أرشيف التصنيف: I. إبستمولوجيا

تاريخ العلوم

6. إبستمولوجيا متجاهلة كثيرا : تاريخ العلوم.

سنترك لألكسندر كويري ، الإختصاصي الأكثر شهرة في ميدان الدراسات التاريخية لتطور العلم ، صلاحية تحديد أهمية وضرورة هذا الشكل من أشكال الإبستمولوجيا.

11. لماذا تاريخ التفكير العلمي؟..

” إن تاريخ التفكير العلمي كما أفهمه ، وأجبر نفسي على ممارسته ، يهدف إلى فهم صيرورة هذا التفكير داخل حركة نشاطه الخلاق ذاتها. وبهذا الصدد فإن من الضروري موضعة الإنجازات المدروسة في وسطها الثقافي والروحي ، وتأويلها تبعا للعادات العقلية وسلم الأفضليات والمكروهات لدى كتابها أنفسهم. لا بد من مقاومة المحاولة التي يسقط فيها كثير من مؤرخي العلم ، تلك التي تحول الفكرة الغامضة غالبا وغير الذكية ، بل والمتناقضة لدى القدماء إلى فكرة سهلة التناول ، وذلك بترجمتها إلى لغة عصرية توضحها ، لكنها تشوهها في نفس الآن: إذ بالعكس من ذلك ، ليس هناك أفضل من دراسة البراهين المختلفة لنفس المبرهنة والمنجزة من طرف : أرشيمديس وكافالييري وروبرفال وباروو.

ومن الجوهري أيضا أن ندخل في تاريخ تفكير علمي ما الطريقة التي كان يفهم بها هو نفسه ، ويتموضع بها في علاقته بالتفكير السابق له والمصاحب له. إننا لا يمكننا التقليل من أهمية مجادلات مفكر مثل ” كولدن ” أو ” تاكي ” ضد ” كافالييري ” و ” توريشيلي ” ، وسيكون من الخطر عدم إجراء دراسة عن قرب للطريقة التي يقدم بها ” واليس ” أو ” نيوتن ” أو ” ليبنتز ” تاريخ اكتشافاتهم الخاصة ، أو إهمال النقاشات الفلسفية التي أججتها تلك الاكتشافات.

يجب أخيرا دراسة الأخطاء والكبوات بنفس الاهتمام الذي ندرس به النجاحات؛ فأخطاء شخص مثل ” ديكارت ” أو ” جاليلي ” ، وإخفاقات شخص مثل ” بويل ” أو ” هوك ” ليست فقط ذات أهمية تكوينية ، وإنما هي أيضا كشف بالصعوبات التي كان من الواجب الانتصار عليها ، والعوائق التي كان لا بد من تجاوزها.

وإذا كنا قد عايشنا أزمتين أو ثلاثة أزمات عميقة متعلقة بطريقتنا في التفكير ـ ” أزمة الأسس ” و ” اختفاء المطلقات ” الرياضية ، الثورة المرتبطة بنظرية النسبية والثورة الكوانتية ـ ، وإذا كنا قد عاصرنا عملية تدمير لأفكارنا القديمة ، وحاولنا التكيف مع الأفكار الجديدة ، فإننا أكثر تأهيلا ممن سبقونا لفهم أزماتهم والمجادلات التي قامت حولها.

أظن أن عصرنا مؤهل بشكل خاص لهذا النوع من الأبحاث، كما هو مؤهل لتعليم يخصص له تحت عنوان : تاريخ التفكير العلمي. إننا لم نعد نعيش في عالم الأفكار النيوتونية ، و لا أيضا الماكسويلية ، ونتيجة لذلك فنحن مؤهلين لتأملها من الداخل والخارج على السواء، وكذا لتحليل بنياتها واكتشاف أسباب إخفاقها ، كما أننا مسلحين بشكل يمكننا من فهم معنى الخصومات القروسطوية حول مكونات الامتداد [ هو مشكل الانتقال إلى الحد (النهائي) الذي طرحه كافالييري خصوصا بالصيغة التالية : هل يمكن القول بأن الخط يتكون من نقط والمساحة من خطوط . . . إلخ ؟ .. ويتعلق الأمر بمشكلة قديمة شكلها الأول المعروف هو نقيضة زينون الإيلي ]  و ” عرض الأشكال ” ، وتطور بنية التفكير الرياضي والفيزيائي خلال القرن الأخير، وذلك في جهوده لخلق أشكال جديدة من التفكير العقلاني وعودته النقدية للأسس الحدسية والمنطقية والأكسيوماتية لصلاحيته”.

ألكسندر كويري

” دراسات في تاريخ التفكير العلمي “

جاليمار 73 ص ص : 14 – 15.


من الصعوبة بمكان ، إن لم نقل من المستحيل إعطاء أمثلة عن الدراسات التاريخية ، وذلك بسبب الفضاء الذي تتطلبه تلك الدراسات، ونحن نوجه أولئك الذين يريدون منذ الآن امتلاك فكرة عنها نحو تحليل تكون المفاهيم الجاليلية التي مكنت من التعبير عن قانون سقوط الأجسام.

ومع ذلك سنرى أن منهج الاكتشاف المحدد من طرف كويري ، وأيضا دراسته لتصورات الفيزياء الكلاسيكية ، يقومان على تصور أكثر خصوصية للتاريخ ، تصور هو أبعد عن أن يكون وحده الممكن . لقد أجهد كويري ذاته بالفعل لتوضيح أن الأفكار العلمية هي دائما نتاج أفكار أخرى ، و هو لا يربط أبدا حالة معطاة من حالات المعرفة أو تطور الفكر العلمي بالعوامل الخارجية ( الشروط الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ التقنية ) ، و لا يركز إلا على العوامل الإيديولوجية ، ولهذا يمكننا القول إن إبستمولوجيته هي إبستمولوجية داخلية Internaliste ، ما دامت تقرر وجوب البحث عن أصل الفكرة العلمية بداخل نسق الأفكار في عصر محدد. النص الوالي يظهر أن إبستمولوجيا فينومينولوجية كهاته ، أي وصفية ، لها حدودها ، وأن موقفا خارجيا Externaliste يعطينا نظرة أكثر تكاملية عن تاريخ العلم.

12. تصوران لتاريخ العلم : وجهة النظر الداخلية ووجهة النظر الخارجية.

” لماذا ولد العلم ” المعاصر ” في أوربا في القرنين 16 و 17 ؟ .. إن السؤال مغر لكنه صعب( . . . ).

وكما هو الحال ، فإن التأويلات المقترحة من قبل الاختصاصيين عديدة ، وغالبا متباعدة ، وهذا يرتبط جزئيا بالثغرات المتعلقة بالأخبار التاريخية ، والتي كثيرا ما تم إهمالها ، ولكن ليس فقط بها وحدها ، إن الصراعات العنيفة أحيانا والتي تظهر بين مؤرخي العلوم يقوم وراءها سبب عميق : هو اختلافهم حول طبيعة ” العلم ” ذاتها. وهذا من جهة أخرى سبب لأهمية هذه المناظرات ، والتي في بعدها عن أن تكون تقنية خالصة ، فهي تتعلق مباشرة بالصورة التي نكونها عن النشاط العلمي ومكانته في حياة المجتمع. علينا أن لا ننسى  أبدا أن أفكارنا الخاصة حول الثقافة والمعرفة والعمل والحياة هي التي توضع على المحك من خلال الاختلافات العالمة حول حضارة عصر النهضة.

إن العلم ، بالنسبة لبعض المؤرخين ، هو بشكل جوهري تكوين وبناء عقلي ، والتشديد منصب على خصوصية النشاط العلمي ، وعلى الإجراءات المنطقية المتداولة عن طريق ” المنهج ” ، وعلى الإنشاء التدريجي ” لمحتوى ” العلوم، والمشكلة ذات الأهمية البالغة هي مشكلة المعرفة بوصفها كذلك. إن دراسة تكون العلم ( العلوم ) معناه ممارسة تاريخ للأفكار والتصورات التي مكنت من ولادة مختلف النظريات، بعض التأثيرات الآتية من الخارج ( وبشكل خاص التأثيرات الفلسفية ) تؤخذ بعين الاعتبار ، ولكن العلم يعتبر عمليا ميدانا مستقلا ، علاقاته بعالم الفعل علاقات هامشية بمعنى الكلمة. إن المؤرخ يتخصص بشكل ضيق ، وبذلك يحفر هوة عميقة بين هذا النموذج من تاريخ العلوم وغيره: أي تاريخ التقنيات وتاريخ الفنون وتاريخ تقسيم العمل والتاريخ السياسي. . . إلخ، وهذا ما نسميه بشكل دارج ، وجهة النظر ” الداخلية “.

يلح مؤرخون آخرون على العلاقات التي توحد مختلف قطاعات النشاط الأساسي ، باتهامهم بالضيق وجهة النظر الداخلية، وهم يعترفون بأن العلم بحث عن المعرفة ، لكنهم يرون أننا لا نستطيع الوقوف عند هذه النقطة؛ فالعلم هو ذائما تاريخي بالمعنى التام للكلمة ، بمعنى أنه ينشط في ظروف أكثر تنوعا واختلافا ، ظروف يجب تفحصها عن قرب كل مرة ، كي نفهم ببعض الدقة بأي معنى هو مجهود يتحرك نحو المعرفة. ورغم أن هؤلاء المؤرخين يفردون مكانا للتاريخ الداخلي للعلوم ، فإننا نسميهم ” خارجيين “.إنهم بالفعل أكثر حساسية إزاء تعددية الأشكال والصور التي تتزيا بها العلوم في مختلف الحضارات ، وهم مهمومين بشكل خاص بتحليل اندماج ” المعرفة ” بالمعنى العام في هذه السياقات المختلفة. إن أهل الغرب وهو يعتبرون ضمنيا أو صراحة أن علمهم أرفع من كل العلوم الأخرى ، يتحدثون دائما عن العلم للإشارة بذلك إلى العلم ” المعاصر ” ، العلم ” التجريبي ” المولود منذ عصر جاليلي، وهذا يدعو إلى الاعتقاد بأن العلم متعال ، وأنه ليس هنالك إلا علم واحد ـ علم هو بمعنى ما لا زمني ، وقادر على كشف الحقيقة للناس ـ لكن كيف يمكن تفسير أن هذا العلم قدر له أن يولد في بعض دول أوربا في نهاية القرن 16 ؟ ..

إن جوزيف نيدهام في أعماله المتميزة ، يضع نفس السؤال بصيغة أخرى : لماذا لم يولد العلم المعاصر في الصين ؟ .. يجيب المؤرخون الداخليون مثلا بأن الثورة العلمية انقدحت شرارتها بفعل ” ثورة فلسفية ” ، أما بالنسبة لمؤرخ خارجي فهذا التفسير المزعوم مأخوذ عن المثالية؛ ذلك لأنه يتموضع على مستوى الأفكار وحدها ، ويحور السؤال بدل أن يجيب عنه ، ويجب بالفعل أن نعرف لماذا كان من حق مجتمع ما هذه الإشراقة ” الفلسفية ” ولم تكن من حق مجتمع آخر. إن المؤرخين الداخليين ، حسب نيدهام ، يتعثرون دائما أمام هذا العائق طوعا أو كرها ، بصراحة أو بكلمات ملتوية ، ولذلك لا يستطيعون غير التوسل بالصدفة أو التسليم بتأويل ” عنصري “.

وفي الواقع ، يؤكد نيدهام ، يجب اللجوء إلى دراسة سوسيولوجية وتاريخية ، وإذا لم يكن ” العلم ” قد ولد في الصين ، فإنه من غير المجدي الاعتقاد بأن ذلك راجع لكون الصينيين لم يكن بإمكانهم تكوين فكرة عن التجربة ، أو نظرا لغياب المخيال لديهم بفعل قدرية نجهلها. إن ذلك راجع اجتماعيا إلى أن الشروط والظروف لم تكن ملائمة ( ” الفيودالية البيروقراطية ” ، انعدام وجود طبقة التجار . . . إلخ ) . ولقد كان الصينيون خلال عصرنا الوسيط مع ذلك متقدمين على أوربا في ميادين علمية وتقنية متعددة ، وإذا تمسكنا بالحديث عن الأفكار ، فإنه يستطاع ، بل يجب الاعتراف ( بمعنى عام جدا ) بأن العادات الثقافية والفلسفية لدى الصينيين ، كانت أقل تأهيلا لإحداث فكرة ” ميكانيكية “. غير أن هذا يظهر فقط أن على الدراسة السوسيولوجية التي يتحدث عنها نيدهام أن تحيط بشكل تام بدراسة العقليات والتصورات التي تتطلب بدورها أن تؤخذ بعين الاعتبار. إنه لن ينفعنا فتيلا الحديث المجرد عن الروح الأوربية وعن الروح الصينية ، وبالمقابل ، يجب إرغام النفس على ربط أشكال التفكير بالأوضاع التاريخية في مجموعها ( الوسط الجغرافي ، وسائل الإنتاج ، البنيات الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ السياسية ، اللغة والمؤسسات الثقافية . . . إلخ).

لتفسير كيفية ولادة العلم ، لا يكفي أن نحدد أصل الأفكار بالمعنى الثقافي للكلمة ، ويليق أيضا أن نفهم لماذا أولت هذه الجماعة الإنسانية أو تلك اهتمامها وانتباهها بشكل خاص لهذه الأفكار، وكرست مجهودات جبارة لإنشائها. إن المؤرخين الخارجيين لا ينفون أنه كانت بخصوص هذه المسألة تجديدات ثقافية (فكرية ) ، لكنهم يدرسون نموها بإيلاء الظروف التاريخية الأهمية القصوى ، وهم أيضا يرفضون أن يروا في انطلاق ” العلم التجريبي ” في إيطاليا وإنكلترا وفرنسا مجرد منحة ربانية؛ فهذا الانطلاق في نظرهم مرتبط بعمق ، وبشكل جوهري ، بنمو نمط معين من المجتمع ما بعد الإقطاعي : تطور البحرية والتجارة والصناعة والمال . . . إلخ، و لا يجب فصل العوامل الثقافية عن محيطها المشخص : الرأسمالية الأولى وتطور النظام البنكي ، والتسارع الواضح للتقنية ( التقنية البحرية وتقنية النسيج والمناجم والمدفعية والهندسة والطباعة ) ، الرقي الاجتماعي للمهندسين والفنانين ، والاكتشافات الجغرافية الكبرى والإصلاح والإصلاح المضاد.

من البديهي في الحالة الراهنة أن كثيرا من النقط تظل مبهمة : المؤرخون الخارجيون لا مشكل لديهم بهذا الخصوص ، لكن ليس من العدل في شيء اتهام أبحاثهم بشكل فوري بدعوى أن الوسط للاقتصادي والاجتماعي لباحث ما لا يمكن أن يكون ” سبب ” أو علة أفكاره النظرية . طبعا، وكما يشير إلى ذلك السوسيولوجي ر.ك ميرتون، فإن أبحاث ” جاليلي ” لم تكن ” أسبابها ” التطبيقات الممكنة لعلم الديناميك لديه، ولكن هذا لا يمنع من أنه صرح في بداية ” مقالات حول علمين جديدين ” بما يلي : ” يا له من حقل شاسع للتفكير يفتحه فيما يبدو لي أمام العقول المتصارعة ، الإلتصاق الدائم بمصنع أسلحتكم المشهور أيها السادة الفينيسيون ، وخصوصا حي الأعمال الميكانيكية ! ” وبذلك فقد موضع عمله بدقة ضمن منظور نيدهام أو نظام ميرتون. إن السمة النظرية للعلوم لا تنكر \ن لكن تطبيق العلوم هو موضوع    على علاقة مع التطبيقات الاجتماعية الأخرى، والمثاليون يعجبهم أن يلاحظوا أنه لا يمكن استنتاج نظرية النسبية لدى إينشتاين من بيبليوغرافيته، وقد تكون تلك طريقة جد ضيقة لوضع مشاكل تاريخ العلوم في الغرب ، سواء بشان موضوعه أو بشأن منهجه، ومرة أخرى فإن الشجرة تحجب الغابة. من المستحسن أن نسلم ، كفرضية عمل ، بأن العلم ليس فقط هو الإنتاج العقلي للنظريات ، ولكنه في نفس الآن ظاهرة حضارية وممارسة اجتماعية غير معزولة عن بقية الممارسات. إننا نعاني من نقص في تصورات معينة تمكننا من أن نحدد بدقة بعض العلاقات ، وليس في متناولنا بعد إطار نظري كاف لإعادة تأسيس وتثمين مختلف مجادلات تاريخ العلوم ، غير أن محاولات وجدت آنفا ، تؤكد مشروعية وخصوبة الأبحاث التاريخية الخارجية.

إن ألكسندر كويري الذي يعتبر من بين أفضل ممثلي التاريخ الداخلي ، يؤاخذ على كل أولئك الذين ألحوا على دور الحاجات العملية ودور العوامل الاقتصادية ، أنهم سقطوا في ” الأحكام المسبقة البيكونية والماركسية ” [الأحكام المسبقة المادية : بيكون أمبريقي رأى أن كل أفكارنا تأتينا من الحواس ، وماركس رأى أن وعينا تحدده حياتنا المادية] غير أنه هو ذاته لم يكن مستثنى بكل تأكيد من الأحكام المسبقة المثالية. بهذا الخصوص ، فإن الكتاب الذي ألفه كويري حول عصر النهضة ( وحول هندسته ) هو أكثر دلالة: فقد استطاع متعمدا في هذا الكتاب تجنب ذكر أو حتى الإشارة إلى ” برو ” و ” نيليشي ” و لا ” ألبيرتي ” و لا ” بيير ديلا فرانشيسكا ” و لا ” ليوناردو دافنشي ” و لا ” ميركاتور ” و لا كبار البحارة ( على سبيل المثال لا الحصر ) ، وبذلك نفهم كيف استطاع نيدهام أن يقول بصورة غير عادلة و لا واضحة في نفس الآن : ” إن الداخليين لا يحبون التسليم بأن العلوم لها أجساد ، أو أنها تأكل وتشرب وتشارك في الحياة الاجتماعية . . . “

بيير تويليي

” العلم الحديث بين الشيطان والإله الطيب “

في ” مجلة لاروشيرش ” رقم 35 يونيه 1973.

ر. هويكاس

سنرى بوضوح نقط ضعف تحليل داخلي من خلال أحد الأمثلة ، حيث يوجه بيير تويليي ، في معرض النص المذكور ،  سهام النقد لأحد الإبستمولوجيين الداخليين هو : ر. هويكاس : صاحب كتاب ” الدين وميلاد العلم المعاصر “.

لقد أراد الكاتب ربط ظهور العلم المعاصر بمتغير إيديولوجي واحد ووحيد ، هو الدين، وبذلك انقاد ، ضد كل منطق وضد الوقائع ذاتها ، نحو التسليم بأن الأفكار الدينية هي سبب وعلة الأفكار العلمية، في حين أن أدنى بحث أو تمحيص تاريخي لا يوضح أنها شكلت [ أي الأفكار الدينية ] مشروعيته. إن نظرة كهاته لتكون الفكر العلمي هي عملية قلب مثالية بديهية وواضحة ، وسنلاحظ أن على السوسيولوجيا لدى هويكاس دين ثقيل اتجاه السوسيولوجيا الفيبرية التي رأت في بعض الأفكار الدينية ، أفكار النزعة البيوريتانية ، علة تطور الرأسمالية.

الدين وميلاد العلم المعاصر

 

13. الشيطان الخارجي ضد الإله الطيب الداخلي.

” العلم المعاصر ، يقول هويكاس ، ميكانيكي : فهو يشبه الطبيعة بآلة ، وبمجموعة من الآلات التي يتطلب ويشترط البحث عن قوانينها. وقد توجب لبلوغ هذا التصور ( الكلام دائما لهويكاس ) تجاوز أفكار أفلاطون وأرسطو وأفكار الذريين أيضا1، والتصور الإنجيلي لإله خالق ومبدع هو الذي جعل هذا التغير ممكنا: إنه إله مهندس سيصبح من الممكن فيما بعد تحليل عمله منهجيا ورياضيا. إن الطبيعة لم تعد مؤلهة ، ولم تعد قابلة للمقارنة مع عضوية حية محكومة بواحد أو بمجموعة من المبادئ المحايثة، ومنذئذ استطاع ” بويل ” تشبيه العلم بساعة استراسبورغ : حيث ستصلح النظرة ” الميكانيكية ” كإطار لعلم الفلك ولعلم الفيزياء المعاصرين.

في ميدان البيولوجيا ، تعلن هذه الفلسفة عن ذاتها بصورة بالغة الوضوح : هكذا شبه ” ميرسن ” الحيوانات بآلات يجب دراسة حوافزها ودوافعها ز وفي سنة 1634 تمنى أن يتم بناء كائن آلي يمتلك دورة دموية : فذلك سيكون أهم وسيلة لمراكمة معارفنا في ميدان الفيزيولوجيا. وقد افترض ديكارت ، في موسوعته عن الإنسان ، أن الإنسان آلة ، ضرب من الكائن الآلي : القلب والشرايين فيها تشبه ” المنافخ في أراغن (الكنيسة) التي تدفع الهواء في مسارات الهواء” . ويقدر هويكاس أيضا أن بعض التيمات الإنجيلية ساعدت على تعويض العقلانية الدوغماطيقية بعقلانية نقدية، وضدا على العقلانيين الدوغماطيقيين2 الذين ادعوا القدرة على اختراق أسرار الطبيعة عن طريق التأمل الاستنتاجي ، كان العلم المعاصر ” أمبريقيا “؛ بمعنى أنه استعان بالتجربة والتجريب. لنذكر إساي Isaïe  عندما قال : ” لأن الرب قال : إن أفكاري ليست هي أفكاركم ؛ فأفكاري تتفوق على أفكاركم” ، وهذا ما يعني بالنسبة للعلماء : أن الله اختار قوانين الطبيعة بحرية ، لكي يصبح معلوما من خلالها أن الإنسان لا يمكنه الركون اتجاهها لعقله وحده. إن التحقيق التجريبي يتقابل إذن مع توجيه كامن ومستتر للتصور اليهودي ـ المسيحي عن العالم.

يقدم هويكاس حول نقاط أخرى عديدة دليلا مشابها ، هكذا يمنح الإنجيل قيمة كبرى للعمل اليدوي ، ويشجع الإنسان أيضا على السيطرة والهيمنة على الطبيعة، وبتلك الطريقة ، ساهم الدين ، في تكوين عقلية تقنية وتجريبية في عصر النهضة.

تكتسي المؤشرات المجمعة من قبل هويكاس لها قيمة كبرى ، ويجب التسليم بأن الإنجيل يتضمن عددا معينا من الأفكار القادرة على تعديل الاتجاهات الإنسانية بالمعنى الذي رأينا ، لكن ، هل يمكن القول ، كما يوحي الكاتب بذلك ، إن العلم هو ” نتيجة ” لهذه التصورات الإنجيلية ؟ . . سيكون من المغري حقا القيام بجرد وفهرسة لهذه التصورات والاعتراف لها بتأثير معين، أحيانا ظاهرا وأخرى مضمرا. لكن المسألة هي أن هذه النصوص الإنجيلية لم يكن لها خلال قرون أية ” تأثيرات ” علمية أبدا، فلماذا تحولت هذه الأفكار فجأة إلى أفكار فاعلة انطلاقا من القرنين 14 و 15 ؟ . .

إن نفس السؤال يطرح على الدوام . يقينا أن الفكرة الإنجيلية شكلت إطارا ممكنا بالنسبة للفكرة ” الميكانيكية ” وكذا للفلسفة التجريبية ، لكن ، وحتى نتكلم بوضوح ، هل لعبت النصوص المقدسة حقا دور الشرارة المحركة بهذا الخصوص ؟ . . أو هل بالأحرى لم توفر إلا إيديولوجية مناسبة لمجتمع مقدام وديناميكي على كل المستويات ؟ . .

إن الجواب الذي يقدمه هويكاس ملتبس نوعا ما ؛ فهو يميل بفعل العامل الديني في الغالب إلى إعطاء أهميته وفعاليته التاريخية قيمة مبالغا فيها من جهة ، ولكنه من جهة أخرى يعترف صراحة بأن العوامل ” الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ السياسية والجغرافية ” قد مارست تأثيرها. وما يؤسف له هو أنه لم يدفع بالتحليل بعيدا في هذا الاتجاه؛ إذ كان بإمكانه إذ ذاك الإشارة بوضوح إلى أن صعود الفلسفة ” الميكانيكية ” قد أعقب رقيا اقتصاديا واجتماعيا لا يمكن دحضه لفن الآلات ( الميكانيك ) ولأوضاع الميكانيكيين. وإذا كانت التشبيهات والاستعارات الملتجئة إلى فكرة الإله قد تكاثرت ، فإن ذلك حدث  للوهلة الأولى ، وبدون شك ،نتيجة لأسباب عملية متعلقة بتاريخ العمل والتقنيات في كنف مجتمع معطى. ومن غير اللائق يقينا أن نترك اعتقادا يتسرب لأذهاننا ولو بشكل فضفاض، وهو اعتقاد يقول إن الإنجيل استطاع حقيقة توجيه هذه الحركة. إن ” صعود نجم المهندسين ” هو على الأقل جوهري أيضا ، وهو بدونه شك أكثر من ذلك.

وبنفس الطريقة نستطيع أن نتساءل عن في أي مستوى زاد ” الدين ” من قيمة العمل اليدوي والبحث التجريبي. إن هويكاس نفسه أعطى دلائل توحي بالاعتقاد بأن الإنجيل مسبوق أكثر منه متبوعا ؛ فاكتشافات البحارة البرتغاليين مثلا أوضحت أن البحارة استطاعوا قلب آراء ” العلماء ” و ” الفلاسفة ” . إن ما هو مألوف في عصر النهضة ، هو قدرة أشخاص ليس لديهم إلا القليل أو لاشيء من التكوين الثقافي ، على إعادة عرض وإيضاح [ أفكار معينة ] للعلماء الدوغماطيقيين ، وذلك بفضل معارفهم العملية. وهكذا أوضح ” بيرنار باليشي ” أن زواره تعلموا أشياء أخرى بعد قضائهم ساعتين بصحبته أكثر مما تعلموه من خلال قرائتهم للفلاسفة خلال خمسين سنة. سيسلم هويكاس لا محالة أن أمثال هذه الإفادات تعكس حقيقة اجتماعية لا يمكن أن تفسر إلا جزئيا بالتأثير الإنجيلي.

إنه لمن الأسف العقلي أن هذه الدراسة تعطي، بسبب عدم تخصيص مكان كاف للعوامل ” الخارجية “، صورة مفقرة نسبيا ومشوهة ( كما نعتقد ) للظروف التي ولد فيها العلم الجديد. إن لـ ” الدين ” بدون جدال ، مكان في تاريخ العلوم ، لكن المطلوب هو بيان أكثر تكاملا ، من شأنه إظهار الأرباح والخسائر ، ومن شأنه أن يحلل بدقة أكبر مختلف تجليات الدين ( الإنجيل ـ الثيولوجيا ـ قرارات الكنيسة الرسمية . . إلخ ) ، كما يمكن من التمييز الجيد للحالات التي اعتمد فيها الإنجيل خصوصا لتبرير أو تضخيم التيارات التي ولدت خارجه. إننا نرى جيدا لماذا تخيف وجهة النظر الخارجية بعض المؤرخين على شكل ملامح شيطانية ماركسية، لكن هذا ليس مبررا لكي نخص الإله الطيب بالجزء الأكثر جمالا”

نفس المرجع السابق

  1. لبلوغ النظرة الميكانيكية للعالم والتي تصلح كأساس للفيزياء الكلاسيكية توجب تدمير التصور الأفلاطوني لعالم ظواهر يعكس عالم أفكار وحدها معقولة، وكذا النظرة الأرسطية لعالم محدد بشكل غائي على صورة عضوية حية ، والنظرة الذرية (لوكريس ) لعالم خال من كل مبدأ منظم يتحرك نتيجة الصدفة الخالصة. تأويل هويكاس ينحو نحو تحديد هوية المسيحية في صورتها في القرن 18 ، ومن البديهي أن مما لا معنى له كما يفعل هذا الكاتب البحث عن مبادئ مبررة للعلم المعاصر في مسيحية سابقة.
  2. عقلانية ديكارت الذي ادعى تأسيس الفيزياء قبليا .


إبستمولوجيات

5.       الأشكال المختلفة للإبستمولوجيا

لقد رأينا لحد الآن كيف تختلف المقاربات الإبستمولوجية ، وكما سنلاحظ في الخليط التالي ، فالإبستمولوجيا ليست مبحثا واحدا موحدا لا يقبل القسمة : إذ يمكننا أن نقول إنها مبحث يستعمل مناهج هي في غالب الأحيان علمية لكنها ذات مشارب وأصول مختلفة لدراسة العلم ( المنطق ـ التاريخ ـ علم الاجتماع ـ علم النفس . . . إلخ).

• 11.الإبستمولوجيا : مجموعة من المباحث.

بيير تويليي Pierre Thuillier” لا توجد الإبستمولوجيا العامة كمبحث موحد؛ فهي تتموضع عند تقاطع اهتمامات ومباحث جد متنوعة بأهدافها ومناهجها. اللائحة التالية ، والتي لا تدعي الاكتمال و لا الدقة ، تعطينا فكرة عن هذا التشتت.

  • في ظهر الصورة التي سنقدمها يوجد تقليد فلسفي قديم : أفلاطون ؛ أرسطو ؛ ديكارت ؛ كانط . . . إلخ، كل هؤلاء صاغوا نظريات عامة عن المعرفة ، تخص مختلف أنماط المعارف وأصولها ومنابعها ( عقل – خيال – تجربة . . . إلخ)، وكل هذه المساهمات نجدها مرتبطة في الغالب بمفاهيم دوغماطيقية ، إن لم تكن إمبريالية. غير أن المسائل الموضوعة بهذا الشكل لا زالت توجه عددا كبيرا من الأبحاث.
  • لقد حاول العلماء والفلاسفة القيام بتجديد ” للمنهج العلمي ” بأكثر ما يكون من الدقة. لنذكر من بين مئات آخرين : وويل ، كلود بيرنار ، بوانكاريه ، دوهيم ، إينشتاين ، كارناب ، بوبر. ما هي البنية المنطقية لنظرية ما ؟ .. وكيف يمكن ” التحقق ” منها عن طريق الوقائع ؟ .. ما هو ” الاستقراء ” ؟ .. إن هذه الدراسات هي دراسيات قيمية بشكل واضح ؛ فهي تلح في الغالب على المعايير التي يجب على العلوم احترامها ، وتطرح مسألة ” قيمتها “.
  • هناك أبحاث أخرى منذ عصر أوجست كونت ، وتخص علم اجتماع المعرفة ، لنذكر هنا ماركس ، دوركهايم ، ليفي برول ، فيبر ، لوكاش ، مانهايم ، سوروكين. التوجهات المعلن عنها من قبل هذه الأعمال جد مختلفة، غير أن ما يوحد فيما بينها هو المقاربة العامة التالية: إن المعارف لا تعتبر كبنيات مستقلة وشخصية ، وإنما كنشاطات اجتماعية مرتبطة بنشاطات اجتماعية أخرى في فترة تاريخية محددة.
  • إن علم اجتماع العلوم هو تطبيق للمناهج السابقة في أبحاث جد محدودة : دراسة ” ميرتون ” حول ” التطهرية ، الجمود والعلم ” تعتبر دراسة تقليدية في هذا الباب. بعض العناوين المستخلصة من مجموعة باربر وهيرش ( علم اجتماع المعرفة 62) توضح تنوع هذه الأبحاث : ” لا مبالاة الأمريكيين بالأبحاث الإنسانية خلال القرن 19 “. ” الإنتاج العلمي والتنظيم الأكاديمي ” – ” خصومات الأسبقية ” – ” العلم والنظام الاجتماعي ” . . . دراسات أخرى تتمحور حول ” التيرموديناميك والدين ” . . . إلخ . هناك فكرة ذات أهمية بشكل خاص بالنسبة للإبستمولوجيا ، وتتعلق بـ ” الإجماع ” العلمي : النظريات هي ذات صلاحية نتيجة اتفاق جماعي ،يعتمد كإطار مرجعي معايير ليست كلها واعية و لا عقلانية بشكل مؤكد.
  • يمكننا اعتبار أن كتابا ككتاب كوهن ” بنية الثورات العلمية ” يقيم رباطا بين بعض الأبعاد السوسيولوجية وبعض الأبعاد الإبستمولوجية للنشاط العلمي ( رغم ما يذكره الكاتب ، ورغم الأهداف المصرح بها للأعمال المذكورة ، لا يتعلق الأمر بسوسيولوجية العلم ، وإنما بدراسة العلاقات القائمة بين الأفكار العلمية وبعض افيديولوجيات الدينية والسياسية . . .إلخ) .كتب كثيرة مخصصة لمختلف الأبعاد ل ” سياسة العلم ” و لـ ” تخصص ” العلماء . . . إلخ.
  • لقد عرف تاريخ العلوم – بدون أن يكون هناك شرخ مع علم اجتماع العلوم – تقدما ملحوظا منذ بداية القرن 20 . وانطلاقا من مبدأ هذا العلم ، فإن صعوبات جمة تطرح : هل بالإمكان كتابة تاريخ للعلوم دون تأويل المعارف الإنسانية السابقة انطلاقا من المعارف الحاضرة، وبطريقة لا زمانية ومشوهة لتلك المعارف ؟ .. إن تاريخا وصفيا خالصا هو مهدد بإغفال دينامية التفكير العلمي ، غير أن ” تاريخا إبستمولوجيا ” هو مهدد بإقحام أحكام قيمية غير مناسبة ( حول ما كان يجب على عالم ما أن ” يفعله ” بالنسبة ” لأخطائه ” . . . إلخ).

لقد أوضح بعض الكتاب من أمثال أ. كويري أنه يمكن توظيف سعة الاطلاع للقيام بتفسير وتوضيح هو صارم ودقيق ومتفهم في نفس الآن.إن التمييز بين تاريخ (داخلي ) للعلوم يدرس خاصة تطور الأفكار العلمية وتبلور المفاهيم والنظريات، وتاريخ ( خارجي ) يهتم بشكل متزايد بالتدخل الاجتماعي في العلم ، وبخاصة تأثير ” الحاجات الاجتماعية ” والإيديولوجيات على المعارف العلمية، هو تمييز اصطناعي نسبيا ، لكنه ملائم ومناسب.

  • يبدو أن سيكولوجية العلوم لا زالت في بداياتها، لكن البحث في مجال علم النفس الاجتماعي أوسع جدا من مجال التحليل النفسي. لقد تم التساؤل مثلا عما إذا لم يكن للاختصاصيين ( رياضيون – فيزيائيون ت بيولوجيون . . . ) جوانب نفسية خاصة ، أو عن ما هو ” تأثير السيرورات الرمزية اللاشعورية على ممارسة التفكير المنطقي وعلى الخطأ المنطقي في ميدان البحث العلمي”.تجدر الإشارة إلى المكانة الخاصة للدراسات المنجزة جماعيا تحت إشراف جان بياجيه : الإبستمولوجيا التكوينية. وكما يشير الإسم إلى ذالك ، فإن الهدف هو دراسة كيفية تمفصل مختلف مراحل المعرفة ( منذ الطفولة إلى علم البالغين ) مع الربط بشكل وثيق فيما بين التحليل المنطقي والتحليل السيكولوجي.

هناك البعض الذي يرى أخيرا أن الدراسة الإثنولوجية للمجتمع العلمي لن تكون بدون فائدة؛ وذلك بغرض دراسة ” طقوس المسارة ” العديدة والمعقدة التي تسمح بقبول ( الباحث ) ضمن إطار النخبة ، وتجعل منه إلها : معلما – دكتورا – أستاذا – أكاديميا . . .” (شاتزمان ” العلم والمجتمع ” لافون 71 ص90).

بيير تويليي

ألعاب ورهانات العلم

لافون 72 ص ص : 54 – 57

إبستمولوجيون

نقد النتائج

4. الإبستمولوجيا : نقد النتائج.

مندل مكتشف قوانين الوراثة

لكل بحث علمي نزوع إمبريالي : فغالبا ما لا نعتقد أو نتوقع أنه يمكن لعلماء ممتازين أو حذرين في ميدان أبحاثهم الخاصة ، تبعا لاكتشاف علمي في ميدان محدد من ميادين العلم ، أن يدعوا إمكانية مد وتمطيط اكتشافاتهم خارج الحدود التي تحد فيها هذه النتائج تطبيقاتها، وهاك مثلا معروفا : وهو تمديد قوانين ” مندل ” إلى نقل موهبة موسيقية ، وراثية زعما ، في كنف عائلة ج.س. باخ . وإذا كنا قد اخترنا لتوضيح هذا المثال صفحة من مقرر القسم النهائي D ، فلا يجب الاعتقاد بأن هذا النوع من التعميمات شبه العلمية هو وقف على مؤلفي هذا المقرر أو وقف على علماء من الدرجة الثانية. إن المؤلفين المذكورين هنا لديهم ضمانة يوفرها لهم عدد كبير من البيولوجيين وعلماء النفس الذين لا يعدمون شهرة مستحقة مقابل أبحاث جادة ، و لا من الشهادات التي هي إقرار بهذه الشهرة. لنذكر هنا على سبيل المثال ريبو وجالتون وجان روستان ، وإن كانت وضعيته أحيانا أكثر تفردا.

بقراءتنا للنص أسفله ، والذي ينزع نحو تطبيق قوانين مندل على انتقال الموهبة أو الملكة الموسيقية ، فإن القارئ يستطيع بنفسه وبسهولة أن يمارس تمرينا من تمارين الإبستمولوجيا النقدية . لنشر إلى بعض الملاحظات: إن النص يتحدث عن ” وراثة القدرات ” ، في حين أن قوانين مندل لا تطبق إلا على وراثة السمات والخصائص والصفات الوراثية، ومن جهة أخرى فإن مفهوم ” الموهبة الموسيقية ” ملئ باللايقينيات والغموض : فخاصية أو صفة وراثية كالكلف أو النمش أو لون العينين مثلا هي متميزة جذريا عن ” قدرة ” ما ، وذلك لأن السمة لا تقبل الزيادة و لا النقصان . إننا يمكن أن نكون موسيقيين جيدين أكثر أو اقل، وهذه الخاصية تتوقف على حكم ذاتي، في حين أن سمة معينة يمكن أن تظهر أو لا تظهر في شخص ما. إن النقد الأول الذي يمكن توجيهه لهذا النص هو أنه يعرض دراسة بدون موضوع من جهة، كما أن التماثل هنا مع قوانين ” مندل ” هو أكثر من مشكوك فيه، ما دامت ” القدرة ” لا تظهر أو تظهر قليلا لدى النساء، وأنه لاحترام التوزيع الإحصائي، نفترض في عدد معين منها ” قدرة موسيقية مجهولة “، وهو ـ وذلك أقل ما يمكن أن يقال ـ ما يشكل فرضية ملائمة ad hoc. بيد أنه لكي تكون نظرية ما مقنعة، فإنها لا تطالب بمضاعفة الوقائع غير القابلة للتحقق والثوابت الخفية، ما عدا عندما تكون مسنودة من قبل مجموعة من التأكيدات غير المباشرة لها.

توضح هذه الدراسة السريعة كم هو موهم ومزيف تمديد نظرية محققة من ميدان تطبيقها إلى الظواهر التي لا تستطيع تفسيرها : وأسطورة النص المذكور ـ وكسبب ـ تتمثل في أن ” ميكانيزم الانتقال هو ميكانيزم مجهول “.إننا لا نستطيع ـ ما دامت الشفرة الجينية الإنسانية غير معروفة ورموزها غير مفكوكة ـ الحديث عن وراثة القدرات الذهنية، ووحدها المصالح السياسية، والتي هي فعلا ودائما محافظة أو رجعية ( فالعلماء هم أناس مثلهم مثل الآخرين ) يمكنها أن تحرك غواية خارج ـ علمية كهاته. ومما يشار إليه هو أن أنواع الضلال والغواية هاته تساهم في الغالب في رفض الاعتراف داخل مشكل وراثة القدرات، بمشكل هو ذو صبغة اجتماعية وليست بيولوجية.

• 9.علمنة غريبة لمفهوم ” الملكة الموسيقية “.

” إن دراسة كبريات الأسر والعائلات التي ينتمي إليها الرياضيون والموسيقيون والرسامون ، تزودنا بمعرفة علمية عن وراثة القدرات ، لكن بشرط تدخل (. . .) مجموعة كبيرة من الجينات.

ميكانيزم هذا الانتقال غير معروف”.

ج.س. ديزيري وآلي

العلوم الطبيعية ( الأعمال الموجهة ) بورداس 1968

ص: 345

دراسة المناهج

3. الإبستمولوجيا : دراسة المناهج

نقد المناهج ـ ويجب أن نفهم من هذا اللفظ بطبيعة الحال ، معنى الدراسة النقدية ، وليس التشهير أو القدح ـ يبدو في ميدان الإبستمولوجيا على صورتين :

1. صورة فلسفية بشكل أكثر خصوصية: ويتعلق الأمر في نفس الآن بوصف للمسعى العلمي عموما ، أو لمنهجية علمية خاصة ( حيث يبين الفيلسوف من وجهة نظره كيف يمارس العالم علمه) وبموقف حول وسائل امتلاك المعرفة ، حيث يستطيع إبستمولوجي معين على سبيل المثال وصف نشاط العالم بألفاظ عقلانية ( حيث يوضح الدور المركزي للعقل في اختيار وبناء الوقائع العلمية ) ، أو بألفاظ تجريبية ( حيث سيحاول حينذاك أن يبرهن على أن كل المعارف الموضوعية هي مستخلصة من التجربة ، أي من المعطيات المحسوسة ) ، وبنفس الطريقة سيتخذ موقفا حول طبيعة المعرفة. هذا النمط من الإبستمولوجيا الذي يأنف بعض الإبستمولوجيين أن يسميه إبستمولوجيا ، ينحدر من نظرية المعرفة أو Gnoséologie ، وبهذا المعنى نعتبرهم إبستمولوجيين أولئك الذين نسميهم ” الفاعلون الكبار ” في الفلسفة الكلاسيكية كأرسطو وديكارت وكانط وهوسرل ، وبعض افبستمولوجيين المعاصرين أمثال جاستون باشلار. وما عدا هذا الأخير ، نستطيع أن نقول إن خطأهم الذي يؤدي أحيانا إلى النظر إليهم باستخفاف من طرف من يسمون بـ ” الإبستمولوجيين الحقيقيين ” هو محاولتهم إنشاء نظرية عامة للمعرفة بدون أي اعتبار للمشاكل الجزئية المطروحة داخل كل ميدان معرفي خاص ، وهو تعريفهم لهذه النظرية انطلاقا من تعميمات مبكرة مستخلصة من علم خاص ( التاريخ الطبيعي بالنسبة لأرسطو ـ الرياضيات بالنسبة لديكارت ـ الفيزياء بالنسبة لكانط ـ المنطق بالنسبة لهوسرل). 2. صورة أخرى ما فوق ـ علمية (تستخدم مفاهيم تعميمها أكبر من تعميم المفاهيم العلمية الخالصة) بشكل أكثر خصوصية : ويتعلق الأمر بتعريف أو تأسيس لمنهج ما ، ويستهدفان بالنسبة للعالم توجيه أبحاثه أو جعلها مشروعة. هذا النوع من الدراسة يشكل حقيقة جزءا مما أسميناه ” الإبستمولوجية التكوينية ” ، في حين الدراسة الأولى والأكثر نزوعا نحو نظرية المعرفة ، ترتبط أكثر بالإبستمولوجيا النقدية. ومع ذلك فإن مدرسة بكاملها من الإبستمولوجيين ذوي المشارب الأمبريقية والوضعية مكونة أساسا من مناطقة ( حلقة فيينا المؤسسة سنة 1929 من طرف موريتز شليك ) أجهدت و لا تزال تجهد نفسها في صياغة قواعد منطقية ( ومنها جاء إسم الوضعية المنطقية اللصيق بهذا التيار) لمنطق قابل للتطبيق على مجموع العلوم. محاولة التوحيد هاته للغة العلم ، وليس للعلوم ذاتها بطبيعة الحال ، تسمى “النزعة الفيزياوية ” لأنها تقترح التعبير عن المفاهيم البيولوجية ومفاهيم علم النفس والاجتماع وغيرها بقضايا لغة الفيزياء من جهة ، وتفرض ربما على كل العلوم منهجا مشابها لمنهج الفيزياء : ولو أن هذا ليس هو هم العلماء كلهم ، فإن هذه الإبستمولوجيا هي حقا تكوينية على المستوى الذي تفرض فيه على العلم منهجا علميا معينا تعتبره متمتعا بالشرعية. سنعطي هنا أسفله مثالين لهذين النوعين من الإبستمولوجيا باعتبارها دراسة للمناهج. بالنسبة للنوع الأول من الإبستمولوجيا سنرى كيف يمكن أن يوصف المنهج في العلوم الفيزيائية بطريقة متعارضة كليا من طرف كل من ديكارت ونيوتن.

  • الأول بإرادته الانطلاق من المبادئ نحو النتائج يستعمل منهجا استنتاجيا قبليا ( مؤسسا على الحدس أي على المعرفة المباشرة بواسطة العقل لا على التجربة)،
  • أما الثاني ، والذي أعجبه أن يعيد النظر ، وبدون سخرية ، في قسمة خصمه الرفيع ديكارت للقواعد إلى أربعة قواعد أساسية ، فادعى على العكس إمكانية الاستخلاص الكلي لقوانين الطبيعة من التجارب الحسية، لكي يصعد هكذا من حتى يصل إلى المبادئ العامة التي تحكمها، أي باتباع منهج استقرائي بعدي. إن العقلانية الديكارتية تستخلص منهجيتها من الرياضيات ؛ ففي علوم الطبيعة تلعب المبادئ المعروفة عن طريق الحدس دور الأكسيومات ، والقوانين التي يمكن استنتاجها منها هي مشابهة للمبرهنات. أما النيوتونية ، وعلى العكس من ذلك ، فإن المنهج الخاص بعلوم الطبيعة يعتبر كما لو كان مختلفا بشكل جذري عن الرياضيات ، ما دامت التجربة حسب نيوتن ، وليس الحدس ، هي التي من المفروض أن تقود خطواتنا دون أن يكون من الضروري اللجوء إلى الحدس بصياغة فرضيات : وهذا هو معنى قولة نيوتن المشهورة : ” أنا لا أضع الفرضيات “.

5. المنهج الاستنتاجي في أربعة قواعد.

” … بدل هذا العدد الهائل من المبادئ المكونة للمنطق ، اعتقدت أنه يمكنني الاكتفاء منها بالمبادئ الأربعة التالية ، آملا في أنني سأتخذ قرارا قاطعا وثابتا في أنني لن أهمل ولو مرة واحدة ملاحظة أي منها.

الأولى : أن لا أتلقى على الإطلاق شيئا على أنه حق ما لم أتبين بالبداهة أنه كذلك ، أي أن أعنى بتجنب التعجل والتشبث بالأحكام السابقة ، وأن لا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل لعقلي في وضوح وتميز لا يكون لدي معهما أي مجال لوضعه موضع الشك.

والثانية : أن أقسم كل واحدة من المعضلات التي أبحثها إلى عدد من الأجزاء الممكنة واللازمة لحلها على أحسن وجه.

والثالثة : أن أرتب أفكاري ، فأبدأ بأبسط الأمور وأيسرها معرفة ، وأتدرج في الصعود شيئا فشيئا حتى أصل إلى معرفة أكثر الأمور تركيبا ، بل أن أفرض ترتيبا بين الأمور التي لا يسبق بعضها بعضا بالطبع.

والأخيرة : أن أقوم في جميع الأحوال بإحصاءات كاملة ومراجعات عامة تجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئا. ‘ن هذه السلاسل الطويلة من الحجج البسيطة والسهلة التي تعود علماء الهندسة استعمالها للوصول إلى أصعب براهينهم ، أتاحت لي أن أتخيل أن جميع الأشياء التي يمكن أن تقع في متناول المعرفة الإنسانية ، تتعاقب على صورة واحدة ، وأنه إذا تحاشى المرء أن يتلقى ما ليس منها بحق على أنه حق ، وحافظ دائما على الترتيب اللازم لاستنتاجها بعضها من بعض ، فإنه لا يجد بين تلك الأشياء بعيدا لا يمكن إدراكه ، و لا خفيا لا يستطاع كشفه. ولم أجد كبير عناء في البحث عن الأمور التي يجب الابتداء بها ، لأنني كنت أعرف من قبل أن الابتداء إنما يكون بأبسط الأشياء وأسهلها معرفة. ولما رأيت أن بين الذين بحثوا من قبل عن الحقيقة في العلوم لم يستطع أحد غير الرياضيين أن يهتدي إلى بعض البراهين ، أي إلى بعض الحجج اليقينية والبديهية ، لم أشك أبدا في أن ذلك لم يتيسر لهم إلا بطريق الأمور التي عالجوها ، ولم أؤمل منها فائدة أخرى سوى تعويد عقلي مؤالفة الحقائق البديهية ونبذ الحجج الباطلة”.

رونيه ديكارت ، المقال في المنهج 1637

الجزء الثاني ترجمة : جميل صليبا بيروت 1970.

إقرأ الكتاب

5.مكرر

” بالنسبة للفيزياء ، اعتقدت أنني لا أعرف شيئا عنها ، إذا لم أكن أعرف أن أقول كيف يمكن أن توجد الأشياء، بدون القدرة على البرهنة بأنها لا يمكن أن توجد بشكل مغاير؛ ذلك أن إرجاعها واختزالها إلى قوانين الرياضيات هو شيء ممكن “.

رونيه ديكارت

رسالة إلى مرسن 11 مارس 1640.

6. المنهج الاستقرائي في أربعة قواعد.

القاعدة الأولى : لا يجب اعتبارها أسبابا إلا تلك التي هي ضرورية لتفسير الظواهر. إن الطبيعة لا تقوم بأي فعل سدى ، وسيكون فعلا لأشياء تافهة ممارسة فعل بواسطة عدد كبير من الأسباب ، في الوقت الذي يمكن حدوثه فيه بعدد أقل منها.

القاعدة الثانية : يجب عزو التأثيرات التي هي من نفس النوع دائما ، وكلما أمكن ذلك ، لنفس السبب. هكذا فإن عملية التنفس لدى الإنسان والحيوان، وسقوط حصاة في أوربا أو أمريكا، وضوء النهار هنا [ على الأرض] وضوء الشمس، وانعكاس الضوء على الأرض والكواكب، [ هي أفعال ] يجب أن تعزى على التوالي لنفس الأسباب.

القاعدة الثالثة : يجب أن ننظر لخصائص الأجسام التي لا تقبل الكبر ولا النقصان ، والتي تحوزها كل الأجسام التي يمكن إجراء التجارب عليها ، كخصائص مرتبطة بكل الأجسام عموما. لا يمكن أن نعرف خواص الأجسام إلا عن طريق التجربة، وهكذا يمكننا أن ننظر إليها كخصائص عامة ، الخصائص الموجودة في كل الأجسام ، والتي لا يمكن أن تشكو من التناقص؛ ذلك لأنه من المستحيل إفراغ الأجسام من خصائصها التي لا يمكن إنقاصها. كما لا يمكن أن تعارض التجارب بالأحلام ، و لا يجب إهمال التماثل في الطبيعة ، والذي هو دائما بسيط ومشابه لذاته. إن تعين الأجسام وامتدادها لا يعرف إلا عن طريق الحواس ، و لا يمكن الإحساس به في كل الأجسام (الامتداد ) ، وإنما كتعين أو امتداد لصيق بتلك التي توجد تحت حواسنا ، ونحن نؤكد أن هذا الامتداد مرتبط بكل الأجسام عموما. إننا نجد أن كثيرا من الأجسام صلبة : بيد أن صلابة الكل متأتية من صلابة الأجزاء، وهكذا نعترف بهذه الخاصية ، لا فقط في الأجسام التي مكنتنا حواسنا من اختبارها ، ولكننا نستدل بواسطة العقل على الأجزاء غير القابلة للقسمة هي أجزاء يمكن أن تكون صلبة. نستنتج بنفس الطريقة أن كل الأجسام غير قابلة للاختراق، وذلك لأن كل الأجسام التي نلمسها لا تقبله، لذلك ننظر لعدم القابلية للاختراق كخاصية تسري على كل الأجسام. كل الأجسام التي نعرفها متحركة ، ومتميزة بقوة معينة ( نسميها قوة العطالة ) تدوم وتستمر بفضلها في حالة حركة أو حالة سكون . نستنتج أن كل الأجسام عموما تمتلك هذه الخصائص. الامتداد ، الصلابة ، عدم القابلية للاختراق ، الحركية ، العطالة في كل الأجسام تتأتى إذن من امتداد وصلابة وعدم القابلية للاختراق وحركية وعطالة الأجزاء: وهو ما نستنتج منه أن كل الأجزاء الدقيقة في جميع الأجسام هي ممتدة وصلبة وغير قابلة للاختراق ومتحركة وممتلكة لقوة العطالة، وهذا هو أساس كل الفيزياء. وأكثر من ذلك نعرف أيضا عن طريق الظواهر أنه يمكن للأجزاء المتلاصقة للأجسام أن تنفصل ، وتطلعنا الرياضيات على أنه يمكن تمييز الأجزاء غير القابلة للقسمة والأكثر صغرا أحدها عن الآخر عن طريق العقل.إننا لا زلنا نجهل ما إذا كانت هذه الأجزاء المتميزة وغير المنقسمة تقبل العزل والافتراق عن طريق قوى الطبيعة ، ولكن إذا كان من المؤكد وعن طريق تجربة واحدة أن واحدة من هذه الأجزاء التي نعاينها كوحدة قابلة للقسمة عانت نوعا من أنواع القسمة بعزل أو بكسر جسم صلب كيفما كان ، فيمكن أن نستنتج عن طريق هذه القاعدة أنه ليست الأجزاء المنقسمة قابلة للعزل فقط ، وإنما قابلة الأجزاء غير المنقسمة للقسمة إلى ما لا نهاية. وأخيرا ، وما دام من الثابت من التجارب ومن الملاحظات الفلكية أن لكل الأجسام القريبة من سطح الأرض وزن فوق الأرض حسب كمية مادتها ، وأن القمر يثقل على الأرض بسبب كمية مادته، وأن بحرنا يثقل بدوره على القمر ، وأن كل الكواكب تثقل على بعضها البعض بشكل متبادل ، وأن المذنبات تثقل أيضا على الشمس ، فإننا نستطيع أن نستنتج تبعا لهذه القاعدة الثالثة أن كل الأجسام تسبح بشكل متبادل بعضها نحو البعض الآخر، وسيكون هذا الاستدلال بفضل الجاذبية الكونية للأجسام المستخلصة من الظواهر أقوى من ذلك الذي نستنتج منه عدم قابليتها للاختراق: وذلك لأنه ليست لدينا أية تجربة أو أية ملاحظة تؤكد لنا أن الأجسام الأرضية هي أجسام غير قابلة للاختراق، ومع ذلك فأنا لا أؤكد أبدا أن الجاذبية [ خاصية ] جوهرية للأجسام، و لا أعني بالقوة الكامنة في الأجسام إلا قوة العطالة التي هي قوة ثابتة : بدلا من أن الجاذبية تتناقص كلما ابتعدنا عن الأرض.

القاعدة الرابعة : في الفلسفة التجريبية ، يجب أن ينظر إلى القضايا المستخلصة عن طريق الاستقراء ، وعلى الرغم من الفرضيات المضادة ، على أنها قضايا صادقة بشكل تام أو تقريبي ، في انتظار أن تؤكدها بعض الظواهر الأخرى كليا ، أو تطلعنا على أنها معرضة لاستثناءات . ذلك لأن فرضية ما لا يمكنها إضعاف الاستدلال المؤسس على الاستقراء المستخلص من التجربة. لا يمكنني أن أعتقد إلا أنه إجراء فعال لتحديد الحقيقة، وأن أفحص مختلف الطرق التي يمكن وفقها تفسير الظواهر ، ما عدا في الحالة التي لا يمكن فيها سرد وتعداد كل هذه الطرق بشكل كلي وتام. إن المنهج الحقيقي ، كما تعلمون ، للاستخبار والاستعلام عن خصائص الأشياء ، هو استنتاجها من التجارب. وقد قلت لكم أن النظرية التي اقترحتها ، جاءتني لا عن طريق الاستدلال [ والمسألة هكذا لأنها ليست بشكل مغاير ] ، ، أي ليس عن طريق استدلالها بكل بساطة من رفض لافتراض مضاد ، ولكن باشتقاقها من التجارب ، حيث تستنتج منها إيجابيا وبشكل مباشر. ولذلك فإن الطريقة التي يجدر بها فحصها ، هي اعتبار ما إذا كانت التجارب التي تم اقتراحها تبرهن بالفعل على أجزاء النظرية التي تفسر الأجزاء بفضلها ، أي أيضا باتباع تجارب أخرى يمكن التفكير فيها لإخضاع النظرية للفحص. . . ذلك لأنه إذا كانت التجارب التي أستدعيها ناقصة ومعابة ، فلن يكون صعبا توضيح وعرض نواقصها ، ولكن إذا كانت صالحة ، فإنها وبواسطة تلك التي تبرهن على النظرية ذاتها ، ستحيل بالضرورة كل الاعتراضات اعتراضات لا قيمة لها”.

إسحاق نيوتن : المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية

الكتاب 3 ورسالة إلى أولدنبرغ يوليوز 1672

مذكور من قبل روبير بلانشي في : المنهج التجريبي وفلسفة الفيزياء

أرمان كولان 1969 ص ص : 99 ـ 102 .

7. توجهان فكريان كبيران ، منهجان.

” لقد تم وصف هذا التمييز الأساسي بين المفاهيم والتصورات العلمية لدى كل من ديكارت ونيوتن من قبل فونتونيل Fontenelle وهو إذ ذاك سكرتير دائم لدى أكاديمية العلوم ، وذلك عندما كان بصدد مدح السير إسحاق نيوتن ، فقال : ” لقد كانت بين الرجلين اللذين هما على طرفي نقيض علاقات وثيقة ؛ فكل منهما كان عبقريا من الطراز الأول ، وقد ولد كل منهما للهيمنة على العقول الأخرى ولتأسيس الإمبراطوريات. كلاهما رياضي بارع رأى ضرورة نقل الهندسة إلى ميدان الفيزياء، وكلاهما أسس فيزياءه على الهندسة (. . .). غير أن أحدهما أراد ، وبقفزة جريئة ، التموضع في منبع كل شيء، وأن يغدو سيد كل المبادئ الأولى عن طريق بعض الأفكار الواضحة والأساسية ، وذلك حتى لا يحتاج إلى النزول من تلك المبادئ إلى ظواهر الطبيعة كنتائج ضرورية لهذا النزول . أما الآخر، وهو أكثر خجلا وتواضعا، فإنه بدأ سيره بالاستناد إلى الظواهر صعودا نحو المبادئ المجهولة، وانتهى إلى أن اعتبارها كما هي، يمكنه أن يعطينا تسلسلا للنتائج. أحدهما ينطلق مما يفهم بوضوح للعثور على سبب ما يراه أو يلاحظه، أما الآخر فينطلق مما يراه ويلاحظه للعثور على سبب ما يراه ويلاحظه”.

ب . دي فونتونيل ” مدح العلماء ” 1697

مذكور من قبل ج. و. شارون في : ” من الفيزياء إلى الإنسان “

وساطات 1965 . ص : 47 .

هاك الآن مثالا عن نقد المناهج الممارس من قبل العلماء لتأسيس علمهم الخاص وتعريف موضوعه ، وهو مثال مستعار من ميدان الفيزيولوجيا. ينتقد كلود بيرنار تطبيق المنهج التجريبي المستخدم في ميدان الفيزياء والكيمياء على الوقائع البيولوجية ، وهو يوضح أولا كيف أنه خلافا لما اعتقده سابقوه ، بيشا على الخصوص ، فإنه من المشروع اعتبار الظواهر الحية كما لو كانت ظواهر فيزيائية ـ كيميائية ، ولو في اللحظة الأولى على الأقل ، ثم يحدد في نفس الآن حدود وعدم كفاية هذا المنهج الذي لا يسمح بتفسير وظائف الأعضاء المدروسة، و لا تراتبية تلك الوظائف.وبتقرير مشروعية المنهج التجريبي في البيولوجيا ، أي بالترخيص له بتحليل وتفكيك المكونات العضوية لـ ” مركب فيزيولوجي ” ثم إعادتها إلى أماكنها ووظائفها ، يؤسس كلود بيرنار منهج الفيزيولوجيا المعاصرة ، وبذلك يعرف موضوع هذا العلم بطريقة جديدة.

8. مشروعية وحدود المنهج التجريبي في الفيزيولوجيا.

. . . إن هدف المنهج التجريبي هو الإمساك بالحتمية في الظواهر، كيفما كانت طبيعة هذه الظواهر، حيوية كانت أم معدنية. ونحن نعلم يقينا أن ما نسميه حتمية في ظاهرة ما لا يعني شيئا آخر غير ” السبب الفاعل ” أو ” السبب القريب ” المؤدي لحدوث الظواهر ، حيث نحصل بالضرورة تبعا لذلك على شروط وجود الظواهر ، تلك الشروط التي يطالب المجرب بمعالجتها لتنويع الظواهر. سنرى إذن التفسيرات السابقة كتعبيرات مماثلة لمفهوم الحتمية، والتي يلخصها كلها هذا الأخير. من الأكيد ، كما قلنا ذلك سابقا ، أن الحياة لا تتطلب مطلقا أي تغيير في المنهج العلمي التجريبي الذي يتحتم تطبيقه في دراسة الظواهر الفيزيولوجية ، مما يؤدي إلى أن العلوم الفيزيولوجية وكذا الكيميائية ـ الفيزيائية تقوم بالضبط على نفس مبادئ الاكتشاف والبحث. لكن يجب الاعتراف مع ذلك بأن الحتمية في ظواهر الحياة ليست أكثر تعقيدا فقط ، وإنما هي في نفس الوقت حتمية تراتبية بشكل متناسق، وبالشكل الذي يجعل من الظواهر الفيزيولوجية المعقدة ظواهر مشكلة عن طريق منظومة من الظواهر البسيطة التي يحدد بعضها البعض الآخر ، بالاشتراك في تحقيق هدف غائي مشترك، في حين أن الهدف الجوهري لدى الفيزيولوجي هو تحديد الشروط الأولى للظواهر الفيزيولوجية وفهم تعالقها الطبيعي، من أجل استيعاب ، وبالتالي ، تتبع مختلف المنظومات في الميكانيزمات الأكثر تنوعا في العضويات الحيوانية(. . .). يتوجب على الفيزيولوجي والطبيب أن لا يغفل كون الكائن الحي عضوية حية متفردة؛ فالفيزيائي والكيميائي اللذان لا يستطيعان التواجد خارج الكون ( العالم ) يدرسان الأجسام والظواهر بذاتها وبشكل منفصل ، بدون أن يكرها على إلحاقها ضرورة بالطبيعة في كليتها. لكن الفيزيولوجي الذي يجد ذاته بالعكس من ذلك متواجدا خارج العضوية الحية التي يراها في كليتها ، يفرض عليه أن يفسر هذا التناغم في هذا الكل، في الوقت الذي يحاول فيه أن ينفذ لداخله لفهم آلية كل عنصر من عناصره. وينتج عن ذلك قدرة الفيزيائي والكيميائي على رفض أية فكرة غائية في الوقائع التي يلاحظانها ، في حين يجد الفيزيولوجي ذاته مكرها على الاعتراف بغائية متناغمة وقبلية في الجسم المنظم والمتضامنة كل أفعاله الجزئية والمولدة لبعضها البعض. يجب إذن أن نعلم جيدا أننا إذا فككنا العضوية الحية بعزل مكوناتها المختلفة عن بعضها ، فإن ذلك لا يتم إلا بغرض تبسيط التحليل التجريبي ، لا بغرض تناولها كأجزاء منفصلة. وبالفعل ، فلكي نمنح لخاصية فيزيولوجية ما قيمتها ومعناها الحقيقي ، ينبغي دائما ربطها بالكل ، وعدم استخلاص النتيجة النهائية إلا بعلاقة هذه الخاصية بتأثيراتها داخل هذا الكل. وبدون شك فإن هذا الشعور بالتضامن الضروري فيما بين أجزاء العضوية الحية هو ما دفع ” كوفييه ” إلى اعتبار استحالة تطبيق التجريب على الكائنات الحية ، لأنه يفصل الأجزاء المنظمة التي يتوجب إبقاؤها مجتمعة. وبهذا المعنى أيضا حرم بعض الفيزيولوجيين والأطباء الآخرين الذين يسمون ” الحيويين ” ، أو لا زالوا يحرمون التجريب في ميدان الطب. إن وجهات النظر هاته ، والتي لا تخلو من الصواب ، هي مع ذلك خاطئة من حيث استنتاجاتها العامة، وهي تضايق تقدم العلم بشكل ملحوظ”.

كلود بيرنار : مدخل لدراسة المنهج التجريبي 1865

كارنيي ـ فلاماريون 1966 ص ص 135 – 138.

إقرا الكتاب بالفرنسية

دراسة المبادئ

2.الإبستمولوجيا : دراسة المبادئ.

1.2. المبادئ الميتافيزيقية:

يقوم كل علم على مبادئ غير مبرهن عليها ، وذلك إما بشكل ضمني أو صريح ، ويقبلها العالم كبديهيات : وأولى اهتمامات الإبستمولوجيا النقدية هي إخضاع هذه المبادئ ذاتها للفحص النقدي.

ولتوضيح هذه المسألة اخترنا المثال الآتي نظرا لبساطته النسبية ، وهو يتعلق بدراسة الحركة. في هذا الميدان الفيزيائي يمكن الإشارة إلى عالمين بارزين هما : أرسطو ( 384 ـ 322 ق.م ) والذي استمر تأثيره في أوربا حتى القرن 16 . وجاليلي ( 1564 ـ 1642 ) والذي يعتبر مؤسس الميكانيكا الكلاسيكية . وستبين قراءة نصوصهما كيف أن نظرياتهما مؤسسة على مفاهيم وتصورات للطبيعة تتجاوز بعموميتها الميتافيزيقية إطار موضوعهما العلمي الخالص.

أ‌.         أرسطو أو فيزياء الكيفيات:

للحركة المحلية (= ما يؤدي بشيء ما لتغيير مكانه ) بالنسبة لأرسطو ، بادئ ذي بدء ، علة داخلية (= تقيم بداخل الجسم الذي هو في حالة حركة ) ، وهذا ما يميز نظريته عن نظرية الفيزياء الكلاسيكية التي انشغلت بوصف الظواهر ، أكثر مما انشغلت بالبحث عن أسبابها : لقد قرر أرسطو أن كل الأشياء تنحو وتنزع من تلقاء ذاتها نحو ” مكانها الخاص ” (= مكانها الأصلي ) ، وهكذا تنحو الأجسام الثقيلة نحو الأسفل ( الأرض ) ، وتنحو الأجسام الخفيفة نحو الأعلى ( السماء ) . والأجسام التي لا تتواجد في مكانها الطبيعي ليست ثقيلة أو خفيفة إلا بالقوة ( حيث يمكن أن تصعد إذا كانت خفيفة أو تنزل إذا كانت ثقيلة)، وليست هي كذلك بالفعل ( ولن تستطيع أن تحقق طبيعتها ) إلا عندما تلتحق بمكانها الأصلي.

وبجانب هذه العلة الذاتية للحركة (= المرتبطة بطبيعة الأشياء وبجوهرها وماهيتها ، ومن هنا ارتباطها بميدان الضرورة ) ، يميز أرسطو علة خارجية (= غير مرتبطة بذاتية الأشياء) : فوضعية الأجسام الثقيلة غير الساقطة ، والأجسام الخفيفة غير الصاعدة ، ليست إلا وضعية متأتية عن عائق يعوق حركتها الطبيعية ( فيمكن مثلا الاحتفاظ بتمثال معلق بواسطة عمود . . . إلخ) . إن العلة العرضية للحركة هي تلك التي تقصي هذا العائق أو تلك التي تعارض الحركة الطبيعية ( فعل إطلاق حجر وتركه يسقط أو رميه في الفضاء).

سنلاحظ من خلال قراءتنا للنص التالي أن هذه النظرية المتأتية عن الحس المشترك ، والتي تتوصل مع ذلك إلى تفسير مجموع الظواهر الملاحظة بصورة متماسكة ، تستند بشكل كلي على عدة مبادئ :

-     مبدأ جوهري ( الجوهر ) يعزو علة الحركة إلى بعض الخصائص الذاتية للأجسام:  فالأجسام تسقط لأنها ثقيلة. و لا يحدد هذا المبدأ فقط كل فيزياء أرسطو ، وإنما أيضا كل الفلسفة الأرسطوطاليسية. إن الخاصية الذاتية أو الجوهرية تفسر كل شيء : الرخام بارد بسبب ” برودته ” ، العبد عبد بسبب ” عبوديته ” . . . إلخ.

-        مبدأ غائي: بفضله نعتبر كل الأشياء، طبيعية كانت أم اصطناعية، موجودة بغرض تحقيق غاية معينة (=هدف): ورقة الفاكهة لحماية الفاكهة، المنشار من أجل النشر. . إلخ.

-      مبدأ كوسمولوجي: (= يحدد نظرة منظمة للكون ) وفق هذا المبدأ لكل شيء في الطبيعة مكانه ووظيفته المحددين مرة واحدة وبشكل نهائي. هكذا يتم تصور الحركة كمعبر بين حالتين أو شكلين من أشكال الوجود : أي العبور من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل ، وكل شيء بالنسبة لأرسطو يوجد في مكانه وإليه يعود.

 2.تصعد الأجسام أو تسقط حسب نزوعها الطبيعي.

” لنبحث لماذا تتحرك الأجسام الخفيفة والأجسام الثقيلة نحو مكانها الطبيعي؟ .. إن سبب هذه الظاهرة هو أن الثقيل والخفيف هما بالطبع والجوهر محددين أحدهما بالأسفل والآخر بالأعلى. ‘ن الأجسام خفيفة أو ثقيلة بالقوة وبأشكال متعددة: ( . . . ) إن جسما في الحالة السائلة ليس خفيفا بداهة إلا بالقوة. وفي الحالة الغازية هو ليس كذلك أيضا إلا بنفس الصورة ( لأنه من الممكن أن يحال دونه والصعود ) ، لكن إذا ما أزيح هذا العائق ، فغننا سنراه خفيفا بالفعل، ما دام سيوجد في الأعلى. وهكذا أيضا، فإن الكيفية بالقوة تصبح كيفية بالفعل ـ كما أن ملكة المعرفة تتحول إلى معرفة في حالة إذا لم يكن هناك ما يعارضها ـ والكمية تتحول بنفس الطريقة.

إن إزاحة مقاومة العائق للحركة هي بمعنى من المعاني سبب الحركة، وهي بمعنى آخر ليست كذلك ، مثلا : إن من يقوض عمودا أو ينتزع ثقلا من على قربة هوائية في الماء ليس إلا سببا عرضيا للحركة ، مماثلا لكون أن رامي الكرة هو سبب حركة هذه الأخيرة ، وليس الحائط الذي يعكس حركتها.

إن أيا من هذه الأجسام لا يتحرك من تلقاء ذاته، وهذا بديهي، إنها ( الأجسام ) تمتلك في ذاتها مبدأ للحركة ليس فعالا ولكنه منفعل، ليس من أجل الحركة أو إنتاجها، ولكن لتلقيها. وبما أن كل الأجسام موضوع الحركة هي متحركة إما بحركة ناشئة عن عنف مضاف إلى طبيعتها ، وإما بحركة طبيعية ، وما دامت الأجسام الأوائل متحركة كلها بواسطة سبب غريب عنها ، في حين أن الأجسام الثواني ، سواء كانت متحركة أو غير متحركة من تلقاء ذاتها ، تتحرك هي أيضا بواسطة سبب خارجي ـ وهكذا تحدث حركة الأجسام الخفيفة والأجسام الثقيلة التي تتمثل أصول حركتها في العلة المولدة والفاعلة لخفتها أو ثقلها ، أو في العلة التي تزيح العائق والحائل دون حركتها ـ ، فلكل حركة إذن علة خارجية غريبة”.

أرسطو ـ الفيزيقا VIII ، 4ـ28ـ29.

إقرأ كتاب : ” أرسطو المعلم الأول “

ب‌.     جاليلي أو فيزياء الكميات:

لقد رأينا مع أرسطو كيف يمكن أن تقود مبادئ مغلوطة نحو معارف مغلوطة ، ومن المثير الوقوف على أنه يمكن أحيانا أن يصاغ قانون علمي بصورة صحيحة انطلاقا من مبادئ هي أكثر قابلية للتنازع والاعتراض.

وهاك مثالا على ذلك : في النص الموالي ، يفسر جاليلي ( 1564 ـ 1642 ) كيف اكتشف أن الأجسام تسقط تبعا لحركة متسارعة بانتظام، هذا الاكتشاف الذي هو نتيجة ملاحظة أمبريقية (= مؤسسة على التجربة ) ( ويمكن لأي شخص أن يرى بعينيه أنه كلما سقط جسم ما من مكان أكثر علوا ، كلما كانت سرعته أكبر عند الوصول) من جهة ، ونتيجة استنتاج منطقي من جهة أخرى ، انطلاقا من مبدأ ميتافيزيقي يقول : إن الله أو الطبيعة ” تحب ” اليسر والبساطة. وهذا دليل على أن العلم ، وحتى العلم الأفضل ( جاليلي هو مؤسس الفيزياء المعاصرة) ، لا يمكن أن يستغني عن الافتراضات.


سنلاحظ أن المبدأ الذي تقوم عليه الفيزياء الجاليلية هو في نفس الآن منبع ومصدر الاكتشاف ، وحد يرسم حدود المعرفة : فهو مصدر للاكتشاف لأن جاليلي استنبط منه إمكانية التعبير الرياضي عن القوانين الفيزيائية عموما ، وهو حد للمعرفة ؛ لأن هذا المبدأ يحرم ويحظر توضيح الظواهر المعقدة والمركبة ( اعتقد جاليلي أن الكواكب ترسم مدارات دائرية بدعوى أن الدائرة والخط المنحني المغلق هما الأكثر بساطة).

Ž3. تحب الطبيعة القوانين البسيطة.

” إن التفكير ، أو إن شئنا ، الاتجاه العقلي لدى جاليلي ليس رياضيا خالصا ، إنه فيزيائي ـ رياضي. لقد انطلق جاليلي بدون شك من فكرة متصورة مسبقا ، لكنها تشكل عمق فلسفته الطبيعية ، وهي أن قوانين الطبيعة هي قوانين رياضية ، وأن الواقعي يجسم الرياضي. أليس لدى جاليلي أيضا مسافة بين التجربة والنظرية . إن النظرية، المعادلة، لا تنطبق على الظواهر الخارجية، إنها ” تنقذ ” هذه الظواهر، إنها تعبر عن جوهرها. إن الطبيعة لا تجيب أبدا إلا على أسئلة مصاغة بلغة رياضية؛ ذلك لأن الطبيعة هي مملكة القياس والنظام، وإذا كانت التجربة تقود هكذا ( كشخص يقودك بشد يدك ) المحاكمة العقلية والاستدلال ، فإنه في التجربة الممارسة بإحكام ، أي على مسألة موضوعة بشكل جيد ، تكشف الطبيعة جوهرها العميق والذي لا يستطيع تفهمه إلا المثقف العارف بالأمور.

يخبرنا جاليلي بأنه ينطلق من التجربة ، ولكنها ليست ” التجربة ” الخالصة للحواس ، هذا المعطى الذي عليه أن يطابقه أو يلائمه مع التعريف الذي يبحث عنه ، إنها ليست شيئا آخر سوى القانونين الوصفيين ـ قانونا علامات ـ السقوط واللذين هما في حوزته مسبقا.

يخبرنا جاليلي أيضا أنه منقاد بواسطة فكرة البساطة ( . . . ) بساطة واقعية إن صح التعبير، تطابق داخلي مع الطبيعة الجوهرية للظاهرة المدروسة.

هذه الظاهرة الواقعية هي الحركة، وجاليلي لا يعرف كيف تحدث ، و لا كيف ـ وتحت تأثير أية قوة ـ يحدث التسارع ( . . . ) كيفما كان الأمر، فإن المسألة تتعلق بظاهرة واقعية، بظاهرة تحدثها الطبيعة واقعيا، الأمر الذي يعني حدوثها بفعل شيء يحدث في الزمن.

إن الحركة قبل كل شيء هي ظاهرة زمنية ، إنها تحدث في الزمن ، وانطلاقا من الزمن سيحاول جاليلي أن يعرف جوهر الحركة المتسارعة، ليس بعامل المسافة المقطوعة ؛ فالمسافة ليست إلا ناتجا ، ليست إلا حادثة سير ، ليست إلا علامة على حقيقة جوهرية زمنية.

إننا لا يمكننا، وتلك حقيقة، تخيل الزمن، وكل تمثل بياني سيقارب دائما خطر الانزلاق إلى هندسة مبالغ فيها. غير أن المجهود المسنود للعالم من طرف الفكرة المتصورة والمتفهمة لخاصية الاستمرارية في الزمن، يمكنه وبدون خطر، أن يرمز إليه بالمسافة. إن الحركة ذات التسارع المنتظم ستكون إذن كما ستكون بالعلاقة مع الزمن.

إن كون جاليلي استطاع ، أو عرف ، كيف يتجاوز كل تمثيل تجسيدي لنمط حدوث الحركة أو التسارع ( قوة ت جاذبية . . . إلخ) مكنه من الحفاظ على توازنه في هذه الحدود الضيقة كحدود شفرة ، أو إنه في فعل الحركة يلتقي كل من الواقعي والرياضي”.

ألكسندر كويري : دراسات جاليلية

ص ص : 57 ـ156

منظار جاليلي

2.2 المبادئ الميتودولوجية :

ليست المبادئ الميتافيزيقية وحدها المبادئ الموجهة للفكر العلمي ؛ فهذا الأخير يحتاج في مختلف المجالات الطبيعية حيث تتحقق ممارساته ، إلى مبادئ موجهة لأبحاثهوموحدة لنظرياته ، وليست هذه المبادئ في الغالب إلا تمثلات مجازية واستعارية بهذا القدر أو ذاك لمجموعة من الظواهر. وهكذا مثلا استطاعت الكهرباء أن تحقق تقدما حاسما عندما تم تكوين ” تمثل ” عن الظواهر الكهربائية كظواهر مشابهة لتلك المشتقة من ميكانيكا السوائل ، وأيضا ، وكما يشير إلى ذلك النص التالي ، اتخذت الفيزيولوجيا توجها علميا حقيقيا عندما تم التخلي عن الصورة التي اعتبر وفقها أن الدم في الجسم ” يسقي ” العضوية الحية ، وذلك للمرور والانتقال إلى مجاز آخر أكثر خصوبة هو ” الدورة ” الدموية.


تشكل هذه الموجهات الأكثر عمومية للفكر العلمي في نفس الآن خميرة مولدة للاكتشافات ، ولكنها يمكن أن تكشف على المدى البعيد عن عائق لتطورها : ومن بين مهام الإبستمولوجيا ، كما هو الشأن بالنسبة للفلاسفة والعلماء أيضا ، الكشف عن هذه العوائق وجعلها موضوعا للنقد والفحص.

 4. من السقي إلى الدورة  [ الدموية].

” . . . داخل أي منظور، غائي كان أم ميكانيكي ، يتموقع داخله البيولوجي أولا ، فإن المفاهيم الموظفة بدئيا لتحليل وظائف الأنسجة والأعضاء أو الأجهزة ، كانت مشحونة لاشعوريا بأهمية براجماتية وتقنية إنسانية خالصة.

على سبيل المثال نجد أن الدم والنسغ (ماء النبات) يجريان كالماء ، والماء الجاري في القنوات يسقي الأرض ، إذن يجب أن يمارس كل من الدم والنسغ بدورهما عملية السقي. إن أرسطو هو الذي ماثل بين توزع الدم انطلاقا من القلب وعملية سقي حديقة عن طريق الأنابيب. ولم يفكر جاليان بطريقة مغايرة . غير أن سقي الأرض معناه اختفاء الماء داخل الأرض ـ وهنا بالضبط [يتجسم ] العائق الأساسي للذكاء المرتبط بفكرة الدورة [ الدموية ]. إن كل الفضل ينسب لهارفي لكونه استطاع القيام بتجربة ترابط عروق اليد التي يشكل احتقانها فوق نقطة الانقباض أحد البراهين التجريبية على وجود الدورة الدموية، غير أن هذه التجربة سبق وأن تمت سنة 1603 من طف فابريس D’Aquapendente ـ ومن الممكن جدا أنها تمت في تاريخ أسبق من هذا ـ الذي استخلصها من الدور الضابط ( والمعدل ) لصمامات العروق، لكنه اعتقد أنها تعوق الدم عن التجمع في الأطراف والأجزاء النازلة من الجسم. إن ما أضافه هارفي لمجموع الملاحظات المنجزة قبله هو إضافة بسيطة وأساسية في نفس الآن ، وهي كالتالي : في ساعة واحدة يضخ البطين الأيسر في الجسم عن طريق الشريان الأورطي مقدارا من الدم يعادل ثلاثة أمثال وزن الجسم ،فمن أين يأتي وإلى أين يمكن أن يمضي مقدار كهذا من الدم؟ ..ومن جهة أخرى ، إذا فتحنا وريدا معينا ، فإن الجسم سينزف إلى حد الفراغ ، ومن ثمة تولدت فكرة المدار المغلق الممكن، ” لقد تساءلت ـ يقول هارفي ـ فيما إذا لم يكن كل شيء قابلا للتفسير عن طريق حركة دائرية للدم ” . حينذاك ، وبرفضه لتجربة الترابط ، توصل هارفي إلى إضفاء معنى متسق ومتماسك على كل الملاحظات والتجارب. ونحن نرى كيف أن اكتشاف دوران الدم هو أولا ، وبالإمكان جوهريا ، استبدال لمفهوم أو تصور تم نحته لجعل الملاحظات الدقيقة ” متماسكة “، تلك الملاحظات التي تمت حول العضوية الحية في نقاط متنوعة، وفي لحظات مختلفة ، استبدال لمفهوم أو تصور آخر ، هو المتعلق بالسقي ، والذي تم جلبه مباشرة إلى البيولوجيا من ميدان التقنية الإنسانية.إن واقعية التصور البيولوجي للدوران تفترض مسبقا إقصاء خاصية التلاؤم في التصور التقني للسقي”.

ك. كانغيليم ” معرفة الحياة “

فران ، 1965

ص ص : 22 ـ 23.

تعريف الإبستمولوجيا

1. تعريف الإبستمولوجيا:

تعني الإبستمولوجيا اشتقاقيا ” دراسة العلم ” ، وهي ابتكار جديد كفرع من فروع الدراسات الفلسفية ، ويبدو أن لا ضرورة لهذا المبحث ؛ ففي عصرنا يتم تقديم العلم لكل واحد منا باعتباره مجموعة واضحة ، منظمة ومنسجمة من النتائج التي تفرض ذاتها علينا كحقائق، وإذا قبلنا بدون فحص ، تعريفا كهذا للعلم ، فإننا لن نستطيع أن نفهم لماذا يتحتم اعتبار العلم موضوعا للدراسة؛ فقانون سقوط الأجسام ، متى تم التوصل إلى المعادلة الرياضية المعبرة عنه ، ومتى تم التأكد منه تجريبيا عن طريق ( جهاز نيوتن للسقوط الحر ) ، بحيث يضحي قانونا عاما ، فإنه لا يستدعي بعد ذلك أية تعاليق أو أبحاث أخرى.

ومع ذلك ، فالعلم لا يعطينا ـ ما عدا في المقررات الدراسية التي هي بالضرورة بيداغوجية ودوغماطيقية ـ طابع اليقين والموضوعية المطلقين دائما : فلا وجود لنظرية علمية تقوم على مبادئ مصاغة بشكل دقيق ومنسجمة فيما بينها، و لا يهتم العلم بما إذا كان من الممكن أن تعرف كل مناهج الاكتشاف والتجربة بدون نقد سابق ذي علاقة بموضوعها. وأخيرا ، فإن النتائج التي يستخلصها العالم من بحث علمي ما ، وكذا التعميمات التي يقوم بها انطلاقا من اكتشاف ما ، هي دائما أبعد من أن تكون مؤسسة ، وإنه لعلى هذه المستويات الثلاث من البحث العلمي تحتل أولا الإبستمولوجيا مكانتها ، مما يمكن من تعريفها بأنها الدراسة النقدية لمبادئ العلوم ومناهجها ونتائجها: ” إن معرفة الواقعي ـ كتب جاستون باشلار ـ هي نور يلقي دائما ، وفي مكان ما بعض الظلال ” [ " تكوين الروح العلمية " ص 13] ، إن هذه الظلال هي التي تستخدم الإبستمولوجيا النقدية لاكتشافها وإماطة اللثام عنها.

غير أنه يوجد شكل ثان من الإبستمولوجيا يمكن أن نسميه بكل بساطة بالإبستمولوجيا التكوينية Constitutive : حيث إن العمل النقدي للإبستمولوجيا لا يبدأ فقط عندما ينتهي العلم ، إنه ليس عمل فيلسوف العلم خاصة ، إذ إنه يعلن عن ذاته أيضا أثناء عملية الصياغة ذاتها للنظرية ، هذه الإبستمولوجيا التكوينية هي مرتبطة بشكل جوهري بالممارسة العلمية : فلم يكن بمستطاع جاليلي مثلا أن يصوغ قانون سقوط الأجسام ما لم يكن ، وبشكل مواز ، قد قام بنقد المفهوم الأرسطي ل ” الجاذبية ” وأسس أيضا الديناميكا المعاصرة على أساس مفهوم جديد للحركة.

إن الدراسة النقدية للعلم ، والتي تمثلها الإبستمولوجيا ، بعيدة عن أن تكون سلبية بشكل خالص ، وعن أن تؤدي بنا إلى الشك ؛ فهي تظهر كمساهمة ضرورية وكعمل مجد بالنسبة للعمل العلمي.

وتأسيسا على ما سبق وقيل ، فإننا نرى على أن الإبستمولوجيا تنتمي في آن واحد إلى كل من الفلسفة والعلم : إنها تنتمي للفلسفة باعتبارها دراسة للفكر والبحث العلميين ( الفيلسوف هنا يلاحظ عمل العالم لمعرفة خصوصية المعرفة العلمية وما يميزها عن الحس المشترك ) ، وتنتمي إلى العلم باعتبارها تدعي القيام بدراسة علمية للعلم ، والقدرة على تحقيق صرامة مشابهة لصرامة العلم فيما يخص بناء مفاهيمه وطرق استدلاله ، إن لم يكن بنفس موضوعية العلم ذاته ، وأيضا باعتبار رغبتها في أن تكون معيارا لصلاحية مفاهيمه ومناهجه ، بل ونتائجه أيضا.

ولو أن هذه التعددية في اهتمامات الإبستمولوجيا شكلت غالبا نقطة اصطدام في ما بين الفلاسفة والعلماء ، فإنها سمحت بإدراك أن الإبستمولوجيا ليست مبحثا موحدا أو واحدا ، وإنما هو مبحث شديد التنوع بالنظر لتنوع مقترباته : والدليل على ذلك هو استنادها لمباحث جد مختلفة وغالبا علمية لممارسة إجراءاتها؛ ألن يدهشنا كون موسوعة للإبستمولوجيا يمكن أن تتضمن عناوين مختلفة لها من قبيل ” منطق الاكتشاف العلمي ” ، ” الأسس الفلسفية للفيزياء ” ، ” العلم والمجتمع ” ، ” مساهمة في تحليل نفسي للمعرفة الموضوعية ” ، ” عناصر تاريخ الرياضيات ” . . . الخ.

إننا نرى بفعل هذا التعداد البسيط أن الإبستمولوجيا مبحث متعدد الأشكال ، وأنه تبعا للحاجة يقدم على أنه ” منطق ” ، ” فلسفة المعرفة أو نظرية للمعرفة ” ، ” علم اجتماع ” ، ” علم نفس ” ، ” تاريخ ” . . . الخ.

سنلامس في بحثنا هذا كل هذه المقاربات ، وأهمية كل واحدة منها ستقاس بمدى خصوبتها ، ومن اللائق أن نفرد مكانا خاصا على حدة لتاريخ الفكر العلمي : هذا المبحث الذي هو مبحث حديث ، لا يستجيب فقط لشغف بالوقائع أو أفكار الماضي ، وإنما وأيضا ، وفي الغالب ، لأهداف التنقيب والاكتشاف والبيداغوجيا.

للاكتشاف : لأننا نرى جيدا وغالبا علماء يصعدون مجرى التاريخ والعصور للكشف عن / أو لتأكيد مبادئ علمهم ، أو لاكتشاف سند تاريخي لهذه المبادئ ( إنها حالة نعوم شومسكي مؤسس علم اللغة العقلاني ) .

للبيداغوجيا : لأن ما يدرس من العلم ليس في غالب الأحيان إلا نتيجة المحاولة والأخطاء المصححة.

إذا كان من غير الممكن التقليل من قيمة ما يسميه ج.باشلار ( العلم المدرَس ) والذي يمكن التلميذ ، بفضل بساطته وصوريته الرائعة غالبا ، باقتصاد المراحل الطويلة التي كان على العلم أن يقطعها لكي يكتمل بناؤه ، فإنه سيكون مثمرا أن المتعلمين كالمعلمين يستطيعون تقديم العلم لا كمجموعة نتائج موضوعية ونهائية بشكل مطلق توفرت من حقيقة لا تاريخية مجهولة ، غباء القرون الأولى هو الذي حال وحده ذون اكتشافها مبكرا، ولكن كما هو في الواقع ؛ أي بحث يقود نحو الخطأ أكثر مما يقود نحو الحقيقة ، تلك الحقيقة التي لم تكتمل أبدا ، والتي عليها تجاوز عوائق هي متجددة على الدوام.

من جهة أخرى ، يملك تاريخ العلم صلاحية توضيح أن الأبحاث ، كالاكتشافات العلمية ، هي دائما مرتبطة بتصور للعالم محدد تاريخيا ، وأنه بالعكس ، لا تظهر الثورات العلمية أبدا إلا كنتيجة لقطائع تخص هذه التصورات عن العالم ذاتها.

سنحاول فيما يلي أن نمثل لهذه الأبعاد المختلفة للإبستمولوجيا .

1. ضرورة الإبستمولوجيا:

ليس العلم إيجابيا بشكل تام .

إذا كانت الإبستمولوجيا النقدية ، كما هو شأن الإبستمولوجيا التكوينية ، تبدو اليوم كضرورة ، وإذا كان العلماء ، وكذا الفلاسفة ، منذ وجد العلم ، عن وعي منهم أو بدونه ، لم يتوقفوا عن ممارستها ؛ فذلك لأن المعرفة الإيجابية ، أي تلك التي ننظر إليها كما لو كانت نهائية و لا يمكن المساس بها ، بمقدار ما لا يمكن أيضا أن تكون في يوم من الأيام موضوع تساؤل أو إعادة بناء على قواعد جديدة ، هي أبعد عن أن تكون كل المعرفة العلمية التي ليست حقلا مغلقا ، وإنما هي  على العكس من ذلك مجال مفتوح بشكل واسع أمام عمليات الدحض والتفنيد.


إن روبير بلانشي يعبر بامتياز عن هذه الفكرة في النص التالي، وسنكتفي بإضافة مثالين بسيطين لهذا النص : ففي نهاية القرن الأخير ، تم إخضاع الميكانيكا النيوتونية للتساؤل عن طريق تجارب ونظرية معينين يبدوان على الأقل متناقضين معا ، إلى حد أن أدى ذلك إلى خلق ما سمي تاريخيا بـ ” أزمة الفيزياء “. ونحن نعلم من جهة أخرى أن القرن 19 كله اتسم بصراعبلا هوادة بين نظريتين متناقضتين حول التطور ، وأنه لم يتم التخلي عن إحدى هاتين النظريتين إلا مؤخرا ـ وهي النظرية اللاماركية ـ لصالح النظرية الأخرى ، أي النظرية الداروينية. لا يجب أن يقودنا هذان المثالان نحو تشاؤمية جذرية ، باسكالية بمعنى من المعاني ، تشاؤمية تزيح عن العلم إمكانية ” المعرفة المؤكدة ” : إن اكتشافا ما أو نظرية علمية ليسا أبدا ، وبشكل تام مكذبين ، عندما يتم اختبارهما بشكل كاف عن طريق الزمن والتجربة ، ولكنهما دائما خاضعان لعملية إعادة النمذجة والتكوين ليتم إدراجهما ، بصفتهما معرفة خاصة ، في مجموع أوسع من المعارف ، ومهمة افبستمولوجيا هي أيضا المساهمة في إعادة البناء تلك للمعرفة.

Œ لا وجود لمعرفة موضوعية بشكل تام.

. . . إن العلم ذاته هو أبعد ما يكون عن أن يكون علميا بشكل كلي، متى ما كانت هذه الكلمة تعني معرفة موضوعية بإحكام، معرفة لا تدع أي مجال للاعتراض. إننا لا نلمح هنا للعديد من المشاكل التي لم تحل بعد، والتي تشكل بالنسبة لكل حقبة تاريخية، ميدان البحث العلمي. إننا نريد أن نقول بأنه تبعا للطريقة ذاتها التي يضع بها العالم بعض المشاكل ويعالجها، يجد نفسه غارقا ـ طوعا أو كرها ـ في أسئلة بادية خصائصها وسماتها الفلسفية. إنه لا يوجد ـ اللهم إلا إذا كانت المسألة تشوفا لتحقيق مثال ما ـ علم ” إيجابي ” بشكل تام وكلي ، علم تقصى منه كل مناظرة ذات طبيعة فلسفية ، علم يتوصل بصدده العلماء الأكفاء إلى إجماع حقيقي ، علم لا يظل مشكوكا فيه وبالنسبة له ، إلا المشاكل اللحظية التي لا يمكن آجلا حلها بواسطة مناهج من شأنها أن تسكت أي نزاع ، عن طريق تطبيق مبدأ : لنحسب ولنلاحظ ! “.

روبير بلانشي : الإبستمولوجيا

PUF 1972

ص: 123