النظام الاجتماعي وديكتاتورية السوق

يجب على الدولة في نظر ” الاقتصاديين الجدد “، وهم الذين أثرت وصفاتهم على الحكومات الفرنسية يمينية كانت أم يسارية انطلاقا من الثمانينيات، أن تقف عند حدود مهامها التقويمية، الباقي هو من شأن السوق، والسوق وحدها.

بقلم : بيرنار كاسن

عن : طريقة في النظر ، عدد 91 يناير ـ فبراير 2007

بالولايات المتحدة كما هو الشأن بالمملكة المتحدة، أعلنت الحرب على الدولة الراعية أو الحامية،والمؤكد أنه ليست المرة الأولى منذ سنة 1945 التي تدين فيها الحكومات المحافظة الوزن المتنامي في أعينها للضرائب والتكاليف الاجتماعية، وتعلن فيها عن رغبتها في وضع حد لتدخل الدولة. السيد أنطوان بيناي بفرنسا ولودفيغ إيهرارد بألمانيا، بل حتى ريشارد نيكسون بالولايات المتحدة، كلهم أصدروا خطابات من هذا النوع، لكنهم استنكفوا عن المساس بالأصول والأسس العميقة لاقتصاد يمكن وصفه بأنه ” كينزي “: الاستثمارات المشجعة والممولة من قبل الدولة، دعم وتوسيع الطلب بفعل تأثيرات التقنين لإعادة توزيع هامة للمداخيل [ الضريبة والضمان الاجتماعي ].

مجلة طريقة في النظر

بيد أن هذا الاقتصاد ” الكينزي ” هو اليوم في أزمة: فالعلاجات الكلاسيكية للدولة المتدخلة في الاقتصاد لم تستطع إيجاد حلول لا للتضخم و لا للبطالة، كما أن الحكومات المحافظة تنصت باهتمام لأجراس الليبرالية لدى ” الاقتصاديين الجدد “، وما هو جديد، هو أنها تستوحي منها تعاليمها لرسم ملامح سياسة اقتصادية أصيلة.

ما الذي يقوله إذن هؤلاء ” الاقتصاديون الجدد ” مما يضمن الإنصات إليهم ؟ .. إن تحليلهم يقوم على ثلاثة مبادئ كبرى أساسية: فالتماهي فيما بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة مضمون أوتوماتيكيا عن طريق السوق والمنافسة الحرة، ونحن نعرف التعبير المجازي ” اليد الخفية ” لدى آدم سميث: ” فكل واحد من خلال البحث عن مصلحته الخاصة يعمل من أجل المصلحة العامة بفعالية أكبر مما لو كان نيته في الحقيقة العمل من أجل المصلحة العامة “. إن ” الاقتصاديين الجدد ” هم مريدون أوفياء لـ ” أب الاقتصاد السياسي “: ” إن الاقتصاد الجديد يروم تنظيما اقتصاديا اجتماعيا مبنيا بطريقة تجعل الإنسان في خضم بحثه عن ازدهاره الشخصي يعمل في نفس الآن من أجل المصلحة العامة. [ ... ] وإذا كان هذا هو الهدف، فإن حلا معينا يفرض ذاته إذ ذاك، وهو إفراد مكانة أوسع لهذا الميكانيزم الذي يعتبر ذكره فقط، مع الأسف، كما لو كان تضحية، ألا وهو السوق. [ ... ] إنه النظام غير الممركز بامتياز، ما دام ينزل مباشرة حتى يصل إلى الفرد من خلال تمكينه من التعبير عن أفضلياته وخياراته من كل صنف ونوع، والحصول على ما يريد دون الاهتمام بمعرفة ما إذا كان مجموع ” الآخرين ” يشاطرونه آراءه أم لا [1]“.

المبدأ الثاني هو أن كل فرد يتصرف في جميع الأحوال بكيفية عقلانية تماما، بعد أن يفاضل فيما بين المزايا والنواقص وبمعرفة تامة، ويتعلق الأمر هنا أيضا بثابت ليبرالي يؤدي على الأخص إلى رفض دور ” الحماية ” أو ” الوصاية ” من طرف الدولة: ” فإذا ما فضل شخص ما، وبمعرفة تامة، أن يعيش اليوم ويخصص موارده لإشباع متعه الخاصة في لحظته تلك، من خلال اختياره بشكل مقصود لشيخوخة دون موارد، فأي حق لدينا في الاعتراض على ذلك ؟ .. [2] ” إن كل واحد منا يعرف في العمق ما يلائمه أفضل مما قد يعرفه الآخرون.

ليس هنالك أي جديد في هذين المبدأين، غير أن المبدأ الثالث يمثل على العكس من ذلك ” الجديد ” الذي جاء به ” الاقتصاديون الجدد ” : فهم يرون أن التفكير الاقتصادي لا ينطبق فقط على العلاقات التجارية، وإنما على مجموع قرارات الفرد الاجتماعية في مجال الجنس والاختيار السياسي والتربية والإجهاض والسرقة … الخ، و لا يتخذ الفرد هذا القرار أو ذاك دائما إلا في نهاية عملية تفكير تروم أكبر مصلحة ممكنة: ” إذا كان الإنسان ” عقلانيا ” ويحدد اختياراته عادة بمعيار أكبر قدر من المنفعة، كما تؤكد ذلك مصادرة النظرية الاقتصادية، وذلك عندما يتعلق الأمر لديه بشراء سيارة أو آلة تصبين أو مباشرة استثمار منتج، فليس هناك أي مبرر للاعتقاد بأنه سيتصرف بطريق مغايرة جذريا عندما تكون قضيته هي التصويت على قانون أو انتخاب أحد النواب أو اختيار زوجة أو إنجاب أطفال، أو التخطيط لتربيتهم أو التصدق على أحد المساكين أو معرفة ما إذا كان سيخرق قانونا ما أم لا [3] “. وهكذا، فإن كل الظواهر الاجتماعية تغدو قابلة للتفسير من خلال مسعى ” علمي ” عقلاني: فـ ” من بين كل الإيديولوجيات المتنافسة والمتصارعة ربما كانت الإيديولوجيا الليبرالية هي الإيديولوجيا التي توفر حاليا أكبر قدر من الضمانات العلمية [4] “، وهذا الطموح إلى امتلاك الصبغة العلمية هو خاصية مشتركة فيما بين ” اليمين الجديد ” و ” الاقتصاديين الجدد “: فالسوسيولوجيا تلعب لدى البعض الدور الذي يلعبه ” التهويل تحت الإكراه ” لدى البعض الآخر.

إن المبادئ الثلاثة تقود نحو التأكيد الذي يمثل ” النواة الصلبة ” لهذا المعتقد: أي أن السوق الحرة هي الإجراء الذي يمكن كل فرد بشكل أفضل من التعبير عن خياراته، والتوصل تبعا لذلك إلى تحقيق أعلى مركز اجتماعي. من الملائم إذن ” الإطاحة ” في السوق بكل ما يمكن أن يكون مضمونا، وهو مضمون حاليا من قبل الدولة أو منظمات العمل التطوعي، على شكل خدمات غير تجارية. و هكذا، يجب إلغاء وحذف الضمان الاجتماعي الإجباري وتعويضه بتأمين إرادي وحر. التعليم بدوره، وبنفس الطريقة، يجب أن يكون بضاعة قابلة للبيع والشراء من طرف أي كان، بالطريقة التي تضمن أن الطلب على التعليم يتوقف حالما يصبح غير مربح و لا ذا مردودية بالنسبة للفرد. هكذا تنتهي الفوضى العمومية المشجعة للاستهلاك الزائد والفاحش بفعل مجانية خدماتها. ويجب أيضا، وبنفس الطريقة، إسقاط وحذف كل ما يعوق أو يحور طريقة اشتغال السوق الحرة: تقنينات اجتماعية، إكراهات الضمان الاجتماعي، التعويضات العمومية، تقنين الأسعار، الضرائب الخاصة… إلخ. يجب وضع حد للدولة الراعية التي تفرمل روح المبادرة وتشجع التواكل والخمول وتعوق الأفراد عن استخلاص أفضل ما تختزنه إمكاناتهم وقدراتهم الشخصية.

من المؤكد أن نقد عدم فعالية تدخلات الدولة الراعية ليس نقدا بدون أساس: فقد ساهمت برامج المساعدة الاجتماعية غالبا في إنتاج أشخاص مدعومين بدل تشجيع الاستقلال الذاتي لدى كل فرد. ما أن نقد البيروقراطية المصيبة بالشلل، وتعقد القنوات الاجتماعية لآلة مجهولة الإسم، هو أيضا نقد مؤسس جزئيا؛ إذ يبدو، وكما أوضح ذلك إيفان إليتش، أنه كلما تجاوز التدخل العمومي سقفا معينا، كلما أنتج تأثيرات مضادة للتأثرات المرجوة، لكن هذا ليس هو النقد الذي يوجهه ” الاقتصاديون الجدد ” للتدخل العمومي؛ فهم يرون أنه يجب إعطاء الأولوية للعلاقات التجارية على كل صيغ العلاقات الاجتماعية الأخرى. لقد تمت البرهنة منذ زمن بعيد على أن مساواة السوق المزعومة هي محض خيال قانوني يخفي واقعا اجتماعيا مزريا؛ واقع الثعلب الحر بداخل خم دجاج غير محروس؛ فأوزان الناس غير متساوية في السوق بفعل الفوارق في العلاقات الاجتماعية، وذلك ما تنتج عنه ميكانيزمات للتراكم جد معروفة: فهناك دائما مزيد من الثروات المراكمة في جانب، ومزيد من الاستغلال الدائم في جهة أخرى.

إن الدولة الراعية والقانون الاجتماعي هما بمعنى ما الحواجز ـ غير كافية حقيقة لكنها واقعية ـ التي وجدت البورجوازية ذاتها مكرهة على إنشائها تحت ضغط الظروف. وبجرة قلم واحدة، وبدعوى أن الأمر يتعلق ببناء غير فعال جزئيا، يقترح ” الاقتصاديون الجدد ” إلغاء كل شيء وتعويض الدولة الراعية بالدولة المشغلة Workfare State [5].

سنكون مخطئين إذا ما انتقصنا من قيمة تأثير هذه الإيديولوجية الجديدة ، ذلك التأثير الذي هو عبارة عن تأثير ثقافي أولا : فمن المؤكد أن جزءا من ” عدة ” ” الاقتصاديين الجدد ” يأتي من الموضوعات الليبرالية المعهودة ، لكن جزءا آخر منها هو أصيل ويستقي منابعه من مدرسة شيكاغو [ ميلتون فريدمان ] أو مدرسة فيرجينيا [ غوردون تولوك ـ جيمس بوشنان ] ؛ ففكرة تفسيؤ كل شيء عقلانيا بمساعدة التحليل الاقتصادي فكرة تمارس غواية غير قابلة للرد لدى الجامعيين المصابين بالحيرة جراء فشل العلاجات الكينزية المعهودة. ثم هو تأثير سياسي أيضا بكل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبفرنسا أيضا، حيث إن قسما بكامله من سياسة ريمون بار الاقتصادية ـ التي دعمها ” الاقتصاديون الجدد ” سنة 1977 ـ ينحدر مباشرة من هذه الليبرالية الجديدة: تحرير أسعار المنتجات الصناعية [ 31 ماي 1980 ] وأسعار الكراء [ يناير 1979 ] وقيم الهوامش التجارية [ يناير 1980 ] وأسعار بعض الخدمات، التخلي عن تقنين 1928 في مجال استيراد وتصدير البترول، إلغاء الصفة الوطنية بشكل جزئي عن شركة إلف أكيتان [ يناير 1976 ] وعن الشركة العامة وسفيكنا [ وهي عملية جارية ]، إخضاع المقاولات العمومية لقواعد المنافسة [ العقدة المبرمة فيما بين الدولة وشركة خطوط السكك الحديدية في مارس 1979 إثر تقرير غيوما Guillaumat ]، إعادة العمل بمفهوم التأمين في مجال تغطية المخاطر الاجتماعية [ إصلاح الضمان الاجتماعي في ديسمبر 1979 ]، الاتفاقية الجديدة مع الأطباء، إصلاح نظام التعويض عن البطالة في يناير 1979. وفي يوم 8 فبراير 1980، وبمناسبة خطاب ألقي بمدينة نيويورك، ذكر الوزير الأول الفرنسي فضلا عن ذلك المذهب النقدي كمنبع من بين المنابع النظرية الثلاث لطموح سياسته الاقتصادية [ المنبعان الأخريان تمثلا في الفكر الكلاسيكي والمذهب الكينزي ]، وبذلك فإن ” الاقتصاديين الجدد ” لا يصيحون في واد، حتى ولو أنه لا يتم الإنصات إليهم إلا جزئيا بفرنسا.

أكيد أن هذا الفكر النيوليبرالي يخدم بشكل رائع مصالح طبقة بورجوازية وجامعة هي في أزمة [6]، لكنه يجمل بنا أن نأخذ علما بنوع المجتمع الذي يبشر به هذا الفكر، فتطابق المصالح هو عفوي وكلي في نظر ” الاقتصاديين الجدد ” ، والدولة ليست إلا حارسا لقوانين الملكية ، إنها تعمل على فرض سيادة القانون والنظام . إن المجتمع هو بدون صراعات و لا عنف و لا موازين قوى؛ فالعقلانية الاقتصادية لدى كل فرد تسهم بشكل متناغم في النظام الجماعي. إن السوق تغطي كل الحياة الاجتماعية التي تختزل وترد إلى لا متناهية من حسابات المفاضلة بين الكلفة و المزايا. كل مشكلة تحل في السوق وبدون تصادم: وحتى نستخدم تعبير السيد بيير روزانفالون ، فنحن في حضرة ” رأسمالية طوباوية ” لا تترك أي مكان للسياسة ، أي لموازين القوى ولتصادم المصالح.

إن المجتمع الذي يفترض أنه لا يعرف أي صراع، لا يمكن أن يكون إلا مجتمعا توتاليتاريا؛ فعن طريق أحد التقلبات العجيبة التي ألفها التاريخ، تمهد الطوبى الليبرالية لدى ” الاقتصاديين الجدد ” الطريق أمام ديكتاتورية لا مثيل لها : هي ديكتاتورية السوق . لذلك فلم يكن صدفة أن فريدمان كان أحد أوائل الاقتصاديين الذين قاموا بزيارة لديكتاتور الشيلي أوغيستو بينوشي.

هوامش:

[1] أندريه فورسان ” روح ماي 1968 “، لوموند، 26 نونبر 1978. يفسر عنوان النص بفعل أن ليبرالية ” الاقتصاديين الجدد ” هي وحدها الكفيلة في نظر الكاتب بتجسيد وتحقيق شعارات ماي 68 ” في ماي، افعل ما تريد ” أو ” المنع ممنوع “.

[2] ميلتون فريدمان ” رأسمالية وحرية ” روبير لافون ، باريس 1971 ص 234 . لقد حصل فريدمان كزعيم بدون منازع للتيار النيوليبرالي على جائزة بنك السويد في ذكرى ألفريد نوبل سنة 1976، وقد توفي في نونبر 2006 .

[3] هنري لوباج ” الليبراليون الجدد الأمريكيون ” إدارة وتدبير رقم 6 ، 1978 .

[4] نفس المرجع السابق.

[5] بخصوص هذا الموضوع أنظر مقالات بيير دوميرغ في صحيفة لوموند ديبلوماتيك لشهر نونبر 1978 [ " ثورة دافعي الضرائب الأمريكيين والسياسيون الجدد " ] ومارس 1979 [ " النموذج الأمريكي " ].

[6] توفر الليبرالية الجديدة عن طريق انكفاءة تاريخية عجيبة مخرجا [ إيديولوجيا ] مشرفا للكينزيين المأخوذين بالأزمة، في حين أنه سبق للمذهب الكينزي في ما بين 1935 ـ 1939 أن وفر مخرجا مماثلا لليبراليين العاجزين أمام الأزمة.

تشخيص المرض النفسي

فن تشخيص المرض

في الطب النفسي


إن اختيار علاج معين ، وكذا النظرة التي سيكونها المريض عن ذاته ، يتوقفان على تشخيص المرض ، وتلك مرحلة ملاحظة جوهرية وأساسية ، كما هي جد صعبة.

برونو فاليسار

بقلم : برونو فاليسار

ماذا يفعل الطبيب النفسي لإنجاز تشخيص لحالة مرضية ما ؟ .. للإجابة على هذا السؤال ، لا بد اساسا من التفاهم بخصوص المعنى الذي سنعطيه لكلمة ” تشخيص “، بيد أننا نجد بادئ ذي بدء أن هذا المعنى ليس موحدا بين كل المشتغلين بهذا الميدان؛ فتشخيص ما يمكن أن يتقابل مع نمط خاص من الخلل الحال باشتغالنا النفسي ، خلل موصوف انطلاقا من خطاطات نظرية . نتحدث أحيانا عن مقاربة فيزيائية أو سيكولوجية مرضية. وهكذا ، فإن الدراسات المنجزة على الحيوان أو الأعمال الناجمة عموما عن علوم الأعصاب تقترح نماذج نوروبيولوجية للأمراض العقلية، مع ما يكفي من المحاضر الإكلينيكية ذات العلاقة. ولقد أدرج التحليل النفسي مفهوم العصاب في حقل نظري قوي ، يحتل فيه موقع المركز مفهوم دينامية مسار الحياة ، وبعض الأطباء يدرجون ممارستهم التشخيصية في منظور مثل هذا ، لكنها ليست حال كل الممارسين.

يمكن أن يعتبر التشخيص أيضا وببساطة مجموعة من العلامات التي نصادفها مجتمعة في الغالب ( الحزن ـ عدم القدرة على الإحساس بالمتعة ـ الأرق وفقدان الشهية مثلا . . )، نتحدث حينها عن ” أعراض متلازمة ” تتخذ صفة المرض إذا كانت تحدد مسارا علاجيا وتمتلك قيمة تكهنات تشخيصية ، إنها المقاربة الأعراضية والسيميولوجية للتشخيص التحليلي ـ النفسي. وهذه المقاربة تتأسس على ملاحظات دقيقة تمت مراكمتها عبر القرون من قبل معالجين نافذي البصيرة بشكل خاص، وتصنيفات الحليل النفسي الأكثر شهرة حاليا [ DSM و CIM ] تنهض من هذه المقاربة.

معرفة الموضوع

يجب أن نضيف لهذا عنصران هامان مرتبطان بمفهوم التشخيص :

1)      لا يمكن تصور مرض عقلي ما دون وضعه في منظور ما يشكل المريض النفسي، وبخلاف الفكرة الأكثر فورية ومباشرة ، ليس المريض هو من لديه مرض ما ، والعكس بالعكس ، ومع جورج كانغيلم يعتبر اليوم أن المريض هو من يدق باب الطبيب ، أما المرض فهو بناء يساعد على التفكير وعلى التكفل بالمريض قصد علاجه.

2)      تقدم لنا الأمراض العقلية كما لو كانت كيانات واضحة ومتميزة ، في حين أن هنالك استمرارية فيما بين ما هو عادي وما هو مرضي ، لكن ما دامت الكلمات والعلاج يخضعان لمنطق صارم ، فقد أضحى التشخيص سمة لكل شيء أو لا شيء.

سنفهم إذن في هذه المرحلة أن الممارسة التشخيصية ليست متناغمة و لا قابلة للتفسير يوضوح في مجال الطب ، والطب النفسي على الأخص.

عمليا هناك نقطة جوهرية لا بد من تسجيلها ، لقد كانت المحاورة التشخيصية دائما محاورة إكلينيكية ؛ أي مقابلة شخص يطلب المساعدة من مختص يتمثل دوره في الاستجابة لهذا الطلب، وينتهي الطبيب النفسي من خلال  هذا التلاقي بين الطرفين إلى التعرف بشكل أفضل على محاوره ، وهو ما ليس ضروريا فقط للتكفل بالمريض ، وإنما يشكل أيضا جزءا لا محيد عنه من العلاج ذاته؛ فمعرفة أن شخصا آخر يتفهم نكبتنا هو بطبيعة الحال مصدر ارتياح عميم : لا يمكننا إذن اعتبار الحوار التشخيصي كما لو كان مستقلا عن العلاقة النفس ـ علاجية التي تقوم بفعل ذلك في ما بين الطبيب النفسي والمريض.

نموذجان من التواصل

إن هذا ” التعرف على الذات ” في المجال العملي دائما ، والذي ينحو نحوه الحوار التشخيصي ، يقوم عموما على تبادل نموذجين من التواصل؛ الأول يمكن وصفه بالتواصل الفينومينولوجي : حيث يعلق الطبيب حكمه ويمتنع عن إصدار أي حكم ، ويلتقط محاوره في ذاتيته  ، فيتشكل بذلك انطباع ومناخ بين الطرفين يمكن من الوصول والولوج إلى أكثر وجوه الحياة النفسية والاشتغال النفسي اختفاء .

المقاربة الثانية هي مقاربة سيميولوجية ، وتتمثل في البحث عن العناصر الإكلينيكية ( أفكار الموت ـ الأرق ـ الهلوسات . . . الخ ). إن تركيب هذين النوعين من المعلومات ، وإدراجهما (أو عدم إدراجهما) في كنف الحقل النظري ، ووضعهما في نفس المنظور مع التمثلات التي كونها الطبيب خلال مدة زمنية معينة ، كل ذلك يقود بشكل تدريجي نحو تبلور وبروز التشخيص بكل تلاوينه وحدوده.

*****************************

إقرأ أيضا :

الهلوسة

حضور مشاهد أو سماع أصوات لا وجود لها، وكذا تأويل التجربة الحياتية والخبرات بشكل لاعقلي، هي ظواهر يمكن أن تعاش ، خلافا لما هو رائج ، في عدد متعدد من الأمراض.

بقلم : رونو جاردي وبيير توماس

عن الملفات الكبرى لمجلة العلوم الإنسانية رقم:20

الهلوسة

سماع أصوات ورؤية أشياء ووجوه أو حيوانات ، في الوقت الذي لا يدرك فيه أي من المحيطين بالمريض هذه الأشياء ، و لا يوجد ما يطابقها أو يوحي بها في محيط المريض ، هو ما يمكن أن تكون عليه الهلوسة.إنها تجربة ذاتية وحميمية من بين التجارب الأكثر غرابة.

إن الهلوسات يمكن أن تتعلق بكل الحواس ( البصر والسمع والشم والذوق واللمس ) ، غير أنها نفسية في ذات الوقت ، عندما يكون لدى الشخص شعور بأن بعض أفكاره هي أفكار غريبة عنه أو مفروضة عليه من قبل قوى خارجية . والهلوسة تعرف عادة بوصفها إدراكا بدون موضوع مدرك ، ويتميز عن الوهم الذي هو إدراك مشوه لموضوع واقعي وعن الهلاووس أيضا الذي يكون فيه المريض واعيا بأنه يدرك شيئا لا معنى له.

فقدان الاتصال بالواقع

إن الهلوسة المعاشة بدون أي نقد ستؤدي إلى الانخراط الكلي للذات وتتسبب في حدوث الهذيان ، وهذا الأخير يعرف بوصفه اضطرابا لمحتوى الفكر يحدث فقدانا لعلاقة المريض بالواقع واتصاله به. والهذيانات موسومة بأفكار هي في خلاف وتناقض واضح مع الوقائع الملاحظة ومع المعتقدات السائدة في سياق ثقافي معطى . وبجانب الميكانيزمات المهلوسة ، يمكن للهذيانات أن تكون أيضا تأويلية ، متخيلة أو حدسية، وتتقابل هذه الميكانيزمات مع معتقدات ناجمة عن تفكير مغلوط ، في حين أنه في مجال الهذيان المهلوس تقوم المعتقدات على قاعدة مدركات مغلوطة.

في حالة الهذيان الهلوسي يمكن أن يظهر نقد صادر عن الذات عندما تختفي الهخلوسات أو تخف حدتها ، على النقيض من التفكير المغلوط الذي يمكن أن تستمر فيه الأفكار الهذيانية لمدة طويلة مسمرة في تفكير الذات.

إن الهلوسات والهذيانات الهلوسية يمكن أن تظهر في أنواع كثيرة من الوضعيات ، والتجربة الهلوسية تلحق الاضطراب بإدراك العلم من خلال اجتياح الأفكار وتحوير ملكة الحكم وإلحاق الفوضى بالسلوك. وسلوك الذات المهلوسة منظورا إليه من طرف ثالث ، يبدو غير متماسك وغير متكيف ؛ فالمريض يمكن مثلا أن يتحدث إلى شخص متخيل ، أو يقلد حركات غير لائقة ، أو يعبر عن عواطف فياضة ومتأججة . طريقة الإصغاء أو النظرة الملحة أو المفزعة والمجهة نحو مشهد غير مرئي كلها أيضا علامات على الهلوسة.

وعندما تستقر هذه العلامات بشكل مستديم ، وتلك حالة ثلث المرضى الذين يعانون من الفصام ( الشيزوفرينيا) ف، الذات تصارع تأثير هذه العلامات بمجهودات فكرية وعاطفية هائلة ، مما يصيبها قدراتها الخاصة على التفاعل مع محيطها بالخلل.

مقاربتان تصوريتان

يمكن حسب الثقافات أن تنسب الرؤى والأصوات لقوى فوق طبيعية أو لتمظهر صوفي أو لفعل من أفعال السحر ، ولم ينظر إلى الهلوسات باعتبارها ظواهر مرضية إلا في بداية القرن 19 ، أي عند ميلاد ما أضحى يسمى الطب النفسي ، وإيتيان إيسكيرول كان هو أول من جمع تحت نفس الإسم كل الهلوسات الآتية من حواس مختلفة ، مستدعيا بالإضافة إلى ذلك أصلا عصبيا ممكنا لهذه الظاهرة. ولقد نشأت بهذا الخصوص، وبشكل تدريجي ، مقاربتان تصوريتان كبيرتان هما : مقاربة الطب النفسي التي أعطت بادئ ذي بدء الأولوية لأصل مرضي متميز عن الإدراك العادي ، والمقاربة السيكولوجية التي اقترحت اتصالا واستمرارا في ما بين الإدراك العادي والإدراك المرضي ، أي الوهم والهلوسة.وقد مكن تطور مناهج الاكتشافات العصبية من تجاوز هذا التعارض : فقد أعادت هذه المناهج صياغة الفرضيات انطلاقا من ملاحظة العيوب المورفولوجية والوظيفية لمخ المريض المعاني من الهلوسات المزمنة، وتتضمن المقاربة العلاجية لهذه العلامات عدة محاور تكميلية كانت أحد خطواتها التاريخية الحاسمة اكتشاف أدوية مضادة للذهان في الخمسينيات تمكن أحيانا من إخماد عجيب لحدة الهلوسات أو الهذيان الهلوسي ، كما مكنت خطوات التقدم في مجال الصور خلال العشر سنوات الأخيرة ، وفي مراكز علاج متعددة ، من تطوير صيغ علاجية جديدة واعدة عن طريق تعديل النورونات Neuromodulation.

**************************

إقرأ أيضا:

البارانويا أو الهذيان المتماسك

يؤول المصاب بالبارانويا الأحداث الواقعية تبعا لسيناريو جد مستبعد ، لكنه مبني ومشيد بشكل دقيق ، إلى حد أن المصابين بهذا النوع من المرض يتمكنون أحيانا وينجحون في إقناع المحيطين بهم . .

كلودي بيرت

بقلم : كلودي بيرت

ملفات مجلة العلوم الإنسانية الكبرى رقم : 20

شتنبر -أكتوبر – نونبر2010

مرض البارانويا

لفظة بارانويا Paranoïaمشتقة من الكلمتين الإغريقيتين « Para » [" بجانب"]و « nous »["العقل "] . واليونانيون كانوا يدعون « Paranous » كل أولئك الذين يبدو عليهم خلل في العقل أو هم مجانبون له. ولقد عاد هذا اللفظ ليظهر بقوة في القرن 19 لدى علماء النفس الألمان للإشارة إلى هذيان العظمة أو الشعور بالاضطهاد.وقد عرفه إميل ترابلين سنة 1904 بأنه هذيان منظم متميز عن الهذيان الذي نجده لدى الفصاميين؛ فالمصاب بالبارانويا لا يرى بالفعل فيلة وردية أو ذات أجنحة، لأنه يدرك الأشياء والأشخاص والأحداث كما هي في الواقع ، غير أنه يؤولها تأويلا هذيانيا.

في DSM-IV الأمريكي ، كما هو الحال في CIM-10 لدى المنظمة العالمية للصحة تصنف البارانويا في خانة ” الاضطرابات الهذيانية ” المستدامة و ” المقبولة non bizarres ” ؛ أي أنها مرتبطة حقيقة بأوضاع يمكن أن نصادفها أو لا نصادفها.

ويمكننا أن نميز بين مختلف التصنيفات المندرجة في خانة البارانويا حسب مجال الهذيان : بارانويا الاضطهاد ، وهو المتوافر والمتواجد بشكل كبير، أو بارانويا الغيرة ، أو بارانويا المس الشبقي أو الولع الجنسي ( المريض فيه مقتنع بأن محبوب من قبل أحد معارفه أو أنه مشهور ) جنون التعاظم ( فالمريض يرى أن لديه مهمة تتمثل في إنقاذ الإنسانية) أو المريض بالوهم أو المصاب بوسواس المرض ( يعتقد أنه مصاب بجميع أنواع الأمراض والآلام).

توجد فيما بين هؤلاء المرضى ،رغم اختلاف أمراضهم، قواسم مشتركة ؛ فقدراتهم العقلية تظل سليمة ، ويظل سلوكهم عاديا خارج مجال مرضهم ، حتى أنهم يحافظون دوما على نشاطهم المهني عاديا ، فهذيانهم متماسك ، وتبدو طريقة تفكيرهم أحيانا جد معقولة ومقنعة، كما يملكون القدرة أحيانا على أن يظهروا أكثر قدرة على إقناع أشخاص آخرين بهذيانهم ، وعلى الأخص أزواجهم أو زوجاتهم ، حيث يتم الحديث في هذا الحالة عن ” حمق مزدوج ” ، وأحيانا يتمكنون من إقناع كافة الأسرة أو مجموعة بشرية بأكملها : فألغور جيم جونس نجح في جر كافة أعضاء معبد الشمس إلى غابة غويانا ونجح في إقناع أعضائه ال 914 بأن الانتحار معه هو أفضل بكثير من العيش في عالم شيطاني.

من حالة السواء إلى حالة الحمق

نحن هنا في مجال الهذيان ، مجال الحمق ، ومع ذلك فالنعت ” paranoïaque ” وبصيغته المختصرة بارانو  « Parano » مستخدم بشكل دارج ؛ويجد هذا التبسيط تفسيره في كون أننا نلتقي  بردود الأفعال المنتمية لهذا المرض في طرفي سلم الدرجات الطويل الذاهب من الحالات السوية إلى الحالات المرضية.الحالات السوية :ردود أفعال  (الحساسية المفرطة ) في الوضعيات التي نشعر فيها بالضعف : تلميذ جديد ، مستخدم جديد … خطوة زائدة إلى الأمام فنجد الأشخاص الذين لديهم خاصية أو خاصيتان من خواص المرضى بالبارانويا : فهم يعتقدون دائما أن الآخرين يريدون خداعهم وخيانتهم ، ويريدون دائما أن يكونوا هم أصحاب الحق… إلا أن هذه نزوعات موجودة ، ونحن لحد الآن لا زلنا في مجال الحالات السوية.خطوة أخرى فنغادر هذا المجال : ف ” الشخصية المرضية لدى المريض بالبارانويا ” هي مصنفة من قبل موسوعات علم النفس ضمن ” اضطرابات الشخصية ” ،والسمة التي تضعها هذه الموسوعات في المقدمة وتعطيها الصدارة، هي الحذر الذي يمارسه المريض اتجاه الآخرين كلهم ، هذا الحذر الذي يتفاقم بفعل كونه ” يجعل من ذاته بشكل دائم وأبدي مرجعية إصدار الأحكام ، وكل ذلك مصاحب بشكل خاص جدا بإعلاء متزايد ومتضخم لقيمته وأهميته هو كشخص” ، وإذا ما استخدمنا عبارات   CIM-10 : إذا ما أخطأ بقال في الحساب وهو يعيد لهذا المريض ما تبقى من النقود بعد استخلاص ثمن البضاعة، فإن المريض يعتبر ذلك عملا مقصودا وليس بريئا ، وإذا ما حكى أحدهم نكتة تتعلق بشخص ما ، فإن هذا الحاكي يقصده ويستهدفه هو بالذات. إن هذه السمات تسيطر على الشخصية وتظل قائمة ، بل تتزايد قوتها لأن الواقع يتدخل ليؤكد ادعاءات المريض بالبارانويا: إنه يبدو كثير التشكك إزاء المحيطين به حتى يدفعهم للابتعاد عنه ، وهو فظ السلوك إزاءهم مما يجعلهم يتحولون إلى أشخاص يمارسون الفظاظة إزاءه أيضا.

وفي نهاية المشوار نصل إلى مرحلة الهذيان: فالمريض يكون قد شيد لنفسه عالما ، هو بالنسبة له ، العالم الحقيقي والواقعي الوحيد، و لا يمكن لأي برهان كيفما كان أن يجعله يشك في معتقده ذاك.مثالان مرتبطان بالغيرة يجعلانا نفهم بشكل أفضل الفارق بين ” شخصية البارانوياك ” و اضطراب البارانويا الهذياني”:

  1. عمر طلب من طبيب نفسي مساعدته على التخلص من الغيرة؛ فمنذ أن أصبح لدى صديقته زميلان في العمل وهو يشك في أنها تقيم علاقة مع أحدهما، وهو لا يستطيع أن يمنع نفسه من تعذيبها بأسئلته وشكوكه.وقد انتقل أحد زميلي صديقته إلى مصلحة أخرى ، فشعر عمر بالاطمئنان … لكنه رأى صديقته تتبادل أطراف الحديث مع الزميل الآخر المتبقي: فعاد من جديد إلى الغرق في دوامة غيرته. ” غير أنه ليس متأكدا بشكل لا يقبل الشك و لا يشيد سيناريوها هذيانيا يمكن أن يوافق عليه بدون شروط [1]“.
  2. بوليس النجدة جاء إلى المستشفى برجل قام بضرب زوجته بعنف ، فاستجوبه الطبيب النفسي :

” لماذا ضربتها ؟..”

” إنها تخونني منذ عدة أشهر “

” لماذا تضربها اليوم بالضبط ؟ ..”

” أمس مساء ادعيت أن لدي اجتماع عمل وخرجت من البيت ، وكنت قد وضعت جهاز تسجيل تحت السرير ، والآن لدي الدليل على خيانتها.”

ثم شغل جهاز التسجيل ، فلم يصدر أي صوت عنه .

” إذن ؟ .. ” صاح في وجهه الطبيب النفسي ، لكن المريض أجاب مهللا منتشيا بانتصاره :

” لقد أخذا حذرهما بطبيعة الحال فلم يتكلما ” [2]

إن لدى زوجته عشيقا ، و لا أحد يمكن أن يجعله يشك في هذا الاقتناع ، إن هذيانه يتطور بشكل ” شبكي ” أخطبوطي: فكل حدث يؤول باعتباره دليلا على خيانة الزوجة ، وكل شخص مرتبط بهذا الحدث ينظر إليه باعتباره شريكا أو متهما.

من أين تأتي البارانويا؟..

إن الميكانيزم الأساسي الذي تعطاه الأولوية من قبل المحللين النفسيين بخصوص مرض البارانويا هو الإسقاط: ” إن تصورات المرضى عن أنفسهم هم ذواتهم هو ما يبدو لهم و ما يعتبرونه لا يطاق وغير قابل للتحمل (…) ومن يعتقد أنه تصرف بشكل غير عادل يقول عن نفسه إنه ضحية ومضطهد [3]” لقد كان فرويد على الأخص هو من قام بتجريم رفض الاعتراف بالميول الجنسية المثلية لدى المريض من خلال هذا التحليل : ” ليس أنا من يحب الرجال ، إن زوجتي هي التي تحبهم”،  الإدمان على الكحول في هذه الحالة هو حاضر في غالب الحالات.ولقد لاحظنا أيضا وجود نسبة مائوية أكثر ارتفاعا من الفصاميين في كنف أسر المصابين بالبارانويا ، لنضف أيضا أن شخصية مصابة بالبارانويا يمكن أن تتطور في اتجاه الهذيان الفصامي.

هوامش :

[1] D.GUYONNET et G.Texier Les Paranos , mieux les comprendre,Payot, 2006

[2] H. LÔo et J.-P. Olié,Cas cliniques en psychiatrie, Flammarions, 1992.

[3] S. de Mijolla-Mellor,La Paranoia, PUF,coll « Que sais-je ? »,2007

DSM-IV معطى إحصائي يشير إلى أن هناك في المجتمع ما بين 0,5÷ و 2,5 ÷من الشخصيات المصابة بمرض البارانويا.

نسبة مرضى البارانويا الهذيانيين هو أقل بكثير 0,04 ÷ حسب DSM-III ويظهر هذا الهذيان في المراحل الأخيرة من العمر (في سن الأربعين ) ، توزع المرض فيما بين الجنسين يختلف تبعا للأنماط المندرجة في إطار مرض البارانويا : فهذيان الاضطهاد نجده لدى الذكور أساسا ، أما الهوس الجنسي فيصيب الإناث أساسا.

هل يشكل المرضى بالبارانويا خطرا على الناس ؟ .. نعم ، يمكن أن يكونوا كذلك ، وقد قدرت دراسة أجريت على المرضى العقليين بوحدة الأمراض الصعبة UMD بكاديلاك أن ثلث الأفعال العنيفة المرتكبة من قبل المرضى العقليين كانت صادرة عن أولئك المصابين بالبارانويا .

ومع ذلك ، وحسب بحث نشر في الدراسة المذكورة أعلاه فإن ” 27,5 ÷ من جرائم القتل المرتكبة من طرف المرضى العقليين كانت متوقعة وأن 65 ÷ منها كان يمكن تحاشيه” بفعل علاجات نوعية ودراسة جادة لمسألة الخطورة.إن مرضى البارانويا الهذيانيين يعودون في الغالب لارتكاب نفس الجرائم ، وهم بعد ذلك لا يندمون مطلقا : فالضحية كانت تستحق ذلك بالفعل …

علاج المرض

هل يمكن معالجة المريض بالبارانويا؟ وهل يطلب المريض بنفسه العلاج ؟.. فذاك ما يفعله إلا ناذرا . ومع ذلك ، وفي حالات اضطراب الشخصية يحدث أن يستشير المريض طبيبا نفسيا ، وذلك لأنه يعاني ويتألم جراء مرضه ، أو لأن المحيطين به يلحون عليه في استشارة الطكبيب ، أو لأنه تنبه إلى إمكان فقدان مكانه أو وظيفته. الحالات الأخرى هي حالات المرضى الذين يتم علاجهم قسرا بعد قيامهم بأعمال عنف.

كيف يتم العلاج ؟..

ينطلق العلاج بمهدئ للأعصاب Neuroleptique، وعندما يختفي الهذيان ، يمكن توجيه المريض نحو علاج نفسي ( علاج سلوكي وإدراكي أكثر منه علاجا قائما على التحليل النفسي).

إن المعالج يحاول إفهام المريض وجهات نظر الآخرين ، لكنه إن أسرع في الأمر فإنه إما سيتحول في نظر مريضه  إلى مضطهد آخر ينضاف إلى زمرة مضطهديه ، وإما أن المريض سينهار ويتبرأ من كل القيم ، ومن ثمة فالعلاج يعرف صعوبات جمة ، لكنه يمكن أن ينجح. C.B

Paranoiak sur Comme Au Cinema

http://www.commeaucinema.com/flvplayerprx.php

*****************************

إقرأ أيضا :

الاقتصاد الخالص

أنسقة رياضية مزعومة للأسواق السيبرنتيكية

الاقتصاد ” الخالص “، شعوذة جديدة

د. سمير أمين

بقلم : د. سمير أمين .

عن لوموند ديبلوماتيك ـ غشت 97

هي سمة عامة لكل النزعات التوتاليتارية تتمثل في إلصاق صفة العلم بما هو إيديولوجي ؛ فالاقتصاد المنعوت بأنــــــــــه “خالص” يسمح بإضفاء رداء جامعي على أعلى قمم النزعة الليبرالية. و لا يضير ذلك في شيء ما دام الاقتصاد مفصولا عن الواقع كما هو شأن كل خرافة، فهو لا يستخدم إلا كذريعة. إن أسطورة السوق المتميزة بالكمال والمقصودة بذلك، تمكنت مع ذلك من تجديد شبابها بفضل مشروع السيد كلينتون المتمثل في تحويل الآنتيرنيت إلى رحبة ( Agora ) تجارية كونية في خدمة المصالح الأمريكية.

يُدرّس بالجامعات الأمريكية مبحث عجيب يدعى اقتصادا “خالصا” أو ” الاقتصادي économique” . اقتصادي كما نقول فيزياء physique. ولكن ، على حين أن أن المسعى العلمي يتبلور من خلال الانطلاق من الواقع فإن الاقتصادي، من وجهة نظر متطرفيه، يبنى انطلاقا من موقف مبدئي سرعان ما يدير له ظهره: فهو يتصور المجتمع مختزلا في مجموع أفراده الذين يكونونه، وهو بذلك يتعمد تجاهل أن المجتمع الواقعي بناء أكثر تعقيدا، بناء تتواجه بداخله جماعات اجتماعية، أمم، دول، شركات كبرى، مشروعات مجتمعية، قوى سياسية، دينية وإيديولوجية . . . الخ .

هل يمكننا تخيل علم طب يروم إعادة بناء وظيفة الجسم الإنساني انطلاقا فقط من العناصر الأساسية التي تشكل الجسم ـ الخلايا ـ ويتجاهل وجود أعضاء كالقلب أو الكبد ؟ .. إننا نحمد الله على أنه ـ بخصوص صحتنا البدنية ـ لم يفبرك الأطباء طبا “خالصا”. بالنسبة للنماذج الأكثر تعقيدا والمعبرة عن تفاعل الخلايا، يعتبر احتمال إنتاج شيء ما شبيه بالجسم الإنساني احتمالا قويا تقريبا بالفعل، أكثر من احتمال رؤية قرد أمام لوحة رقانة حاسوب يكتب المؤلفات الكاملة لفيكتور هيجو. كما أن احتمال تحقيق توازن عام بفضل المواجهات في السوق، بالنسبة لستة ملايير كائن إنساني تقريبا، هو من نفس درجة القوة والكبر ! يقوم إذن مقام البحث عن تفسير عقلاني للواقع الاقتصادي، ومنذ البداية، بناء لعقلانية أسطورية .

لا ينكر الاقتصادي أن الإنسان كائن ذكي، وأنه يحدد سلوكاته بالنظر للاعتقاد الذي يكونه عن ردود أفعال الآخرين، لذلك فهو مطالب إذن ببناء نموذجه لا انطلاقا من إكراهات عقلانية تبسيطية وفورية ــ سأشتري أكثر إذا انخفضت الأثمان ــ ولكن انطلاقا من عقلانية تُوسِّط مسبقات ردود أفعال الآخرين : سأتعفف عن الشراء إذا كنت أعتقد أن الثمن سيستمر في الانخفاض . وهو حين يدعي جهله بأن المجتمع ـ أبعد من أن يكون مفبركا من طرف قوى خارجية ـ ينتج ذاته بذاته ، فإن الاقتصاد “الخالص” الذي يمارسه بعض الجامعيين يلزم نفسه بذلك بتكذيبه الخاص بإقحام مفهوم المسبق، وهو ما ينتهي إلى الاعتراف بأن الشخص، المتناول من طرفه باعتباره حقيقة موضوعية، هو نفسه ذات صانعة لتاريخها.

ومن هنا المعضلة الناجمة عن هذا الخيار لصالح نزعة فردانية ميتودولوجية : فكيف تمكن البرهنة على أن تفاعل سلوكات الأفراد ـ المدمجة ( المتضمنة ) فوق ذلك للمسبق ـ توازنا واحدا فقط يمكن وسمه ( بواسطة أثمان، توزيع المداخيل، معدل البطالة ) ؟ .. إن الرياضيات، باعتبارها أداة، تستخدم لهذه الغاية .

إلا أن الرياضيات تبرهن على أن نسقا من المعادلات من هذا النوع لا يقبل حلا. وهو يمتلك بعض الحظوظ، بعدد كبير من الفرضيات كي يكون غير محدد ( لامتناهية من الحلول ) وبعدد إضافي آخر أيضا من الفرضيات كي يكون محددا ( حل واحد ووحيد ).

إن أنصار الاقتصاد ” الخالص” سيذهبون إذن إلى انتقاء الفرضيات التي هي ” على المقاس ” لكي يتوصلوا إلى النتيجة المطلوبة وبغاية حرق كل مرحلة من مراحل برهنتهم المزعومة ، سيذهبون إلى اختلاق الخرافة الملائمة. إن الخرافات تنسب بالفعل عموما للحيوانات سلوكات معقولة لتحقيق هدف محدد بدقة هو : إلغاء الأخلاق من التاريخ. إن الاقتصادي مبني كلية على أساس هذا النموذج.

إن الخرافة المركزية والضرورية لبرهنته تتمثل في أحجية المنافسة المتسمة بالكمال التي تفترض مركزة كل العروض والطلبات. والغريب في هذا النموذج هو أن كل شيء يحدث كما لو كان هنالك مخطط مركزي ، بمعرفته التامة لسلوكات الست ملايير مسود ، يستطيع اتخاذ القرارات الخالقة للتوازن المطلوب ! أن الاقتصاد “الخالص” لدى الليبراليين يمكن الذهاب بفضله إلى استنتاج أن ال ” بيغ براودرز ـ الأخ الأكبر ” يشكل الحل لهذه المشاكل ، فتلك مسألة لا تخلو من فُليفِلة ! لكنه عند غياب هذا المخطط، فإن النسق سيتمحور في كل لحظة تبعا للنتائج الناجمة عن التدخلات الفعلية للأفراد الممارسة على الأسواق. سوق التوازن ـ المستحيل ـ سيكون نتاجا للمسار ـ بمعنى للصدفة أكثر منه نتاجا للسمات المحددة لعقلانية الفاعلين.

وباستدعاء نظرية Théorème سوننشين Sonnenchein (1) قطّع الرياضيون الحقيقيون كجيورجيو إسرائيل و دانيال جيريان (2) الخداع المركزي للاقتصاد ” الخالص ” إلى أشلاء. وفي ما يتعلق خصوصا بالمسألة التي لها الأولوية في عصرنا ـ مستوى التشغيل ـ فإن التوازن العام، على فرض أن معجزة ما تسمح بتحقيقه، لم يوفر لنا قطعا أي جواب . وبإرجاعهم تلقائيا البطالة إلى كلفة الشغل المرتفعة على حد زعمهم، فإن أنصار الاقتصاد “الخالص” يجهلون بألمعية أنه بداخل منطق نظامهم ذاته سيحول تغيير كيفما كان للأجور كل معطيات التوازن العام .

في نفس السياق، تقرر النزعة النقدية، وهي آخر صيحة من صيحات الاقتصاد الخالص” أنه يمكن تحديد مبلغ العرض النقدي بحرية من طرف البنك المركزي. إلا أن تحليلا أوليا للإصدار النقدي يوضح بخلاف ذلك أن النقد ليس بضاعة كالبضائع الأخرى، كلما كان عرضه محددا من قِبل الطلب، هذا الذي تتوقف عليه جزئيا نسب الفائدة.

فضلا عن ذلك فقد تبين أن الأبناك المركزية التي يرجى لها تسيير “مستقل” ( عن من ؟ .. ) بدعوى أنها ستحوز سلطة سحرية لتثبيث العرض النقدي، غير قادرة على ممارسة هذا الدور بكل بساطة لأنه خارج متناولها: فبفعل اختيار نسبة الفائدة تستطيع فقط أن تؤثر ــ أيضا بشكل جزئي وغير مباشر ــ على الطلب النقدي لا على عرضه. لكن حينها، كيف يُجهل أن الاختيار يؤثر بدوره على مستوى النشاط ( بفعل الاستثمارات ، الاستهلاكات المؤجلة . . . الخ ) وإذن على كل معطيات التوازن ؟ .. ورغم ذلك فإن ترهات نزعات نقدية كهاته ساوت جائزة نوبل بالنسبة لميلتون فريدمان .

غدا ، سنحْلِق الذقون مجانا

لقد تبين أن الاقتصاد “الخالص” ليس إلا علم خوارق أبعد أيضا ما يكون عن علم العلم الاجتماعي كما هو حال بعد علم نفس الخوارق عن علم النفس. وككل علوم الخوارق الأخرى، بمستطاعه إحداث كل شيء ونقيضه: ” قل لي ماذا تريد، وسأصنع لك النموذج الذي يبرره ” . إن قوته تكمن في توفيره ساترا يمكن لسلطة أن تخفي خلفه أهدافها الحقيقية ـ المختارة أو المتكبدة ـ كاستفحال البطالة وتعاظم التفاوت بخصوص توزيع الثروات. ولأن أهدافا كهاته يصعب إعلانها ، فإنه تجدر “البرهنة” على أنها لا تشكل إلا وسائل انتقالية ومرحلية تقود نحو النمو والتشغيل التام، الخ .. . فغدا سنحلق ذقوننا مجانا.

ولأنه لا يمتلك أي أساس علمي فإن الاقتصادي لا يعبئ لخدمته إلا الرياضيين الهواة، كما تفعل الباراسيكولوجيا مع علماء النفس الباهتين. أليس ذا معنى أن هذا “العلم” يستخدم كثرة من الرياضيين دون المتوسط (ضعاف المستوى) الذين لا يقبلهم أي مختبر فيزيائي يحترم نفسه ؟ .. هنا يفرض ذاته التوازي بين العلم والسحر .

إن الساحر أيضا يقدم استنتاجاته بإلباسها جملا ذات ظاهر معقول. ولكي يكون مقنعا يتوجب عليه أن يتحدث في سياق كلامه عن حد أدنى من الأشياء المعقولة ذات المعنى. إن الساحر الأكبر، الأعلى ذكاء، يعرف بالضبط ماذا ينتظر منه الحاكم، ولذلك يفعله. إن الاقتصاد “الخالص” يؤدي وظائف مشابهة في مجتمعات مستلبة من طرف الاقتصاد، وذلك بفعل مناهج متطابقة في المقام الأول مع مذهب باطنية اللغة : لغة رياضيات الخردة المخصصة للاستعمال الخاص للذين ليسوا رياضيين .

وكما هو الحال في ميدان الشعوذة والسحر ، تحتل الطوائف والشيع الميدان؛ يجتمع صغار المشعوذين خلف شيوخ ساهرين على تنظيم انتعاش نحلهم. وليس صدفة أبدا إذا انتشرت في نفس الآن نحل الاقتصاديين المنتجين لخطاب ليبرالي ـ جديد متغطرس ، وكذا طوائف مشعوذي العلم الخارق البارابسيكولوجي، فالانتشار في كلتا الحالتين هو سعي من أجل احتيال فكري حقيقي .

هـوامش :

(1 نظرية سوننشين تبرهن على استحالة استنتاج أشكال منحنيات العرض والطلب انطلاقا من سلوكات مقعدة للسلوك .

(2 جيورجيو إسرائيل Giorgio Israel ، ترييض الواقع ، لوسوي ، باريس 1996 ؛ دانيال جيريان Daniel Guerrien،

3) الرياضيات الكلاسيكية الجديدة ، لاديكوفيرت ، مجموعة ” معالم ” ، باريس 1996.

الشيوعية الآسرة

كيف استطاعت الثورة الروسية بديكتاتوريتها أن تشكل مرجعية كونية خلال الجزء الأكبر من هذا القرن ؟ .. وكيف افتتن بها المثقفون واستسلموا لها رغم وضوح الوقائع ؟

الشيوعية الآسرة

  • حرب 14 / 18 أم الشيوعية والفاشية ؟ ..

  • أكتوبر والعاطفة الثورية.
  • الثورة الدائمة ببلد واحد.
  • انتصار ستالين.
  • هل يمكن تصور الإيديولوجيا بدون تنظيمات.

بقلم : جان كلود ـ بوربالان
عن : مجلة العلوم الإنسانية ، رقم 63 يوليوز 96 .

لم تتوقف الشيوعية عن أسر المثقفين الفرنسيين ، وفرانسوا فوري في كتابه ” ماضي وهم ” يعرض مكامن قوة إيديولوجية مستلهمة من ديكتاتورية المذهب اليعقوبي الفرنسي لسـنة 1793 .

**********************

  • في أكتوبر 1917 أخذ الحزب البولشفي بزمام السلطة عن طريق القوة في وضعية انهيار لجهاز سلطة الدولة ناجمة عن الهزيمة العسكرية وسقوط القيصرية . وسيعوض هذا الحزب الذي أصبح تروس جهاز الدولة السوفياتية ومولدها ضعفه الذاتي ( فلم يكن يضم في صفوفه سوى 24000 عضوا عند استلامه السلطة ) بالصلابة التي تسمح بها الإيديولوجيا الماركسية . ولم يمض وقت طويل حتى سميت هذه الإيديولوجيا بالمذهب اللينيني من خلال الاهتمام بالعناصر التاكتيكية والاستراتيجية المرتبطة باستلام السلطة بروسيا .
  • فكيف استطاعت الثورة الروسية بشيوعيتها الفتاكة بالأرواح وديكتاتوريتها غير المسبوقة أن تشكل نقطة مرجعية أو دفّاعة كونية أيضا خلال الجزء الأكبر من هذا القرن ؟ .. لماذا وكيف استسلم عديد من المثقفين مأسورين ومأخوذين بالمذهب الشيوعي السوفياتي رغم وضوح الوقائع ؟ .. هذه أسئلة ضمن عديد من الأسئلة حاول فرانسوا فوري أن يجيب عنها في مجلد سميك ظهر في بداية سنة 1995 :»ماضي وهم ، محاولة بخصوص الفكرة الشيوعية للقرن العشـرين«(1) .
  • ولكي نستوعب جيدا قوة ” الوهم الشيوعي ” يجمل بنا أن ندرجه مدة زمنية طويلة وأن نموضعه في علاقته التفاعلية مع الأفكار الكبرى الفاعلة والرائجة في المجتمع الغربي منذ عدة قرون . فانطلاقا من القرن 18 شكلت البورجوازية ؛ أي ” الإسم الآخر للمجتمع الحديث ” الفئة الاجتماعية الحاملة للواء قيم كونية . وهي لم تتحدد لا عن طريق السياسة والمواطنة كما في العصر القديم ، أو عن طريق الأصل الأسري والنسب كما هو الحال في المجتمعات الإقطاعية ، وإنما تحددت بالعكس من ذلك عن طريق الاقتصاد والعمل . وبوصف العمل خاصية أولية لكل إنسان فإن القدرة عليه تفترض حرية التصرف والمساواة وإزالة العراقيل الدينية أمام المبادرة والتصرف . إن الإنسان الحديث ديمقراطي بشغف وليبرالي ( أي مناهض لموانع حرية المبادرة ) ، والنموذج الأمثل للبورجوازية يتمثل في الاتفاق على حد أدنى من القواعد الميسرة لحرية المبادرة والفعل ، الباقي ـ الدين والأخلاق وغيرها ـ هي شأن خاص ما دامت وجهات النظر بصددها لا تعيد النظر في العقد المشترك .
  • وتتضمن هذه الحداثة وهذا الشغف بالديموقراطية تناقضا جوهريا يشغلها ويزودها بديناميكية لا تتوقف : » … إن فكرة تساوي البشر وكونيتهم التي تعلن البورجوازية أنها أساس لها ، والتي هي جديد إسهامها هي فكرة منفية بشكل ثابت جراء التفاوت واللامساواة في الملكية والثروات « . ومن زاوية النظر هاته فإن فكرة المساواة ” تشتغل كمتخيل للمجتمع البورجوازي ” لا يمكن بلوغه وتحقيقه بطبيعة الحال ، ولكنه أساس اتهام هذا المجتمع . إن مسار الثورة الفرنسية الصانعة حقيقة للمجتمع البورجوازي تضمن في ديكتاتورية روبيسبيير التعبير عن التنازع التعادلي و ” التوتاليتاري ” للمجتمع الجديـد . وهكذا ، فإن المواجهة التي تبلورت منذ البداية في أصل الثورة الفرنسية في ما بين المنادين بالمساواة والليبراليين ستسم القرنين التاليين .
“إن فكرة تساوي البشر وكونيتهم التي تعلن البورجوازية أنها أساس لها ، والتي هي جديد إسهامها ، هي فكرة منفية بشكل ثابت جراء التفاوت واللامساواة في الملكية والثروات”
  • إن رد الفعل المنادي بالمساواة ، والذي سيتضخم بقوة طوال القرن 19 بأوربا سيطالب بالثورة الفرنسية ، وبالأخص بحقبتها الديكتاتورية . الاشتراكية أولا ثم الشيوعية التي تشكل جزءا منها ستعتمدان معا هذه الحقبة كمرجعية لهما . أما البورجوازية الفرنسية ومعها عدد من المالكين بأوربا وخارجها فستتحرك في رد فعل على النقيض من ذلك ضد ” المنادين بالاقتسام ” المصدومين نفسيا بفعل ذكرى الثورة . وبالمقابل ، وبالنسبة للأنجلو سكسونيين ، فإن المذهب النفعي استطاع أن يشكل ” ضمانة فلسفية للرابطة الاجتماعية ” . وقد قدرت عدد من الشرائح الأوربية الحاكمة انطلاقا من القرن19 أن الديمقراطية الليبرالية الحديثة تعرض المجتمع لخطر تحلل دائم كنتيجة للنزعة الفردية التي تؤدي إلى تذرير أفراد المجتمع ( تحويله إلى ذرات فردية ) ، ونتيجة عدم اهتمامهم بالشأن العام وإضعاف السلطة محدثة بذلك الضغينة والبغضاء في ما بين الطبقات .
  • وما عدا إنجلترا وأمريكا فقد شهدت أوربا بذلك طوال القرن19 ازدهار غضب ثوري مناهض للبورجوازية والرأسمالية شكلت الماركسية وادعاءاتها العلمية أحد مرتكزاته الأساسية .

1.حرب 14 - 18 أم الشيوعية والفاشية؟..

  • لقد استكانت وهدأت العاطفة الثورية في نهاية القرن 19 وفقدت فكرة ” المساء الأكبر ” المسيحية ؛ فكرة الإطاحة بالرأسمالية ، الميدان حتى لدى ماركسيي الأممية الثانية : بيد أن حرب 18-14 ستنتهي بظهورها ثانية بصيغة مزدوجة : شيوعية وفاشية ؛ وذلك بنسب لم يتم بلوغها أبدا في السابق . لقد زعزعت هذه الحرب الواقع السياسي بشكل لا يصدق ، وكذا الحدود والعقليات والأخلاق حتى لدى الذين ظلوا على قيد الحياة . وسيتمخض الصراع عن ميلاد الشيوعية والفاشية كصيغتين لرد الفعل على الحرب والديموقراطية .
  • وستشتغل الثورة الروسية كيوتوبيا معبئة قوية : فما دامت المصداقية قد سقطت عن النزعة الوطنية ” الديموقراطية ” ، فإن الثورة الاجتماعية المفروض أنها انطلقت بروسيا وفرت في ذلك الحين الأسطورة الكونية التي ستلتصق بها فئة من قدماء الأحزاب الاشتراكية ـ الديمقراطية وعدد من المثقفين . وستجدد الثورة الروسية العهد على المستوى الميثولوجي وبدرجة أعظم ضخامة وكبرا إلى جانب مع ابتكار الثورة الفرنسية . وكهذه الأخيرة فإنها ستتأسس على ” نمط يعطي الأولوية للتغيير وعلى فكرة الإرادة الإنسانية وعلى تصور مسيحي للسياسة ” .

2.أكتوبر والعاطفة الثورية

  • إن الحرب بالنسبة لفرانسوا فوري وفرت أيضا ظروف ميلاد الفاشية التي ستتبلور كرد فعل خصوصي ضد الديمقراطية ، وكإضافة لرد الفعل ذي النزعة الكونية لدي البولشفيكيين . ومع ذلك ففي ما بين هاتين ” النظريتين السياسيتين العلمانيتين ” فإن تفوق الماركسية اللينينية ارتبط في المقام الأول بنظرية ماركس ( التي لا تقبل أن تعادل مع غيرها حسب فرانسوا فوري ) وكونيتها التي رفعتها بذلك إلى مصاف الديمقراطية . أما الفاشية فلم تستدع من جهتها لتكسير النزعة الفردية البورجوازية ” إلا شرائح من الإنسانية ” : الأمة ، السلالة . وفرانسوا فوري يقدم هنا أحد مفاتيح تعلق عدد من المثقفين بالشيوعية ، وذاك تعاطف لم تتمتع به الفاشية ، وهو يستند لهذا الغرض على مسارات الذين بددوا أوهام الشيوعية : من بوريس سوفارين وبيير باسكال ، وهما مناضلان من مناضلي الفترات الأولى ، إلى مثقفي الثلاثينيات مثل ه.ج ويلز أو أندريه جيد اللذين أدركا من خلال مساراتهما وكتاباتهما حقيقة الشيوعية . وقد أخذ في حسبانه أيضا بعض المؤمنين بها مثل جورج لوكاش الذي تفحص حياته النضالية وتراجعاته . كل هذا أعطى تركيبات ثاقبة مثل هذا التركيب : ” . . . في معرض المعتقدات السياسية التي تحتل مكانة شاسعة في فكر المعاصرين شكلت الشيوعية مشروبا روحيا قويابشكل خاص من حيث محتواه الإيديولوجي ، لا فقط بفعل مقاومته للتجربة : فتلك سمة مشتركة لجميع القناعات المناضلة والمتمنعة بشكل كبير عن اختراق الوقائع لها ، و لا بفعل طول عمر استثنائي : فالإيمان الشيوعي ينفقد أو يتكسر أكثر في الغالب من أي معتقد سياسي آخر إذا ما اعتمدنا كمعيار للحكم عليه الملايين من قدماء الشيوعيين الذين أنتجهم هذا القرن . و ما تمتلكه الشيوعية بشكل خاص من سمو ورفعة من حيث درجة الاستثمار السيكولوجي يتأتي من كونها تبدو موحدة وجامعة لكل من العلم والأخلاق ، وهما نظامان من نظم العقل مستخلصان من عوالم مختلفة ومتضايفان بشكل معجز . وعندما يعتقد المناضل أنه ينجز قوانين التاريخ فإنه يعارك أيضا أنانية العالم الرأسمالي باسم كونية البشر ، إنه يعلل عمله بضمير صاح من نوع جديد مشاد به كفضيلة مدنية ومماثل مع ذلك للنزعة الدنيوية البورجوازية التي يكرهها : فلم يعد لقلق العيش من سيطرة عليه . [ .. ] وقد اعتقد كل الشيوعيين بشكل مستقل عن استدلالهم وعن مساراتهم أو يعتقدون أنهم يحيون مقدما حالة تصالح الإنسان مع ذاته عينها ” ، ويعتقد فرانسوا فوري أن لوكاش بالضبط ” انطلاقا من هذا التطمين الإلهي كلية لم يستطع مطلقا هجران الألم واللذة ” .
  • لقد أمسك الحزب البولشفيكي بزمام السلطة باسم الطبقة العاملة في روسيا المهزومة عسكريا ، والفكرة السائدة حينذاك كانت هي أن هذه ” الحرب ـ الانتحار ” ستنجب بالضرورة ثورة اجتماعية . وقد تحدث لينين متنبئا ـ بشكل خاطئ ـ بما يلي (2) : »إن عشرات الملايين من الجثث أومن مشوهي الحرب المخلفين من طرف حرب شنت من أجل تحديد إلى أي فريق ـ إنجليزي أو ألماني ـ من قطاع الطرق الماليين سيعود الجزء الأعظم من الغنيمة ، ثم إن معاهدتي السلام الاثنتين تفتح الأعين بسرعة لا سابق لها لملايين وعشرات الملايين من الناس المقموعين والمسحوقين والمخدوعين والمستغفلين من قبل البورجوازية . وكعاقبة للدمار الكوني الناجم عن الحرب فإننا نرى بذلك وهي تكبر أزمة ثورية عالمية مهما كانت مفاجئاتها وتحولاتها طويلة وشاقة فإنها لا يمكن أن تنتهي بأيشكل آخر ما عدا عن طريق الثورة البروليتارية وانتصارها     «. أكيد أن الكبوات بألمانيا وهنغاريا واستيلاء الفاشيين على السلطة بإيطاليا أشارت بسرعة إلى لثورة العالمية لن تقع ، ولكن لينين وخلفاءه سيتمادون في التشبث بهذا الاعتقاد .
  • لكن الثورة الروسية ، كما يذكر بذلك فرانسوا فوري ، كانت أيضا آسرة بفعل أسباب أخرى غير تعميمها الضروري الوشيك ؛ ففي فرنسا على سبيل المثال أحالها أصلها اليعقوبي جذابة بداخل الدوائر الاشتراكية وحتى لدى رابطة حقوق الإنسان . كثير من الناس ، إن لم يكن الجميع ، صفح عنها باسم الضرورة التي وجدت الثورة الفرنسية ذاتها بداخلها لمواجهة أعدائها ـ وتلك أسطورة مؤسسة لليسار الاشتراكي والجمهوري ـ . وبرنسا خاصة تم اعتبار الثورة الروسية مماثلة للثورة الفرنسية ، ولم يتم أبدا إجراء أي فحص حقيقي للواقع السوفياتي ، وهذا يفسر فضلا عن ذلك لماذا لم يمسس عرض الوقائع القناعات التي استندت على مبررا وتصورات أخرى .

3.الثورة الدائمة ببلد واحد

  • حزب لينين بالسلطة ، وهو يريد تأسيس مشروعيته على ” معرفة بقوانين التاريخ ” لا على انتخاب من طرف الشعب ، وبذلك تمت إعادة التأكيد على ديكتاتوريته ، إن لم تكن تضخمت عندما انتهت ظروف الحرب سنة 1922 . وقد شكل ستالين واحترف ديكتاتورية لم يكن لفعاليتها القاتلة سابق انطلاقا من انتصاره النهائي في حضن الحزب البولشفيكي سنة 1927 . وخلال ما يقارب أربعين سنة ستتغذى ديكتاتورية الحزب التي تزايدت شراستها على الخوف من الاعتداء الإمبريالي أولا ثم الفاشي في ما بعد . وستتدخل هذه الأخيرة فضلا عن ذلك سنة 1941 بأمر هتلر الحليف اللحظي للاتحاد السوفياتي والذي لم يكن ستالين يعتقد حينذاك أن سينقلب ضد روسيا . أما بالنسبة للباقي ، فقد استخدم الوهم المتخيل من أجل التنشيط الدائم للديناميكية الثورية . وقد شكل الاعتداء الخارجي بصيغته التآمرية واستعداداته الحربية المفتوحة أو السرية الخيط ” الأحمر ” لسلوك الحزب البولشفيكي في ما يتعلق بعمليات التطهير الداخلية وذبح الشعوب ونفيها كما هو الشأن بخصوص أهداف بناء المجتمع الجديد .
  • كل سياسة ستالين وجهت لتحاشي وهن السيرورة الثورية ؛ فاستدعى شبحا ترميدوريا روسيا ( الترميدوريون : جماعة من النواب اتحدوا ليضعوا نهاية لديكتاتورية روبيسبيير ، والترميدور أيضا هو الشهر الحادي عشر من السنة الجمهورية على عهد الثورة الفرنسية ) بالانطلاق في مزايدة منهجية ، لكنها مكيفة بالإيديولوجيا الثورية : فمن أجل تحاشي الثورة المضادة يجب الاستمرار والإمعان في الثورة . والأكثر أسرا وجاذبية حسب فرانسوا فوري ليس فقط قدرات الرعب التي توصلت إليها ديكتاتورية الحزب الشيوعي (3)وإنما استمرار عملية الانخراط أو التعاطف وخاصة انخراط وتعاطف المثقفين . وكشهادة على ذلك المناظرة المنظمة من طرف رابطة حقوق الإنسان سنة 1973 في موضوع محاكمات موسكو التي انتهت المناظرة إلى سلامة إجراءاتها . وبفضل كتابات منشقين وشهادة أندريه جيد أمكن أن نعرف حقيقة وضعية التطهير التي كشفت عنها محاكمات الثلاثينيات والتي نددت بها كتب ككتاب أنتي سيليغا سنة 1938 والمعنون ب: ” في بلد الكذبة الكبرى ” . ومع ذلك فإن الأساسي في ردود الأفعال المدافعة عن الاتحاد السوفياتي في تلك اللحظة جاء من طرف التحالف المضاد للفاشية ( المثقفون الشيوعيون ـ أراغون ، نيزان ، وورمسر ـ المتعاطفون ورفاق الطريق ـ رومان رولان ، بول لانجفان ، بيير جوليو – كوري ، مالرو ـ كانوا حينها قليلي العدد ) .
  • وقد فصل فرانسوا فوري أيضا مواقف السورياليين ؛ لدى إيمانويل مونيي ومثقفي اليسار الكاثوليكيين لدى جورج باطاي أو كتاب مأخوذين بالمذهب التوتاليتاري كدريو لاروشيل . ويؤشر منذ البداية على موقف ريمون آرون الأصيل : ” على مستوى الفكر الفكر متيقظ اتجاه الجدة الجذرية في ثورات القرن العشرين وحامل لفهم للتاريخ يدين أكثر لفيبر أكثر مما يدين للترجمة الديمقراطية الثورية الفرنسية ، وعلى المستوى السياسي ديمقراطي أكثر منه جمهوري ، إصلاحي بالزائد بالنسبة لليمين ، وأكثر معاداة للخطاب المضاد للفاشية بالنسبة لليسار ، وبالنسبة للإثنين ثاقب البصيرة بالزائد بالنسبة للحرب القادمة ” .
  • إن موقف المثقفين الأوربيين ( الفرنسيين في غالبيتهم ) اتجاه الشيوعية أجاب على ظهور الفاشية والأوجه المتقلبة ، ولو أنها كانت دائما متماسكة ، للسياسة التي انتهجها ستالين . وستشكل الحركة لمضادة للفاشية ، ما عدا خلال المعاهدة الألمانية ـ السوفياتية من 1939 إلى 1941 خط معركة أساسي للحركات الشيوعية . ولكن عم كان يدور الحديث ؟ .. يذكرنا فرانسوا فوري بأنه في اللغة الشيوعية لتلك الفترة وخلال فترات طويلة وفي مناسبات عديدة اعتبر كل أولئك الذين لم يكونوا شيوعيين فاشيين أو ” عملاء ” لهم : وبالأخص الاشتراكيين ـ الديمقراطيين ، ومن عايش إلى حدود سنة 1935 إقامة سياسة الجبهات الشعبية ، فإن عقيدة الكومينتيرن كانت تتمثل في أن الفاشية تشكل تمهيدا للثورة البروليتارية في الوقت نفسه الذي تشكل فيه آخر درع واق للبورجوازية . وانطلاقا من سنتي 35-1934 ، ولأسباب جيوبوليتيكية وداخلية بالاتحاد السوفياتي لايفصله فرانسوا فوري ، كان الحدث هو أن السياسة تغيرت وأن السياسة المضادة للفاشية اتخذت هيئة الجبهات الشعبية . السبب الأساسي الذي تم شرحه مطولا في فقرة حول الحرب الإسبانية كان هو التقليل من التهديد الواضح منذ ذلك الحين والذي أثقلت به ألمانيا النازية على كاهل روسيا من خلال ” شلها ” عن طريق متابعة الحرب المدنية من جهة وتقوية إرادة دخول المعركة لدى الديمقراطيات من جهة أخرى .

4.انتصار ستالين

  • سيمحو انتصار الجيش الأحمر سنة 1945 خزي المعاهدة الألمانية ـ السوفياتية لسنة 1939 ، كما لو أن الأمر قد تم بمعجزة ، وسيمكن هذا الانتصار من الانتشار الأقصى للشيوعية بفضل الاحتلالات العسكرية . وقد أصبحت معاداة الفاشية منذ ذلك الحين قاسما مشتركا بين الديمقراطيات والشيوعية ، وهذا سيشكل بالنسبة لهذه الأخيرة وسيلة إغراء إضافية ؛ وذلك لأنها تزعم أنها علاج جذري ـ لكونها مضادة للرأسمالية ـ لأشكال الجنوح الفاشي لما بعد الحرب التي أدانتها غالبا . الرعب الناجم عن الوحشية النازية ، والاندماج في معسكر المنتصرين سيشكلان مبررات إضافية كي لا تقدم الشيوعية السوفياتية لأحد ، وتستطيع على العكس من ذلك أن تتطور : ” في حالة ضعفه كان الاتحاد السوفياتي محبوبا كقضية مهددة ، أما في حال قوته فهو يجامل بنفاق كقدر لا يمكن تحاشيه ” ، لقد كانت الإيديولوجية الشيوعية تحيا حينها أزهى أيامها .
  • خر وتشوف ، محو آثار الستالينية ، ثم احتضار الاتحاد السوفياتي البطيء ، لم تثر كلها إلا قليلا من اهتمام فرانسوا فوري الذي لم يخصص لها إلا عشر صفحات . إلا أنه يشير مع ذلك إلى موقف الأنتلجنسيا : ” . . . إذا كان الاتحاد السوفياتي قد فقد بشكل نهائي خلال العشريتين الأخيرتين من وجوده امتياز النموذج الكوني المفرط ، فإنه يظل محميا بفعل ما تبقى نسبيا في كل مكان من وعده الأصلي . إن إفلاس طموح أكتوبر المعترف به من طرف الجميع لم يطفئ كل الطموح الشيوعي ” .

5.هل يمكن تصور الإيديولوجيا بدون تنظيمات

  • إن المؤاخذة الكبرى التي يمكن توجيهها للكتاب تتعلق بالاستقلال الذاتي الذي يقبله فرانسوا فوري للإيديولوجيا في علاقتها بالتنظيمات الحاملة لها . إن استخدام كتابات وأفعال المثقفين كمقياس أساسي لقياس قوة الوهم والتمثلات الشيوعية شيء يدعو للاستغراب . والسؤال الذي يظل مطروحا على طول الكتاب هو : هل يمكننا أن نفهم تاريخ الشيوعية بدون أن نتساءل عن طريقة اشتغال التنظيمات ـ والحزب البولشفيكي على رأسها ـ و لا أن نتساءل عن الروابط التي أقامتها في ما بينها الحركة العمالية والنقابية والعقيدة الشيوعية ؟ .. إن الجواب هين ؛ نعم إذا ما حكمنا عن طريق خصوبة القصد الذي تمثل في إعادة تسجيل الشيوعية والفاشية في التاريخ الطويل لظهور الديمقراطية واللتان شكلتا معا ردود فعل رهيبة عليها . لا إذا ما تعلق الأمر بفهم المسار الملموس لتغيرات التوجه السياسي أو بتفسير الإيديولوجيا في ما وراء ستالين وامتداداته في جهات عديدة من العالم . إن التحليل الأكثر تفصيلا لاشتغال قوة عطالة الحزب الشيوعي على سبيل المثال ستكون نافعة في هذا المنظور . إن كوني الشيوعية هو بكامله ، بالنسبة لفرانسوا فوري ، داخل حلمها المسيحــي .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش :
(1 روبير لافون ـ كالمان ـ ليفي ، 1995 . أنظر أيضا ” الشيوعية والفاشية في القرن العشرين89 ، مارس ـ أبريل 1996 . ” لوديبا ، رقم
(2 مقدمة طبعة ” الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية أرمان كولان ، 1995 . ” مذكور من قبل مارك نوشي ، ” القرن العشرون “
(3 هذه القدرة كانت مع ذلك استثنائية إذا ما صدقنا جي ريشار ما دام مجموع الخسائر البشرية بالاتحاد السوفياتي ما بين 1953-1918 ، وبتقديرات دنيا ، حاذى ما بين 36 و 40 مليونا … ( التاريخ اللاإنساني1993 ) . ، جي ريشار ، أرمان كولان ،

الوعي واللاوعي

  • ديكارت :وضوح الوعي بالذات

مفهوم ولد على أرض الفلسفة المعاصرة

رونيه ديكارت

رونيه ديكارت

من اللفظ اليوناني Conscientia، يعني الوعي من حيث الأصل امتلاك وعي بشيء ما. أما بالنسبة للفظة الفرنسية ” Conscience ” فقد استعملت على الخصوص في سياق أخلاقي حتى القرن 17 ، وقد كانت تعني العودة التأملية من طرف الذات للتفكير في أفعالها بغية تقييمها ومحاكمتها، وبعبارة أخرى فإن ” Conscience ” كانت تعني تقريبا معنى أخلاقيا كما هو الحال في الصياغة المشهورة لدى رابلي : ” ليس العلم بدون وعي إلا خرابا للروح “. مع ديكارت 1596 ـ 1650 بالذات أصبح للفظ Conscience معنى جديدا ؛ حيث أصبحت تعني منذ ذلك الحين الفهم المباشر من طرف الفكر لذاته ؛ فعندما أفكر فأنا أعرف بالضرورة أنني أفكر أيضا. كتب ديكارت : ” من خلال اسم الفكر نعرف كل ما يدور بدواخلنا بالصورة التي تجعلنا واعين بذلك ، كلما كان لنا وعي به ” (مبادئ الفلسفة ، I ، 9 ، 1645).

  • ديكارت : ” أنا أفكر ، إذن أنا موجود “.

من الذي يعرف ما إذا كانت حواسي تخدعني في كل مناسبة ؟.. كيف أضمن أنني لا أحلم في الوقت ذاته الذي أكون فيه مستيقظا؟ .. ولماذا لا يخدعني الله عندما أرى بوضوح أن 2 و 3 يساويان 5؟..وقد أضاف ديكارت لمبررات الشك الثلاثة هاته عدة منهجية سماها ” الشيطان الماكر ” وهو يفترض أنه مخدوع بشكل دائم من طرف هذا الشيطان الإبستمولوجي ” فليخدعني كيفما شاء ، كتب ديكارت ، فلن يستطيع أبدا أن يجعلني لاشيء، ما دمت أعتقد أنني شيء ما ” (تأملات ميتافيزيقية ، 1641)، إن الوعي بالوجود ، اليقين بأنني موجود على الأقل كوعي ، هو الحقيقة الأولى في الفلسفة الكارتيزيانية.

  • ديكارت : الجوهر المفكر والجوهر الممتد

ذلك لأن ديكارت يتصور الروح والجسد كما لو كانا جوهرين متمايزين (مبادئ الفلسفة ص 53 ، 1644)، بيد أن السمة المركزية للروح ، تلك التي بدونها لا نستطيع تصور روح أو عقل هي التفكير. إن الروح تفكر دائما ، حتى الجنين ذاته في بطن أمه يفكر ، ويستشعر وعيا بذاته ولو بشكل مبهم ، فحيث توجد الروح ، يوجد بالضرورة تفكير ووعي بالذات.

  • ديكارت : الشعور شفاف بالنسبة لذاته
  • استحالة وجود رغبة لاشعورية

ليس هناك ، كما يقول ديكارت ، شيء يمكنه أن يكون في متناولنا غير أفكارنا” (رسالة إلى رينيري من أجل بولو ،أبريل أو ماي 1638)، وبعبارة أخرى فإن التفكير هو مجال يكون فيه الأنا سيدا في عقر داره. يستحيل إذن ، تبعا لذلك ، أن نستطيع الإحساس برغبة ما بشكل لاشعوري ” وذلك لأنه من المؤكد أننا لا نستطيع أن نريد أي شيء لا ندركه بنفس الوسيلة التي نريده بها” (ديكارت ، موسوعة الأهواء، النص 19 ـ 1649).

إعادة النظر في التقليد الديكارتي

من طرف التحليل النفسي الفرويدي

  • القطيعة مع التقليد الديكارتي
سيجموند فرويد

رائد التحليل النفسي

إن تقسيم الحياة النفسية إلى حياة نفسية واعية وحياة نفسية لاواعية ، كتب فرويد (1856 ـ 1939)، يشكل المقدمة الكبرى والأساسية في التحليل النفسي(محاولات في التحليل النفسي،1927) ، وهنا يقيم النفيض الأساسي للتقليد الديكارتي . لقد دافع ديكارت بالفعل ، وعلى النقيض من ذلك ، عن الفكرة القائلة : “ إنه لا يمكن أن توجد أية فكرة لا يمكننا انطلاقا منها ، وفي اللحظة التي تكون فيها بدواخلنا ، أن لا نمتلك معرفة حاضرة عنها” (ردود على الاعتراضات الرابعة ، 1641). للتوسع أكثر يمكنك الرجوع إلى مقال : التحليل النفسي

  • فرويد : يجب أن نرى في اللاشعور عمق الحياة النفسية كلها.
  • الشعور ـ اللاشعور ـ الكبث.

” إننا نشبه نسق اللاشعور ، كتب فرويد ، بغرفة انتظار كبيرة تتسارع بداخلها النزوعات النفسية كالكائنات الحية ، وترتبط بغرفة الانتظار هذه غرفة أخرى أضيق منها ، شبيهة بالصالون ، بداخلها يقيم الوعي ( الشعور ) ، لكن عند مدخل غرفة الانتظار ، أي بالصالون ، يجثم حارس يفحص كل نزوع نفسي ويفرض عليه الحظر ويمنعه من دخول الصالون إذا لم يرقه (. . .) وعندما يتم طرد بعض هذه النزوعات من طرف الحارس ، بعد أن تكون هذه قد وصلت حدود إلى الصالون ، فذلك لأنها غير قادرة على أن تصبح نزوعات موعى بها : نقول عنها إذ ذاك إنها نزوعات مكبوثة” (مدخل للتحليل النفسي، 1916).

  • مهمة التحليل النفسي
  • استعادة الرغبات اللاشعورية لمنطقة الوعي.

ما الذي يريده المحلل النفسي؟.. يتساءل فرويد ، ثم يبادر إلى الجواب قائلا : ” استعادة كل ما تم كبثه إلى سطح الوعي” (خمس دروس في التحليل النفسي، 1910) (لقراءة الكتاب باللغة الفرنسية أنقر هنا)، وهكذا ، فإن ” تأويل الأحلام ، عندما لا يصير مؤلما بفعل أشكال مقاومة المريض ، يؤدي إلى اكتشاف الرغبات المستثرة والمكبوثة، وكذا العقد النفسية الناجمة عنها” (نفس المرجع).

  • أهمية خبرات الطفولة.

إن الطفل هو الذي يستمر في التواجد بالإنسان البالغ عن طريق الحلم ، حتى الرغبات التي أضحت غير ذات أهمية (تلك المرتبطة بمركب أوديب على سبيل المثال) تستمر في الوجود لدى الشخص البالغ ، كما أنها تغير قوتها لتشكل العلامات المرضية لدى هذا الشخص.

أصول الثقافة

كيف كانت القدرات العقلية والذهنية لأوائل البشر؟ .. ومتى كان ميلاد اللغة؟.. وما الذي يميز الإنسان العاقل Homo Sapiens عن الحيوانات العليا الأخرى ؟ .. لقد غدا بالإمكان اليوم، وبفضل عديد من الأبحاث القريبة العهد منا، رسم عدة سيناريوهات لمسألة نشأة وظهور الثقافة لدى الكائنات الإنسانية.

بقلم : فرانسوا دورتيي

عن : مجلة العلوم الإنسانية ـ عدد 105

لماذا أكلت أبي؟.لماذا أكلت أبي ؟ ” هو عنوان رواية روي لويس التي تجري وقائعها قبل بضع مئات الآلاف من السنين ، أي في قلب ما قبل التاريخ. في تلك الرواية نجد إدوارد ؛ وهو إنسان من المرحلة الباليوليتيكية مشغولا باكتشاف تقنيات جديدة ومناضلا من أجل تحقيق التقدم تحت أعين عائلته المنبهرة والمتشككة. وعندما حاول تطويع النار واستخدامها في البيت حذره أخوه فانيا، وهوPithécanthrope  قرد إنساني محافظ ورجعي، من فعل ذلك.إن هنالك اختلافا عميقا يقوم فيما بين الرجلين ؛ فإدوارد يشير إلى مزايا النار المتعددة : وهي أننا نستطيع أن نطهو بها اللحم ، وأن نستدفئ بها وقت البرد ، وأن نطرد البعوض وندافع عن أنفسنا أمام الوحوش الضارية . أما فانيا فيعرض مخاطر النار : كالحروق ، وخاصة الخطر الأكبر المتمثل في إحراق الغابة عن آخرها ، والرغبة في ترويض النار كما يقول محذرا ” معناه لعب دور معلم السحر . لنكن واقعيين ، وعلينا أن نكتفي بالحجارة المنحوتة “. وهو أمام خطوات التقدم السريعة للأنسنة يدافع عن شعاره الأساسي ” لنعد إلى الغابة والأشجار “.

وكجواب على أطفاله المشدوهين والذين يسألونه لماذا لا نكتفي فقط بنحت الأحجار للاستعمالات المختلفة ، ولماذا يتوجب علينا دائما أن نتعلم أن نخترع ونبتكر وأن نتقدم إلى الأمام ، وأن نروم التقدم في إطار الأنسنة ، سيجيب إدوارد في أحد الأيام وبكلام جهوري : ” إنتظر . .  وانظر “.

إن كتاب ر. لويس يأتي كجواب فكاهي على لغز علمي كبير ، هو لغز أصول الإنسان : متى وكيف ولماذا بدأ أحد الحيوانات العليا في غابات إفريقيا يفكر ويخترع الأدوات واللغة، ثم الفن والأديان والقوانين الاجتماعية، وتحول بذلك إلى نوع متميز من الكائنات الحية ؟ .. ولقد غدا بالإمكان بفضل الأرشيفات الأركيولوجية : عظام متحجرة ـ أدوات حجرية منحوتة ـ آثار منازل ـ مدافن ـ رسوم على الصخور ، وتواريخها التي أضحت دقتها تتزايد يوما عن يوم ، إعادة تشكيل وبناء الخطوط الكبرى لجينيالويا الأنسنة ، غير أن هذه المعطيات لا تنورنا كثيرا بخصوص القدرات العقلية لدى أناس ما قبل التاريخ ، كيف كانت ثقافتهم وتمثلاتهم ؟ ..لماذا ـ على سبيل المثال تـ هناك هوة تقدر على الأقل بمليونين من السنوات فيما بين أولى الأدوات من جهة ، والآثار الأولى للفن من جهة أخرى ؟.. ومتى ظهرت اللغة والتفكير الرمزي ؟ ..

حقول جديدة للبحث في ميادين الأركيولوجيا الذهنية وعلم النفس التطوري والإيتولوجيا وعلوم الأعصاب ، مكنت كلها من صياغة السيناريوهات المتعلقة بنشاة وبزوغ الثقافة في تاريخ الإنسانية.

من هو إنسان إفريقيا القديم Australopithèque؟..

Australopithecus afarensis

Australopithecus afarensis

لقد جرت وقائع ما قبل تاريخ الإنسانية في خطوطه العريضة خلال ثلاث لحظات : في المنطلق كان هناك إنسان إفريقيا القيم أو القرد الجنوبي Australopithècus وهو ضرب من القردة الضخمة التي تمشي على قدمين والتي عاشت في إفريقيا ما بين 4 إلى 1 مليون سنة. اللحظة الثانية انفتحت الصنف الإنساني المسمى Homo والذي ظهر منذ أكثر من مليونين من السنوات. ولقد عرف دماغ هذا الأخير تطورا كبيرا ( بتضاعف حجمه 3 مرات خلال 1,5 مليون سنة ) وانخرط في صناعة الأدوات.

وأخيرا جاء الصنف المسمى الإنسان العاقل Homo Sapiens منذ 150 ألف سنة تقريبا ، ومعه سيحدث منذ 4 آلاف سنة انفجار ثقافي حقيقي بظهور الملابس والفن والمدافن والطقوس المقدسة. . . لكنه يتوجب علينا حتى نستوعب ما حدث بشكل جيد أن نبدأ الحكاية من بدايتها.

طفل " تونغ "لقد بدأ إذن تاريخ الصنف الإنساني  Les Hominidés بإفريقيا منذ 5 ملايين سنة ، وذلك بفعل ظهور إنسان إفريقيا القديم    Australopithèque ، ونحن ندين باكتشافه لعالم ما قبل التاريخ رايموند دارت ( 1893 ـ 1988 ) الذي اكتشف بإفريقيا الجنوبية سنة 1924 متحجرة طفل بدت أنها جد متميزة ؛ فقد كانت جمجمة ” طفل تونغ ” تأخذ خصائصها في نفس الآن من الحيوانات العليا ومن البشر، وقد بدا أنها تشكل ” الحلقة المفقودة ” في ما بين أسلاف الإنسان وأسلاف

جمجمة الطفل " تونغ "

القردة العليا ، وقد أطلق ر . دارت على هذا المخلوق إسم Australopithècus.

الشابة لوسيغير أن تاريخ ونمط عيش أناس إفريقيا القدماء لم يبدأ التعرف عليهما حقيقة إلا انطلاقا من سنوات الستينيات بفعل حملات التنقيب التي قام بها الزوجان ليكي في منطقة البحيرات الكبرى بشرق إفريقيا. تم اكتشاف ” لوسي ” سنة 1974 من طرف فريق إيفز كوبيش وموريس طيب وجون كلب ودونالد جونسون ، وأخيرا من خلال التحيينات القريبة العهد للأنواع الجديدة من إنسان إفريقيا القديم بكل من إفريقيا الجنوبية وتشاد وإثيوبيا منذ منتصف التسعينيات.

ظاهريا ومن الخارج تبدو هذه الكائنات شبيهة بالقردة العليا ، وحجم جمجمة الصنف من إنسان إفريقيا القديم المسمى  Australopithècus afarensis ( مثل لوسي ) هو 400 سنتم 3 ( أكبر بالكاد من جمجمة الشامبانزي ) ، غير أن تكوينها مغاير لتكوين جمجمة الشامبانزي ؛ فالثقب القذالي في مؤخرة الرأس ( حيث يمر النخاع الشوكي ) ينفتح نحو الأسفل ، وهو ما يعتبر مؤشرا على المشي المنتصب ( على قدمين ) ، القامة تقريبا 1,40م لدى الذكور و 1,15م لدى الإناث ، وهذه الثنائية الجنسية ( الاختلافات الجسدية الكبيرة فيما بين الذكر والأنثى ) هي فضلا عن ذلك مؤشر مهم على عاداتهم الجنسية. وبالفعل ، فلدى القردة العليا كالغوريلا أو نسناس هامادرياس ارتباط فيما بين ثنائية جنسية قوية وممارسات الحريم؛ فالذكور ينخرطون في المعارك ، والأقوى من بينهم هو الذي يحوز مجموعة من الإناث ، وبالمقابل أو بالعكس ، فإن هذه الثنائية هي أقل بروزا وظهورا لدى الأنواع الوحيدة الأنثى كالجيبون Gibbons أو لدى الأنواع التي يسود لديها نوع من الاختلاط الجنسي كقردة الشامبانزي.

الشابة " لوسي " في تصور آخر

الشابة " لوسي " في تصور آخر

يعتقد أن أناس إفريقيا القدماء عاشوا ، كالقردة العليا الحالية ، في جماعات صغيرة مكونة من بضعة عشرات من الأفراد الذين يحتلون رقعة معينة ، وعلى الأرجح أنهم غادروا الغابات الاستوائية للعيش في منطقة السافانا المشجرة على مقربة من البحيرات والأنهار. وقد توزع نظامهم الغذائي ما بين قطف الفواكه والنباتات المختلفة ، وصيد صغار الحيوانات الثديية في بعض الأحيان.لكن، وبخصوص السؤال، ما ذا عن قدراتهم الذهنية ؟..فإن من المقبول اليوم تشبيهها بالقدرات الذهنية لدى الشامبانزي ؛ فلدى كليهما جد مشترك عاش منذ 5 أو 7 ملايين سنة ، أي ، وعلى أقل تقدير ، مليون سنة قبل ظهور إنسان لإفريقيا القديم  Australopithècus.

لقد كان المتخصص المشهور في الحيوانات العليا جان جودال من أوائل الذين قاموا بملاحظة قردة الشامبانزي في وسطها الطبيعي بالغابة التانزانية ، ثم إن عالم ما قبل التاريخ لويس ليكي كان هو من شجعه على القيام بأبحاثه حتى نتمكن من فهم أفضل لما كان عليه نمط حياة إنسان إفريقيا القديم.ونحن نعلم اليوم ، بفضل ج. جودال وكل فرق البحث التي تلته ، أن قردة الشامبانزي تحوز ضربا من الذكاء التقني ؛ فهي تصنع أسرة من جذوع الأشجار قبل النوم ، وتستعمل بعض العصي الصغيرة لصيد النمل من داخل مساكنها ، كما تكسر كرات الكوكو بالحجارة التي تستعمل إحداها كسندان والأخرى كمطرقة ، وفضلا عن ذلك فقد برهن فريديريك جوليان ، وهو متخصص في ثقافة الشامبانزي ، على وجود معامل حقيقية لتكسير أنوية الكوكو لدى الشامبانزي ، يوجد بعضها منذ 150 أو 200 سنة. وبالفعل ، فلتكسير نواة كوكو عن طريق حجر ، لا بد من التمكن أولا من التقنية الخاصة بذلك ، فهي تتكسر عند تلقيها ضربة عنيفة ، لكن ضربها فوق أرض مبتلة يؤدي إلى غوصها في الأرض.(1) . . . ويبدو أن إناث الشامبانزي البالغات يعلمن صغارهن كيفية القيام بذلك ، وهؤلاء لا ينجحون في ذلك لوحدهم إلا بعد مرور زمن معين.

خريطة مواقع الاكتشافات

خريطة مواقع الاكتشافات

دراسة حديثة منشورة في مجلة ” طبيعة ” تبرهن حتى على وجود تقاليد ثقافية محلية لدى هذا النوع من القردة: فالطريقة التي يلجأ إليها شامبانزيو تانزانيا لصيد النمل تختلف عن الطريقة التي يلجأ إليها شامبانزيو ساحل العاج أو أوغندا ، وكل شيء يدفع إلى الاعتقاد بأن هذه التقاليد تم اكتسابها عن طريق التعلم ونقلها جيلا بعد جيل. الذكاء الاجتماعي أيضا متطور لدى الشامبانزي ، فهي باعتبارها حيوانات استراتيجية قادرة على ممارسة الخداع والاحتيال ، مثلا عن طريف إطلاق صرخة تحذير لتحويل انتباه الجماعة والاستيلاء على الطعام بسهولة.وأخيرا ، فنحن نعلم أنها تتوفر على تمثلات عقلية ( لمنطقتها الترابية ) وعلى وعي بالذات ، وأنها قادرة على تشكيل رموز للتعبير بها عن أشياء أو أفعال (2).إن مجموع هذه الملاحظات يؤكد أن قردة الشامبانزي ، كما هو حال أغلب الثدييات ، لا تكتفي بالتصرف انطلاقا من غرائزها ؛ إذ أن جزءا سلوكها هو مكتسب عن طريق اللعب والتجربة والمحاكاة؛ فصغير الشامبانزي يكتشف قواعد اللعب الاجتماعية كما يتعلم أيضا كيف يتغذى وكيف يصنع سرسر نومه من أغصان الأشجار ، وفترة ” الشباب ” التي تسبق فترة النضج والرشد لدى هذه القردة ـ أي ثلث العمر : 10 سنوات تقريبا ـ هي فضلا عن ذلك ذات دلالة بخصوص طول فترة التعلم والاكتساب لدى هذه القردة. وفي المحصلة ، فالقرد لا يولد قردا ، وإنما يغدو كذلك . . . وهذا بدون شك ينسحب أيضا على إنسان إفريقيا القديم Australopithècus.

التطور التاريخي لصنف البشر

التطور التاريخي لصنف البشر Homonidés

مراحل تطور الصنف البشري بملايين السنين

مراحل تطور الصنف البشري بملايين السنين

هل يمكن الحديث إذن عن ” ثقافة ” القردة العليا وإنسان إفريقيا القديم Australopithècus؟..إذا كنا نعني بذلك وجود التعلم والخبرة العملية والسلوكات الاجتماعية المكتسبة والمنقولة في كنف الجماعة ، الجواب بكل وضوح هو نعم .

هل سيؤدي بنا هذا إلى الاعتراف بأنه لا توجد فروق فيما بين إنسان إفريقيا القديم والناس الحاليين إلا من حيث الدرجة ؟ .. ومع ذلك ، فليس هذا هو الاستنتاج الذي ينتهي أغلب الاختصاصيين ؛ فالشامبانزي كإنسان إفريقيا القديم يستخدمان بعض الأدوات القليلة جدا لكنهما لا يصنعانها . المحاولات التي أجريت بغرض تعليم قردة الشامبانزي كيفية صنع أدوات من الحجارة باءت كلها بالفشل. كذلك ، فإن محاولات جعلها تتعلم لغة العلامات والإشارات أبانت أيضا عن محدوديتها. إن قردة الشامبانزي تستطيع تعلم 200 كلمة واستعمالها بشكل جيد ، وتستطيع أن تركب كلمتين ( وناذرا ثلاثة ) لصياغة طلب ما ، غير أنها لم تستطع أبدا ومطلقا تجاوز هذه التركيبات الأولية وصياغة جمل حقيقية. المسألة المثيرة للانتباه هي أنها تستعمل دوما هذه المضغة اللغوية في سياق طلب جد خاص ( ” واشو بنان ” ) أو كجواب على سؤال ، ( فعندما تسأله عن لون شيء ما ، يمكن لواشو أن يجيب قائلا ” كرة زرقاء ” ) ، وهو لا يستعملها مطلقا لطرح أسئلة أو لإبداء ملاحظات عفوية أو حتى لقص بعض القصص (3) . وأخيرا ، وكما أشار إلى ذلك الأنثروبولوجي الأمريكي لان تاتيرسال ، مدير متحف التاريخ الطبيعي بنيويورك ، فنحن لا نقف في مسلكيات الشامبانزي على سلوك يشير إلى إنجاز أنشطة تدخل في إطار ” مشاريع ” على المدى الطويل (4). توجد إذن هوة فيما بين ذكاء إنسان إفريقيا القديم ( مقارنة بذكاء الشامبانزي ) وذكاء الصنف الإنساني Homo  الذي سيعرف ظهوره هو أيضا بدوره على أرض إفريقيا.


النار

الإنسان Homo وصناعة الأدوات

الإنسان الماهر

الإنسان الماهر

أولى نماذج هذا النوع المسمى Homo عرفت ظهورها بإفريقيا منذ مليونين من السنين ، وإذا كانت قد اختزلت منذ عهد قريب في نوعين أساسيين كبيرين : الإنسان الماهر Homo Habilis و الإنسان المستقيم القد Homo Erectus ، فإن أسرة Homo التي سبقت الإنسان العاقل Homo sapiens تعقدت في السنوات الأخيرة بفعل اكتشاف مجموعة بكاملها من الأنواع الجديدة ( Homo Rudolfensis و Homo Ergaster و Homo Heidelbergensis و Homo Antecessor ) . وهناك ما يدفع إلى المراهنة بقوة على أن اللائحة ستستمر في الطول، بالشكل الذي يمنعنا من تصور التطور الإنساني على شكل خطي، وإنما كخطاطة كثيرة الأدغال والمجاهل عرفت تعايش عدد من أنواع صنف Homo

المختلفة (5).

الإنسان المستقيم القد

الإنسان المستقيم القد

إن التجديد الأساسي الذي جاء به  Homoكان متمثلا في صناعة أولى الأدوات ، فقد لجأ بغرض تقطيع اللحم وتكسير عظام الحيوانات الضخمة إلى تكسير الحجارة الكبيرة لجعل جزء منها حادا وقادرا علة إنجاز هذه العملية ، وقد سميت هذه التكنولوجيا الأولى ( الصناعة الأولدوفانية ) نسبة إلى موقع أولدوفاي بتنزانيا .

لقد تم التساؤل عن القدرات العقلية الضرورية لإنجاز وصناعة هذه الأدوات ، وقد اعتمد عالم ما قبل التاريخ أندريه لوروا ـ كوربان مفهوم ” السلسلة الإجرائية ” للإشارة إلى تتابع العمليات المعتمدة في صناعة هذه الأدوات . ومن زاوية النظر هاته فقد افترض زميله جاك بيليكران أن الصناعة الأولدوفانية استلزمت حقا تمثلا للهدف المراد إنجازه حتى ولو أن جرعة العمل الفعلي لإنجازه كانت ضعيفة؛ فعملية السبك كانت فظة وخشنة.أما توماس ج.واين من كولورادو ، فقد اعترض على هذا التأويل وانتقد وهم ” الهدف الغائي ” ؛ فالأدوات الأولدوفانية لا تفترض ذكاء أعلى أو يفوق ذكاء القردة (6).

وبالمقابل ، فإن التجديد التقني الذي يشكله بروز الأدوات الحجرية يترجم مرحلة عقلية لا ينازع فيها أحد. إن هذه الأدوات هي أدوات من الحجر بأشكال محددة ، إنها تشبه لوزة كبيرة بحدين قاطعين ، وخصوصيتها تكمن في كونها مسطحة بما يكفي ومتناسبة الأبعاد سوا نظرنا إليها من الوجه أو من الظهر. إن تجارب الأركيولوجيا التجريبية تبين الرهافة ومدة التعلم الطويلة   المطلوبة حتى يغدو ممكنا نحت أدوات حجرية جميلة، خاصة ، وكما هو واضح ، أنها صنعت إراديا وانطلاقا من ” فكرة في الذهن ” ، بل ويمكن أن تكون معنى جماليا حتى. مع هذه الأدوات تم الانتقال بشكل لا يقبل النقاش إلى مجال الفعل المخطط له بلحظات إنجازه وأهدافه وغاياته الوسيطة، إلى جانب إسقاط صورة ذهنية على موضوع محدد.

الأدوات الحجرية المنحوتة

ومنذ ذلك الحين برز السؤال : هل تواجد الذكاء المستخدم في صناعة هذه الأدوات في مجالات أخرى كمجال اللغة أو الحياة الاجتماعية ؟ .. أم يتعلق الأمر بسلوك متخصص ظل محتبسا بداخل قطاع تقني ؟ .. إن السؤال مفتوح ، وهو يدعونا إلى التساؤل عن أحد ألغاز هذه الفترة . ظهرت هذه  الأدوات  منذ مليون سنة ونصف ، وتم تواجد Bifaces acheuléens الأدوات الحجرية الأشولية بأوربا خلال أكثر من مليون سنة تقريبا في كل مكان من إفريقيا وآسيا وأوربا ، وعلى مر الزمن تحسنت تقنية الصنع ، غير أن الخطاطة الذهنية ظلت على حالها . وبالمقابل ، لم نجد أي آثار أخرى لتقنيات أكثر اكنمالا وإعدادا و لا للفن ولطقوس الدفن والملابس ، تلك التقنيات التي سترتبط فيما بعد بالإنسان العاقل Homo Sapiens .

الابتكار الكبير الآخر والوحيد في هذه الفترة هو تدجين النار ، وهو ما يوضع في سجل حسنات إنسان العصر الباليوليتيكي السفلي Homo du Paléolithique inférieur .

لقد قاد لغز ثقافة القدماء من صنف البشر ـ وهي ثقافة أعلى بوضوح من ثقافة إنسان جاوا ( القرد الإنساني ) Australopithèque لكنها دون ثقافة الإنسان العاقل ـ قاد  بعض الكتاب نحو تصور وجود ثقافة أولية وسيطة ؛ ففي كتابه ” أصول الفكر المعاصر ” (7) دعم عالم النفس الأمريكي ميرلان دونالد فكر تقول إن أوائل فصيلة البشر ابتكروا نمطا خاصا من الثقافة : هو الثقافة الميمية القائمة على التمثيلات الحركية ، حيث التواصل فيها قائم على الحركات الميمية والتعلم على محاكاة البالغين و ” المبتكرين ” . وقد مكنت هذه المرحلة ، حسب السيد دونالد ، من الولوج إلى صيغة من التمثيل وسيطة في ما بين مجرد الإشارة ( وضعية التهديد ـ صرخة الاستغاثة ) والتمثيل الرمزي ( عن طريق اللغة ).

و لفهم ما يمكن أن تكون عليه هذه الثقافة الميمية، لنتصور شخصين يجهل كل واحد منهما كل شيء عن لغة الآخر، ويحاول التواصل معه، فليفهم كل منهما الآخر سيلجأ إلى التعبير ميميا عن الأفعال أو المناشط التي يود التعبير عنها ، وهو لكي يتلفظ كلمة ” الأكل ” يمكنه أن يرفع يده إلى فمه ، وللحديث عن طائر يمكن التعبير ميميا على حركات أجنحة الطائر بشكل ميمي ، ولتنظيم الصيد ، يمكن القيام بلعب مشهد الصيد وتمثيله.

الإنسان العاقل والنياندرتال

الإنسان العاقل والنياندرتال

هل كان صنف البشر يمتلك لغة محددة؟ ..

إن هذا الميم يستلزم صيغة خاصة في التمثيل ، إنه يمكن من صياغة تعليمات بسيطة ( ” جئني بتفاحة ” ) ومعاينات ( ” إنه عظيم ! ” ) والتعبير عن تساؤلات ( ” أين هي الفتاة الصغيرة ؟.. ” ) ووصف وضعية معينة ( ” هناك ثعبان في الشجرة ” ) . غير أن هذا النمط من التمثيل يظل جد محدود ؛ فهو يجعل من المستحيل صياغة مفاهيم مجردة ( إذ يمكن وصف كلب لكن لا يمكن الحديث عن ” حيوان ” بل لا يمكن أكثر من ذلك الحديث عن ” كائن حي ” ) وكذا الأفكار المركبة ( ” أعمار الورود أقصر من أعمارنا ” ، ” لقد قابلت عمي الذي أخبرني أنه بحاجة إلينا ” ) وبالأخص القصص المصنوعة كالأساطير أو الخرافات.

لقد مكنت هذه الثقافة الميمية المتمحورة حول النشاط العملي في نظر السيد دونالد من الحديث عن الموضوعات الغائبة والوضعيات المستقبلية ( مشهد الصيد ) حتى دون بلوغ درجة أعلى من الترميز.

إن أطروحة السيد دونالد فاتنة ، غير أنها لا تقوم على أي معطى أركيولوجي مقنع وحاسم ، والرقص وبعض الطقوس والشعائر حسبه هي البقايا والأطلال المعاصرة لهده الثقافة . غير أن لنظريته أهمية تتمثل في محاولة تصور شكل بدائي من الثقافة، وهي تؤدي بنا خاصة إلى التساؤل بخصوص نقطة حاسمة : هي مسألة القدرات المحض لغوية لدى صنف البشر ، فهل كان صنف الإنسان Homo يمتلك لغة ؟ .. بخصوص هذه النقطة نجد المؤشرات التشريحية متناقضة. لقد اعتقد فيليب ف. توبياس ، أحد مكتشفي الإنسان الماهر ،أنه لاحظ في قالب الجمجمة بداية لتشكل الفضاءات المرتبطة باللغة ، ومن ثمة فهو يحدد تاريخ ظهور اللغة في 2 مليون سنة تقريبا (8) ، غير أن مؤشرات أخرى كغياب حنجرة متلائمة مع وظائف اللغة يدعونا إلى الاعتقاد بأنه كان يستحيل على أسلاف الإنسان العاقل أن يمفصلوا ويركبوا الأصوات الضرورية للكلام . وبالنتيجة فإن : ل. تاتيرسال يحدد ميلاد اللغة في تاريخ أقرب بكثير كمتدخلة مع أوائل أفراد الإنسان العاقل منذ 50.000 سنة. ومن ثمة فإننا نجد أن التقديرات المتعلقة بميلاد اللغة ـ ما بين – 2 مليون من السنوات و – 50.000 سنة ـ جد متباعدة ومختلفة. ولمحاولة ردم هذه الهوة في ما بين الفرضيات المتطرفة ، قام البعض بتصور سيناريوهات وسيطة ؛ تلك حالة اللساني ديريك بيكرتون في كتابه ” اللغة والأنواع  Language and Species (9) وهو يفترض إمكانية وجود لغة أولية تكلمها الإنسان المستقيم القد ستكون شبيهة وقريبة من لغة الأطفال ما دون السنة الثانية من العمر من جهة ، واللغة المكتسبة من قبل قردة الشامبانزي من جهة أخرى. إن هذه اللغة الأولية مكونة من تركيبات فيما بين الكلمات المعبرة مباشرة عن موضوع ما أو شخص ما أو فعل ما ( على سبيل المثال ” encore boire ” أو ” pas dodo ” ) . إننا نجد بها كلمات ـ جملا ، وجزيئات صغيرة من المعنى مكونة من تركيب كلمتين.

إن الثقافة الرمزية لم تظهر بالنسبة لـ د. بيكرتون إلا مع ظهور الرموز المجردة والتركيب الذي مكن من بناء مقاطع مركبة. وحسب هذه الخطاطة ، فإن اللغة الموضوعة والمكتملة هي مفتاح الحرية النفسية لدى الكائن البشري التي تفسر القفزة الثقافية الكبرى لدى الإنسان العاقل.

أما تيرينس و. ديكون ، وهو باحث بجامعة بوسطن ، فيتصور سيناريوها يقوم على التطور المشترك لكل من المخ واللغة والتفكير الرمزي، وهو يعرض في كتابه ” الأنواع الرمزية The symbolic Species “أن التطور التكيفي المشترك لكل من المخ واللغة هو الذي صاحب ميلاد التفكير الرمزي.

وكخلاصة ،فإن أوائل صنف البشر  ( Ergaster ; Erectus ) . . الخ امتلكوا ثقافة أكثر اكتمالا من ثقافة إنسان جاوا ، وقد مكنتهم من تطوير أدوات التحكم في النار ، إنها مقطع أساسي في مجال التطور الثقافي . ومن خلال تجميع أطروحات كل من م. دونالد و د. بيكرتون و ت.و. ديكون يمكننا رسم المعالم الخارجية لهذه الثقافة الأولية.

إن البشر لم يعودوا يحيون في عالم المباشرة والعلاقات المباشرة فيما بين الأفراد أو فيما بين الناس والطبيعة، لقد غدا من الممكن وضع مخطط للأنشطة على المدى المتوسط وتصور خطة مكتملة للصيد وتنظيم الأنشطة في كنف فريق ما.

كما غدا أمرا ممكنا وقابلا للتحقيق التواصل الأكثر اكتمالا ؛ أي ذلك الذي يتجاوز مجرد التعبير عن العواطف ، فهو يمكن من نقل المعلومات ( من خلال بيان أن هناك نمرا في هذا المكان أو ذاك على سبيل المثال ) وتنظيم حياة مجتمعية على قاعدة الأوامر والتحريمات والتعاقدات وربما المبادلات فيما بين الجماعات. وبدون شك فإن الحياة الاجتماعية تغيرت خلال هذه الحقبة تغيرا كبيرا.

يبقى أن الفترة الباليوليتيكية السفلى لم تخلف أي أثر للفن أو الطقوس أو المعتقدات الدينية أو التنوع التكنولوجي، إذ لهدا الغرض كان لا بد من انتظار قدوم الإنسان العاقل ، فمعه إذ ذاك سيتم تدشين عصر جديد.

إن شروط وظروف ظهور الإنسان العاقل منذ حوالي 150 ألف سنة تظل موضوع منازعات حادة، وفي هذا الإطار نجد ثلاثة سيناريوهات متعارضة: السيناريو الأول يسمى السيناريو المتعدد الجهات ( عبر التطور المتوازي للإنسان المستقيم القد بإفريقيا وآسيا وأوربا نحو الإنسان العاقل ). السيناريو الثاني هو سيناريو حواء الإفريقية ( حيث سيظهر الإنسان العقل بإفريقيا ثم سيتوزع بعد ذلك على مجموع الكرة الأرضية ).والثالث هو سيناريو ناتج عن خلط السيناريوهين السابقين وهو يسمى السيناريو المتشابك.

الإنسان العاقل والانفجار الثقافي

النياندرتال

النياندرتال

اليقين الحالي الوحيد هو أن أوائل الإنسان العاقل ظهروا منذ 150 ألف سنة تقريبا ، وقد تضمن هذا الصنف نوعين مختلفين : النياندرتال وكرومانيون ؛ النياندرتال هو ابن عمنا البعيد الذي اختفى منذ 30 ألف سنة دون أن يخلف وراءه أي عقب ، أما كرومانيون فهو سلفنا المباشر.

الكرومانيون

الكرومانيون

سيمضي هؤلاء البشر المعاصرون إلى ابتكار ممارسات لم تكن معروفة إلى ذلك الحين؛ فمنذ – 40.000 سنة في الوقت الذي بدأ فيه النياندرتال في الانقراض، حدث انفجار ثقافي حقيقي مع الكرومانيون، هذا الانفجار الثقافي العظيم موسوم بعدة أحداث مجتمعة ومتداخلة فيما بينها: تنوع وتعقد الأدوات ( سهام ـ مخاطيف ـ إبر)، ظهور الملابس والأكواخ والقلادات ، بداية فن الرسم على الصخور ظهور أولى التماثيل . . . إلخ، مغارات لاسكو و شوفي برسوماتها الحيوانية وأياديها الملغزة هي بطبيعة الحال الرمز الأكثر شهرة لهذه الفترة ( ما بين – 32000 و – 17000 ).

المغارات المشهورة بالرسوم الصخرية

المغارات المشهورة بالرسوم الصخرية

وفي نفس الآن كان الكرومانيون يدفنون موتاهم وفق طقوس تشهد بصفة قاطعة على وجود الإيمان بحياة أخرى في العالم الآخر. المدافن التي تم العثور عليها في موقع سونغير بروسيا هي البرهان الأكثر دلالة على ذلك ؛ فهناك دفن منذ 28 ألف سنة شخصان شابان ورجل في الستين من عمره ، وقد كفنوا بثياب مطرزة بحوالي 3000 جوهرة من العاج ، كل واحدة منها تطلبت على الأقل ساعة من العمل لإنجازها. في الأعناق والأيادي كانوا يحملون قلادات ودمالج من الأصداف ، وفي مكان مقابل لهم تم العثور على نابين طويلين من أنياب الماموث تم تقويم اعوجاجهما حتى أضحيا مستقيمين ( عن طريق الماء الساخن جدا دون شك ) ، ويحتوي القبر على أدوات من العظام وبعض المنحوتات الصغيرة. إن عملا مثل هذا يفترض بشكل قاطع أنه تم إلباسهم وتزويدهم بمعدات الذهاب إلى العالم الآخر. إن دفن الموتى والفن والأدوات المعقدة والمعتقدات الدينية، كل هذه الظواهر الثقافية ظهرت خلال بضعة آلاف من السنين، مما يحفزنا على الربط المباشر بين هذه الظواهر والتساؤل عما إذا لم تكن تعبيرا عن شكل جيد من التفكير؟ ..

في كتابه ” ما قبل تاريخ العقل The préhistory of the mind ” يفسر الأركيولوجي الإنجليزي ستيفن ميثن الانفجار الثقافي في العصر الباليوليتيكي الأدنى والمتوسط بالطريقة التالية (10) ، لقد سبق للإنسان المنتصب أن طور عدة كفايات متخصصة: الذكاء التقني المرتبط بصناعة الأدوات ، والذي يستلزم التخطيط للنشطة وإسقاط الصورة الذهنية لموضوع قيد الإنجاز ، ولقد كان يمتلك الذكاء الاجتماعي والتواصلي الذي يفترض فهم نوايا الآخر وبداية للترميز ، ولقد تعلم أيضا عددا من الأشياء تخص العالم الطبيعي والمزروعات والحيوانات ، وعلمها لصغاره . أما مع الإنسان العاقل فكان هناك ـ حسب س. ميثن انصهار فيما بين هذه الكفايات كلها ، وقد تشكل هذا الانصهار على صورة ذكاء عام أو ” ما بعد تمثيلي ” . وقد ظهر هذا الذكاء العام ما بين – 30.000 و – 60.000 سنة.

لقد وصف س. ميثن نموذجه انطلاقا من إحدى الاستعارات ، هي استعارة الكنيسة القوطية ، وهي منظمة حوالي عدة كنائس ومصليات صغيرة ( كفايات متخصصة ) ، لكنها مترابطة عن طريق صحن الكنيسة المركزي ( الذكاء العام ). من إعادة التنظيم العفلية هاته ولدت مجالات روحية جديدة ( الفن ـ الدين ) وبذلك عرفت كل المناشط المتخصصة إعادة تنظيمها من جديد.

إن سيناريو نشوء الفكر هذا يستحق القيام بتركيب للأبحاث والفرضيات المتعلقة بمسألة الأنسنة ، إنه يروم خاصة إدراج نظريات علم النفس التطوري والنظريات المنافحة عن فكرة ذكاء رمزي عام. إن نموذج س. ميثن ، كأي نظرية عامة ، يدع في الظل مع ذلك أسئلة معقدة تخص العلاقات بين مختلف صيغ الذكاء التقنية أو الاجتماعية ودرجات اللغة. وقد تطورت بخصوص هذه الموضوعات العديد من الأبحاث والتأويلات خلال السنوات الأخيرة (11) ، إلا أن غالبية النماذج تتفق مع ذلك ، على أن الإنسانية عرفت مع ظهور الإنسان العاقل حقبة جديدة جذريا من حقب التطور الثقافي.

مع هذه الحقبة دخلت البشرية عالما جديدا، هو عالم الثقافة والتفكير الرمزي ، وقد تم تعريف هذا الفكر الرمزي من قبل ل. تاتيرسال باعتباره : ” قدرة على إنتاج الرموز العقلية المعقدة والتحكم فيها بتركيبها في توليفات جديدة ، وهذا هو عمق الخيال والإبداع ذاتهما ؛ في هذه القدرة الوحيدة من نوعها التي يمتلكها البشر لخلق العالم في أذهانهم وإعادة خلقه في العالم الواقعي ، أي خارج ذواتهم ذاتها (12) “.

انطلاقا من ذلك انفتح عصر جديد ، بعده سيغدو الإنسان أسير إبداعاته وأفكاره وآلهته وقوانينه التي صنعها هو ذاته.في ” لماذا أكلت أبي ؟ .. ” كان العم فانيا ، القرد الإنساني ، قد حذر مع ذلك أخاه المبتكر : ” لا تنس أبدا ما يلي : الحجر المنحوث من أجل الإنسان ، وليس الإنسان من أجل الحجر المنحوث ! ” .

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

كواليس الهيمنة

لقد فكك بيير بورديو ميكانيزمات الهيمنة الاجتماعية من خلال ملاحظة ميادين مختلفة ومتنوعة ( فلاحون جزائريون ـ جامعيون ـ باطرونات ـ عمال ـ صحافيون . . . ) وكذا من خلال بناء جهاز مفاهيمي غني . .

بقلم: فيليب كابان

Le Goût Des Autres de Agnès Jaoui - DVD Zone 2

في فيلم ” أذواق الآخرين ” ، وهو من إخراج أنبيس جاوي ، يلعب جان بيير باكري دور كاستيلا ، أحد باطرونات مقاولة من المقاولات الصغيرة والمتوسطة PME الذي وقع في غرام كلارا ، وهي ممثلة بالمسرح ، وبذلك وجد نفسه غارقا في دائرة أصدقائها : رسامين ومهندسين وممثلين . . . وباختصار ، ” عجل ” إقليمي غارق في الوسط الغني الأنيق. الأحداث الأكثر تميزا في الفيلم وقعت في أحد المطاعم : فقد شكل كاستيلا ( بشارب وبذلة وربطة عنق ونكث بذيئة ) بدون أن يشعر أضحوكة أصدقاء كلارا ( ببذلات سوداء مهملة بحذق وفكاهة وظرف من الدرجة الخامسة ). إن ما يؤسس هنا كراهية البورجوازيين الصغار المثقفين للباطرون الصغير الوافد هو الإحساس بأنهم مختلفون ومتميزون عنه تميزا هو من العمق من حيث استبطانه إلى حد أنه يمكن أن يقرأ من خلال النظرات والأوضاع الجسمانية والحركات والصيغ الكلامية.

فيلم أذواق الآخرين

Ressources humaines (Affiche)في فيلم آخر هو ” موارد بشرية ” للوران كانتي ، نجد فرانك (جليل ليسبيير) طالبا شابا بمدرسة الدراسات التجارية العليا HEC يختار إجراء دورة تدريبية بإدارة المقاولة التي يعمل بها والده منذ ثلاثين سنة . . . وبرفض المشاركة في اللعبة، فإنه سيصطدم بخنوع واستكانة أبيه؛ فقد تقبل هذا الأخير مصيره من خلال استيطان نظام الأشياء.

إن هاتين الحكايتين تقصان علينا التباين القائم فيما بين أنماط العيش والحياة ، وهي تصف علاقات الهيمنة والحظوة : وبذلك فهي تقدم ضربا من التركيز لفكر بيير بورديو .

وبالفعل ، فلم يشيد بيير بورديو بناء شاسعا وطموحا إلا من خلال ملاحظة الممارسات الثقافية وأشكال منطق التمايزات الاجتماعية ، هذا البناء الذي يمكن تلخيصه بالصورة التالية : إن المجتمع فضاء للاختلاف تعتبر علاقات الهيمنة بداخله علاقات خفية ومستترة ، وذلك لأنها مستدمجة بعمق من قبل الأفراد . وسيمضي مشروع بيير بورديو بكامله إلى التشكل من خلال ملاحظة مجالات وسكان من مختلف الأشكال والأنواع (من الفلاحين الجزائريين إلى الجامعيين مرورا بالباطرونات والعمال والصحافيين . . . )، أي إلى إيضاح ميكانيزمات هذه الهيمنة والبرهنة عليها.

المال والثقافة

يطرح بورديو المصادرة القائلة بأن هناك في كل مجتمع مهيمنون ومهيمن عليهم ، وبأن المبدأ الأساس للتنظيم الاجتماعي يقيم في هذا الاختلاف ، غير أن هذه الهيمنة تتوقف على وضعية الموارد وإستراتيجية الفاعلين ( وهكذا فإن كاستيلا المهيمن في عالمه ، أي عالم المقاولة ، يتحول إلى مهيمن عليه عندما يغشى الوسط الفني ) . وتتوجب لاستيعاب وفهم هذه الظواهر معرفة ضروب منطق تأثيراتها المتعلقة بالموقع وبالموارد، وهذا هو سبب اقتراح بورديو منظورا طوبولوجيا للمجتمع ؛ فهذا الأخير ليس هرما أو سلما ، بل يبدو كـ ” فضاء للاختلافات ” والفوارق. وينتظم هذا الفضاء الاجتماعي حول بعدين اثنين : الحجم الإجمالي للموارد المحصل عليها وتوزيعها إلى رأسمال اقتصادي ( ثروة ، أجور ، مداخيل ) ، ورأسمال ثقافي ( معارف ، ديبلومات ، أساليب جيدة ) . إن هذا الفارق فيما بين المال والثقافة ، فيما بين ” التجاريين ” و ” الخلص ” هو جد تمييزي حسب بورديو، وأحد محددات هوية الفنانين يقيم في اختيار ” الفن للفن ” واللامبالاة حيال الجانب المادي : فالأعمال المنجزة تحت الطلب من قبل رسام تنعث بأنها أعمال ” غذائية ” ، وفي أصناف اجتماعية أخرى ، وعلى العكس من ذلك ، فإن المال يعتبر علامة على التميز : فكاستيلا في نهاية العشاء ينتهي بأداء فاتورته. إن الفاعل الاجتماعي لا يروم إذن حسب بورديو إلا المصلحة: وهو ساع أيضا وراء الحظوة والاعتراف به من قبل الآخرين. ويأتي الاختلاف أيضا فيما بين باطرون مقاولة من المقاولات الصغيرة والفنانين من المواجهة بين خانتين أو عالمين مختلفين من خانات أو عوالم المجتمع التي يسميها بورديو بالحقول؛ إنها ضرب من الميكروكوزم ( العوالم الصغيرة ) متجانسة نسبيا ومستقلة ذاتيا وهامة من ناحية الوظيفة الاجتماعية : الحقل الفني ـ الحقل الصحفي ـ الحقل الجامعي . . . إلخ.

إن الحقول هي بشكل أساسي مجالات للمنافسة والصراع؛ فالحقل الصحفي على سبيل المثال هو مجال متسلط عليه قبل كبريات وسائل الإعلام وبعض الصحفيين الذين ” يصنعون الحدث ” ، والمهيمن عليهم من بينهم يتكونون من صحافيي القاعدة والمأجورين على السطر.غير أن كل حقل يمتلك قواعد لعبه الخاصة : ففي العالم الأدبي يحسن استخدام الرأسمال الثقافي والرأسمال الاجتماعي ( شبكات العلاقات ـ حفلات الكوكتيل والتملق ) بدل استخدام الرأسمال الاقتصادي. و كل فرد يلج حقولا مختلفة، إلا أنه لا يحتل فيها كلها نفس المرتبة؛ فالجامعيون هم في موقع المهيمن عليهم في حقل السلطة ( بالمقارنة مع الصناعيين )، إلا أنهم مهيمنون في الحقل الثقافي بالمقارنة مع الفنانين ( أنظر كتاب الإنسان الأكاديمي Homo Académicus ).

ويستخدم بورديو مفهوم اللعب لوصف اشتغال الحقول ، وهذا الوضع يمكنه من تجاوز التعارض التقليدي في ما بين نشاط الفرد والحتمية الاجتماعية ( الذي هو منسوب في الغالب لبورديو ) . ويقبل اللعب الاجتماعي أن ينظر إليه كلعبة ورق أو لعبة شطرنج : فلكل فرد موقع إيجابي قليلا أو كثيرا ، ولديه مؤهلات وأوراق رابحة ( رأسمال اقتصادي ، ثقافي أو اجتماعي ) ملائمة قليلا أو كثيرا . . .

من قطار الحياة إلى نمط الحياة

إذا كان البعض في حاجة كليا إلى الموارد ويجري عليهم اللعب ، فإن كثيرا من الفاعلين يستطيعون استخدام استراتيجيات من أجل تحسين أوضاعهم ؛ فكاستيلا على سبيل المثال سيبذل جهودا تجعله يهتم بالفن التشكيلي المجرد ، ذلك الفن الذي لا يفقه فيه شيئا ، وذلك من خلال تقديمه طلبا للحصول على رسم جداري مائي من رسام طليعي ، وذلك من أجل تزيين واجهة معمله ، وبذلك فقد حاول أن يحول الرأسمال الاقتصادي ( مورده الأساس ) إلى رأسمال اجتماعي وثقافي.ولقد أبان بورديو من خلال تعريف وتحديد الفضاء الاجتماعي بهذا الشكل كيف أن ” كل فئة من فئات الأوضاع تقابلها فئة من أشكال التطبع Habitus أو (الأذواق) “. وقد سبق لدوركهايم في معرض برهنته على سيطرة ما هو اجتماعي على السلوك الفردي أن تناول كموضوع الفعل الأكثر حميمية وهو المتمثل في الانتحار (1)، و بورديو يتبنى في كتابه ” التمايز ” مسعى مماثلا لمسعى دوركهايم.إنه من المقبول عادة أن ” الأذواق لا تناقش ” وأن التفضيلات مسألة شخصية : بيد أن بورديو يوضح أن أحكامنا ( سواء تعلقت بالموسيقى أو بالرياضة أو بالمطبخ . . ) هي انعكاس لموقعنا داخل الفضاء الاجتماعي، وما يقيم رابطا فيما بين البنيات الاجتماعية وأذواقنا الخاصة هو التطبع Habitus. إن التطبع هو ضرب من القالب الذي من خلاله نرى العالم ويتم توجيه سلوكنا ، وهو يظهر من خلال مجموع متماسك من الأذواق والممارسات ؛ فباطرون صغير ككاستيلا مثلا يملك كلبا وتغطي جدران شقته أوراق موردة ، يعشق مسرح الشارع والمسلسلات الأمريكية ، ومن المحتمل أنه يحب كرة القدم وصلصة لحم العجل. إلا أنه ليست لتطبع أصدقاء كلارا نفس السمات والخصائص : فهم بالأحرى يتبنون قطة ويعشقون المسح الطليعي وأفلام جان لوك غودار أو وودي ألن ، يأكلون مطبوخات صينية أو مكسيكية ويكرهون كرة القدم. وإذن فما هو مناسب من أجل ملاحظة الفضاء ليس هو قطار الحياة وإنما هو أسلوب العيش أو نمط الحياة. إن كل صنف من أصناف المستخدمين والتجار الصغار والجامعيين والعمال الاجتماعيين يقابل عالما ونظاما مرجعيا ، ويمكن أن تكون هناك بطبيعة الحال استثناءات لهذه القاعدة : أي العمال الذين يقرأون كتب مارغريت دوراس أو الجامعيين الذين يحبون جوني هاليداي: ليست هناك إذن حتمية ميكانيكية ، وإنما قوانين نزوعية يتعلق الأمر بالكشف عنها بتحيينها. غير أن تجارب الارتقاء الاجتماعي هي في الغالب مؤلمة ، لقد ألحق أنطوان بأحد الليسيات الفاخرة من طرف أبويه : ” لقد وجدت نفسي هناك داخل الليسي أغرب الغرباء، وهناك وقفت بالفعل على الفارق . . .لقد كان الليسي تقريبا كصندوق للباكالوريا بالنسبة لأبناء الأغنياء الذين كانوا يحيون بالفعل حالة شبيهة بحالة الهواية ” ، ولقد شعر بالمهانة والمذلة جراء ملاحظات رفاقه ” بخصوص ملابسه الرخيصة ” ( بؤس العالم ).

إظهار الفارق

إن محرك تنميط الحياة هذا هو التمايز؛ فهل هناك ما هو أفضل من الثقافة لإظهار أننا متميزين ؟.. لقد لاحظ بيير بورديو في أبحاثه الأولى الولوج المتفاوت للثقافة حسب اختلاف الطبقات الاجتماعية ( محبة الفن ) : إن أفراد الطبقة المثقفة ( المتعلمة ) يبدون عند زيارتهم للمتاحف ألفة واستئناسا عفويين بالفن ، يتأتيان لا من استعداد أو هبة فطرية، وإنما من سنن ولغات مكتسبة من خلال عملية التطبيع الاجتماعي ، والمهيمن عليهم لا يمتلكون هذا السنن ، وبذلك فإنهم سيذهبون كنتيجة لذلك لتطبيق خطاطات إدراكهم للوجود اليومي على الفن. وهذا هو السبب الذي يجعلهم يحبون الأفلام المصورة ، أو الأفلام التي تعتبر سيناريوهاتها مماثلة لها.السيد ل رئيس عمال بالسكك الحديدية يعشق الرسوم الجدارية بكنيسة سيكستين يقول عن سبب عشقه لها : ” لأنها تعرض شيئا ما ، لكنك عندما ترى أربع خربشات بقلم الرصاص وترى أن الناس يشترونها بأسعار مجنونة ، فأنا شخصيا عندما أجد هذه الخربشات الأربع فإنني سأرميها في القمامة ” ( مذكور في التمايز ) . أما الطبقات المثقفة فهي تعطي الأولوية والحظوة للتفوق والرفاهية ثم للقراءة في الدرجة الثانية.

وبشكل أعم فإن هناك تراتبية للممارسات الثقافية ؛ فالفنون النبيلة ( رسم ـ مسرح ـ موسيقى كلاسيكية ـ نحت ) هي إقطاعة الطبقات المسيطرة . أفراد الطبقات الوسطى المتعلمة ( صغار البورجوازيين الحاصلين على ديبلومات ) يتسمون بـ ” الإرادة الثقافية الحسنة ” ؛ إنهم يمارسون أنشطة ثقافية مكثفة ، لكن ونظرا لأنهم لا يتقنون سنن الميادين الأكثر نبالة ، فإنهم ينقلبون إلى بدائل عنها : السينما ، الأفلام المصورة ، الجاز ، مجلات تبسيط العلوم ، التصوير الفوتوغرافي. أما الطبقات الشعبية فلا يفضل لها إلا الفتات والبقايا ، إذا ما صدقنا بورديو بهذا الصدد ، وهو الذي يرفض فكرة وجود ثقافة شعبية ( التمايز ـ الفقرة 7 )، إنه ينادي بأن ثقافة المهيمن عليهم يحكمها مبدأ الضرورة ؛ فليست لديهم الوسائل التي  لا تجعلهم غير مبالين .

إن توزع هذه المشروعات هو أبعد عن أن يكون جامدا ؛ فهناك تنويعات شعبية للموسيقى الكلاسيكية ( AISES على سبيل المثال ) وبعض النشاطات تتدمقرط ( التنس والغولف ) ، ويحدث حتى أن بعض الأحكام ( الموقدة للنار في لحظة ما ، تتحول عن طريق لعبة للقلب إلى أحكام ” فاخرة ” في أوساط معينة ( أنظر في أيامنا هاته إلى أغاني كلود فرانسوا أو أقزام الحديقة ).

إن الثقافة ليست إلا الجزء الأكثر بروزا للتطبع ؛ فهذا الأخير يصنع بالفعل مجموع السلوكات الاجتماعية : التغذية ـ الأدوار الذكورية أو الأنثوية ـ طريقة الجلوس إلى المائدة ـ اللغة . . . إن التطبع يحدد ما هو خير و ما هو شر، ما هو جميل و ما هو قبيح، وما يبدو متميزا لشخص ما ( سيارة من نوع 4×4 بالنسبة لأحد الأغنياء الجدد على سبيل المثال ) قد يبدو فجا بالنسبة لشخص آخر ( الأرستقراطي مثلا ).

المملوكون من قبل ما هو اجتماعي

إن منطق التميز يندفن في الهيمنة، وما يشكل قوة هذا التأثير بالنسبة لبورديو هو أنه ينغرس في أعماق النفوس والأجساد ، والبنيات الاجتماعية هي نوعا ما ” مستنسخة ” من البنيات العقلية ، ونحن في الجزء الأعظم من اهتماماتنا ومشاغلنا لا نفكر : إذ نحن نتحرك على قاعدة التصور الذي لدينا عن العالم والذي تعلمناه ، إننا ” أسرى اللعبة ” الاجتماعية ، واللعبة ( أي منطق التمايز والهيمنة ) يتم نسيان أنها كذلك ، وتمكن هذه القدرة على الفعل بدون تفكير ( الحس العملي ) حسب بورديو من تجاوز الهوة الفاصلة في ما بين الموضوعية والذاتية ؛ فالبنيات الاجتماعية الموضوعية مكون من مكونات ذاتيتي ، وهذه تشارك الأخرى.

وهكذا ، فالمعايير وترميز الأدوار الأنثوية و الذكورية على سبيل المثال هو ترميز مطبوع في الأجساد ؛ ففي مجتمع القبائل يجد الرجل نفسه مضطرا للوقوف مستقيما وللأكل بطريقة فظة ، في حين أن المرأة مطالبة بأن تتحرك بتحفظ ومرونة وأن تأكل ” بأطراف شفتيها ” ( الحس العملي ) ، وبورديو يلح في كتابه ” التمايز ” على هذا التسجيل الجسدي للحركة؛ فالرياضات الشعبية مثلا ( كرة القدم ـ الكرة الطائرة ـ الملاكمة ) تعلي من شأن روح التضحية والقوة، أما رياضات الطبقات الوسطى والعليا ( الغولف ـ التني ـ الفروسية ) فتعطي الامتياز للرحابة والمسافة وغياب الاتصال المباشر. الأفضليات الغذائية لدى الطبقات الشعبية موجهة من قبل بحث لاشعوري عن القوة والمنفعة : فهذه الطبقات تحب اللحم والذهون ، أما الطبقات الوسطى فتروم بالأحرى التفنن في الأكل والطعام الخفيف : فالجسد في حاجة للرشاقة أكثر مما هو في حاجة للمتانة. إن المهيمن عليهم لا يعون هذه الميكانيزمات التي تمارس عن طريقها الهيمنة ، إلا أن المهيمنين أيضا لا يعونها : وقد ساءل بورديو الباطرونات مؤخرا خلال ملتقى باطرونات كبريات وسائل الإعلام ( فوكس ـ بيرتيلسمان ـ آوول ـ كنال بلوس . . . ) قائلا: ” هل تعرفون ماذا تفعلون ؟ ..” (2) . ومع ذلك فقد أسيء استخدام مصادرة اللاوعي هاته في كتاب لبورديو ذاته هم ” بؤس العالم ” ؛ فهذا الكتاب الجماعي المنشور سنة 1993 مشكل من سلسلة من الحوارات المونوغرافية ، بيد أن ما يفاجئ عند قراءته هو أن لدى الناس عملية انعكاسية وأنهم واعون في الجانب الأعظم بميكانيزمات الهيمنة. وهكذا فقد ساعدت البلدية العامل الاجتماعي الذي أنشأ جمعية وشركة لسيارة الإسعاف في إنشاء شركته ، ولكنه يعتقد أنها ستستفيد من هذه العملية سياسيا؛ ” إن كل بنيات السلطة تقوم على قاعدة السلط الصغيرة التي لها مع هذه السلطة علاقة ارتهان من أجل أن ترفع من قيمتها وشأنها” كما علق العامل على ذلك.

وبشكل عام فإن هذه المحاور الكبرى لنظرية بورديو ، والتي بلورها في كتابه ” تأملات باسكالية ” ، تقوم على الاقتراح التالي : ليست هناك أفكار خالصة ؛ فالإنتاجات الفكرية ( الفلسفة، الإيديولوجيات والأدب أيضا ، الخيال ، الإبداع ) هي كلها تعابير عن البنيات الاجتماعية لعصرها. إن وجه الكاتب أو الفنان المستقل ، والمبدع ( المجسد من قبل شخصيات مثل فلوبير أو ماني ) هو بناء اجتماعي ـ تاريخي لم يبرز إلا في القرن 19 ” قواعد الفن “.

العنف ( الرمزي ) بالمدرسة

قبل دخول الفاعلين في الممارسة اليومية تكون المعايير قد ترسخت في أذهانهم عبر عملية التطبيع الاجتماعي وعبر سيرورات إيديولوجية يشير إليها بورديو باسم العنف الرمزي. ومن خلال إجرائه لبحث بمعية كلود باسرون على الطلبة في الستينيات ، لاحظ بورديو اللامساواة في ولوج التعليم الأولي؛ فأبناء العمال ممثلون بشكل كبير بنسبة ضئيلة ( يمثل الطلبة 10÷ من 35 ÷ من السكان النشيطين ) إن السلوك اتجاه المؤسسة المدرسية والعلاقة معها هما أيضا غير متماثلين بكثير تبعا للأصل؛ فالطلبة البورجوازيون يعتقدون أنهم موهوبون : إذ أنهم يعلنون موقفا صريحا وكراهية للتقنيات الأكثر مدرسية ، ولديهم ” ضمان للوضعية ” هو عبارة عن تطبع الطبقة. وبالفعل، فالثقافة المرفوع من شأنها وقيمتها من قبل المؤسسة مألوفة لديهم لأنها ثقافة وسطهم الاجتماعي. أما طلبة الطبقات المتوسطة والشعبية فلديهم سلوك معوز لأنهم يعتقدون أن بإمكان المدرسة أن تمنحهم النجاح المدرسي.أما المدرسون فهم متواطئون مع هذا النظام : فهم يضفون القيمة على ” إيديولوجية الهبة ” والعمل اللامع. الثقافة الجامعية إذن إرث بالنسبة للبعض، وتعلم بالنسبة للآخرين. وفي كتابه ” نبالة الدولة ” 1989 يتابع بورديو تحليلاته ؛ حيث إن قراءة تقرير لجنة التحكيم في مباراة التبريز تؤكد يؤكد ” النبرة الطيبة ” الجامعية : فالمرشحون مطالبون بالبرهنة على رزانتهم وعلى تهذيبهم وكياستهم وموهبتهم ونباهتهم ، إنهم مطالبون بتحاشي الطبقات الكادحة والادعاء والطمع والسوقية.

إن فرض معايير الامتياز هاته يتم عن طريق خدع ومن خلال ستر وإخفاء علاقات الطبقة بالهيمنة: إنها تشتغل بالعنف الرمزي ، إنها احتجاب يستهدف المتعلمين والمعلمين أيضا : ” إن البروفيسور الذي يعزو لهذا التلميذ أو ذاك من تلامذته صفات ونعوت البورجوازية الصغيرة سيتم استنكار موقفه إن لم يتم اتهامه بإقامة أحكامه على اعتبارات طبقية ، حتى ولو كانت ضمنية”.

وليست المدرسة هي المؤسسة الوحيدة التي تنتج العنف الرمزي ؛ وهكذا فالتمثلات التي تنتجها الصحافة المتلفزة ” تُفرض أحيانا على الأكثر خصاصة كمنطوقات معدة سلفا لما يعتقدون أنها تجربتهم” ” بؤس العالم ” ، والنظام السياسي محلل في إطار منظور مماثل. إن هناك ” نزعة وهم ديمقراطي ” توهم الجميع أن لهم نفس الحق في الرأي والتعبير. و الحقيقة هي أن السياسة مجال محتكر من قبل الطبقات المهيمنة، وللمهيمن عليهم نزوع للاعتقاد بأنهم غير أكفاء في هذا المجال ، لذلك فهم يقصون أنفسهم ذاتيا من الحياة السياسية بالتخلي عن سلطة القرار لديهم ، وبذلك يكون نظامنا نظام حظر مقنع (3).

إعادة إنتاج الهيمنة

إن الهيمنة في حاجة أيضا إلى الامتداد في الزمن ، والمدرسة تبدو عبر الغربلات العديدة التي تقوم بها أداة لتعميق الفوارق الاجتماعية.إن كبريات المدارس هي في قلب عملية إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية المهيمنة، وهي أيض أكثر انتقائية اجتماعيا من الجامعة؛ فهي تستقبل جزءا هاما من التلاميذ المنحدرين من الطبقات المهيمنة ( 60÷ وأكثر بالمدرسة الوطنية للإدارة ومعهد الدراسات العليا في التجارة HEC ,ENA أو مدرسة العلوم السياسية ) . وفضلا عن ذلك فتراتبية هذه المؤسسات تعيد تفصيل المواقع داخل الفضاء الاجتماعي : فنحن نجد أبناء الصناعيين بمدرسة الدراسات العليا في التجارة HEC ، في حين نجد أبناء الأساتذة بالمدرسة العليا للأساتذة. إن هذه المؤسسات متجانسة اجتماعيا ومنغلقة على ذاتها، وهي تساهم بذلك في نحت ” روح الجسد “.

وهكذا ، فلخلق أسطورة الاستحقاق ( الاستحقاقوقراطية Méritocratie ) تستخدم المدارس الكبرى كأدوات في خدمة استراتيجيات إعادة إنتاج المهيمنين ، وبورديو يشير إلى أن وجه العصامي ( الذي يصنع نفسه بنفسه ) لا يمثل إلا استثناء : فنحن لا نجد إلا 3÷ من أبناء العمال ضمن فئة كبار الباطرونات.

بيع الفتيل

لقد فرضت أعمال بورديو المتعلقة بالمدرسة ذاتها باعتبارها نموذجا حقيقيا، وذلك من خلال إعادة النظر في أسس الإيديولوجيا التربوية (4)، وهي كاشفة عن التصور كما هي كاشفة عن تصور صاحبها وعن وظيفته السوسيولوجية، فسواء تعلق الأمر بدمقرطة التعليم أو بالاستفتاء أو التفضيلات الثقافية أو العلاقات في ما بين الرجال والنساء ، فإن هدفه كان دائما واحد : وهو الكشف عن ما يكمن ويختفي خلف الأوهام والمظاهر السطحية للعبة الاجتماعية.

لقد أرادت سوسيولوجيا بيير بورديو إذن أن تكون سوسيولوجيا للكشف عن المستور : فهو حسب كلماته ذاتها ذاك الذي ” يبيع الفتيل ” ، ولهذا الوضع عواقب : فإذا كانت السوسيولوجيا تكشف وتميط اللثام ، فإنها سوف تزعج الماسكين بزمام النظام. وكما يقول لنا بورديو على سبيل المثال من خلال تبيانه أن الوسط العلمي هو أيضا مجال للمنافسة فيما بين المراكز المهنية والمختبرات ، فإن السوسيولوجي يعارض هذا العالم الصغير . وخطر منطق مثل هذا يتمثل في تجميد السوسيولوجي وتحنيطه في وضع بطولي : فالانتقادات الموجهة لبورديو تم في الغالب وقبليا إدانتها باعتبارها معبرة عن أولئك الذين يرومون الحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم.

لقد قادت إرادة إرباك أولئك الذين يمارسون عملية شد الحبل بورديو مؤخرا إلى التصدي للقطاعات التي لم يكتشفها بعد منهجيا كما فعل في معظم أعماله ، وهذه بالخصوص هي حال كتابه ” حول التلفزة ” الذي تمت في الوقت الذي يؤكد فيه أنه يعرض ” مكتسبات البحث بخصوص التلفزة ” عملية محاكمته بقسوة لجهله بعديد من الأعمال التي أنجزت في إطار سوسيولوجيا وسائل الإعلام ، ولغياب المتكأ التجريبي فيها(5).

مؤاخذة لا يمكننا توجيهها إليه إلا بصعوبة بالنظر إلى العدة الهائلة من المعطيات والمناهج التي يستخدمها عموما ، فهو في كتابه ” نبالة الدولة ” على سبيل المثال ، يستغل البحوث الإحصائية وقياسات الرأي والحوارات الجيدة ونصوص الأبحاث وسجلات المؤسسات والملاحظات حول سير الحياة . . . إلخ. إن بورديو يدافع بالفعل عن تصور مطالب بسوسيولوجيا علمية ، وهو ثمرة لعمليات ذهاب وإياب في ما بين البناء النظري والتأكيد التجريبي ، تصور طوره في كتابه ” مهنة عالم الاجتماع ” المؤلف بشراكة سنة 1968 مع كلود شامبورديون و ج.ك. باسرون . لنلاحظ خلال عملية العرض هاته أن اختياراته الميتودولوجية قد استطاعت أن تتطور عبر الزمن ، وهكذا فإن كتابه ” بؤس العالم ” هو كتاب مبني على قاعدة حوارات يتوجه خلالها الباحث نحو المبحوث بحديث من نوع ” الحديث العادي ” ، وهو منهج يقوم حسب البعض على مراوغات جلية : فرض الإشكاليات وتوجيه الإجابات . . . إلخ.

يبقى أن إنجاز بيير بورديو يحتل مكانة مركزية في إطار المناظرة العلمية ، في السوسيولوجيا كما في العلوم الإنسانية عموما، وتقوم هذه السلطة على بهارات متعددة ؛ فلهذه السلطة في المقام الأول خاصية جاذبة ومستفزة ، وذلك من خلال كشفها عن كواليس ما هو مجتمعي ( الفوارق المدرسية ، محددات الذوق الثقافي . . ) ، وقد أظهر صاحبها أنه مجدد سواء عبر تعبئة التقنيات العلمية المتنوعة أو عبر ابتكاراته المفاهيمية : فلقد جددت مفاهيم التطبع والحقل والتميز والعنف الرمزي التحليل السوسيولوجي بعمق .

وبشكل أعم ، فإن قوة عمل بورديو تتمثل دون شك في كونه شيد خطاطة نظرية متفرعة وموحدة في نفس الآن على قاعدة تنوع كبير للمجالات والميادين ، ومن خلال تركيب عديد من المنابع النظرية : كارل ماركس ( علاقات الهيمنة ) ، ماكس فيبر ( أهمية المعنى الذي يعطيه الفاعلون لحركتهم ، مفهوم الشرعية ) ، إميل دوركهايم ( المنهج السوسيولوجي ) ، جاستون باشلار ( بناء الموضوع ) ، تورستن فيبلن ( الاستهلاك البذخي ) ، جون أوستين ( وظائف الكلام ) ، وأيضا نوربير إلياس ، إرفينغ جوفمان ، بازيل بيرشتاين ، إيمانويل كانط ، كلود ليفي شتراوس ، لودفيغ فتجنشتاين . . . لقد عرف بورديو كيف يمزج تأثيرات متعددة من أجل إقامة نظام متماسك يلخصه هو ذاته في كتابه ” التمايز ” من خلال المعادلة التالية: (تطبع)(رأسمال)+حقل=ممارسة.

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

**************

هوامش:

  1. دوركهايم ” الانتحار ” 1897 ، طبعة ثانية ، 1997 م ج ف .
  2. أنظر ليبراسيون ، 13 أكتوبر 1999.
  3. هذا التحليل معمق في كتاب د. جاكسي ” المعنى المستور ، الفوارق الثقافية والميز السياسي ” 1978.
  4. أنظر ف. دوبي: السوسيولوجيا والتربية ـ ماغازين ليتيرير رقم 369 أكتوبر 1998.
  5. أنظر بخصوص هذه النقطة نصوص د. بونيو في نفس العدد السابق من ماغازين ليتيرير ـ س. لوميو في ب. لاهير ” عمل بيير بورديو السوسيولوجي ” ، لاديكوفيرت ، 1999.
  6. أنظر ف. مايير ـ الحوار حسب بيير بورديو ـ المجلة الفرنسية للسوسيولوجيا ، 35 ، 1995.

معجم بيير بورديو الصغير :

الرأسمال: ليس المال وحده هو الذي يهم في الحياة ، فالرأسمال الثقافي بالنسبة لبورديو ( الديبلومات ، المعارف ، الأساليب الجيدة ) والرأسمال الاجتماعي ( شبكات العلاقات ) هي في أوضاع عديدة مصادر أكبر نفعا من الرأسمال الاقتصادي.

الحقل: الحقل الجامعي، الحقل الصحافي، الحقل الأدبي. . .إن هذه ” العوالم الصغيرة ” تقابل خانات في المجتمع، إنها فضاءات للهيمنة والصراع: والحقل هو أيضا سلة عقارب ، غير أن لكل حقل استقلالا ذاتيا معينا ويمتلك قواعده الخاصة، إنها حقول للقوة يتحرك الأفراد داخلها، كما هو الحال في لعبة الشطرنج، من مواقعهم الخاصة.

التطبع: التنس ، البادية ، الجاز ، الطبخ الصيني ، سفر ثقافي ومجلات التسطيح: تتواجد هذه الممارسات خاصة لدى الطبقات الوسطى المتعلمة، وهي تحدد في مجموعها تطبعا ، أي مصفوفة محددة من قبل موقعنا الاجتماعي الذي يجعلنا نرى العالم ونتحرك داخله. ويترجم التطبع من خلال أنماط العيش ، غير أنه يترجم أيضا من خلال الأحكام ( السياسية ، الأخلاقية ، الجمالية ) ، إنه ليس مجموعا من المعايير ، فهو أيضا أداة للفعل تمكن من خلق وتطوير استراتيجيات معينة.

العنف الرمزي: إنه التطويع النافع للرؤوس ، ويتمثل العنف الرمزي في جعل مظاهر الهيمنة ( الدوكسا ) تبدو كما لو كانت “طبيعية”  في أذهان الناس، وهو يتم تطويره من خلال المؤسسات ويتكئ على تأثيرات السلطة. إن نقل الثقافة المدرسية عن طريق المدرسة بالنسبة لبورديو مثلا ( وهي التي تقود وتحكم معايير الطبقات المهيمنة ) هو عنف رمزي ممارس على الطبقات الشعبية.

التمايز: أن تكون متميزا يعني أن تعمق اختلافك. إن فن التميز البورجوازي مثلا هو أن تتميز الذات بدل أن لا تكون متميزة عن لاشيء، عبر المعارضة بالتباهي والاعتراض على سوقية الغني الحديث عهد بالغنى. إن التمايز هو في قلب اللعبة الاجتماعية ، إنه محرك سلوكاتنا : ثقافة وتربية وأوقات فراغ ومطبخ ولغة.

الهشاشة اليوم في كل مكان

بقلم : بيير بورديو

عن : نقيض نار(نصوص من أجل خدمة حركة مناهضة المد النيوليبرالي)أبريل 98.

إن مجهود التفكير الجماعي الذي مورس هنا خلال يومين متتاليين هو مجهود جد أصيل ؛ وذلك لأنه جمع أناسا لم تتوفر لهم أبدا فرصة الاجتماع والاحتكاك ببعضهم البعض : مسؤولون إداريون وسياسيون ، نقابيون ، باحثون في الاقتصاد وعلم الاجتماع، عمال هم غالبا مؤقتون وعاطلون . إنني أحب أن أذكر بعض المشاكل التي نوقشت خلال هذين اليومين، وأولاها، والتي هي مقصاة ضمنيا في الاجتماعات العالمة، تتمثل في السؤال التالي: ما الذي سينتج في المحصلة عن كل هذه المناظرات ، أو بعنف أكثر ، ما هي الأغراض التي ستخدمها هذه النقاشات الفكرية؟.. وبشكل مفارق فإن الباحثين هم الذين سيقلقون أكثر من هذا السؤال، أو إن هذا السؤال هو سؤال باعث أكثر على القلق ( وأنا أعني هنا خاصة الاقتصاديين الحاضرين معنا هنا ، وإذن فأولئك الذي يقلقون من حقيقة الواقع الاجتماعي أو حتى من الحقيقة على الإطلاق لا يمثلون إلا قليلا مهنة هم بداخلها جد ناذرين ) بالنسبة لذاك الذي يرى السؤال وهو يطرح بشكل مباشر(وتلك بدون شك أحسن طريقة لطرح السؤال). إن الواقع بوصفه قاسيا وساذجا يذكر الباحثين بمسؤولياتهم التي يمكن أن تكون أكبر وأضخم على الأقل عندما يساهمون بفعل سكوتهم ومشاركتهم الفاعلة في الحفاظ على النظام الرمزي الذي هو شرط اشتغال النظام الاقتصادي.

 ويبدو واضحا أن الهشاشة اليوم هي في كل مكان ، في القطاع الخاص كما في القطاع العام أيضا الذي ضاعف المناصب المؤقتة أو النيابية بداخل المقاولات الصناعية وأيضا بمؤسسات الإنتاج والنشر الثقافيين، تعليما وصحافة ووسائل إعلام . . . إلخ، حيث تحدث تأثيرات هي دائما متشابهة تقريبا ، تصبح منظورة بشكل خاص في حالة العاطلين القصوى : تحطيم بنية الوجود المحروم ، إلى جانب أشياء أخرى ، من بنياته الزمنية،وانحطاط مجموع العلاقة بالعالم ، بالزمان والمكان التي تعقب ذلك.إن الهشاشة تفعل فعلها بعمق في ذلك أو تلك التي تصاب بها، بإحالة كل المستقبل مستقبلا غير مأمون، إنها تحظر أي استباق عقلاني وبخاصة هذا الحد الأدنى من الإيمان أو الأمل في المستقبل الذي يجب امتلاكه من أجل امتلاك القدرة على الثورة أو التمرد ، جماعيا خاصة ، على الحاضر حتى أكثره عدم قابلية للتحمل.

وتنضاف لتأثيرات الهشاشة على أولئك الذين تمسهم مباشرة ، التأثيرات الممارسة على مجموع الآخرين الذين يبدو ظاهريا أنها تستثنيهم، إنها لا تمكن أحدا من نسيانها ، إنها حاضرة في أية لحظة ، في جميع الأذهان ( ما عدا بدون شك أذهان الاقتصاديين الليبراليين ، وذلك لأنهم ربما وكما لاحظ أحد خصومهم النظريين ، يستفيدون من هذا الضرب من النزعة الحمائية التي تمثلها الإقطاعة ، أي وضعية الترسيم التي تضمن لهم الأمان . . . ) إنها تخز الضمائر وتلاحق غير الواعين .إن وجود جيش هام من الاحتياطيين لم نعد نجده فحسب بفعل الإنتاج الزائد لحملة الشواهد على المستويات الأدنى من حيث الكفاءة والتأهيل التقني ، يسهم في جعل كل عامل على حدة يحس بفقدانه لما لا يمكن تعويضه ، وبأن عمله أو وظيفته امتياز نوعا ما ؛ امتياز هش ومهدد ( وذلك ما يذكره به إضافة إلى ذلك عند طيشه الأول مشغلوه والصحافيون والمعلقون من كل لون وجنس في إضرابه الأول ) . إن التهديد وانعدام الأمان الموضوعي يؤسس انعداما ذاتيا للأمن معمما يفعل فعله في يومنا هذا بقلب اقتصاد في أعلى درجات تطوره في مجموع العالم ، وحتى في أولئك الذين لم يمسسهم أو لن يمسهم مباشرة انعدام الأمان هذا. إن هذا الضرب من ” العقلية الجماعية ” ( وأنا أستعمل هذا التعبير رغم أنني لا أحبه كثيرا من أجل الإفهام فقط ) الموحدة في العصر بأكمله هي في مبدأ الحط من المعنويات وإخماد التعبئة التي يمكن ملاحظتها ( كما فعلت في الستينيات في الجزائر ) في بلدان متخلفة منكوبة جراء إصابتها بمعدلات انعدام الشغل أو التشغيل الناقص الكثيرة الارتفاع والمسكونة دوما بهاجس البطالة.

إن العاطلين والعمال المؤقتين ، نظرا لأنهم مسوا في قدرتهم على رسم مشاريع للمستقبل ، والتي هي شرط كل السلوكات المعتبرة عقلانية ابتداء بالحساب الاقتصادي ، أو في نظام مغاير تماما ، أي التنظيم السياسي ، فإنهم لم يعودوا قابلين للتعبئة أبدا. وبشكل مفارق ، كما أوضحت ذلك في العمل والعمال بالجزائر (1) ، وهو كتابي الأقدم وربما الأكثر راهنية من أجل تصور مشروع ثوري ؛ أي طموح معقول لتغيير الحاضر من خلال مرجعية مستقبل مرسوم ، فإنه يتوجب امتلاك حد أدنى من التجكم والإمساك بالحاضر. إن البروليتاري هو بخلاف البروليتاري ـ السفلي في هذا الحد من الضمانات الحاضرة والأمان الذي هو ضروري من أجل تصور طموح لتغيير الحاضر بعامل المستقبل المأمول، غير أنه وكما يقال ، هو أيضا شخص لا زال لديه شيء ما يدافع عنه ، شيء ما يفقده ، وهو عمله ولو كان مرهقا وتافه الأجر ، وعدد من سلوكاته الموسومة أحيانا بالحذر البالغ أو بالمحافظة حتى ، يهيمن عليها كمبدأ الخوف من السقوط إلى القاع والهبوط العائد نحو البروليتاريا ـ السفلى.

عندما تبلغ البطالة ، كما هو الحال اليوم في عدد من بلدان أوربا ، معدلات جد مرتفعة ، وتحيق الهشاشة بجزء هام من الساكنة : عمالا ومستخدمين في التجارة والصناعة ، وصحافيين ومدرسين وطلبة أيضا ، فإن العمل يصبح شيئا ناذرا ومرغوبا فيه بأي ثمن ، يضع العمال تحت رحمة مشغليهم ، وهؤلاء كما يمكننا أن نلحظ ذلك كل يوم ، يستخدمون ويفرطون في استخدام السلطة التي تمنح لهم جراء ذلك. إن التنافس من أجل الحصول على عمل يصبح زوجا لتنافس في العمل هو أيضا شكل من أشكال التنافس على العمل الذي يتوجب الحفاظ عليه وحمايته أحيانا بأي ثمن من ابتزاز التسريح. إن هذا التنافس الذي هو أحيانا بنفس وحشية التنافس الذي تمارسه المقاولات فيما بينها ، هو في جذر صراع حقيقي للجميع ضد الجميع مدمر لكل قيم التضامن الإنسانية ، وأحيانا ، في جذر عنف صامت بدون كلمات. إن أولئك الذين يأسفون لنزعة اللامبالاة التي تسم من وجهة نظرهم رجال ونساء عصرنا ، لا ينبغي عليهم إهمال مسألة إرجاعها للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تفرزها أو تشترطها .

وهكذا فإن الهشاشة تفعل فعلها في أولئك الذين تمسهم مباشرة ( وهي تجعلهم في حالة عدم القابلية للتعبئة ) وبشكل غير مباشر في كل الآخرين بفعل الخوف الذي تحدثه وتستثمره منهجيا استراتيجيات التفقير والهشاشة كإقحام ” المرونة ” الذائعة الصيت، والتي نفهم منها أنها مستلهمة من مبررات سياسية أكثر منها اقتصادية .        

نشرع بذلك في التشكك في أن الهشاشة ليست نتاج قدرية اقتصادية معروفة ومشبهة  ب ” العولمة ” الشهيرة ، وإنما هي نتاج إرادة سياسية . إن المقاولة ” المرنة ” تستغل نوعا ما بشكل واع وعن سبق إصرار وضعية لاأمان تسهم في تقويتها : فهي تروم الإنقاص من تكاليفها وأيضا جعل هذا الإنقاص ممكنا بتعريض العامل لخطر دائم بفقدان عمله. إن كل عالم الإنتاج المادي منه والثقافي ، العمومي والخصوصي ، يجد ذاته مدفوعا هكذا نحو سيرورة واسعة للتفقير والهشاشة مثلا من خلال تهجير المقاولة التي ارتبطت حتى ذلك الحين بدولة / أمة أو بمكان ما ( مضيق توران بالنسبة لصناعة السيارات ) ، وهذه المقاولة تنزع أكثر فأكثر نحو التحلل والتفكك من خلال ما يدعى ” المقاولة الشبكة ” التي تتمفصل على مستوى قارة أو على مستوى البسيطة بأكملها ، بوصل أجزاء الإنتاج والمعارف التكنولوجية وشبكات الاتصال ومدارات التكوين الموزعة على أماكن جد متباعدة.

بتيسر أو تنظيم حركية الرأسمال و ” التهجير ” نحو البلدان ذات الأجور الأكثر انخفاضا ، وحيث كلفة العمل أكثر ضعفا ، تم تسهيل انتشار التنافس فيما بين العمال على مستوى العالم ؛ فالمقاولة الوطنية ( أو التي أحيلت وطنية ) والتي كانت منطقة التنافس لديها مرتبطة بشكل قوي إلى حد ما بالتراب الوطني ، والتي كانت تذهب لغزو أسواق خارجية ، تنازلت عن مكانتها للمقاولة المتعددة الجنسيات التي جعلت العمال في حال تنافس لا مع مواطنيهم وحدهم فقط ، أو حتى كما يريد الديماغوجيون أن يوهمونا بذلك ، مع الغرباء المنزرعين بالتراب الوطني والذين هم بداهة أول ضحايا تفقير الهشاشة ، وإنما مع عمال الطرف الآخر من العالم الذين هم مكرهون على قبول أجور بئيسة.

إن الهشاشة تندرج ضمن نمط هيمنة من نوع جديد مشيد على تأسيس حال معممة ودائمة من اللاأمان تستهدف إكراه العمال على الخضوع للاستغلال وتقبله. ولرسم معالم نمط الهيمنة هذا الذي هو غير مسبوق تماما ولو أنه يشبه إلى حد بعيد في تأثيراته الرأسمالية المتوحشة الأصلية ، فقد اقترح أحدهم بهذا الخصوص مفهوما هو في نفس الآن أكثر تعبيرا وأكثر إيفاء بالغرض ألا وهو مفهوم Flexploitation (= الاستغلال المرن ) . إن هذه الكلمة تعرض تماما هذا التدبير العقلاني لحالة اللاأمان التي بإقامتها عبر الفبركة المقصودة لفضاء الإنتاج خاصة ، للتنافس فيما بين عمال البلدان التي تنعم بمكتسبات اجتماعية جد هامة ومقاومة نقابية أفضل تنظيما ـ وعديد من الملامح المرتبطة بتراب وتاريخ وطنيين ـ وعمال البلدان الأقل تقدما على المستوى الاجتماعي ، فإنها تكسر بذلك أشكال المقاومة وتحقق الطاعة والخضوع وتضمنهما عن طريق ميكانيزمات تبدو طبيعية ظاهريا ، وهي كذلك في أعين مبرراتها الخاصة.إن هذه الإجراءات الطبيعية التي تنتجها الهشاشة هي شرط استغلال ” ناجح ” أكثر فأكثر مؤسس على القسمة بين أولئك الذين ، وهم أكثر عددا ، لا يعملون ، وأولئك الذين ، وهم أقل فأقل عددا ، يعملون ، لكنهم يعملون أكثر فأكثر . يبدو لي إذن أن ما هو معروض باعتباره نظاما اقتصاديا مقادا من قبل قوانين لا تقبل المرونة لنوع ما من الطبيعة الاجتماعية هو في الحقيقة نظام سياسي لا يمكن أن يتشيد إلا عبر التواطؤ الفعال أو المنفعل من قبل السلطات المحض سياسية.

ضد هذا النظام السياسي يعتبر الصراع السياسي المناهض له مسألة ممكنة، ويمكن لهذا الصراع أن يحدد لذاته كهدف أول الحركة الإحسانية ـ المناضلة وتشجيع ضحايا الاستغلال وكل الموسميين الحاليين والمفترضين على العمل معا ضد تأثيرات الهشاشة المدمرة ( بمساعدتهم على العيش وعلى “الصمود” والتماسك ، على إنقاذ كرامتهم والصمود في وجه التدمير ، في وجه انحطاط صورة الذات وفي وجه الاستلاب ) والتعبؤ خاصة على المستوى العالمي ؛ أي على المستوى ذاته الذي تمارس فيه تأثيرات سياسة الهشاشة ، وذلك من أجل مقاومة هذه السياسة وتحييد التنافس الذي تروم إقامته في ما بين عمال مختلف البلدان. إلا أن هذا الصراع يمكن أيضا أن يحاول انتشال العمال من منطق الصراعات القديمة التي باعتبارها مؤسسة على المطالبة بالعمل أو بأجر أفضل مقابل العمل ، تنغلق بداخل العمل والاستغلال أو بداخل Flexploitation الاستغلال المرن الذي يسمح به هذا المنطق، وذلك بفعل إعادة توزيع العمل ( عبر إنقاص كبير للمدة اليومية للشغل على مستوى أوربا ) ، إعادة توزيع لا تقبل الانفصال عن إعادة تعريف وتحديد للتوزع بين الوقت المخصص للإنتاج والوقت المخصص لإعادة الإنتاج ، أي وقت الراحة وأوقات الفراغ.

ثورة يتوجب أن تبدأ من خلال التخلي عن النظرة الحسابية الضيقة والفردانية التي تحول الناس إلى حاسبات مشغولة بحل مشاكل معينة ، وهي مشاكل محض اقتصادية بالمعنى الأكثر ضيقا للفظ. وحتى يشتغل النظام الاقتصادي ، يتوجب أن يحمل له العمال شروطهم الخاصة للإنتاج وإعادة الإنتاج ، وأيضا شروط اشتغال النظام الاقتصادي ذاته ، بدءا بإيمانهم بالمقاولة وبالعمل وبضرورة العمل . . .إلخ ، وهي أشياء كثيرة أقصاها الاقتصاديون الأورثودوكس قبليا من محاسبتهم المجردة والمشوهة ، ملقين ضمنيا مسؤولية إنتاج وإعادة إنتاج كل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الخفية لاشتغال الاقتصاد كما يفهمونه هم على الأفراد أو ، وتلك مفارقة أخرى ، على الدولة التي ينشدون فضلا عن ذلك دمارها.

                                                                        غرونوبل ، ديسمبر 1997    

****************************

  • مداخلة بمناسبة لقاءات أوربية ضد الهشاشة ، غرونوبل 12 ـ 13 ديسمبر 1997.

1) بورديو : العمل والعمال في الجزائر ، باريس ـ لاهاي ـ موتون ، 1963 ( بمعية أ. داريل ، ج.ب. ريفر ، س. سيبل ) ؛ الجزائر 60 . البنيات الاقتصادية والبنيات الزمنية ، باريس ، منشورات مينوي ، 1977.