ماركسيات

إحساس غريب بالحاجة إلى ماركس

بقلم : جان دانيال *

عن النوفيل أوبسيرفاتور (عدد خاص)

 

ماركس [ كارل ] فيلسوف واقتصادي ومنظر للاشتراكية الألمانية ( تريف 1818 ـ لندن 1883 ) وقد اكتشف من خلال استلهامه الديالكتيك الهيجلي ، مع نقده في نفس الآن لفلسفة التاريخ الهيجلية ، نقد الدين لدى فيورباخ والمذهب الاشتراكي لدى سان سيمون والاقتصاد لدى آدم سميث ، وبذلك بلور المادية التاريخية بشكل تدريجي ، أي النظرية العلمية لأي علم اجتماعي. هذا هو التعريف البيوغرافي الذي نجده في قاموس لاروس الصغير ، وهو تعريف جيد وممتاز يمكن أن يشكل موضوع تعليق ، لكنه أداة جيدة لتكوين فكرة أولية عن ماركس ، وفضلا عن ذلك فهو دليلنا في هذا العدد الخاص ( يقصد العدد الخاص من مجلة النوفيل أوبسيرفاتور ) .

بعد ذلك نلتحق بريمون آرون ” مراحل الفكر السوسيولوجي ” 1976 : ” إن ماركس هو أولا وقبل كل شيء سوسيولوجي واقتصادي النظام الرأسمالي ، لقد كانت لديه نظرية عن هذا النظام وعن المصير الذي يخبئه للناس وعن المستقبل الذي سيصير إليه. وبوصفه سوسيولوجيا ـ اقتصاديا لما كان يسميه الرأسمالية ، فإنه لم يكن لديه أي تمثل دقيق ومحدد عما سيكون عليه النظام الاشتراكي “.

آرون أيضا يقول : ” إن ماركس لم يكن يفضل عدم فهم الحاضر عن التنبؤ بمستقبل إرادة العمل [...] إذن فقد كان نبيا ورجلا عمليا وعالما في نفس الآن ” .

آرون أخيرا يقول : ” فكر ماركس هو تأويل لخاصية التناقض والصراع في المجتمع الرأسمالي[...] وأعماله هي مجهود بذل لبيان أن سمة الصراع لا تقبل الانفصال عن البنية العميقة للنظام الرأسمالي وعن مآل الحركة التاريخية في نفس الآن“.

لماذا هذه الاستشهادات ؟ … لأنها تفسر راهنية ماركس وتبرر نصوصه باعتبارها حاضرا ؛ ففي قلب الفكر الماركسي أو المتمركس نجد الرأسمالية وتاريخها وطريقة اشتغالها وتناقضاتها وصراع الطبقات الناجم عنها وكذا المستقبل الذي تفرزه.

بيد أنه ، وفي فرنسا في الشهور الأخيرة ، ظهر رجل ، وليس أي رجل ، ليبين لنا أن كل مآسي اليسار راجعة إلى عدم فهم هذا الأخير أن الرأسمالية انتصرت على الاشتراكية ، وبعبارة أخرى ، لم يفهم بعد أن ماركس مات . هذا الرجل هو ميشال روكار الذي كان يعلن في شبابه على الملأ كل خمس سنوات ، وعلى صفحات أسبوعية نعرفها جيد ، لا موت ماركس وإنما موت الرأسمالية . إن ميشال روكار يمكنه أن يجيب محقا بأنه كيفما كان الحال فقد فهم أن أصدقاءه في اليسار يرفضون الاعتراف بذلك.

فهل يؤدي انتصار الرأسمالية إلى انهزام ماركس واندحاره ؟ .. ليس على كل المستويات بطبيعة الحال ؛ فنقد المجتمع الصناعي الذي أحدث ميلاده ثورة في بريطانيا يظل أداة عمل في أيدي المؤرخين والسوسيولوجيين والاقتصاديين أيضا ، ويمكننا أن نقول إنه بدون فلسفة ماركس في الاستلاب ، لم يكن بالإمكان إلا نسبيا تصور أعمال مثل أعمال فيرناند بروديل وميشال فوكو وبيير بورديو. غير أن تنوع الموضوعات المعالجة هنا يجعلنا نقف بما يكفي على استمرار بعض المساهمات الإضافية للفكر الماركسي حتى يصبح من الممكن تركيز كل شيء على الرأسمالية ، على الأقل في المقام الأول.

من خلال الإعلان بصورة مدوية عن انتصار الرأسمالية ، فإن ميشال روكار يستدعي ، دون أن يصرح بذلك ، حالات الاشتراكية السويدية ، الألمانية والإسبانية ؛ فقد قطع الثلاثة في الستينيات علاقتهم بالماركسية وبجعل وسائل الإنتاج مشتركة بين الجميع وبديكتاتورية البروليتاريا . لقد تصرف الاشتراكيون الفرنسيون بدون شك ، لكن انطلاقا من سنة 1983 فقط ، كما لو أنهم يصطفون في صف ردة أحزاب استوكهولم وبون ومدريد ، لكنهم رفضوا أن ينظروا لهذه الردة وأن ينظموا بيداغوجيتها ، وبذلك جعلوا أنفسهم عرضة للاتهام بالخيانة بدل أن يعتبروا مطالبين جريئين بالتكيف مع الحداثة ، وهم يستمرون اليوم في دفع ثمن حنينهم البدائي.

في سنة 1989 ، ومع سقوط جدار برلين وتوحيد الألمانيتين، حدث شيء عظيم من الناحية السياسية ، لكنه عملاق من الناحية الإيديولوجية ؛ فقد استسلم وطن الاشتراكية وإمبراطورية المذهب الجماعي ودرع البروليتاريين والعالم الثالث في أرض عراء وبدون قتال . لقد سلم الاتحاد السوفييتي أسلحته في خضم المعركة بدون زهو و لا سعادة . ولقد تكرس في ذلك اليوم ، لا انتصار القوة الأمريكية الكبرى فقط ، وإنما تكرس أيضا المفهوم الغربي والرأسمالي للديمقراطية . لقد تم إعلان إفلاس مثال المذهب الجماعي البروليتاري والمساواتي في وجه العالم ، وكانت الرأسمالية موضوع استفتاء كوني وانخراط من طرف الجميع على مستوى البسيطة، بل إن البعض ذهبت بهم الحمية العمياء إلى حد إعلان نهاية صراع الطبقات، أي نهاية التاريخ من زاوية النظر الماركسية.

غير أن ما تجاهل السيد ميشال روكار التذكير به ، كما هو الشأن لدى معلقين آخرين هم أمريكيون بالمناسبة ، هو أن الولايات المتحدة كانت قبلا في سنة 1989 ، وفي فترة تكريس سموها ، قد غرقت في تناقضات الرأسمالية التي سبق أن وصفها ماركس ، ولم يتم إنقاذها من الغرق إلا بفضل الموت المتسارع لنظام سوفييتي يحتضر. وبعبارة أخرى ، إذا كان إفلاس الاتحاد السوفييتي قد استطاع الإشارة إلى نوع معين من موت الماركسية ، فإن انتصار الولايات المتحدة لا يؤدي بالضرورة إلى موت ماركس.

بيد أنه إذا ما ظللنا في مجال صلاحية الرأسمالية المعلن عنها على غرار الديمقراطية التي هي ” أقل الأنظمة رداءة باستثناء كل الأنظمة الأخرى ” ، وإذا ما قدرنا أنه يتوجب تفضيل مثال الحرية على مثال المساواة ، وأن قيم التنافسية تنتصر على قيم التضامن ، وأن الرأسمالية أخيرا نظام يضبط أموره بذاته بطريقة معجزة ، ويصحح انحرافاته بكفاءة عالية ، فإنه يتوجب علينا الانتباه إذ ذاك جيدا للأحداث التي ترج الأمم في صراعها ضد العولمة وضد تعسف الإمبراطورية الأمريكية.

ودونما حاجة للجوء إلى تحليل نفسي واجتماعي للحركات البديلة للعولمة ولدلالاتها على مستوى البسيطة ، نستطيع أن نلاحظ قبلا أن الفضائح غير المسبوقة التي لطخت منذ عهد قريب وشوهت ودنست التطهرية المفترضة لدى كبار المقاولين الأمريكيين، قد طرحت من جديد مسألة تناقضات الرأسمالية بدل أن تطرح مسألة انتصارها النهائي.

استشهاد من البيان الشيوعي : ” إن تاريخ كل المجتمعات إلى أيامنا هاته هو تاريخ صراع بين الطبقات ، أناس أحرار وأناس عبيد ، أرستقراطيون وعوام ، بارونات وأقنان ، أسيد وموالي ، وبكلمة واحدة : مضطهَدون ومضطهِدون كانوا دائما في حال مجابهة ، وقد انخرطوا في صراع لا هوادة فيه ، صراع مقنع أحيانا وسافر أحيانا أخرى ، كان ينتهي في كل مرة إما بتغيير ثوري للمجتمع بأكمله أو بدمار مختلف الطبقات المتصارعة“.

بيد أنه ، وحسب كامو ، فإن الإيمان بالتقدم واستنتاجات رينان تبدو اليوم مذهلة ومروعة ، إن صراع الطبقات يوجد اليوم بصيغ مخالفة ، إنه يظهر من جديد وينتشر ويتغير ، لكن مع اختلاف جدير بالاعتبار لأن العبد والعامي والقن والمولى ، وبكلمة واحدة لأن المضطهدين والمسحوقين لم يعودوا يؤمنون بمجتمع ” تختفي فيه الصراعات الطبقية ويتمركز فيه الإنتاج بين أيدي أفراد شركاء وتفقد فيه السلطة العمومية سمتها السياسية [....] وأن المجتمع البورجوازي القديم بطبقاته وصراعاته الطبقية سيخلي المكان لشراكة يكون فيها الازدهار الحر لكل فرد شرطا للازدهار الحر للجميع“. لم يعد هناك أي شخص من بين ” المستغَلين” يرغب في الانخراط في هذه النزعة المسيحية المتعلقة بالتقدم، وفي هذه النبوية التي أضحت دينية حيث يلتحق ” ما بعد ” لدى الملحدين بـ ” الآخرة ” لدى المؤمنين. ألبير كامو يقول : ” ماركس هو في نفس الآن نبي بورجوازي وثوري [ ...] والتمسح العلمي لدى ماركس هو ذو أصل بورجوازي ؛ فالتقدم ومستقبل العلم وعبادة التقنية والإنتاج ، كلها أساطير بورجوازية تشكلت على هيئة عقيدة في القرن 19 ، وسيشار إلى أن ” البيان الشيوعي ” ظهر في نفس السنة التي ظهر فيها كتاب رينان ” مستقبل العلم “ “.

والطامة تتمثل في أن انتصار الرأسمالية لم يلغ تناقضاتها أبدا، وأن ماركس ضمن البقاء بعد الماركسية ، لكن الاقتصاد الذي كان بروميثيوسيا هو أبعد ما يكون عن أن يشكل المحدد الوحيد للسلوكات ، وذلك على النقيض مما افترضه ماركس ، و لا يبقى في الغالب الأعم كدواء لداء فقدان الأمل الاجتماعي أو البؤس الاقتصادي ، غير الاحتماء بالفوضى والفردانية ، النزعة العدمية أو الدين.

* جان دانيال كاتب ومؤسس مجلة ” النوفيل أوبسيرفاتور ” ،آخر كتاب ظهر له هو ” السجن اليهودي ” أوديل جاكوب 2003.  

***********************

 

ماركس وإخوانه المسلمون

بقلم : بول بلانفا

 
لايقبل ظهور الماركسية في العالم الإسلامي الانفصال عن انحطاط وانهيار القوى الإسلامية عند ملتقى القرنين التاسع عشر والعشرين ، وهو يندرج في إطار حركة إعادة اكتشاف وتشكيل الكيانات الإسلامية المواجهة للاستعمار ، ثم بعد ذلك في معارك الاستقلال وبناء الهويات الوطنية. وقد أثار المسلمين أول الأمر الخلط الذي مارسته الشيوعية عندما جعلت من فكرة الاستبداد الشرقي مبدأ نظريا ، وقد كان في فكرة التقدم القائم على العلم والتي وعدت عن طريق المادية التاريخية بتحقيق اللحاق بالحداثة ، ما يكفي لإغواء النخب المنحدرة من الحرب العالمية الأولى كما يشهد على ذلك مثال الشاعر التركي ناظم حكمت.
carlos-marx.jpgLenine-prophete-russe.jpgStaline.jpg
لقد كان المثقفون المسلمون قد تبنوا فكرة نشر الثورة في مجموع الإمبراطورية العثمانية غداة قيام الثورة الفرنسية ، وذلك على الأخص بفضل الانقلاب على الدولة الذي قام به شباب أتراك سنة 1909 والثورة الدستورية سنة 1906 بإيران..وقد تاق المسلمون في الإمبراطورية الروسية ، مع ثورة 1917 ، إلى امتلاك القدرة على الحصول على الاستقلال من جديد من خلال تحالفهم مع الشيوعيين ، وبذلك استجابوا لنداء لينين عندما دعاهم إلى أن يتنظموا واعدا إياهم باحترام ثقافتهم ومؤسساتهم. وقد رأى عدد معين من المسلمين تقاطعا في ما بين طموحاتهم إلى قوة إسلامية هي برسم إعادة البناء والتشييد ، وأهداف الشيوعية ومطامحها ، ولذلك اقترح القائد السابق للجنة الوحدة والتقدم أنفير باشا ، منذ سنة 1919 ، إقامة تحالف مع الاشتراكيين بغرض مواجهة ” الإمبريالية الرأسمالية ” والقيام بثورة مع تكييف الاشتراكية وملاءمتها مع الإسلام. كما أكد المصلح الكبير رشيد رضا الذي وافته المنية بالمملكة العربية السعودية سنة 1935 ، بعد أن اعتنق الوهابية ، أن هنالك تطابقا في ما بين المثل الماركسية والمبادئ الاجتماعية والاقتصادية في الدولة الإسلامية الأصيلة.

HunTurkleri011.jpg\Data\Inetpub\wwwroot\tusam\http\images\makale\CDE7D4FE3D.jpg&Width=160hikmet1.jpg

بيد أن سياسات الاتحاد السوفييتي إزاء السكان المسلمين جعلت هذه الآمال أوهاما ، وذلك بفعل إنشاء جمهوريات اشتراكية سوفييتية مصطنعة انطلاقا من سنة 1923 ، مؤدية بذلك إلى ميلاد ” الشيوعية الوطنية التترية ” من قبل السلطان غالييف ، أحد المتعاونين القدماء مع ستالين والذي أعدم سنة 1937 . وقد بدا الاتحاد السوفييتي كقوة إمبريالية عندما عمد إلى إقامة أول جمهورية سوفييتية تابعة ـ وهي جمهورية جيلان الشيوعية بشمال إيران سنة 1920 والتي لم تعمر طويلا ـ في اللحظة نفسها التي ولد فيها الحزب الشيوعي الإيراني . الحزب الشيوعي الإيراني الجديد ” حزب تودة 1942 ” ، حيث كان الحزب الأول قد تم حله ، وفي الوقت الذي كان فيه السوفييت يحتلون شمال إيران ويمارسون فيه دعاية كبيرة ، لم يستطع الصمود أمام كل هذه التناقضات مع تشيعه في نفس الآن لموسكو ، ولم يستطع أحد في المنطقة غير كمال أتاتورك أن يحقق الاستقلال ضدا على القوى الاستعمارية ، غير أن أتاتورك سبق له أن عرف كيف يستغل تحالف الشيوعيين لصالحه قبل أن يقمعهم ويبطش بهم من أجل بناء دولة حديثة.

وقد لعب الشيوعيون ، بعد أن تحولوا إلى عالم ـ ثالثيين دورا كبيرا في حركات الاستقلال ، لا فقط عن طريق الإغراء الذي مارسوه على المثقفين الذين قطعوا مع التقليد الذي اعتبروه العلة الأساسية في التخلف والانحطاط ، إذ شكل موضوع الصراع مع الإمبريالية التي تمت مماثلتها بالرأسمالية ، أداة قوية لتجميع المعارضين وتوحيد مواقفهم وصفوفهم. وهكذا ساند حزب تودة بإيران سلطة مصدق سنة 1952 ، غير أنه ساهم في عزله بفعل قطع علاقاته مع رجال الدين ، وهو ما فتح الطريق أمام عودة الشاه للحكم. ونفس الشيء بالعراق ، حيث لعب الحزب الشيوعي ، وهو أقدم حزب سياسي عراقي أسس سنة 1934 ، على مسألة تشبث الشيعة بالاحتجاج الاجتماعي بغرض مساندة ودعم الانقلاب الذي قام به عبد الكريم قاسم سنة 1958 . وهنا سيغدو الحزب ضحية سياسته ذاتها . لذلك سينهمك البعثيون الذين أطاحوا بالنظام بمساعدة الولايات المتحدة في عملية تطهير استهدفت الشيوعيين والشيعة الذين كانوا يساندونهم. لقد كانت الأحزاب الشيوعية أسيرة تناقضاتها المتمثلة في انتمائها الأممي وبناء الأنظمة الوطنية المحلية التي لا تلتقي مع الأممية في النهاية إلا في إطار الصراع المناهض للإمبريالية ، وسيستخلص الحزب الشيوعي الجزائري الدروس والعبر من ذلك خلال بناء الذات في إطار جبهة التحرير الوطني.   

وقد كان على الشيوعيين أ يأخذوا بعين الاعتبار الحركات الوطنية مثل حزب البعث الذي أسس سنة 1934 أو إيديولوجية جمال عبد الناصر المتقلبة ابتداء من سنة 1952 ، أما الحركات التي ستسمى حركات إسلامية كحركة الإخوان المسلمين التي عرفت النور سنة 1928 ، وبالأخص الجيوش التي كان ضباطها في الغالب وطنيين متحمسين ، فكانت على رأس الحركات الثورية . وقد شكلت الشيوعية الوطنية لدى السلطان غالييف مصدر إلهام بالنسبة لبعض هؤلاء العسكريين كما هو الحال لدى العقيد القذافي الذي سيطيح بالنظام الملكي في ليبيا سنة 1969 .

وستوظف الحكومات الثورية قواها السياسية مستندة أحيانا على هذا الطرف وأحيانا على الطرف الآخر ، كجمال عبد الناصر الذي قمع كلا من الشيوعيين والإخوان المسلمين معا . وقد اندرجت هذه الصراعات السياسية أيضا في إطار الصراع فيما بين الشرق والغرب الذي وظفه حكام الشرق الأوسط للحصول على مزيد من الاستقلال ، ذلك الاستقلال الذي كان الشيوعيون في الغالب هم ضحاياه ؛ فقد كان الاتحاد السوفييتي يؤمن بشكل أكبر بالتحالف مع دول الشرق الأوسط قصد مناهضة ” الإمبريالية الأمريكية ” أكثر من تطلعه لبناء أنظمة شيوعية حقيقية ، والفشل في أفغانستان هو ما سيؤكد ذلك . ولقد أدمجت الأنظمة العربية الوطنية الماركسية ضمن إيديولوجية اشتراكية ” مفرغة من الشيوعية ” بإمكانها أن تتآلف مع النزعات الوطنية المحلية أو القومية العربية. إن الشيوعية لم يكن بمستطاعها الانغراس بشكل دائم في تربة العالم الإسلامي لأن استراتيجيات الوصول إلى السلطة فيه فشلت لأسباب متعددة ، حتى في إندونيسيا التي كانت تعتبر فيه قوية ؛ فهي لم تستطع التميز كفاية عن سيطرة موسكو ، كما أنها لم تستطع التجاوب والتعاطي مع الحقائق الاجتماعية على الأرض في شرق أوسط هو في طريقه للتصنيع ومطبوع بالدين بشكل طاغ في كل ممارساته الاجتماعية.

والمؤشر القوي على عجز الأنظمة العربية الثورية عن بناء مجتمعات وطنية جديدة ومستقلة هو الصراع العربي الإسرائيلي ، ذلك الصراع الذي شجع أيضا على نمو الحركة الإسلامية التي تم التنظير لها منذ بدايات القرن العشرين. لقد حملت الاشتراكية العربية الماركسية معها في فشلها ، بينما كانت الصعوبات والتعقيدات الاجتماعية والاقتصادية تتنامى وتبدو الاستقلالات الوطنية دوما عبارة عن سرابات وأوهام. غير أن قوة التنظيم والتعبئة لدى الشيوعيين ومناهجهم في العمل وبعض موضوعاتهم ـ مثل نزعة مناهضة الإمبريالية وأداتها الشرقية المزدوجة ، أي معاداة الصهيونية ـ أثرت في الحركات الإسلامية التي أضحت القوة السياسية الأولى الداعية للحداثة في العالم الإسلامي منذ بداية السبعينيات. وقد وعدت الماركسية أيضا بحل مشاكل التخلف في مواجهة نماذج اقتصادية نظر إليها باعتبارها تمديدا وتوسيعا لنظام سياسي ظالم قائم فيما بين قدماء المستعمرين والشعوب المستعمرة. الخطابة وعبادة الشخصية وإيديولوجية التقدم التي أنعشها الشيوعيون تم استيعابها من قبل النزعات الإسلامية ، كما أن حركات ذات استلهام شيوعي حافظت أحيانا على صفتها تلك في إطار معارك التحرير الوطنية أو الثورات الدولية كما هو حال حزب البيكاكا PKK  أو أقصى اليسار بتركيا.

ولقد مكن عجز الأنظمة القائمة عن الإجابة عن هذه المشاكل من تبلور حركات احتجاجية أكثر فاعلية وأكثر تجذرا في الواقع وفي تمثلات مجتمعات الشرق الأوسط. وقد زاوجت الحركات الإسلامية بين العمل الخيري الاجتماعي الموروث عن البنيات التقليدية ومناهج وبلاغة الحرب الثورية ذات الاستلهام الشيوعي ، والمتمثلة موضوعاتها في مناهضة الإمبريالية والصهيونية ، وهي الموضوعات التي مكنت من تكريس فكرة المؤامرة العالمية من جهة ، واستخدام عنف بدائي قائم على التضحية بالنفس ومستهدف لانتزاع جذور الشر سبق للوهابيين أن لجأوا إليه بنجاح في شبه الجزيرة العربية من جهة أخرى.

وهكذا ، فإنه يبدو أن تطور الحركة الإسلامية لا يقبل الانفصال عن تطور موضوعات ومناهج المعركة الموروثة عن قرن من الصراعات السياسية بالشرق الأوسط ، وبشكل من الأشكال ، فإن الحركة الإسلامية اليوم هي بعنفها المتطرف تجذير للاشتراكية وللقومية العربية في فشلهما ذاته.  

******************************************************

  

 

ما الذي أصبح عليه حال الماركسيين اليوم ؟ .. بعضهم انخرط في ” ماركسية بيان الموجودات ” ، والآخرون تخلوا بعد تمعن عن المرجعية الماركسية واتجهوا صوب مبادرات فكرية مغايرة . وبمكر تاريخي ؛ فإن الجامعيين الأنجلوسكسونيين هم الذين أصبحوا اليوم يوفرون للماركسية أكثر الآفاق التجديدية أصالة .
عــــن : مجلة العلوم الإنسانية رقم : 63 يوليوز 1996
المثقفون ومسارات الردة
 
في كتابه التقليدي ” حول الماركسية الغربية ” المنشور سنة 1977 ربط بيرُي أندرسون النجاح السياسي والمادي للماركسية بشرطين اثنين : من جهة بوجود حزب شيوعي قوي وقادر في نفس الآن على تنظيم غالبية أفراد الطبقة العمالية وتشكيل قطب بديل . ومن جهة أخرى بوجود أنتلجنسيا كثيرة العدد وديناميكية ، مهتمة بازدهار ثقافة ماركسية حية وخلاقة . وهذان الشرطان لم يجتمعا على مستوى تاريخ البلدان الأوربية إلا في ثلاثة بلدان هي : ألمانيا خلال العشرينيات ، إيطاليا وفرنسا ، حيث تمكنت الأحزاب الشيوعية ووجه المثقف اليساري من الاحتلال الدائم لمكانة مركزية في الحياة السياسية . لكن كان على الماركسية في هذه البلدان ذاتها أن تعاني من فشل المحاولات الثورية للسنوات ما بين 1920-1917 ، وأن تعرف ” طلاقا بنيويا في ما بين النظرية والممارسة ” .
وهكذا فإن علمنة هذه عاناحظ تجدد وانبعاث لهذا الفكـــر تلك البلدان التي كانت صية تقليديا على الفكر الماركسي بادئ ذي بدء في طموحاتها الأولى ؛اركسية أيضا هو قدرتها التنبئية ؛اعتراف بمعنى ما بنقصان النظرية مع إيلاء انتباه جديد كليا للقارات الفكرية الأخرى . إن العقيدة الماركسية حتى ولو تم الاحتفاظ بها ، لم تعد النجم اللامع الوحيد في سماء الإيديولوجيات .
 
الالتفاف المدروس على المرجعية الماركسية
 
إن المفكرين والتيارات المتمركسة عندما لا يختارون ماركسية بيان الموجودات هاته فإنهم يهجرونها لموقف النسيان أو التهجين . ومن وجهة النظر هاته فإن ثلاثة أنواع من المبادرات الفكرية تستحق الذكر ، وهي تمثل انعطافا إن لم نقل قطيعة هامة مع الوصية النظرية للماركسية ، ولكنه الانعطاف أو القطيعة التي توفر أيضا مخرجا معقولا لكل أولئك الذين ” صدقوا ” وآمنوا بصلاحية هذا الفكر الداخلية : (1 النظرية الاجتماعية للإيطالي سلفاتور فيكا المستلهمة من الفيلسوف الأمريكي جون راولس ؛ (2 نظرية الفعل التواصلي لدى يورغن هابرماس ؛ (3 وأخيرا سوسيولوجيا بيير بورديو التي ولو أنها انتشرت في إطار سوسيولوجية أجنبية عن التكهن الماركسي ، فإنها تقدم على الأقل تشابهات وتماثلات هامة مع المنظور الاجتماعي لدى ماركس .
الغواية الراولسية :
يعتبر سلفاتور فيكا عموما الناطق الرئيسي في ما وراء الألب باسم فكرة جون راولس ؛ ففي كتاب صدر سنة 1987 بعنوان : ” برنامج ماركس الاقتصادي ” انتقد عقيدة ماركس لأنها لا تساعد من وجهة نظره على التفكير الصحيح في إحراجات ( مشاكل منطقية غير قابلة للحل ) حداثتنا الليبرالية . ولقد ترك المجال في كتبه الأخيرة للاعتقاد بأن الفلسفة السياسية لمؤلف ” نظرية العدالة ” هي الأفضل موقعا للحلول محل ماركسية لا وارث لها ، ولإصلاح التفكير الجماعي منذ الآن في مستقبل المجتمعات الإنسانية .
وبشكل عام فإن فكر جون راولس يوفر منفعة لا تنكر للمثقفين الماركسيين الذي هم في حالة انقطاع معلن عنها ، والذين هم على شاكلة س. فيكا في بحث دائب عن آفاق جديدة . إنه يبرهن على أن التخلي عن الماركسية التي هي في نفس الآن شبيهة بيوتوبيا علمانية وبأداة للتحليل لا يستلزم أبدا الانخراط بلا تحفظ في نظرة فردانية للمجتمع ؛ إنه يمكن من تعميق تبرير الديمقراطية ، ودعم الحريات السياسية ونوابض الاقتصاد الليبرالي مع العمل في نفس الآن على اقتراح مبادئ للعدالة الاجتماعية .
إعادة البناء الهابرماسية
بكل تأكيد يمثل عمل هابرماس غير المكتمل ” خروجا ” من الأورثودوكسيا التي كثر تبجيلها وتعظيمها في نظر مستعمل قديم للمذهب الماركســـي .
لقد عمق يورغن هابرماس حركة التباعد التي مارستها مدرسة فرانكفورت قبلا حيال النظرية الماركسية . ولقد عبر في كتابه ” ما بعد ماركس ” عن إرادته في تحرير أفكاره الخاصة من الإطارات الأساسية للأورثودوكسيا الماركسية وتجديد الاتصال بتقليد ألماني قديم يحدد للفلسفة مهمة توحيد مساهمات المباحث الأكثر تنوعا بداخل بناء جامع ، فما هي بالضبط المكانة التي احتفظت بها هذه الماركسية المطهرة سابقا في كنف هذه الكوكبة الفكرية الجديدة ؟ .. فإذا كانت الماركسية لا تزال مطلوبة بالنسبة ليورغن هابرماس من أجل المساهمة في فهم الشأن المجتمعي وتوضيح تناقضاته ، فلم يعد من شأنها بالمقابل أمر إصدار الوصايا و لا حتى ممارسة النبوءة . إن عمل العلمنة يطرح على الأقل السؤال التالي : هل من الممكن ، مع الحفاظ تماما في الذهن على ضرورة نقد للهيمنة ، تصور نظرية للانعتاق لم تعد تمر أبدا عبر يوتوبيا ثورية ؟ .. نعم ، يجيب هابرماس ، لكن بشرط جمع النموذج الكلاسيكي للهيمنة بالنموذج الأوسع للتواصل . هنا تكمن المساهمة الأكثر خصوبة بكل تأكيد لإعادة البناء الهابرماسية للمادية الديالكتيكية ، والتي عرضت نتائجها في ” نظرية الفعل التواصلي ” .
منذ أن فقدت التقاليد والعادات والقيم سلطتها المنظمة والضابطة وتمددت وتتمدد دائما إلى الأمام أكثر ضروب المنطق المحاذية لـ ” العالم المدار ” و ” العالم التجاري ” و” استعمار بنيات العالم المعيش ” ، فإن الحفاظ على / وتوسع ” فضاءات التفاهم المشترك ” تمثل في أعين هابرماس العقبة الرئيسية في وجه خيبة الأمل . لا شيء أكثر استعجالا بالخصوص من الحفاظ على بنيات الحياة الاجتماعية ، والأسرة في المقام الأول لأنها تتعارض بشكل أكثر فعالية مع ضروب المنطق المدمجة لاقتصاد السوق والإدارة النظامية . لقد قادت هذه المهمة هابرماس إلى إعادة الإعلاء من شأن الديمقراطية على حساب الليبرالية ، وهو يعتبر إقامة دولة الحق المحترمة للحريات والمراهنة في النهاية على إعادة بناء ” فضاء عمومي ” يساهم المواطنون في كنفه طبقا لتعاليم الأخلاق التواصلية في إنتاج واتخاذ القرارات العمومية مكسبا حاسما .
سوسيولوجيا بيير بورديوالنقدية :
لقد رفض مؤلف ” مهنة السوسيولوجي ” دائما أن يعلن ولاءه لفكر ماركس أو لفكر أتباعه وخلفائه ، معترفا بأنه لا يعدم حججا من أجل إسقاط الصلاحية عن هذا الانتماء .
-     إذا ما ألقينا أولا نظرة على جينيالوجيا أعماله فإننا سنقف مباشرة على أنها أنجزت خارج السبل التي وضعت معالمها من قبل التأمل الماركسي وعلى قاعدة السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الاجتماعية . و بورديو يطالب صراحة بإدراج فكره داخل التقليد السوسيولوجي الفرنسي ( سوسيولوجيا إميل دوركهايم ) .
-      و لا يمكن اعتبار رفضه توريط البحث السوسيولوجي في المقام الأول في التزام من طبيعة سياسية ، أو أيضا في عقائد الخلاص ، فإن سوء التفاهم الذي حصل مباشرة في ما بين مدرسة ب. بورديو ومثقفي PCF يعتبر سوء تفاهم يمكن على الخصوص من فهم السبب وراء عدم تأثر سوسيولوجيا الهيمنة الرمزية أبدا من جراء الأزمة التي عصفت بالماركسية الغربية . وإذا كان التقليد السوسيولوجي الذي أعاد ب. بورديو تناوله وإغناءه تقليدا يمكن من البقاء على قيد الحياة بعد تفتت النبوية الثورية ، أفليس ذلك أفضل دليل على أن هذا التقليد ينهض ويزدهر على قاعدة ركيزة فكرية غريبة تماما عن الأرضية الماركسية ؟ ..
-      وإذا كان ممكنا بشكل مؤكد أن نكتشف بداخل وسط بورديو ( مدرسة بورديو ) جيلا عايش المحاولات الثورية للعشريات 1970-1960 ، فإن هذا الوسط ذاته جمع أيضا أجيالا لم تعرف هذه الفترة ، أجيالا شغفت بهذه ” الصرامة المزعجة ” التي دعتهم إليها مدرسة بورديو والتي سيكون مفاجئا بدون شك أن تماثل بجماعات المحرضين الماركسيين اللينينيين    ! وما يتبقى بعد ذلك هو أن هنالك تقاربا قويا بشكل خاص في ما بين هذين المذهبين .
-      عنصر التواطؤ ( الاشتراك ) الأول في ما بين سوسيولوجية بورديو والفكر الماركسي يتمثل في أن كلا منهما انشغل بالتفكير في النظام الاجتماعي عبر نموذج الهيمنة ، وأنه ليس من الممكن الوصول إلى استيعاب واضح للفضاء الاجتماعي بدون توضيح التناقضات الطبقية التي تشكل القاطرة الكبرى للحياة الاجتماعية : ويجدر بنا مع ذلك أن نضيف أن سوسيولوجيا بورديو تشكلت أيضا ضدا على ” تحريفية ” معينة للتقليد الماركسي وهي تلح على أن تصطنع طريقة جد مدققة لوصف الميكانيزمات المعاصرة للهيمنة الاجتماعية . إن بورديو يعمل على أن ينجز لنظرية الهيمنة ضربا من الثورة الكوبرنيكية ، محولا النظر من أماكن إنتاجها المفترضة نحو ميكانيزمات إعادة إنتاجها ، وقد توصل مؤخرا بهذا  (التطبع )على الخصوص إلى صياغة مفهوم جديد هو مفهوم التطبع Habitus . وبوصف هذا المفهوم محددا باعتباره ” نظاما للإجراءات المستدمجة “ أو أيضا “ قالبا مُبَنْيِناً للإدراكات والسلوكيات ” ، فإن التطبع يوجه كل فرد بداخل الفضاء الاجتماعي محددا له وبدون علم من فهمه الخاص اختياراته وأذواقه وسلوكاته ، ومن ثم لا حاجة ” لأجهزة الدولة الإيديولوجية ” من أجل إعادة تفعيل عنف رمزي ينتج ” بشكل طبيعي ” عبر توسط أزراره ومفاتيحه الثقافية التي هي أشكال التطبع  ! .
-     إن نقد الديموقراطيات الحديثة الذي تتضمنه سوسيولوجيا بورديو يشكل تماثلا ثانيا مع التحليل الماركسي ؛ و لا شيء يوضح بشكل أفضل التصور التحقيري بشكل لا يقاوم للديمقراطية لدى ب. بورديو غير الأجزاء الكبيرة من عمله والمخصصة للتربية والتعليم . إن المدرسة بشكل أكيد هي المؤسسة التي يتم اللجوء إليها بشكل منتظم إلى جانب الاقتراع العام من أجل تأكيد الطموح المحرر أو التحريري لدى الديمقراطية . بيد أن كل تأملات بورديو حول المدرسة تستهدف تفكيك أسطورة الاستحقاق التي تغذي الصناعة الجمهورية للصورة منذ جول فيري . إن ما يعتبر حدثا هو أنه في العصر الحالي الموسوم بسقوط البدائل الثورية تعتبر سوسيولوجيا بورديو على الأرجح المؤسسة الفكرية الوحيدة ذات بعض الأهمية التي لا توافق على القبول بإيجابية ما للمبدأ الديمقراطي ، وبهذا الخصوص فهي تذهب إلى ما وراء الطبعات الأكثر أورثودوكسية في الماركسية الجديدة والمعاصرة .
-      وإذا ما اهتم بفصل السوسيولوجيا التي تشتغل في مجال ” وصف ” الفلسفة أو السياسة التي تبذل قصارى جهودها من أجل ” تقديم الوصفات ” فهو لا يفوته أن ” وصف ” العلاقات الاجتماعية هو شيء آخر غير كونه مجرد تقرير علمي ، ” ستكون العلاقات الاجتماعية أقل تعاسة إذا ما تحكم الناس على الأقل في الميكانيزمات التي تحكم عليهم بالمساهمة في بؤسهم الخاص ” . وهكذا ، فإن السوسيولوجيا يمكن أن تمارس عملا نافعا ومجديا من خلال إخبار أفراد المجتمع الأكثر خصاصة بنوابض الهيمنة الممارسة عليهم ، ومساعدتهم بذلك على إمساك زمام مصائرهم بأيديهم .     
 
تجدد الماركسية الأنجلوفونية
 
علينا أن نعترف ولو أن إنجلترا هي الأرض التي شهدت ميلاد الاقتصاد السياسي الماركسي بأن ما لم يكن منتظرا هو أن تتجدد الماركسية انطلاقا من جامعة أوكسفورد أو كمبريدج ، هارفارد أو ستانفورد إن لم تشكل توسعا معتدلا للماركسية الغربية . وبالفعل ، فحتى الثمانينيات برز الفكر الماركسي بداخل المشهد الفكري البريطاني كثؤلل صغير معلق بالإرادة الطيبة لدى الأكاديميات المهيمنة . وقد وقف تأثيره في كنف الجامعة عند حدود ” مساحات محدودة ” : التاريخ المعاصر على سبيل المثال ؛ حيث مارست أعمال م. دوب و إ. هوبسباون أو ت. كليف وحققت إشعاعا حقيقيا .
وفي الوقت ذاته الذي مارست فيه إغراء وجاذبية كبيرين على الأوساط الفكرية القارية ، من كان يستطيع أن يتصور أن هذه الماركسية المجدة والوحيدة ستستبق بالفعل المصير اللاحق للماركسية الغربية وستملي عليها حتى الشروط القبلية لبقائها على قيد الحياة ! .
وانطلاقا من الثمانينيات بالمقابل التقت الماركسية الأنجلوفونية هذا النزوع الثقيل للمشهد البريطاني الذي شكلته الفلسفة التحليلية بمزجها خلسة للانشغالات والمبادئ والاحتياطات الحذرة : ونتجت عن ذلك ماركسية متثاقفة بشكل كامل ؛ ماركسية هي في نفس الآن ” تحليلية ” ، ” فردانية ” و ” أخلاقية ” .
ماركسية تحليلية :
يعلن على العموم كتاب ج.أ. كوهن ” نظرية التاريخ لدى كارل ماركس ” الذي ظهر سنة 1978 حفل الخطوبة الغريب نوعا ما بين الماركسية الأنجلو سكسونية والفلسفة التحليلية . و ج. أ كوهن الذي كان تلميذا لجيرار ريل ؛ المدير النافذ التأثير في مجلة ” مايند = العقل ” ينبه في مستهل الكتاب إلى أنه فرض على ذاته ” إكراهين اثنين : نصوص ماركس من جهة ، ومعايير الوضوح والصرامة التي تسم فلسفة القرن العشرين التحليلية من جهة أخرى ” . وقد شكل هذا المسعى مدرسة وفتح آفاق التطور الجديدة التي ستمكن من توطيد فرع ديناميكي وأصيل للماركسية الغربية حول مفكرين كجون إيلستر ، آدم بريفورسكي ، جون رومر ، ب. فان بارييس أو إ.أ. ورايت .
وتطبق ” الماركسية التحليلية ” على التقليد الفكري المنحدر من أعمال ماركس المناهج والقواعد المعروفة بأنها في مبدأ كل بحث ذا سمة علمية . إن الفكر الماركسي لم يعد يعتبر وبشكل يحظى بالأسبقية ك : ” تصور شمولي للعالم ” ، وإنما كمجموع محدود من المشاهد النظرية قابلة للعزل والتحليل وقابلة للرفض أيضا احتمالا . أعمال ماركس مفككة هنا بحرص شديد إلى تعدد من القضايا من بينها قضايا هي من العمومية المفرطة حتى أنها لا تقبل أن تحاكم تجريبيا ، لكن بعضها الآخر واضح ومحدد بما يكفي بشكل يمكن من تعريضه لـ ” مبدأ التحقق ” . وهذا المنهج التحليلي المتمثل في مجابهة القضايا المفردة للنظرية الماركسية بتطور المجتمعات هو مشغل بشكل خاص في مجال النظرية الاقتصادية . وهكذا لا يتردد ببريطانيا العظمى ج.أ. رومر أو أيضا ب. برينير في وضع الأصناف المركزية للاقتصاد السياسي الماركسي موضع تساؤل : القيمة ، الاستغلال ، فائض القيمة ، بينما تناول إ.أ. ورايت مفهوم ” الطبقات ” الاجتماعية العريق على ضوء التحولات المعاصرة .
ولو أن الماركسية التحليلية لم تعلن عن ذلك كمرجع فإن الموقف ” النقدي النزعة ” وليس الدوغماطيقي الذي تتبناه الماركسية الأنجلوفونية يحين على طريقته المقاربة الجديدة التي جربها كارل بوبر سنة 1942 في كتابه الكلاسيكي ” المجــــتمع المفتوح وأعداؤه ” .
لقد كان الإبستمولوجي الفييني ( نسبة لمدينة فيينا ) قد قرر حينها أن يحمل على محمل الجد الزعم العلمي للفكر الماركسي ـ الذي ميزه بدقة عن ذريته ” الماركسية ” ـ وأن يعتبر أطروحاته الأساسية عبارة عن قضايا قابلة للتكذيب منطقيا وتجريبيا ومن ثم توقفت الماركسية عن أن تكون غرابة فكرية لكي تضحي مجرد بناء فرضي استنتاجي قابل للمحاكمة بهذه الصفة بالإجراءات المستخدمة في كنف مجتمع العلماء .
إن تطبيق معالجة ذات خصائص علمية على الماركسية يطرح مشكلة كبرى على كل أولئك الذين لم يفقدوا الأمل رغم كل شيء من الأدوات الفكرية الموصى بها من طرف مؤلف ” رأس المال ” . فهل يمكن احتمالا أن تقود مستخدميها إلى هجر عقيدة أضحت متقادمة ؟ .. تلك على سبيل المثال هي قناعة كارل بوبر . وإذا ما توقفنا عن اعتبار الفكر الماركسي كما لو كان فكرا ” صادقا ” بالضرورة ، كشكل من أشكال قبلي المعرفة ، حتى لا يتم الاحتفاظ منه إلا بمجموعة من القضايا القابلة للتحقق والتكذيب تجريبيا ، فإن ماركسية فاضلة وصادقة ستقبل إذا اقتضى الحال ذلك أن يتم إبطالها . إن تقريرا نقديا ومخيبا لآمال النظرية الماركسية هو تقرير قاتل لها بالقوة .
والماركسية التحليلية تقبل هذا الاحتمال ؛ إنها تقبل وجوب أن يتضمن استعمال صارم للفكر الماركسي وبشكل فبلي فرضية اختفائه الخاص بوصفه بنية لفهم العالم الاجتماعي ، وقد تم الدفاع عن هذا الرأي بصلابة من طرف جون إيلستر الذي يعتقد بوجوب أن يظل تقييم المفاهيم الماركسية مستقلا بشكل صارم عن أي اعتبار إيديولوجي .
ماركسية فردانية:
المساهمة الثانية للماركسية الأنجلو سكسونية تمثلت في جمع التحليل الماركسي مع ما يعتبر مبدئيا نقيضاله : أي الفردانية الميثودولوجية ومصادرة الاختيار العقلاني .
فإذا كانت الماركسية تقدم نظرية للتاريخ تحقق الرضا غالبا ، فإنها تصبح باطلة بشكل غريب عندما يتعلق الأمر بالتنظير للأفراد الذين يصنعون هذا التاريخ . تلك كانت القناعة الأمثل رسوخا لدى الماركسية التحليلية : فالنزعة الفردانية الميثودولوجية ، وبشكل مفرد نموذج الاختيار العقلاني ، إن لم تكن نظرية الألعاب ، تمكن بشكل جد نافع من تصحيح وتقويم ” السببيات الخطية ” التي وصمت الماركسية الكلاسيكية وعاقتها عن التفكير أيضا في اللعب الحر لقوة إرادة الفعل الفردية .
إن الفردانية الميثودولوجية تمكن على الخصوص من إعادة تأسيس نظرية فعل الطبقة وصراع الطبقات . وقد أشار كلود أوف خلال شرحه لأعمال آدم بريفورسكي على سبيل المثال إلى أن العبد لم يكن في ظل بنية قامعة جدا كبنية العبودية ” مسحوقا ” كليا ، بل كان يتوفر على عديد من ” الاستراتيجيات ” : استراتيجية المجابهة ( سبارتاكوس ) ؛ الاستراتيجية الإصلاحية ( المطالبة بتحسين ظروف العيش ) ؛ استراتيجية الخروج من المجتمع ( خرجة هيرشمان ) ؛ الاستراتيجية الفردانية ( الترقي إلى عبد ـ رئيس ) . فحيث تعترف الماركسية المبتذلة ببديل وحيد ؛ الانسحاق أو الثورة ، فإن الماركسية الفردانية تحصي الاختيارات الأكثر تنوعا . إننا نحزر بسهولة أن ماركسية الاختيار العقلاني هاته تسحب كل عواقب هذا الاختيار الميثودولوجي على التطورات المعاصرة للمجتمعات الرأسمالية ، وتعيد النظر خاصة في أطروحة السمة التي لا محيد عنها للثورة البروليتارية . إن الماركسية الكلاسيكية تصف سلسلة من السيرورات الموضوعية المؤدية ” بالعمال ” بالضرورة إلى الاتحاد من أجل ” قلب ” النظام الرأسمالي وإقامة نظام اجتماعي يخدم مصالحهم ، أما الماركسية الأنجلوفونية فتحاول على النقيض من ذلك أن تفسر لماذا لم تتحقق أية ثورة بالبلدان الرأسمالية المتقدمـــة .
ماركسية أخلاقية :
وبذلك فإن مختلف تنويعات الماركسية التحليلية توافقت بهذا الشكل من أجل التخلي عن الخلط الذي أقامه هيجل في ما بين عالم ” الوقائع ” وعالم ” القيم ” ، والشك في إلحاق مفهوم الأخلاقية بمفهوم صراع الطبقات المجرى من قل ماركس . ونظرا لغياب تعيين أساس أخلاقي للماركسية فإنه يجمل الفصل بشكل أفضل في ما بين مجال التحليلات العلمية ومجال التقييمات الأخلاقية وربما أيضا إقرار الأطروحة الكانطية التي توجد حسبها مجموعة من الإلزامات العامة هي مستقلة عن التجربة المحض تاريخية والتي تفرض ذاتها بشكل إلزامي على الذوات العاقلة المحررة من كل احتمالية مادية أو اجتماعية .
إن إعادة تقييم الأخلاق لدى بعض ممثلي الماركسية التحليلية تستلزم عواقب أكثر جذرية ؛ فبالنسبة لهم توجد نواة من المعايير الأخلاقية لا تدين في وجودها و لا في أصلها في شيء للتفكير الماركسي والتي يجب أن تحمل على محمل الجد إذا كنا نريد بناء مجتمع عادل . إن راولس هنا ليس بعيدا ، ونحن نفهم أن عددا معينا من ” الماركسيين التحليليين ” رضخوا هم أنفسهم أيضا للمحاولة الراولسية ، مثل ك.ج. رومر على سبيل المثال الذي تصور توافقا في ما بين نظرية ماركس الاجتماعية وفلسفة راولس الأخلاقية . ” لقد تغير التوزيع الجغرافي للأعمال النظرية حول الماركسية بعمق خلال العشرية الأخيرة ، وحاليا يبدو أن المراكز الأساسية للإنتاج الفكري تجد ذاتها في العالم الأنجلوفوني بدل أن تجدها في أوربا الجرمانية أو الرومانية ، كما كان الحال على التوالي خلال ما بين الحربين أو فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ” . وهذه المعاينة التي أجراها بيري أندرسون سنة 1983 لا زالت تحتفظ بكامل سدادها ووجاهتها . إن غالبية عائلات التفكير الماركسي انطفأت الواحدة تلو الأخرى ، بينما كمنت نيران جديدة في ظل الفلسفة الأنجلو سكسونية ، كما أنها تقوت بخصوص بعض القضايا بفعل تطوير البحوث ذات الاستلهام الماركسي بالولايات المتحدة سواء في المجال الاقتصادي للعلاقات الدولية ( باران وسويزي ـ والرشتاين ) أو في قطاع تحليل السياسات العمومية ( أوكونور ) .
وتبرهن هذه التطورات الحديثة على أن الفكر الماركسي لا يمكن أن يظل على قيد الحياة إلا بفعل علمنة جذرية لمحتوياته ، وفي هذه الحالة فليس هناك فقط فصل للنظرية عن التطبيق ، وللفهم والنبوءة ، بل هناك بالإضافة إلى ذلك إدماج للمفاهيم الأكثر ” قابلية لتمثيل ” النظرية الماركسية في الإطارات المعدة سلفا لأنظمة التفكير اللاماركسية : الفلسفة التحليلية ؛ الفردانية الميثودولوجية ؛ الأخلاق الديمقراطية المعاصرة . ونستطيع مع ذلك وبشكل معقول أن نتساءل عن ما سيتبقى من خصوصية الماركسية إذا ما ظلت هذه الأخيرة دائما أكثر تبعية وتوقفا على أعشاشها الإيكولوجية الجديدة .
***************************************************

اترك رد