح قوى هدامة ـ بشرط أساسي هو أن يعرف أصحابها كيف يقودون الصراع الرمزي الخالص ضد العمل الدائب ” للمفكرين ” النيوليبراليين من أجل إسقاط المصداقية وإقصائها عن موروث الكلمات والعادات والتمثلات المتعلقة والمرتبطة بالفتوحات التاريخية لحركات الماضي والحاضر الاجتماعية ، بشرط امتلاك القدرة أيضا على الدفاع عن المؤسسات المقابلة لها ؛ الحق في الشغل ، الرعاية الاجتماعية ، الضمان الاجتماعي . . الخ ، ضد إرادة إحالتها أو إلحاقها ببدائية ماض متجاوز ، أو أفدح من ذلك ، اعتبارها مزايا لا جدوى منها أو غير مقبولة . إن هذه المعركة ليست سهلة ، وليس من الناذر أن نجدنا مكرهين على مباشرتها على جبهات معكوسة . ومسترشدين بنية مفارقة هي للتدمير موجهة للحفاظ والتكريس ، فإن للثوريين المحافظين إمكانية تحويل ردود الأفعال الدفاعية المستحثة من قبل الأفعال المحافظة التي يعتبرونها ثورية إلى أشكال مقاومة رجعية وإدانتها باعتبارها دفاعا بدائيا ومنحطا عن ” امتيازات ” المطالب أو الثورات التي تنغرس بداخل التوسل بالحقوق المكتسبة ، أي في ماض مهدد بالانحطاط أو بالتدمير بفعل الإجراءات الرجعية ـ التي تعتبر نماذجها العليا تسريح النقابيين أو بشكل أكثر جذرية تسريح القدماء ، أي المحافظين على تقاليد الجماعة .

وإذا كنا نستطيع إذن الحفاظ على بعض الأمل المعقول ، فذلك لأنه لا زال موجودا في المؤسسات الدولتية وأيضا في تدابير الوكلاء ( وبخاصة أكثرهم التصاقا بهذه المؤسسات كنبالة الدولة الصغرى ) ، القوى التي هي ، تحت ظاهر أنه تدافع فقط ، كما ستتم مؤاخذتها على ذلك فورا ، عن نظام اختفى ، وعن ” الامتيازات ” التي تقابله ، مطالبة بالفعل ، حتى تصمد أمام الاختبار ، بالعمل على ابتكار وبناء نظام اجتماعي لن يكون قانونه الوحيد هو البحث عن المصلحة الأنانية والرغبة الفردية في الربح ، قانون سيفرد مكانا للجماعات الموجهة نحو السعي العقلاني وراء غايات منحوتة جماعيا ومصادق عليها . وضمن هذه الجماعات والجمعيات والنقابات والأحزاب كيف لا نفرد مكانا خاصا للدولة ، للدولة الوطنية أو أفضل من ذلك للدولة الفوق ـ وطنية ، أي الأوربية ( وهي خطوة نحو الدولة العالمية ) القادرة على أن تراقب وتفرض الضريبة بفعالية على الأرباح المحققة على مستوى الأسواق المالية ، والقادرة أيضا وخاصة على التصدي للنشاط التدميري الذي تمارسه هذه الأخيرة على سوق الشغل بإقرار المصلحة العامة والدفاع عنها يدا في يد مع النقابات ، تلك المصلحة التي أردنا أم لم نرد لن تخرج أبدا ، حتى بثمن بعض الأباطيل في الكتابة الرياضية ، من نظرة المحاسب ( في زمن آخر كنا سنقول عن نظرة ” البقال ” ) التي يقدمها الإيمان الجديد كما لو كانت الصورة الأسمى للإنجاز الإنساني .

باريس ، يناير 1998 .

=========================

(1)     جوفمان ، المعازل ، دراسات حول الظروف الاجتماعية للمرضى العقليين ، باريس ، منشورات مينوي ، 1968 .

(2)    لقد أمكن إجراء استطلاع عن كل هذا في عددين اثنين من أعمال البحث في العلوم الاجتماعية المخصصة لـ ” أشكال الهيمنة الجديدة في مجال الشغل ” ( 1 ، 2 ) 114 ، شتنبر 1996 و 115 ، ديسمبر 1996 ، وبخاصة في مدخل جابرييل بالاز وميشال بيالو ، ” أزمة شغل وأزمة سياسة ” ، 114 ، ص ص 3 ـ 4 .

(3)     س . دوجور ، معاناة بفرنسا ، امتهان العدالة الاجتماعية ، باريس ، منشورات سوي ، 1997 .

أسطورة ” العولمة ” والدولة الاجتماعية الأوربية°

  • بقلم  : بيير بورديو
  • عن كتاب : نقيض ـ نار [مطفأة الحريق]

نسمع اليوم كلاما يقال في كل مكان ، ــ وذاك هو ما يشكل قوة هذا الخطاب المهيمن ــ ، مفاده أن لا شيء يمكن أن يقف موقف المعارض للمنظور النيوليبرالي الذي نجح في أن يقدم نفسه كمنظور بديهي لا بديل له أو عنه . وإذا كان لهذا المنظور كل هذا الانتشار ، فلأن هنالك مجهودا  بكامله للغرس والترسيخ الرمزي ساهم فيه بفعالية كل من الصحافيين أو المواطنين العاديين ، وخاصة وبنشاط ، عدد معين من المثقفين . ضد هذه السيطرة المفروضة دوما ، المخاتلة والمخادعة ، والتي تنتج عن طريق التشرب والاختراق اعتقادا حقيقيا ، يبدو لي أن للباحثين دورا يلعبونه في هذا الإطار ؛ فهم يستطيعون أولا تحليل كيفية إنتاج وتغلغل هذا الخطاب : وهنالك انشغال متزايد أكثر فأكثر بإنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا بالوصف  الدقيق للإجراءات التي يتم وفقها إنتاج وترويج هذه النظرة للعالم ، وعن طريق سلسلة من التحاليل التي تنسحب في نفس الآن على النصوص والمجلات التي تم نشر هذا الخطاب وفرضه بها رويدا رويدا باعتباره مشروعا ، وكذا عبر الخصائص المميزة لكتابها واللقاءات التي يجتمع من خلالها هؤلاء الأخيرون من أجل إنتاجه . . الخ ، فإن هذه الأشغال أوضحت ، بإنجلترا وفرنسا ، كيف تم إنجاز عمل دائم أشرك لهذا الغرض مثقفين ، صحافيين ورجال أعمال ، من أجل فرض منظور نيو ليبرالي يبدو كما لو أنه ينطلق من ذاته ، منظور يُلبِس من حيث الجوهر العقلنات الاقتصادية الافتراضات الأكثر كلاسيكية للفكر المحافظ لكل الأزمنة ولكل البلدان . إنني أعني بهذا دراسة حول دور مجلة Preuves تم ترويجها ، وهي الممولة من طرف الـ CIA ، من طرف كبار المثقفين الفرنسيين ، والتي خلال ما بين 20 إلى 25 سنة ــ إذ يحتاج الأمر إلى وقت حتى تتحول بعض الأشياء الخاطئة إلى أشياء سليمة ــ أنتجت بدون هوادة ، وضد التيار في البداية ، أفكارا تحولت رويدا رويدا إلى أفكار واضحة (1) . ونفس الشيء حدث بإنجلترا ؛ فالنزعة التاتشرية لم تعرف ميلادها مع السيدة تاتشر ، بل تم إعدادها منذ مدة طويلة من طرف جماعات من المثقفين الذين كانت لديهم ، في غالبيتهم ، منابر بكبريات الجرائد (2) . وأول مساهمة كانت ممكنة للباحثين تمثلت في العمل على نشر هذه التحليلات بصيغ يمكن للجميع الوصول إليها والاطلاع عليهــا .

إن عملية فرض هذه الأفكار التي ابتدأت منذ مدة طويلة لا زالت مستمرة إلى اليوم ؛ فيمكننا أن نلاحظ بانتظام في كل الجرائد الفرنسية ، بشكل متعاقب كل بضعة أيام ، مع بعض التنويعات المرتبطة بموقف كل جريدة على حدة في عالم الجرائــد ، وكما ولو أن الأمر يتعلق بمعجزة ، معاينات وإفادات حول الوضعية الاقتصادية المبهرة للولايات المتحدة وإنجلتـــرا . هذا الضرب من القطرة ـ قطرة الرمزي الذي تساهم فيه النشرات المكتوبة والمتلفزة بصورة كثيفة ــ بشكل لاشعوري في الجزء الأعظم منه لأن غالبية الناس الذين يكررون معطياته يقومون بذلك بشكل برئ ــ يُحدث تأثيرات عميقة الغور ، وهكذا ، وفي نهاية المطاف تقدم الليبرالية الجديدة ذاتها تحت يافطة ما لا يمكن تحاشيه وما ليس منه بد .

ما يتعلق الأمر به هنا هو مجموع من الافتراضات يتم فرضها باعتبارها تنطلق من ذاتها : حيث يتم الاعتراف بأن النمو الأقصى ، وإذن الإنتاجية والمنافسة ، هما الحد النهائي والأوحد للنشاطات البشرية ؛ الحد الذي لا يمكن عنده مقاومة القوى الاقتصادية ، أو أيضا ، وهو افتراض يؤسس كل افتراضات الاقتصاد ، عنده يتم إحداث قطيعة راديكالية في ما بين ما هو اقتصادي وما هو اجتماعي ، هذا المتروك على الهامش والمتخلى عنه للسوسيولوجيين كشكل من أشكال البقايا والمهملات . افتراض مهم آخر يتمثل في المعجم اللغوي الذي يجثم علينا ، القاموس الذي نمتصه حالما نفتح جريدة ما ، حالما نستمع لمحطة إذاعية ، والمصنوع في جوهره من نزعة تلطيف الكلام .

إنني للأسف لا أمتلك مثالا يونانيا ، لكنني أعتقد بأنكم لن تجدوا عناء في العثور عليه . على سبيل المثال بفرنسا لم نعد ننطق أبدا كلمة ” الباطرونا ” ، إذ نقول بدل ذلك ” القوى الحية للأمة ” ؛ و لا نتحدث عن عمليات طرد من العمل ، وإنما عن ” dégraissage ” إزالة الشحم والترهل باستخدام مماثلة رياضية ( فجسم قوي صلد لا بد أن يكون نحيفا ) . وللإعلان عن أن مقاولة ستوظف 2000 شخصا فإن الحديث سيدور عن ” برنامج اجتماعي جرئ تنجزه شركة ألكاتيل ” . هناك أيضا لعبة بكاملها من المعاني الضمنية والترابطات في ما بين كلمات مثل مرونة ، ليونة وطواعية وخروج عن المألوف التي تنحو نحو جعلنا نعتقد أن الرسالة الليبرالية الجديدة رسالة للتحرير كونية النزعة  .

يتوجب في ما يبدو لي أن ندافع عن أنفسنا ضد هذه الدوكسا بإخضاعها للتحليل ومحاولة فهم ميكانيزماتها التي أنتجت وفرضت بها . لكن ذلك لا يكفي ولو أنه في غاية الأهمية ، إلا انه يمكننا أن نقابلها بعدد معين من المعاينات الأمبريقية . في حالة فرنسا ، شرعت الدولة في التخلي عن عدد معين من ميادين العمل الاجتماعي . النتيجة هي كم هائل من الآلام من جميع الأصناف والألوان لم يمسس فقط الأشخاص الذين ألم بهم الفقر المدقع وحدهم . ويمكننا أن نبين أن في جذر المشاكل الملاحظة في ضواحي المدن الكبرى سياسة ليبرالية جديدة للسكن أحدثت بتطبيقها في السبعينيات ( المساعدة ” للفرد ” ) ميزا اجتماعيا ببروليتاريته السفلى من جهة ، المكونة في جانب هام منها من المهاجرين ، والتي ظلت في كبريات المجموعات جماعية ، ومن جهة أخرى بالعمال الدائمين الحائزين لأجر قار والبورجوازية الصغرى اللذين يشكلان مكونا من مكونات هذه الطبقة في منازل فردية صغيرة اشتروها بقروض أحدثت لديهم إكراهات كبرى . إن هذه القطيعة الاجتماعية تم إقرارها بواسطة إجراء سياسي .

بالولايات المتحدة نشهد ازدواجية للدولة ، دولة تؤمن من جهة ضمانات اجتماعية ، لكن بالنسبة للمحظوظين المطمئنين كفاية بتأمينات وضمانات ، ودولة قمعية بوليسية بالنسبة للشعب . إن ولاية كاليفورنيا ، وهي إحدى أغنى ولايات الولايات المتحدة ــ وقد اعتبرت في لحظة معينة من قبل بعض السوسيولوجيين الفرنسيين جنة لكل الحريات ــ وأكثرها محافظة أيضــــا ، ولاية متمتعة بجامعة هي بدون شك من أكبر الجامعات في العالم ، وميزانية السجون بها هي أعلى  منذ سنة 1994 من ميزانية كل الجامعات مجتمعة . في هذه الولاية لم يعرف سود غيتو شيكاغو من الدولة إلا رجل الأمن ، القاضي ، حارس السجن و le parol officier  الناطق الرسمي ؛ أي ضابط تنفيذ العقوبات الذي يتوجب الحضور أمامه دائما بانتظام تحت طائلة العودة إلى السجن . إننا هنا بحضرة ضرب من ضروب إنجاز حلم المهيمنين ؛ دولة تتقلص كما أوضح ذلك لويك فاكانت أكثر فأكثر ويتم اختزالها إلى حد ممارسة وظيفتها البوليسية وحدها .

إن ما نراه بالولايات المتحدة وما ترتسم خطوطه الكبرى بأوربا هو سيرورة الانحطاط . عندما ندرس ميلاد الدولة في المجتمعات التي تشكلت لديها قبل غيرها كفرنسا وإنجلترا نلاحظ أولا تمركزا للقوة الفيزيائية وتمركزا للقوة الاقتصادية ـ الإثنان ينطلقان كزوج ؛ فلابد من المال للقدرة على خوض الحروب وللقدرة على ممارسة المهمة البوليسية . . الخ ، و لا بد من وجود قوة البوليس للقدرة على استخلاص الأموال . ثم لدينا تمركز للرأسمال الثقافي ، ثم تمركز للسلطة . إن هذه الدولة بالإيقاع الذي تتقدم به تحوز الاستقلال الذاتي وتضحي جزئيا مستقلة عن القوة الاجتماعية والاقتصادية المهيمنة . وتشرع الدولة في التحول نحو أن تصبح قادرة على تشويه إرادات المهيمن عليهم وتأويلها والإيحاء بالسياسات وإملائها أحيانا .

إن سيرورة نكوص الدولة تجعلنا نرى أن مقاومة عقيدة وسياسة الليبراليين الجدد هي أقوى بكثير في البلدان التي كانت فيها التقاليد الدولتية أقوى وأعمق ، وهذا يفسر بكون الدولة وجدت بصيغتين أو شكلين : وجدت في الواقع الموضوعي على صورة مجموع من المؤسسات كمؤسسات التنظيم والتقنين والمكاتب والوزارات . . الخ ، ووجدت في الأذهان أيضا ، فمثلا  في حضن البيروقراطية الفرنسية غداة إصلاح تمويل السكن صارعت الوزارات الاجتماعية الوزارات المالية للدفاع عن السياسة الاجتماعية في مجال السكن . لقد كانت لهؤلاء الموظفين مصلحة في الدفاع عن وزاراتهم ومواقعهم ، ولكن أيضا لأنهم كانوا يؤمنون بها ولأنهم كانوا يدافعون عن قناعاتهم . إن الدولة في كل البلدان هي في جانب معين العلامة الواقعية للفتوحات الاجتماعية ، إن وزارة الشغل هي على سبيل المثال فتح اجتماعي تحول إلى واقع ، حتى إذا كان يمكن أن تكون في بعض الظروف والملابسات أيضا أداة قمع . والدولة توجد أيضا في أذهان الشغالين على صورة الحق الذاتي ( ” هذا حقي ” ، ” لا يمكن أن تعاملوني هكذا ” ) ، على صورة التشبث ب ” المكتسبات الاجتماعية ” . . الخ . مثلا ، أحد أكبر الاختلافات في ما بين فرنسا وإنجلترا يتمثل في كون الإنجليز المتتشرين ( نسبة للسيدة تاتشر ) اكتشفوا أنهم لم يقاوموا بالشكل الذي كان بإمكانهم أن يقاوموا في جزئهم الأعظم لأن عقدة الشغل كانت عقدة ودية Common Low وليس كما هو الشأن في فرنسا اتفاقا مضمونا من طرف الدولة . واليوم بشكل مفارق ، وفي اللحظة التي يتم فيها بأوربا القارية مدح النموذج الإنجليزي ، في اللحظة ذاتها ينظر الشغالون الإنجليز إلى القارة فيكتشفون أنها توفر أشياء لا يوفرها لهم تقليدهم العمالي ، أي حق وقانون الشغل .

إن الدولة في الحقيقة واقع ملتبس . ولكن يمكن الاكتفاء بالقول إنها أداة في خدمة المهيمِنين . ليست الدولة بدون شك محايدة كليا ، مستقلة كليا عن المهيمنين ، لكن لها استقلالا ذاتيا هو من الكبر بقدر ما هو عريق ، بقدر ما أنها أقوى وأنها سجلت مدوِّنةً في بنياتها فتوحات اجتماعية أكثر أهمية . . الخ . إنها فضاء الصراعات ( على سبيل المثال في ما بين الوزارات المالية والوزارات المستهلِكة المكلفة بالمشاكل الاجتماعية ) . ولمقاومة انحطاط الدولة ؛ أي مقاومة نكوص الدولة وتراجعها صوب أن تصير دولة عقابية مكلفة بالقمع ومضحية رويدا رويدا بالوظائف الاجتماعية ؛ التعليم ، الصحة ، المساعدة . . الخ ، تستطيع الحركة الاجتماعية أن تجد دعما من لدن المسؤولين عن الملفات الاجتماعية المكلفين بتقديم المساعدة للعاطلين لمدة طويلة ، الذين يقلقون من القطائع التي تلحق التماسك الاجتماعي ومن البطالة . . الخ والذين يعترضون على رجال المال الذين لا يريدون الاعتراف إلا بإكراهات ” الشمولية ” ومكانة فرنسا في العالم .

لقد تحدثت عن ” الشمولية ” ، وهي أسطورة بالمعنى التام للكلمة ، خطاب قوي ، ” فكرة ـ قوة ” ، فكرة لها قوة اجتماعيــة ، فكرة استطاعت جعل الناس يؤمنون بها ؛ إنها السلاح المركزي في الصراع ضد مكتسبات Welfar State : فالشغالون الأوربيون ، كما يقال ، عليهم أن يعادوا الشغالين الأقل حظوة في بقية مجموع العالم ، ويُقدَّمُ للشغالين في هذا الإطار مثال البلدان التي يعتبر الأجر الأدنى بها غير موجود إطلاقا ، وحيث يشتغل العمال 12 ساعة يوميا مقابل أجور تتراوح ما بين ¼ و 1/15 من الأجر الأوربي ، وحيث لا وجود للنقابات ، وحيث يتم تشغيل الأطفال . . الخ . وباسم مثال أو نموذج كهذا يتم فرض المرونة ، وهي كلمة /مفتاح آخر لليبرالية ؛ أي العمل الليلي والعمل في نهاية الأسبوع ( أيام العطل ) وساعات العمل غير المنتظمة ، وكثير من الأشياء المرسومة منذ الأبد في أحلام الباطرونا . وبشكل عام فإن الليبرالية الجديدة تستعيد من خلال المظاهر الخارجية لرسالة أكثر تأنقا وأكثر حداثة أكثر الأفكار قدما لأقدم أصناف الباطرونا ، ( وقد عرضت مجلات بالولايات المتحدة لائحة هؤلاء الباطرونات المثيرين الذين صُنِّفوا ورتبوا ، كما هو شأن أجورهم بالدولار ، تبعا لعدد الأشخاص الذين كانت لديهم شجاعة تسريحهم من أعمالهم ) . تلك سمة خاصة بالثورات المحافظة ، ثورات الثلاثينيات بألمانيا ، وثورات أتباع تاتشر ، ريغان وآخرين ، تتمثل في تقديم الإصلاحات باعتبارها ثورات . وتتخذ الثورة المحافظة اليوم شكلا غير مسبوق : ولا يتعلق الأمر ، كما في أوقات سابقة ، باستدعاء ماض مؤمثل عبر الإشادة بالأرض والدم ، وهي الموضوعات المهجورة للميثولوجيات الأرضية القديمة . إن هذه الثورة المحافظة من النمط الجديد تطالب بالتقدم ، بالعقل وبالعلم ( الاقتصاد بالمناسبة ) لتبرير الإصلاح ، وتحاول أن تحيل على النسيان الفكر والنشاط التقدميان . إنها تؤسسُ على شكل معايير لكل النشاطات العملية ، وإذن على شكل قواعد مثالية الانتظامات الحقيقية للعالم الاقتصادي المتروك لمنطقه ، للقانون المسمى سوقًا‍ ، أي قانون الأقوى . إنها تقر وتنتصر لسيادة ما يسمى الأسواق المالية ؛ أي عودةً لنوع من الرأسمالية الجذرية بدون أي قانون آخر ما عدا قانون الربح الأقصى ، رأسمالية بدون فرامل ولا مساحيق ، وإنما هي معقلنة ومدفوعة إلى حدود فعاليتها الاقتصادية عبر إدماج الصيغ الحديثة للهيمنة كالتسيير الإداري وتقنيات المعالجة كالبحث عن الأسواق ، الماركيتينغ والإشهار التجاري .

وإذا كان من الممكن لهذه الثورة المحافظة أن تخدعنا ، فلأنه لم يعد لها ظاهريا شيء من الغابة ـ السوداء البدوية القديمة للثوريين المحافظين زمن الثلاثينيات ؛ إنها تتزين بكل علامات ومساحيق الحداثة . ألم تأت من شيكاغو ؟ ..منذ قال جاليلي إن عالم الطبيعة مكتوب بلغة رياضية ؟ … اليوم يراد التمكن من جعلنا نعتقد أن العالم الاقتصادي والاجتماعي هو الذي يصاغ على شكل معادلات ، وأنه بالتسلح بالرياضيات ( والسلطة الإعلامية ) أصبحت النيوليبرالية الشكل الأعلى والأقصى ل sociodicée للتبرير النظري المحافظ التي يعلن عن ذاته منذ ثلاثين سنة تحت عنوان ” نهاية الإيديولوجيات ” ، أو بشكل أكثر قربا زمنيا تحت عنوان ” نهاية التاريخ ” .

من أجل مقاومة أسطورة ” العولمة ” التي تتحدد وظيفتها الأساس في جعلنا نقبل إصلاحا يعيد بعث الروح في ما كان، ينجز عودة لرأسمالية متوحشة ، لكنها معقلنة و لاأخلاقية ؛ تعتبر العودة للوقائع واجبة .  وإذا ما ألقينا نظرة على الإحصائيات فإننا سنلاحظ أن المنافسة التي يتحملها الشغالون الأوربيون هي في جوهرها ما بين ـ أوربية . وحسب المصادر التي أستعملها فإن % 70من المبادلات الاقتصادية للأمم الأوربية تقوم مع بلدان أوربية أخرى . وبإلقاء وتسليط الضوء على التهديد الخارج ـ أوربي تم إخفاء أن الخطر المركزي يتشكل من خلال المنافسة الداخلية للبلدان الأوربية وما يسمى أحيانا الإغراق الاجتماعي  le sociale dumping : تستطيع البلدان الأوربية ذات الحماية الاجتماعية الضعيفة والأجور المنخفضة أن تستفيد من مزاياها في إطار المنافسة ، لكن بجر بلدان أخرى نحو القاع ، هذه البلدان المكرهة أيضا ، من أجل ضمان البقاء ، على التخلي عن المكتسبات الاجتماعية ، وهو ما  يستلزم أنه للإفلات من هذه الدوامة الحلزونية ، فإن لشغالي البلدان المتقدمة مصلحة في الانضمام لشغالي البلدان الأقل تقدما من أجل الحفاظ على مكتسباتهم ومن اجل إنجاح تعميمها على كل الشغالين الأوربيين ( وهو ما ليس هينا بفعل الاختلافات في مجال التقاليد الوطنية ، وبالخصوص في وزن النقابات بالمقارنة مع الدولة وفي مجال أنماط تمويل الحماية الاجتماعية ) .

لكن هذا ليس كل شيء ؛ هناك أيضا تأثيرات السياسة النيوليبرالية التي يمكن لكل واحد منا أن يعاني منها . وهكذا ، فإن عددا معينا من البحوث الإنجليزية أوضحت أن السياسة التاتشرية تطلبت غيابا كبيرا للإحساس بالأمان وشعورا بخطر محدق وكاسح ، أولا لدى الشغالين اليدويين ، ولكن أيضا في أوساط البورجوازية الصغيرة . ويلاحظ بالضبط نفس الشيء بالولايات المتحدة حيث نجدنا بحضرة تعدد لمناصب الشغل المؤقتة والمتدنية الأجر ( والتي تخفض بشكل مصطنع معدل البطالة ) . إن الطبقات الأمريكية الوسطى التي يجثم عليها التهديد بالتسريح المفاجئ تعرف انعداما رهيبا للأمان ( وتجعلنا بذلك نكتشف أن المهم في منصب شغل ليس هو العمل والأجر فقط اللذين يوفرهما وإنما الأمان والطمأنينة اللذين يضمنهما ) . إن نسبة الشغالين المؤقتين في كل البلدان تتعاظم بالمقارنة مع الساكنة العاملة الرسمية والدائمة . إن الهشاشة ، أي جعل العمل هشا ومرنا تؤدي إلى فقدان المزايا الضعيفة ( الموصوفة غالبا بكونها امتيازات ل ” الفقراء ” ) التي من شأنها أن تعوض الأجور الضعيفة ؛ كالعمل الدائم وضمانات الصحة والتقاعد . وتقود الخوصصة من جهتها نحو فقدان المكتسبات الاجتماعية ؛ في حالة فرنسا على سبيل المثال ¾من الشغالين المستخدمين حديثا تم تشغيلهم بصفة مؤقتة ، والربع فقط من الـ ¾ هذه سيتحولون إلى شغالين دائمين . وبديهي أن هؤلاء الشغالين الجدد هم شباب ، وهو ما يجعل أن انعدام الأمان هذا يضرب أول ما يضرب فئة الشباب ، يحدث ذلك بفرنسا ــ ( وقد عاينا ذلك أيضا في كتابنا بؤس العالم ) وبإنجلترا أيضا حيث الرهاب لدى الشباب يصل إلى القمة ، إلى جانب نتائج وتبعات كالانحلال والإجرام وظواهر أخرى جد مكلفة .

لهذا ينضاف اليوم تدمير القواعد الاقتصادية والاجتماعية للمكتسبات الإنسانية الناذرة . إن الاستقلال الذاتي لعوالم الإنتاج الثقافي إزاء السوق الذي لم يتوقف عن التعاظم بفضل صراعات وتضحيات كتاب وفنانين وعلماء هو اليوم مهدد أكثر فاكثر . إن سيادة ” التجارة ” و ” التجاري ” تفرض ذاتها كل يوم أكثر على الأدب ، خصوصا عبر تمركز أكبر يتم إخضاعه مباشرة أكثر فاكثر لإكراهات الربح الفوري ، كما تفرض هذه السيادة ذاتها على النقد الأدبي والفني المتروكين لأكبر خدام مجال النشر انتهازية ــ أو للمتواطئين معهم عبر عمليات التسريح بواسطة المصاعد ــ وعلى السينما خاصة ( ويمكننا أن نتساءل عن ما سيتبقى خلال عشر سنوات من سينما للبحث الأوربي إذا لم يتم فعل أي شيء من أجل تمكين المنتجين الطليعيين من وسائل الإنتاج وخصوصا ربما من وسائل التوزيع ) ، بدون أن نتحدث عن العلوم الاجتماعية المحكوم عليها بالخضوع الاستعبادي للتعاليم التي تخدم المصالح المباشرة لبيروقراطيات المقاولات أو الدولة أو تلك الناجمة عن موت مراقبة السلطات التي يحل محلها المال أو ذوي المصالح الانتهازية .

وإذا كانت الشمولية قبل كل شيء أسطورة للتبرير ، فهناك حالة تعتبر فيها واقعية تماما ، وهي حالة الأسواق المالية ؛ فبفضل خفوت عدد معين من أشكال المراقبة القانونية وتحسن وسائل الاتصال الحديثة التي تقود نحو انخفاض كلفة الاتصال ، فإن التوجه الآن هو توجه نحو سوق مالية موحدة ، وهو ما لا يعني أنها منسجمة . وهذه السوق المالية مهيمن عليها من طرف اقتصادات معينة ؛ أي من طرف البلدان الأغنى ، وبخاصة البلدان التي تستعمل عملتها كعملة احتياط عالمية  ، تلك التي تستحوذ تبعا لذلك بداخل هذه الأسواق المالية على هامش حرية أرحب . إن السوق المالي حقل يحتل فيه المهيمنون ؛ أي الولايات المتحدة في هذه الحالة الخاصة ، موقعا هو من النفاذ بحيث يتمكن هؤلاء المهيمنون من تحديد قواعد لعب هذه الأسواق في جانبها الأعظم . إن هذا التوحيد للأسواق المالية حول عدد معين من الأمم الحائزة لموقع الهيمنة يحدث إقلالا من الاستقلال الذاتي للأسواق المالية الوطنية . إن رجال المال الفرنسيين ومفتشي المالية الذين يقولون لنا بأنه يتوجب الخنوع والخضوع للضرورة ، ينسون أن يخبرونا بأنهم شركاء هذه الضرورة وبأن الدولة الوطنية الفرنسية هي التي تستقيل من مهامها عبرهم وبواسطتهم .

وباختصار ، فليست الشمولية تحقيقا للتجانس ، وإنما هي على العكس من ذلك امتداد لنفوذ وسلطان عدد صغير من الأمم المهيمنة على مجموع المواقع المالية الوطنية (في الأوطان ) . وينتج عن ذلك إعادة تحديد جزئية لتقسيم العمل الدولي يتحمل الشغالون الأوربيون نتائجها ، إلى جانب تحويل الرساميل والصناعات على سبيل المثال نحو البلدان ذات اليد العاملة الرخيصـة . إن سوق رأس المال العالمي هذه تنحو نحو الإنقاص من الاستقلال الذاتي لأسواق الرأسمال الوطني ، ونحو فرض الحظر بشكل خاص على التحكم من طرف الدول الوطنية في معدلات الصرف ونسب الفائدة التي يتم تحديدها أكثر فأكثر من قبل سلطة ممركزة في أيدي عدد قليل من البلدان . إن السلطات الوطنية معرضة لخطر هجمات المضاربة من قبل وكالات مزودة بأموال طائلة قادرة على إحداث إنقاص في قيمة العملة ، وحكومات اليسار هي بداهة مهددة بشكل خاص ، وذلك لأنها تستثير حذر وريبة الأسواق المالية ( إن حكومة يمين تمارس سياسة متطابقة نسبيا مع مُثل صندوق النقد الدولي FMI معرضة لخطر أقل من حكومة يسارية حتى ولو مارست سياسة متطابقة تماما مع مثل هذا الصندوق ) . إن بنية الحقل العالمي هي التي تمارس إكراها بنيويا ، وهو ما يضفي على الميكانيزمات مظهرا قدريا ، والسياسة الخاصة لدولة ما هي محددة بشكل واسع من قبل وضعيتها بداخل بنية توزيع الرأسمال المالي ( الذي يحدد بنية الحقل الاقتصادي العالمي ) .

فما الذي يمكن فعله في حضرة هذه الميكانيزمات ؟ .. يتوجب التفكير أولا في الحدود الضمنية والمستترة التي تقبلها النظرية الاقتصادية ، والنظرية الاقتصادية لا تأخذ في الحسبان ، في إطار تقدير تكاليف سياسة ما ، ما ندعوه التكاليف الاجتماعية . إن السياسة السكنية التي قررها جيسكار ديستانغ على سبيل المثال سنة 1970 استلزمت تكاليف اجتماعية على المدى الطويل لم تبد مظهريا حتى كذلك ، وذلك لأننا لا نجد ، باستثناء السوسيولوجيين ، من يتذكر ذلك بعد عشرين سنة من هذا الإجراء . فمن يتذكر ذلك ؟ .. ومن أعاد ربط فتنة سنة 1990 بضاحية من ضواحي ليون بقرار سياسي يعود لسنة 1970 ؟ .. إن الجرائم تظل بدون عقاب لأن النسيان يقبرها . يتوجب أن تلح كل القوى الاجتماعية النقدية على عدم الفصل والتهميش في الحسابات الاقتصادية للتكاليف الاجتماعية للقرارات الاقتصادية . كم سيكلف ذلك على المدى الطويل من فساد وآلام وأمراض وحالات انتحار وإغراق في الكحول واستهلاك للمخدرات ، ومن عنف بداخل الأسر . . الخ . وكثير من الأشياء التي تكلف غاليا ماليا ومعاناة وآلاما أيضا ؟ .. اعتقد أنه يجب ، حتى ولو بدا ذلك لاأخلاقيا بالمرة ، أن نقلب ضد الاقتصاد المهيمن أسلحته الخاصة ذاتها ، وأن نتذكر أن السياسة المحض اقتصادية ليست بالضرورة بداخل منطق الربح المتضمن فيها طبعا اقتصادية ــ في مجال أمن الأشخاص والممتلكات ، وإذن في مجال التمدن والتحضر . . الخ . وبدقة أكبر يتوجب أن نضع موضع التساؤل بشكل جذري المنظور الاقتصادي الذي يفردن كل شيء ، الإنتاج كما العدالة أو الصحة ، التكاليف كما الأرباح ، والذي ينسى أن الفعالية التي يمنحها تعريفا ضيقا ومجردا بجعلها تُماهي ضمنيا المردودية المالية ، تتوقف بطبيعة الحال وبداهة على غايات يتم قياسها ، مردودية مالية بالنسبة للمساهمين والمستثمرين كما هو الحال اليوم ، أو إشباعا وإرضاء للزبناء والمستعملين ، أو بشكل واسع إشباعا ومتع حياة للمنتجين والمستهلكين ، وهكذا من جيب إلى جيب آخر لأكبر عدد ممكن . في مواجهة هذا الاقتصاد الضيق والقصير النظر ، يجب أن نقيم ” اقتصادا للسعادة ” يأخذ علما بجميع الأرباح ، فردية كانت أم جماعية ، مادية أم رمزية مرتبطة بالنشاط (كالأمان مثلا ) ، وأيضا بكل التكاليف المادية والرمزية المرتبطة بالعطالة وانعدام النشاط أو الموسمية ( مثلا، استهلاك الأدوية : حيث تحقق فرنسا رقما قياسيا في استهلاك المهدئات ) . لا يمكننا أن نتحايل على ” قانون الحماية من العنف ” : فكل عنف يُؤدَّى ثمنه ؛ العنف البنيوي الذي تمارسه الأسواق المالية على سبيل المثال  بأشكال من  الفساد والخلاعة والموسمية ، نجد مقابله على المدى الطويل نسبيا على صورة انتحارات و انحرافات ، جرائم ومخدرات ، إغراقا في الكحول وأشكال عنف يومية كبيرة كانت أم صغيرة .

يجب على الصراعات النقدية لدى المثقفين والنقابات والجمعيات ، في الحالة الراهنة ، أن تتصدى كأولوية لذبول وتحلل الدولة ؛ فالدول الوطنية ملغومة من الخارج من قبل القوى المالية ، وهي ملغومة من الداخل من قبل أولئك الذين يجعلون من أنفسهم شركاء متواطئين مع هذه القوى المالية ؛ أي رجال المال وكبار موظفي المالية . . الخ . وأعتقد أن للمهيمن عليهم مصلحة في الدفاع عن الدولة ، الدفاع بالخصوص عن بعدها الاجتماعي . و لا يتم استلهام هذا الدفاع عن الدولة من النزعة الوطنية . وإذا كان من الممكن مصارعة الدولة الوطنية ، فإن الدفاع عن الوظائف ” الكونية ” التي تؤديها ، والتي يمكن أن تتم تأديتها ربما بشكل أفضل من طرف دولة فوق ـ وطنية . وإذا كان لا يراد أن يكون البونديسبانك هو الذي يحكم السياسات المالية لمختلف الدول عبر معدل الفائدة ، فهلا يتوجب الصراع من أجل بناء دولة فوق ـ وطنية مستقلة ذاتيا نسبيا بالمقارنة مع القوى الاقتصادية العالمية والقوى السياسية الوطنية ، وقادرة على تنمية البعد الاجتماعي للمؤسسات الأوربية ؟ .. فلن تأخذ على سبيل المثال الإجراءات المستهدِفة للإنقاص من مدة الشغل كامل معناها إلا إذا تم اتخاذها من طرف مؤسسة أوربية وكانت قابلة للانسحاب على مجموع الأمم الأوربية .

لقد كانت الدولة تاريخيا قوة للعقلنة ، لكنها وضعت في خدمة القوى المهيمنة . ولتحاشي أن تكون كذلك لم يكن كافيا التمرد على تكنوقراطيي بروكسيل . لقد توجب ابتكار أممية جديدة ، على الأقل على المستوى الجهوي لأوربا ، استطاعت أن توفر بديلا للنكوص الوطني الذي هدد بفعل الأزمة ، قليلا أو بما فيه الكفاية ، كل البلدان الأوربية . لقد تعلق الأمر ببناء مؤسسات من شأنها أن تكون قادرة على مراقبة وضبط قوى السوق المالي ذاك ، وإقرار ما يعبر عنه الألمان بلفظة عجيبة هي regrezionsverbot ، أي إقرار تحريم للنكوص والتراجع عن المكتسبات الاجتماعية على المستوى الأوربي . ولهذا الغرض ، فمما لا يمكن التخلي أو التقاعس عنه هو أن تتحرك المنظمات النقابية فاعلة على هذا المستوى الفوق ـ وطني ؛ وذلك لأن القوى التي تحاربها تتحرك في هذا المجال . إذن ، فمحاولة خلق القواعد التنظيمية لأممية نقدية حقيقية قادرة على الاعتراض الحقيقي على النيوليبيرالية هي محاولة واجبة ولا مناص منها .

نقطة أخيرة وهي : لماذا نجد المثقفين غامضين بخصوص كل هذا ؟ .. إنني لا أنوي إعادة تناول المسألة لأن ذلك سيحتاج لوقت طويل وسيكون عملا وحشيا تعداد جميع صور الاستقالة ، أو ما هو أفظع من ذلك ، جميع صور التواطؤ . سأستدعي فقط مناظرات الفلاسفة الذين نعتوا أنفسهم بالحداثيين أو ما بعد الحداثيين ؛ أولئك الذين عندما لا يكتفون بترك الحبل على الغارب للأمور وهي تجري ، ينشغلون بكونهم ، بفعل لعبهم المدرسي ، ينغلقون بداخل عمل دفاعي لفظي للعقل وللحوار العقلاني ، أو أفدح من ذلك ، يقترحون تنويعا يسمى ما بعد الحداثة ، هو بالفعل ” جذرية متأنقة ” لإيديولوجية نهاية الإيديولوجيات ، إلى جانب إدانة روايات الوقائع الكبرى أو التشهير العدمي بالعلم .

وبالفعل ، فإن قوة الإيديولوجية النيوليبيرالية تتمثل في كونها تستند إلى ضرب من ضروب الداروينية الاجتماعية الجديدة : ف ” أفضل الناس وأكثرهم ذكاء ” هم الذين ينتصرون كما يقال بهارفارد ( بيكر ، جائزة نوبل في الاقتصاد : طور الفكرة التي مؤداها أن النزعة الداروينية هي أساس الكفاية في الحساب العقلاني التي تعيرها لرجال الاقتصاد ) . خلف النظرة العالمية النزعة لأممية المهيمنين هناك فلسفة للكفاءة حسبها يعتبر أن من يحكم هم أكثر الناس كفاءة ، وهم الذين يحوزون عملا ، وهو ما يلزم عنه أن أولئك الذين ليس لديهم عمل هم أناس غير أكفاء . هناك الناجحون les winners ، وهناك الفاشلون les losers ، هناك النبالة ؛ وهي ما أسميه نبالة الدولة ؛ أي هؤلاء الأشخاص الذين تتجمع لديهم كل خصائص النبالة بالمعنى القروسطي للفظ ، والذين يدينون بسلطتهم لتربيتهم وتعليمهم ؛ أي يدينون من وجهة نظرهم للذكاء المتصور هنا كما لو كان هبة من السماء ، وهو الذي نعرف عنه أنه يوزع في الواقع من طرف المجتمع ، كما نعرف أن أشكال التفاوت في الذكاء هي أشكال تفاوت اجتماعية . إن إيديولوجيا الكفاءة صالحة تماما لتبرير تعارض يشبه قليلا تعارض السادة والعبيد : من جهة بمواطنين كاملي المواطنة ، يتمتعون بكفاءات ومناشط جد ناذرة وباهظة الأجر ، هم في مستوى اختيار مشغليهم ( في حين أن الآخرين يُختارون من طرف مشغليهم في أفضل الحالات ) ، وهم في مستوى الحصول على أكبر مدخول في سوق الشغل العالمي ، وهم مشغولون بالزائد رجالا ونساء( وقد قرأت دراسة إنجليزية جد رائعة حول هؤلاء الأزواج من الأطر المجانين الذين يقطعون العالم طولا وعرضا وينطون من طائرة لأخرى وينعمون بمداخيل تصيب بالهلوسة والدوار ، مداخيل لا يحلمون حتى بصرفها خلال أربع حيوات . . الخ ) ثم ، ومن جهة أخرى ، حشد من البشر منذور لمناصب شغل مؤقتة أو للبطالة .

لقد قال ماكس فيبر إن المهيمنين هم في حاجة دائما ل ” théodicé مزاياهم ”  أي تبريرها إلهيا ( أي اعتبار الفوارق بين الناس راجعة لعدالة إلهية لا تقبل المراجعة ـ المترجم ) أو أفضل من ذلك هم في حاجة ل sociodicé هذه الامتيازات ، أي لتبرير نظري لواقع أنهم محظوظون . إن الكفاءة اليوم توجد في قلب هذه ال sociodicé المقبولة بطبيعة الحال من طرف المهيمنين ـ فتلك مصلحتهم ـ ولكنها مقبولة أيضا من طرف الآخرين . في خضم فقر المقصيين من الشغل ، في خضم بؤس العاطلين لمدة طويلة ، هناك شيء زائد عما كان في الماضي . إن الإيديولوجية الأنجلو ـ ساكسونية الموسومة بالوعظية دائما بعض الشيء ، تميز الفقراء اللاأخلاقيين عن les deserving-poor  ــ الفقراء المستحقين ـ الذين تجوز فيهم الصدقة . لهذا التبرير الأخلاقي جاء لينضاف أو ينوب تبرير ثقافي ( فكري ) ؛ فليس الفقراء فقط لاأخلاقيين ، متعاطيي كحول وفاسدين ؛ إنهم أغبياء وغير أذكياء أيضا . في خضم المعاناة الاجتماعية يتدخل في جزئه الأعظم فقر العلاقة بالمدرسة الذي لا يرسم فقط المصائر الاجتماعية وإنما أيضا الصورة التي يكونها الناس عن هذا المصير ( وهو ما يساهم بدون شك في تفسير ما نسميه انفعالية ـ أو مفعولية ـ  المهيمن عليهم وصعوبة تعبئتهم . . الخ ) . لقد كان لأفلاطون منظور للعالم الاجتماعي يشبه منظور تكنوقراطيينا ، فهذا العالم مكون من الفلاسفة والحراس ثم الشعب . وهذه الفلسفة مدونة ومندرجة ، في حالتها الضمنية ، في النظام المدرسي . وبوصفه جد قوي فهو مستوعب ومستبطن بشكل جد عميق . لماذا انتقلنا من المثقف الملتزم إلى المثقف ” المستقيل ” ؟ .. جزئيا لأن المثقفين ممسكون بالرأسمال الثقافي ، ولأنهم ولو أنهم مهيمن عليهم ضمن المهيمنين ، فهم جزء من المهيمنين ؛ ذاك أحد أسس اجتماع الضدين فيهم وأحد أسس التزامهم الملطف في خضم الصراعات . إنهم يساهمون بشكل غير واضح في إيديولوجيا الكفاءة هاته ، وعندما يثورون ، فإن ذلك يشبه مرة أخرى ما حدث سنة 1933 بألمانيا ، وذلك لأنهم يقدرون أنهم لن يحصلوا على ما يستحقونه بالنظر لكفاءتهم المضمونة من طرف ديبلوماتهم .

أثينا ، أكتوبر 1996 .

———————————————

(1)ب.جريموان ، Preuves ، مجلة أوربية بباريس ، باريس ، جوليار 1989 و ” ذكاء نقيض الشيوعية ” ، المؤتمر من أجل حرية الثقافة بباريس ، باريس ، فايار ، 1995 .

(2) ك. ديكسون : ” Les évangilistes du marché ” ليبر ، 32 شتنبر 1997 . ص ص 6-5 ؛ س.باش و س.بينيريس :     ” Les premiers pas de la société du Mont-Pélerin ou les dessous chics du neoliberalisme ”  الحوليات ( إنشاء العلوم الاجتماعية كمباحث أكاديمية ) . 8 .1997 . ص ص      216-191 .

(3) cf . ب . بورديو : ” عنصرية الذكاء ” في أسئلة السوسيولوجيا ، باريس ، منشورات مينوي ، 1980 ، ص ص : 268 – 264.