Posts Tagged ‘الديمقراطية’

أرجوحة الديمقراطية

12 مايو 2008

هل الديمقراطية خدعة ؟ .. وهل تتضمن بطبيعتها أو بالقوة إما إمكانات العدالة الاجتماعية أو الظلم والإقصاء الاجتماعيين ؟ .. هل يمكن الحديث في الوضع العالمي الراهن ، الناحي نحو العولمة لكل شيء والمتميز بسيطرة الأسواق المالية عن إرادة ” ديمقراطية ” بداخل المجتمعات تكبحها وتوجهها الموجهة المعاكسة لطموحات الشعوب في العدالة والديمقراطية ” ديكتاتورية ” الأسواق المالية التي لا تعرف إلا منطق مصالحها الخاصة ؟ .. هل يتبقى بعد هذه الهيمنة شبه المطلقة هامش للمناورة والفعل يمكن من تحقيق المعادلة الصعبة ؟ .. في المقال التالي نجد توضيحا لهذه المفارقة وبعض الإيحاءات بالجواب.

أرجوحة الديمقراطية
بقلم: إغناسيو راموني

عن: لوموند ديبلوماتيك

انطلاقا من العديد من العلامات والإشارات نلحظ في مجتمعاتنا التي فقدت البوصلة الهادية عودة التساؤل المحير : هل تمت مصادرة الديمفراطية من طرف جماعة صغيرة من المحظوظين ؟ ..

ذلك أن هاجس ضرورة قيام الجمهورية على ” عقد اجتماعي ” هو الذي قاد ، خلال قرن ونيف ، الاشتراكيين الثوريين ( من ماركس إلى تروتسكي ، مرورا ببلانكو وباكونين ولينين ) باسم الحرية ، إلى مصارعة ” الديمقراطية البورجوازية ” ، في الوقت الذي قاد فيه اليمين المتطرف إلى محاولة إسقاط ” النزعة البرلمانية ” ، وبدا كما لو أن اندحار الفاشية سنة 1945 ثم انهيار الأنظمة الشيوعية سنة 1989 قد حل المشكلة ، وأصبح بمقدور أطروحة فرانسيس فوكوياما حول ” نهاية التاريخ ” أن تنتصر : فالديمقراطية شكلت الأفق المستعصي على التجاوز من قبل أي نظام سياسي، كما أمكن لأي كان التذكير بقولة ونستون تشرشل المشهورة التي تمدح الديمقراطية باعتبارها النظام الأهون شرا بخلاف كل الأنظمة الأخرى.

وبفضل هذا الإطراء انتشرت الديمقراطية في كل مكان ، في أوربا الشرقية وفي الدول المتولدة عن تفكك الاتحاد السوفياتي وأيضا في أمريكا اللاتينية ، وباستثناء وحيد متمثل في العالم العربي انتشرت في إفريقيا وآسيا ، إلى حد أنه غداة الحرب العالمية الثانية ، أضحت النظام السياسي المهيمن إذا استثنينا حالات ناذرة.

ومع ذلك فإن أعداد المشهرين بهذا النظام ، باعتباره خدعة ، تزايدوا يوما بعد يوم ، وفي المقام الأول بأوربا لأنه احتمل ظهور 20 مليونا من العاطلين و 50 مليونا من الفقراء . . . ولأن بعض الدول ( الأوربية ) انتهت إلى قبول نوع من العالمثالثية لمجتمعاتها ؛ فحسب تقارير الأمم المتحدة والبنك العالمي ” فإن أشكال الفوارق في ما بين الفقراء والأغنياء بالمملكة المتحدة هي الأهم من نوعها في العالم الغربي ، مقارنة مع تلك القائمة في نيجيريا ، وبشكل أعمق مع تلك التي نجدها على سبيل المثال في جمايكا ، سريلانكا أو إثيوبيا (1) ” .

هكذا ( إذن ) يتصدع التماسك الاجتماعي ؛ ففي القمة تتقوى طبقة تغتني أكثر فأكثر ( 10 ÷ من الفرنسيين (مثلا) يستحوذون على 55 ÷ من الثروة الوطنية ) ، في حين ، وفي أسفل القاعدة ، تتسع جيوب الفقر متعاظمة . كما أن من المعروف أن المواطنين المهمشين ليس في مستطاعهم التمتع بالخريات الصورية وضمان ممارسة حقوقهم .

كل هذا يحدث في إطار الغلبة والانتصار فيه للمال : فقيمة المبادلات المالية هو 50 ÷ أعلى من قيمة المبادلات الفعلية للمنافع والخدمات ؛ فالأسواق المالية تفرض إرادتها على القادة السياسيين ، وإذا أمكن القول منذ عهد فريب أن ” مائتي عائلة ” امتلكت مقادير ومصير فرنسا ، فإننا نستطيع التأكيد راهنا على أن مصير كوكب الأرض متوقف على إرادة ” 200 من المدراء ” (2) .

لقد عملت الدول على تسريع وتيرة الحركة لتفعيل وضمان ديناميكية لسيرورة العولمة ، وذلك بإلغاء المراقبة على المبادلات وضمان حرية تنقل الرساميل بجعل الأبناك المركزية أبناكا ” مستقلة ” إلى حد أنها موقعت الأسواق المالية خارج متناول ومراقبة الحكومات التي ذهبت بدورها إلى التخلي عن أي إرادة مهما وهنت لوضع سياسة نقدية مستقلة، وذلك بقبول الخضوع لمنطق المصالح الخارجية المعاكس لمصالح مواطنيها.

إن النظام الديمقراطي ينتشر بدون عوائق على مستوى مجموع الكرة الأرضية جراء خضوع القادة السياسيين لديكتاتورية الأسواق المالية . في السابق مورست مقاومة ضارية لكل مشروع ديمقراطي من طرف الماسكين بناصية الرأسمال المتحالفين في الغالب مع قوات عسكرية : فمن الحرب المدنية الإسبانية (1936 ـ 1939) إلى الإطاحة برئيس الشيلي سالفادور أليندي سنة 1973 لا نعدم الأمثلة عن أنظمة ديمقراطية أقبرت بشكل تراجيدي لأنها تصدت للتفاوتات الطبقية بالتوزيع الأكثر عدالة للخيرات، ولأنها عقدت النية على تأميم القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد . أما اليوم، فإن الديمقراطية متساوقة بشكل متناغم ، بفعل تدمير القطاع العام ، مع أشكال الخوصصة وإعفاء حفنة من المحظوظين . . . الخ . لقد غدا بالإمكان التضحية بأي شيء ( والمكتسبات الاجتماعية في المقام الأول ) رضوخا لإكراهات الاقتصاد المالي، وفي أوربا أضحت معايير التقارب والاندماج المفروضة من قبل معاهدة ماستريخت مطلقات شبه دستورية. فكيف لا ندرك إذا أضفنا إلى كل ذلك قلة حياء القادة الذين يتسابقون بمجرد انتخابهم للإنكار والتنكر لوعودهم الانتخابية ( من السيد فوجيموري في البيرو إلى السيد كلينتون في الولايات المتحدة مرورا بالسيد كالديرا بفنزويلا والسيد شيراك بفرنسا ) ، وكذا الوزن اللامحدود لجماعات الضغط ( اللوبيات ) واستفحال الفساد لدى الطبقة السياسية ، كيف لا ندرك عوامل غياب المصداقية عنها ؟.. كيف لا يمكن الوقوف على أن هذه الديمقراطية المعطلة تمكن في المقام الأول من تنامي وتطور اليمين المتطرف ؟.. (3).

إن كل يوم يوضح كم يفضل المنتخبون، والحكومات بالخصوص ، اللجوء إلى كبريات وسائل الإعلام لمخاطبة المواطنين وعدم إعارة البرلمان أي اهتمام فـ ” أن تحكم هو أن تتواصل ” يقول لسان حالهم فيما يبدو ، ولكن واقع الأمر ، وبدواخلهم ، فإن التواصل مع المواطنين يعني الكذب عليهم.

كيف لا يمكن أن نتفهم غضب الناس في مجموع الاتحاد الأوربي وهم يتعرضون لمد من أنواع الظلم؟.. وبأي حق ينادي المسؤولون الماسكون بزمام السلطة السياسية ، خوفا من خريف غضب ساخن ، بضرورة السلم الاجتماعي وهم يمارسون الحرب الاجتماعية بشكل يومي ؟.. ذلك السلم الذي لا يمكن ضمانه وتأمينه إلا إذا تحولت الديمقراطية إلى قاعدة وأساس لعقد اجتماعي جديد.

هوامش :

(1) إلباييس ، مدريد ، 16 شتنبر 1996.

(2) ” قادة العالم الجدد ” طريقة في النظر رقم 28 نونبر 1995.

(3) أنظر كريستيان دوبري ” ديمقراطيات بدون صوت ” لوموند ديبلوماتيك ـ دجنبر 1992.

ديمقراطيات على المقاس

12 مايو 2008

ديمقراطيات على المقاس

بقلم : إغناسيو راموني

لوموند ديبلوماتيك ـ مارس 2006

لقد ظلت الديمقراطية لمدة طويلة من الزمن صيغة ناذرة من صيغ الحكم ، وهي التي تم تقديمها في الغالب باعتبارها أفضا النظم السياسية ؛ وذلك لأن أي نظام لم يستطع أن يجسد بشكل كلي المثال الديمقراطي الذي يفترض سلامة طوية مطلقة من قبل الأقوياء اتجاه الضعفاء ، وكذا إدانة جذرية حقيقية لأي شكل من أشكال الشطط في السلطة ، ولأنه أيضا لا بد من احترام المعايير الخمس التي يلزم توفرها في أي نظام لكي يكون ديمقراطيا ، ألا وهي : الانتخابات الحرة ـ المعارضة الحرة والمنظمة ـ الحق الفعلي في التناوب السياسي ـ النظام القضائي المستقل وتوفر وسائل إعلام حرة . وحتى عندما توفرت هذه الشروط في بعض الدول ، فقد ظلت لمدة طويلة ، كما في فرنسا والمملكة المتحدة ، تتنكر لحق النساء في التصويت ، كما كانت هذه الدول ، فضلا عن ذلك ، قوى استعمارية تنال من حقوق المستعمَرين وتخرقها.

ورغم هذه النواقص ، فقد كان لهذا النهج في الحكم نزوع نحو أن يصير كونيا ، وذلك أولا بفضل التفعيل القوي للديمقراطية من قبل رئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسون ( 1856 ـ 1924 ) ، ثم وبشكل خاص عقب انتهاء الحرب الباردة واختفاء الاتحاد السوفييتي ، حيث تم الإعلان حينها عن ” نهاية التاريخ” بدعوى أنه لا شيء يقف في وجه كل دول العالم منذ ذلك الحين كي تحقق في يوم من الأيام هدفي السعادة القصوى المتمثلين في : اقتصاد السوق والديمقراطية التمثيلية ، وهما الهدفان اللذان تحولا إلى عقيدة لا يجوز المساس بها .

باسم هذه العقائد قدر السيد جورج بوش أن من المشروع بالعراق اللجوء إلى القوة والسجون السرية المقامة بالخارج ، أي أن من المشروع السماح لقواته المسلحة بممارسة التعذيب ، أو إخضاع السجناء بغوانتنامو لمعاملات غير إنسانية خارج أي إطار قانوني ، كما تم فضح ذلك مؤخرا عن طريق تقرير أعدته لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ، وكذا تقرير آخر صادر عن برلمان الاتحاد الأوربي.

ورغم هذه التجاوزات الخطيرة ، فإن الولايات المتحدة لا تتردد في التصرف على مستوى البسيطة كوصي ديمقراطي على الآخرين ؛ فقد ألفت واشنطن تسفيه خصومها من خلال نعتهم بشكل كلي بأنهم ” غير ديمقراطيين ” ، إن لم تصفهم بأنهم ” دول مارقة ” أو دول صعاليك أو بكونها ” منابت للإرهاب ” ، والشرط الوحيد للإفلات من هذه الوصمة هو تنظيم ” انتخابات حرة ونزيهة ” .

غير أن كل شيء في هذه الحالة الأخيرة متوقف على النتائج ، أي على نتائج هذه الانتخابات كما تبرهن على ذلك حالة فنزويلا ، حيث تم منذ سنة 1998 ولمرات عديدة انتخاب السيد هوغو تشافيز في إطار ظروف مضمونة من قبل مراقبين دوليين . لكن ذلك لم ينفع في شيء ؛ إذ استمرت واشنطن في اتهام السيد تشافيز بكونه يشكل ” خطرا على الديمقراطية ” ، بل ذهبت أبعد من ذلك ، أي إلى حد السعي إلى إحداث انقلاب في أبريل 2002 على الرئيس الفنزويلي الذي سيُخضع نفسه من جديد لحكم صناديق الاقتراع في شهر دجنبر المقبل .. .

وهناك أيضا ثلاثة أمثلة أخرى ـ في إيران وفلسطين وهايتي ـ تبرهن على أنه لم يعد كافيا أن يتم انتخابك بشكل ديمقراطي كي تحظى برضا واشنطن. لقد أجمع كل الملاحظين ، بالنسبة لحالة إيران ، على أن انتخابات يونيه 2005 كانت انتخابات رائعة : مشاركة جماهيرية مكثفة ، تعددية وتنوع للمرشحين ( في إطار النزعة الإسلامية الرسمية ) ، وبالخصوص حملة انتخابية باهرة خاضها السيد على أكبر هاشمي رافسنجاني ، وهو المفضل لدى الغربيين والمنتظر فوزه . لا أحد في تلك اللحظة تحدث عن ” الخطر النووي ” الذي تشكله إيران ، لكن كل شيء تغير بعنف بمجرد فوز السيد محمود أحمدي نجاد ( وهو من اعتبرت تصريحاته فضلا عن ذلك بخصوص إسرائيل تصريحات مستهجنة وغير مقبولة ) . وها نحن نشهد الآن حملة تشبيه إيران بالشيطان الخطير.

حتى ولو أن طهران هي من الدول الموقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية ، ورغم إعلانها عدم نيتها امتلاك القنبلة النووية ، ألم يقدم وزير خارجية فرنسا على اتهام إيران بأنها تجتهد في تنفيذ ” برنامج نووي عسكري سري ” ؟ .. ألم تطالب السيدة كوندوليزا رايس ، وزيرة خارجية الولايات المتحدة ، إثر النسيان السريع للانتخابات الإيرانية الأخيرة ، الكونغرس الأمريكي بتخصيص 75 مليون دولار لتمويل برنامج إيران ” للنهوض بالديمقراطية ” ؟..

نفس الوضعية أو تقريبا كذلك تشهدها فلسطين، حيث ترفض الآن كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي ، بعد اشتراطهما تنظيم انتخابات ” ديمقراطية فعلية ” مراقبة من قبل حشد من المراقبين الأجانب ، يرفضان معا نتائج هذه الانتخابات بدعوى أن المنتصر فيها ، أي الحركة الإسلامية حماس ( المرتكبة لهجمات فظيعة على المدنيين الإسرائيليين ) لا تعجبهما .

وأخيرا بهايتي كان بإمكاننا أن نرى بمناسبة الانتخابات الرئاسية يوم 7 فبراير الأخير كيف أن كل شيء كان في لحظة أولى قد تم إعداده للحيلولة دون انتصار السيد روني بريفال ـ الذي فاز أخيرا رغم كل شيء ـ ، هذا الذي لا ترغب فيه ” المجموعة الدولية ” بأي ثمن ، وذلك بسبب علاقاته القديمة بالرئيس السابق جان برتراند أريستيد .

الديمقراطية ـ كما قال ونستون تشرشل ” هي أقل الأنظمة الأخرى سوءا ” ، وما يزعج اليوم هو عدم القدرة على التحديد القبلي لنتائج استشارة انتخابية ما ، وذلك عندما يحب البعض امتلاك القدرة على إقامة أنظمة ديمقراطية على المقاس ، وبنتائج مضمونة سلفا .