أرشيف ‘حوارات’ التصنيف

هكذا تكلم دريدا

2 مايو 2008

هكذا تكلم دريدا

انطفأت شمعة جاك  دريدا يوم 9 أكتوبر 2004 ، ولقد كان لفرانز أوليفيي جيسبير حظ  الالتقاء مع هذا الفيلسوف اللامع والكبير لمرات متعددة . ..

ومنذ موته يوم السبت الأخير ، لم يعد بإمكان الفرنسيين أن يجهلوا أن جاك دريدا كان الفيلسوف المعاصر الذي عرفت أعماله أكبر قدر من التعاليق والترجمة. لقد التقينا عدة مرات ، وفي أحد الأيام سجلت معه حوارا أردته أن يكون في متناول الجميع ؛ أي ضربا من المدخل العام لأعمال هذا الفيلسوف ، وذلك للتعريف به بشكل أفضل . وفي يوم 29 يونيه ، وهي آخر مرة نتناول فيها طعام الغذاء سوية ، سلمته مسودة الحوار لإدخال تعديلاته عليها ، لكنني لم أتمكن بعدها من لقائه ، فقد كان يعاني كثيرا من مرض السرطان ، كما كان منشغلا بمحاضراته وسفرياته ، لذلك فإنني أنشر هنا ـ وللتاريخ ـ نص الحوار الذي دار بيني وبينه دون تعديل.

لوبوان : إذن فأنت الفيلسوف المعاصر المقروء والمذكور أكثر من غيره .

جاك دريدا : ( يضحك ) لست أنا هذا الشخص الذي تتحدث عنه . . .

لوبوان : أتريد أن تقول إنك لست في مستوى ذلك

ج د : بالعكس ، لكنه ليس أنا ؛ فعندما أكتب أو أتحدث إلى الجمهور ، يكون هناك دائما أنا آخر بداخلي يلاحظ ويحلل ، ومن ثم ينتابني  نوع من الضيق : أحيانا لا أشتكي من ذلك ، بل أقول لنفسي بأنه علي أن أفعل ما هو مطلوب لكي أغدو ذلك الشخص ، لكنه يتوجب علي بدون توقف، حتىأستمر في العمل والتفكير، التخلص من هذا الشخص الذي تتحدث عنه.

لوبوان : إذن فأنت تسافر كثيرا لكي تفلت من قبضة هذا الشخص؟

ج د : أنا في حاجة للسفر لأفهم ما يحدث في العالم ، لكنيي أعلم أيضا أنه لا يمكن أن أبقى في فرنسا دون أن أشعر بالاختناق.

ل : لماذا ؟ ..

ج د : لأبسط . . . يبدو لي أن المسرح الثقافي والفلسفي في فرنسا يظل رغم بعض الاستثناءات جد محدود وجد محلي ، وهو أيضا أكثر سلبية في علاقته بي أنا خاصة .

ل : إن الأجانب يحبونك ، أما الفرنسيون فيكرهونك ، لماذا ؟ ..

ج د : ( صمت ) هذا ما أحاول فهمه .

ل : ألا تكون غيرة زملائك منك هي سبب ذلك ؟ ..

ج د : تلك ظاهرة كلاسيكية ودائمة العود ، والفلاسفة لا يقرأون في غالب الأحيان في بلدانهم كما يقرِأون خارجها.

ل : أنت بدورك لا تبذل مجهودا كبيرا بهذا الصدد ؛ فأنت أكثر غموضا واستغلاقا على الفهم .

ج د : لو كنت غامضا ومبهما لكان ذلك صحيحا أيضا بالنسبة لكتبي المترجمة إلى اليابانية أو الإنجليزية ، بيد أن الناس يقرأون كتبي هناك كثيرا … إنني أرفض تهمة الغموض والإبهام ؛ فذاك مبرر ينطوي على سوء نية.

ل : كيف أصبح دريدا ما هو إياه ؟ .. والذي أشعل شرارة موهبتك الفلسفية ؟..

ج د : لقد ترعرعت بالجزائر في كنف أسرة لم يكن ببيتها كتب ، ولم أكتشف جان جاك روسو ونيتشه أولا إلا بالمدرسة ، ثم اكتشفت بعدهما أندريه جيد وفاليري . في البداية لم أكن أميز بين الفلسفة والأدب ؛ فقد كانت لدي على الخصوص رغبة في كتابة روايات أو أشعار، وأن أصير أستاذا للآداب لكسب القوت، ولم أختر الفلسفة إلا عندما كنت داخليا بالجزائر ، مع استمرار اهتمامي بالآداب ، وهذا هوما دفع البعض إلى اتهامي بخلط الأصناف والاهتمامات ، وتلك مشكلة قديمة قدم التاريخ.

ل : ألديك حنين دائم إلى الجزائر ؟ ..

ج د : نعم بطبيعة الحال ، فكل ما يحدث هناك يؤثر في بشكل كبير.

ل : لماذا يحيق بالجزائر إلى هذا الحد ما يمكن أن نسميه الشقاء العربي ؟ ..

ج د : إن التراجيديا الجزائرية تفسر في جزء كبير منها بظاهرة الاستعمار؛ فعندما قرر البلد التحرر من الاستعمار ، كان النموذج الذي وجده أمامه هو نموذج الدولة / الأمة الأوربية الحديثة ، إلى جانب الأسلحة ، أي البدائية باختصار ، ومن هنا التراجع والانحطاط الذي تلا ذلك والذي كان اقتصاديا وإيديولوجيا ودينيا.

ل : هل كنت من أنصار استقلال الجزائر باعتبارك فرنسيا؟ ..

ج د : إنني كنت أتفهم طموحات الجزائريين ، كما كنت في الآن نفسه أتمنى أن يتم إيجاد نوع من التنظيم السياسي يمكن فرنسيي الجزائر من البقاء فيها.

ل : لقد كانت الجزائر تحتاج لرجل شبيه بمانديلا . . .

ج د : إن مانديلا مطلوب في كل مكان وعلى صعيد كل القارات ، وحتى يومنا هذا فالأمور ليست على ما يرام بجنوب إفريقيا.

ل : لقد غادرت الجزائر سنة 1949 لتصبح داخليا بباريس بليسي لويس الأكبر ، فكيف عشت تلك الحقبة من تاريخك ؟ ..

ج د : من الجزائر البيضاء ، وصلت إلى باريس المدينة السوداء ، ولأنني كنت داخليا لأول مرة في حياتي ، فقد شعرت بنفسي كما لو كنت سجينا ، لقد كنت في السابعة عشرة من عمري وكنت أبكي كطفل صغير .

ل : أكانت لديك نماذج ؟ ..

ج د : لقد كنت أقدر سارتر وأحلم بسذاجة بأنني على صورته ؛ أي فيلسوفا يكتب الروايات ، وكنت قد تأثرت في السابق بأندريه جيد الذي قرأته بجنون من كتابه ” Paludes ” إلى كتابه ” اللاأخلاقي ” ، وهو بالنسبة لي لم يكن رومانسيا وإنما كان رجل أخلاق ، لقد كان يقول لنا كيف يجب أن نحيا ونعيش ، والفلسفة في العمق كانت دوما تلك طبيعتها من وجهة نظري : أي البحث عن أخلاق وعن نمط للعيش والحياة.

ل : ألديك إحساس بأن الفلسفة تقدمت بالفعل منذ أفلاطون وأرسطو إلى أيامنا هاته ؟ ..

ج د : أصل الفلسفة والتفلسف هما أفلاطون وأرسطو ، وبعدهما لم يحدث سوى أن الفلسفة عرفت تحولات مع كانط أو هيجل ، لكن لا يمكننا الجزم بأنها تراجعت وتقهقرت ، لا بد من الحديث عن التراكم والتركيز والإنجاز . وحتى إذا كان ديكارت قد حاول محو أرسطو ، فنحن نعلم أنه لم ينطلق من الصفر ، إذ يمكن الذهاب إلى أن ديكارت هو وريث أرسطو .

ل : في كتابه ” Apories إحراجات ” أوضحت أن الفلسفة مجموعة من الإحراجات ، وأن أفضل وسيلة لممارستها تتمثل في مقاومة التناقضات . . .

ج د : لا . . لا يتعلق الأمر بالمقاومة ، بل بالتحمل والجلد ؛ فالإحراجات لا يمكننا مقاومتها لأنها على درجة كبيرة من القوة .

ل : إذن فأنت تتألم كثيرا وتعاني ؟ ..

ج د : (ضحك) أقضي الوقت في المعاناة. إنني لست مازوخيا ، لكنني أجدني دائما محاصرا بإيعازات متنافرة ، فمثلا فيما يتعلق بالحوار الذي نجريه الآن ، أقول لنفسي من جهة إن من واجبي أن أتواصل مع الآخرين ، كما أعتقد من جهة أخرى أنه لا يمكن معالجة موضوعات هي بهذه الدرجة من الأهمية من خلال بضع كلمات : فهذا عمل لا مسؤول . لا بد من محاولة إيجاد التوافق الأقل عرضة للاتهام ، إذن فأنا أتفاوض مع نفسي.

ل : ما الذي يمكن أن تكون عليه مكانة الفلسفة اليوم في المدينة؟ ..

ج د : لقد حاول أفلاطون أن يفرض القانون الفلسفي على ديكتاتور سيراكوس الصغير فعرفت محاولته إخفاقا يدعو للرثاء. إن كل فيلسوف يحلم ومنذ القديم وبدرجات متفاوتة أن يكون مستشارا للأمير فيالظل ، ويجب تصفية الحساب مع هذه المحاولة. لكنني بالمقابل أؤمن كثيرا بالتحالف في ما بين الشأنين السياسي والفلسفي ؛ فبخصوص القضايا الأوربية أو التغيرات التي يعرفها القانون الدولي على سبيل المثال ، يلجأ السياسيون في الغالب إلى الفلاسفة ، ومعهم الحق في ذلك ؛ فالشأن السياسي هو شأن فلسفي في العمق ، كما هو حال الشأن القانوني أيضا ، والتفكيك يساعدنا على التفكير بشكل أفضل في هذه الأمور.

ل : إنك الفيلسوف الذي ابتكر فكرة التفكيك ، أليس ذلك هو سر نجاحك ؟ ..

ج د : إنني أجد في كل مكان أذهب إليه ، في الشرق الأوسط والصين ، في اليابان والولايات المتحدة أن مفهوم التفكيك يلاقي رواجا وإقبالا كبيرين ؛ فنحن بحاجة إليه دون شك كي نفهم عالمنا الذي نعيش فيه بشكل أفضل.

ل : كيف تعرف مفهوم التفكيك ؟ ..

ج د : يتعلق الأمر أولا بتحليل شيء ما تم بناؤه وتشييده ، ومن ثم فهو غير طبيعي ، ثقافة ما أو مؤسسة ما أو نص أدبي أو نظام لتأويل القيم ، وباختصار ببناء Constructum ، والتفكيك ليس هو التدمير ، إذ هو ليس مسعى سلبيا ، وإنما هو تحليل جينيالوجي لبنية ما مبنية ونريد تفكيكها.

ل : إن الإنسانية لم تنتظر مجيء دريدا لكي تمارس عملية التفكيك وتتعلمه . . .

ج د : بالفعل ، فقد مارسته على الدوام دون أن تعرف أو تفطن ذلك؛ فمكا إن يقع حدث ما مثلا حتى نجد أن التفكيك يغشى المكان ، إن الحدث ليس قابلا للبرمجة لأنه يأخذنا على حين غرة ، إنه يصيبنا بالاضطراب ، والحدث هو التفكيــك .

ل : ألا يمكننا القول إن التفكيك هو الصيغة الحديثة للفكر النقدي؟ ..

ج د : نعم، بكل تأكيد ، مع إضافة أن التفكيك يتصدى أيضا لفكرة النقد ذاتها ، أنا لست ضد النقد ، بل أعتقد أنه يجب الدفع به إلى أقصى حد ممكن ، لكن هناك دائما لحظة يحدث أن أسائل نفسي فيها عن من أين جاء ، وباختصار ، فإن التفكيك لا يمكن إرجاعه إلى النقد ، فهو ليس سلبيا ، إنه فكرة نعم مؤكدة في التقليد الكبير ، أي التقليد النيتشوي.

ل : ما هو الإجراء الذي نقوم به عندما نقرر ممارسة عملية تفكيك شيء ما ؟ ..

ج د : يجب التوجه في البداية نحو الآخر ، والاعتراف به وفهمه إذا كان الأمر يتعلق بنص ، وأنا عندما أفكك أتساءل دائما عما يشكل فرادة وكلية النص ، عن الشخص أو عن الأمة التي أدرسها ، هذا هو ما يجعل من التفكيك قبل كل شيء إشارة أو علامة على الاحترام والمحبة.

ل : ألا يكون للشخص دائما ، عندما يكون فيلسوفا من فلاسفة التفكيك ، نزوع إلى تقطيع الشعرة إلى أربعة قطع ؟ ..

ج د : أنا لا أفهم لماذا يؤاخذونني بكوني أعقد الأمور ، كما لو أن الأشياء بسيطة ؟ وأنا أعتقد أنني أكون قد بسطتها غاية التبسيط قبلا عندما يتعلق الأمر بآخر ، بك أنت ، بي أنا ، بثقافة ، بلغة أو مؤسسة.

ل : وهذا ما يجعلك لا تحب الكلام أمام العموم ..

ج د : نعم ، وقبلا عندما أكتب أكون خائفا من التبسيط ، لكنني عندما أتكلم ، فالأمر يكون أسوأ من ذلك .

ل: هل تقرأ النصوص دائما عندما تقدم محاضرات؟ ..

ç     ج د : نعم ، دائما ، حتى عندما أدرس أيضا

ل : أتعتقد أنه ليس بالإمكان تبليغ الأفكار إلا عن طريق الكتابة ؟ ..

ج د : إنني لا أستطيع أن أفكر دون أن أكتب ، حتى إذا كان يحدث لي غالبا أن أفكر وأنا أتمشى أو أقود سيارتي ، وأنا أكون مرغما على الكتابة إذا كنت أريد أن أنظم خطابي.

ل : هل أنت من الذين يعتقدون أن المكتوب مهدد اليوم ؟ ..

ج د : نعم ؛ فالكتاب مهدد بأشكال أخرى من القراءة ، وأنا لدي تعلق لبيدي وحسي بالكتاب ، إنه يضمن الدقة وكذا عمليتا الذهاب والإياب ، لكنني لا أعترض على ضرورة تطوير أدوات إعلامية أو دعامات أخرى ، كالحاسوب والويب والبريد الإلكتروني التي من فضائلها توسيع حقل الاتصال والتواصل.

ل : إنك تهتم منذ مدة طويلة بما تسميه تكنولوجيا الاتصال عن بعد« Télétechnologie »

ج د : نعم ، غير أن بنية ” الاتصال ” قديمة قدم الإنسان ؛ إن الكتابة هي ذاتها “اتصال” ما دام هدفها ، كما يشير إلى ذلك روسو ، هو الاتصال عن بعد ، وما يحدث اليوم ، مع وساعة الاتصال هو أنه يمكننا أن نتواصل في أي مكان وفي اللحظة ذاتها.

ل : هل تقلقك العولمة المتسارعة لمجتمعاتنا ؟ ..

ج د : إن ما يقلقني هو إضفاء التجانس والنمطية على الثقافات وأشكال الهيمنة التي تتستر خلفه ، غير أنني أهنئ نفسي على أن مجتمعات جد منغلقة بدأت اليوم تنفتح وتتحرر بفضل العولمة ، و لا يمكن للمرء أن يكون ضد ذلك.

ل : من بين الظواهر التي تتعولم اليوم هناك ظاهرة التوبة ، فكيف تفسر الظاهرة وأنت من درسها لمدة طويلة ؟ ..

ج د : أولا بظهور مفهوم قانوني جديد على المسرح العالمي هو مفهوم الجريمة ضد الإنسانية ، ثم بفعل ما يمكن تسميته بحق تمسيح العالم (من المسيحية).

ل : إن الجميع يقول بأنهم يتخلصون من المسيحية !..

ج د : بالعكس ؛ حتى إذا كانت المسيحية في تراجع من جهة الدعوات الربانية وزيارة المعابد ، فإن وجهة نظرها هي في طريقها لتفرض ذاتها في كل مكان ، حتى بالبلدان التي لم يكن فيها أبدا أي تأثير يذكر للمسيحية . إن هذا الخطاب الأوربي حول الحق ، والذي أصبح مهيمنا وسائدا ، هو حامل لثقافة إبراهيمية ـ يهودية وإسلامية ، ولكنها مسيحية على الأخص ، وذلك لأن الصفح والتسامح هو أولا وقبل كل شيء مفهوم مسيحي . عندما يطلب وزير ياباني الصفح ، فهو يتحدث المسيحية ، والديبلوماسية والجغرافيا السياسية والشأن الإنساني أو القانون الدولي هي اليوم ، وبشكل واضح وجلي ، ذات استلهام مسيحي.

ل : إنك تقول هذا في الوقت الذي أضحت فيه الكنيسة هدفا بدل أن تكون مرجعا

ج د : الكل يعرف منذ زمن لوثر أن النزعة المعادية للمسيحية قابلة للتشبيه بالمسيحية ، لقد كان لوثر يدعي أنه يشتغل على التدمير ، وهي الفكرة التي تلقفها بعده هايدغر ، لكن الأمر كان يتعلق فعلا بالتفكيك وليس بالتدمير.

ل : كيف تفسر أننا نجد في زمن التوبة الكاملة بلدا مسيحيا، مثل الولايات المتحدة، يقوم بشكل كثيف وبضمير مرتاح، بإعدام المحكومين لديه بالإعدام؟

ج د : إن الكنيسة لم تقم في يوم من الأيام بإدانة الحكم بالإعدام ، أما في فرنسا فقد تم ذلك سنة 1978 من خلال إعلان أصدره بعض رجال الدين ، لكن الفاتيكان امتنعت بالكامل عن القيام بذلك ، ولو نظرنا إلى المسألة تاريخيا ، لوجدنا أن الكنيسة كانت على الدوام مؤيدة للحكم بالإعدام.

ل : أين تموقع نفسك في إطار الجدل الفلسفي الكبير والمتعاظم الدائر حول حقوق الحيوانات ؟

ج د : إن العلاقة بين الإنسان والحيوان هي أيضا في طريقها للتغير ، غير أنني لا أعتقد أن ذلك سيتحقق عبر القانون والحقوق ؛ فمن يتكلم عن الحقوق يتكلم عن الواجبات ، و لا أتصور حيوانات تحترم واجباتها

 ل : وأنت ، هل أنت عاشب أم لاحم ؟

ج د : ليس بالمعنى الدقيق ، فحتى عندما يكون لديك نزوع لأكل أقل ما يمكن من اللحم ، فأنت تأكله على الأقل رمزيا

ل : ماذا تعني ؟

ج د : إن علاقتنا بالآخر هي دائما علاقة آكل لحوم البشر بفريسته ، والرغبة هي عملية أكل للحم البشري ، والكلام أيضا ، لكنه يبدو لي أن ما نفعله بالدجاج والخراف والخنازير في المزارع وفي المجازر هو بشع تماما ، وسأحاول أن أدرس في الشهور المقبلة الأسس السياسية للعنف اتجاه الحيوانات. لقد كانت الحيوانات في العصر الوسيط تحاكم ويتم إعدام الخنازير في الساحات العمومية وتصدر الأحكام على الذباب بالنفي، أما اليوم فيتم قتل الحيوان دون محاكمته. لقد قال ثيودور أدورنو إن الطريقة التي يتحدث بها الفلاسفة عن الحيوانات هي جوهر الفاشية ذاته ، وهو يرى أن الشتائم الموجهة للحيوانات هيمن نفس طبيعة الشتائم التي نكيلها للماديين واليهود أو النساء.

ل : لقد كتبت في مكان ما قائلا إننا لا نستطيع أن نتفلسف دون تحليل نفسي ، لكن هل يمكننا أن نتفلسف بدون أديان ؟

ج د : لا بطبيعة الحال ، أنا لست متدينا و لا أمارس شعائر أي دين ، لكنني أنظر إلى ظواهر الإيمان بجدية فائقة

ل : هل أنت مؤمن بالله ؟ .. بشكل دائم أم أحيانا . . .؟

ج د : أنا بداخلي ربما هنالك طفل لا زال يؤمن بالله ، لكن هذه ليست حال الفيلسوف البالغ

ل : ألم يحدث لك أن صليت ؟

بلى ، إنني أصلي طيلة الوقت ، لكن بطريقتي الخاصة ، وفي كل الأحوال غالبا ما أصلي ، لكنني، وبطبيعة الحال ، لن أصلي في الكنائس و لا في معابد اليهود

 ل : هل يتعلق الأمر بصلوات أم بتراتيل ؟

ج د : لنقل إن الأمر يتعلق بتراتيل لا تماثل الطقوس والشعائر القائمة

ل : طقوس تتوجه نحو كائن أعلى وأكبر من كل الموجودات ؟

ج د : لا ، هي طقوس تروم كائنا تتوجه نحوه ، إن المسألة ليست مسألة حشمة أو حياء ، غير أنه يصعب علي أن أقول أكثر مما قلت.

ل : هل تشعر بأنك يهودي ؟

ج د : هنا أيضا يصعب علي أن أجيب عن سؤال كهذا ببضع كلمات ، لقد ولدت يهوديا في كنف أسرة تحترم الشعائر والطقوس ، بما فيها طقس الختان، لكن بدون ثقافة يهودية عميقة ، وبالفعل ، فأنا أشعر بأنني يهودي ولست يهوديا على الإطلاق ، حتى إذا كان بالإمكان اعتباري يهوديا قحا بفعل محبتي للأسفار التي ليست لها أية علاقة بيهوديتي ؛ فأنا أكن الحب لجذوري : الجزائر أو اللغة الفرنسية ، وأنا مزدوج اللغة وجد فرانكفوني.

ل : ما هي الأشياء التي تحترمها اليوم ؟

ج د : أحب أن أحترم ؛ فكل الأشخاص الذين أتحدث عنهم في كتاباتي ، حتى عندما يتعلق الأمر بنصوص متقطعة ، هم أشخاص يجب أن أعترف بأنني أحترمهم.

ل : بعض الأسماء

ج د : هيلين سيسكو مثلا ، فهي كاتبة كبيرة ، غير أنني وددت أن أحترم أيضا بعض الشخصيات السياسية ، لكنني وجدت ذلك صعبا علي

ل : هناك بطبيعة الحال بعض الاستثناءات

ج د : نعم بطبيعة الحال ، مانديلا ، دوغول خصوصا ، حتى عندما كنت مناهضا للدوغولية في الستينيات ، فقد كنت مأخوذا بشخصية دوغول الذي عرف كيف يزاوج بين كل الأشياء ، المنظور والحساب ، المثالية والتجريبية ، لقد استطاع بفعل حذقه ، ككل السياسيين الماهرين ، أن يربطها كلها بأفكاره العظيمة واكتشافاته اللفظية وإنجازاته المسرحية في ندواته الصحفية.

ل : وميتيران ؟

ج د :لقد التقيته عدة مرات وقد أثار إعجابي ، حتى ولو أن لديه وجهات نظر ضيقة نسبيا بخصوص الأدب أو الفلسفة ، فقد كان رجلا مغرما بالكتب ، وقد كنت أود أن أحترمه.

ل : ألا زلت تضع مسافة بينك وبين السياسة ؟

ج د : لم يكن بمستطاعي أبدا أن أمارس هذه المهنة ؛ ففي كل مرة اقتربت فيها من الوزراء ، فابيوس ، شوفينمان أو لانج في الثمانينيات مثلا ، استطعت أن ألاحظ أن لا أحد من الناس يعاني من قلة الحرية مثلما يعاني هؤلاء ؛ إنهم “عبيد” تطوقهم آلة ضخمة ، ويرتعدون من الخوف أمام أسيادهم غير المرئيين .

يدا الدولة

26 أبريل 2008

يد الدولة اليمنى ويدها اليسرى*

في ؙˆار مع بيير بورديوحوار مع بيير بورديو

عن : نقيض نار  { نصوص للمساهمة في مناهضة المد النيوليبرالي }

أبريل 98

سؤال : لقد تناول العدد الجديد من المجلة التي تديرونها موضوع المعاناة (1). ونحن نجد في هذا العدد عدة حوارات مع أشخاص لا تعطيهم وسائل الإعلام الكلمة عادة : شباب الضواحي المحرومون ، صغار الفلاحين ، العمال الاجتماعيون. لقد عبر الأستاذ الرئيس في إعدادية على سبيل المثال ، والذي يعاني من صعوبات جمة ، عن مرارته الشخصية ؛ فبدل أن يحرص على نقل المعارف لتلامذته ، تحول على الرغم منه إلى شرطي في ما يشبه كوميسارية، فهل تعنقدون أن شهادات شيقة وطريفة كهاته يمكن أن تساعد على تفهم تململ اجتماعي؟ …

بيير بورديو : إننا نلتقي في إطار البحث الذي نجريه حول المعاناة الاجتماعية عديدا من الأشخاص كهذا الأستاذ الرئيس في الإعدادية الذين داستهم واخترقتهم تناقضات العالم الاجتماعي المعيشة على شكل محن شخصية، وأستطيع أن أذكر أيضا رئيس المشروع هذا المكلف بتنسيق جميع النشاطات في إحدى ” الضواحي الصعبة ” بمدينة صغيرة شمال فرنسا، لقد وجد نفسه في مواجهة تناقضات هي الحد الأقصى للتناقضات التي يشعر بها حاليا كل أولئك الذين نسميهم ” عمالا اجتماعيين ” : المساعدين الاجتماعيين ؛ المربين ؛ هيئة القضاء ؛ وأيضا أكثر فأكثر الأساتذة والمعلمون. إنهم يشكلون ما أسميه اليد اليسرى للدولة ؛ مجموع أعوان الوزارات المستهلِكة كما يقال عنها ، والتي هي في كنف الدولة بصمة وعلامة على صراعات الماضي الاجتماعية ، إنهم يتقابلون مع اليد اليمنى المتمثلة في كبار موظفي وزارة المالية والأبناك العمومية أو الخاصة والمكاتب الوزارية. إن عددا من الحركات الاجتماعية التي نشهدها ( وسنشهدها ) هي تعبير عن ثورة النبالة الصغرى للدولة ضد نبالتها الكبرى.

سؤال : كيف تفسرون هذا السخط ، هذه الصورة من فقدان الأمل وهذه الثورات؟ ..

ب.ب: أعتقد أن لدى اليد اليسرى إحساسا بأن اليد اليمنى لم تعد تعرف أبدا ، أو أدهى من ذلك ، لم تعد تريد أبدا حقا معرفة ما تفعله اليد اليسرى، وفي كل الأحوال فهي لا تريد أن تؤدي ثمن ذلك. وأحد الأسباب الكبرى لفقدان الأمل لدى كل هؤلاء الأفراد يكمن في أن الدولة انسحبت ، أو هي في طريقها للانسحاب ، من عدد من قطاعات الحياة الاجتماعية الملقاة على عاتقها والتي هي مكلفة بها: السكن العمومي ، المستشفيات العمومية . . . الخ ، وهو سلوك مدهش ومشين كثيرا على الأقل بالنسبة لبعضها عندما يتعلق الأمر بدولة اشتراكية يمكننا أن نتوقع منها على الأقل أن تشكل ضامنا للمصلحة العمومية كمصلحة مفتوحة وتخدم الجميع بدون تمييز . . . إن ما يوصف بكونه أزمة في السياسة ونقيضا للنزعة البرلمانية هو في الواقع فقدان الأمل اتجاه الدولة كمسؤولة عن المرفق العمومي.

كون الاشتراكيين لم يكونوا اشتراكيين كما يزعمون ، فهذا لن يغيظ أحدا : فهذه الأوقات عسيرة ، وهامش المناورة والفعل ليس واسعا، لكن ما يمكن أن يفاجئنا هو أنهم استطاعوا أن يساهموا إلى هذا الحد في إضعاف الشأن العمومي : أولا في الأفعال عبر جميع أنواع التدابير أو السياسات ( ولن أشير هنا إلا إلى وسائل الإعلام ) المستهدفة لتصفية مكتسبات الدولة الحامية Welfare State ، وبخاصة ربما في الخطاب العمومي من خلال امتداح المقاولة الخاصة( كما لو أنه لم يكن لدى روح المقاولة أي ميدان آخر غير ميدان المقاولة ) وتشجيع المصلحة الخاصة.في كل هذا شيء مما يفاجئ ، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين يتم إرسالهم إلى الخطوط الأمامية للقيام بالمهام المسماة ” اجتماعية ” وسد أشكال نقص منطق السوق الأكثر عدم قابلية للتحمل ، بدون تزويدهم بالوسائل التي تمكنهم حقا من إنجاز مهامهم. فكيف لا يمكن امتلاك الإحساس بأنك تعرضت للنصب أو يتم التنكر لك بشكل دائم ؟ ..

كان علينا أن نفهم منذ مدة طويلة أن ثورتهم تمتد إلى ما وراء مسائل الأجر ، حتى ولو أن الأجر المحصل عليه هو مؤشر لا اشتباه فيه للقيمة الممنوحة للعمل وللقائمين به ؛ فالازدراء لوظيفة ما يلاحظ أو من خلال المقابل المادي ( الأجر ) المخصص لها ، الأقل أو الأكثر تفاهة.

سؤال : هل تعتقدون أن هامش الفعل لدى الحكام السياسيين هو بهذا الحد من الضيق؟ ..

ب.ب: إنه دون شك أكثر تقلصا مما يراد لنا أن نعتقد ، ويظل هناك على كل حال مجال تمتلك فيه الحكومات كامل حرية التصرف : إنه مجال الرمزي.يتوجب أن تفرض نموذجية السلوك على جميع موظفي الدولة ، وخاصة عندما تحتمي هذه النموذجية بتقليد الإخلاص لمصالح الناس الأكثر خصاصة وفقرا. بيد أنه كيف لا يمكن التشكك عندما نرى فقط لا أمثلة الفساد ( التي هي أحيانا رسمية تماما من خلال مكافئات بعض كبار الموظفين ) أو خيانة المصلحة العامة ( والكلمة بدون شك جد قوية : وأنا أعني السلوك الأعوج ) وكل أشكال الاختلاس لممتلكات وأرباح وخدمات عمومية لغايات خاصة : المحسوبية ، المحاباة ( فلدى حكامنا كثير من ” الأصدقاء الشخصيين ” ) ، الزبونية ؟ ..

وأنا لا أتحدث عن الأرباح الرمزية ! فالتلفزة ساهمت بدون شك بنفس قدر مساهمة الرشاوي في انحطاط الفضيلة العمومية؛ لقد نادت ودفعت إلى واجهة المسرح السياسي والثقافي الأمامية مسألة : ” هل رأيتني ؟ .. ” مهمومة قبل كل شيء بضمان الظهور على الشاشة والتباهي بالذات في تناقض كلي مع قيم التضحية والتفاني المعتمة للمصلحة الجماعية التي تصنع الموظف أو المناضل. إن نفس الهم الأناني المتمثل في التباهي وإضفاء القيمة على الذات ( في الغالب على حساب المنافسين ) هو الذي يوضح كيف أن ” تأثيرات الإعلان الإشهاري ” تحولت إلى ممارسة جد شائعة ؛ فإجراء ما بالنسبة للعديد من الوزراء يكون لا قيمة له فيما يبدو إلا إذا كان يقبل أن يعلن عنه إشهاريا واعتباره منجزا منذ اللحظة التي يضحي فيها عموميا. وباختصار ، فإن الفساد الأكبر الذي يؤدي إلى إماطة النقاب عن الفضيحة لأنه يكشف عن التفاوت بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية ، ليس إلا تعريفا لكل ضروب ” العنف ” الصغيرة والعادية وعرضا للفخفخة وقبولا محموما للامتيازات المادية والرمزية.

سؤال : ما هو من وجهة نظرك رد فعل المواطنين إزاء الوضعية التي اكتشفتها؟..

ب.ب:لقد قرأت مؤخرا مقالة لكاتب ألماني حول مصر القديمة ، وهو يبين كيف أننا نرى شيئين يزهران في عصر أزمة الثقة في الدولة وفي المرفق العمومي : فلدى الحكام نرى الفساد المرتبط بانحطاط احترام الشأن العمومي ، ولدى المهيمن عليهم نرى التدين الشخصي مرفقا بفقدان الأمل المتعلق بالملاذات الدنيوية. ولدينا اليوم أيضا شعور بأن المواطن الشاعر بكونه ملفوظا خارج الدولة ( التي لا تطلب منه في العمق أي شيء آخر خارج المساهمات المادية الإجبارية وخاصة التضحية بالذات والتحمس ) يرفض الدولة وعاملا إياها كقوة خارجية وغريبة عنه يستخدمها لتحقيق أهم مصالحه.

سؤال : لقد تحدثت عن الحرية الكبرى لدى الحاكمين في المجال الرمزي ، و لا يتعلق الأمر بالسلوكيات المقدمة كأمثلة ؛ إذ يتعلق الأمر أيضا بالأقوال وبالمثل المعبئة ، فمن أين يأتي النقص والقصور الحاليان بخصوص هذه النقطة؟ ..

ب.ب: لقد تحدثنا كثيرا عن صمت المثقفين ، وما يصدمني هو صمت السياسيين ؛ إنهم مفتقرون بشكل كبير للمثل المعبئة ، وذلك بدون شك لأن تحويل السياسة إلى حرفة والشروط المطلوبة من أولئك الذين يرومون تحقيق وضعية بداخل الأحزاب يقصيان أكثر فأكثر الأفراد الملهمين ، وبدون شك أيضا لأن تعريف النشاط السياسي تغير مع مجيء الموظفين الذين تعلموا في المدارس ( مدارس العلوم السياسية ) أنه من أجل أن تعمل بجد أو بكل بساطة حتى تتجنب الظهور بمظهر أداة التهييج أو كتحفة قديمة يستحسن التحدث عن التدبير بدل التدبير الذاتي ، وأنه يتوجب في كل الأحوال أن تضفي على ذاتك مظاهر ( أي لغة ) العقلانية الاقتصادية.

إن كل أنصاف الحذاق هؤلاء في مجال الاقتصاد المنغلقين بداخل النزعة الاقتصادية الضيقة والقصيرة النظر لدى نظرة صندوق النقد الدولي FMI للعالم التي أحدثت ( وستحدث ) أضرارا فادحة في علاقات الشمال / جنوب تغفل بطبيعة الحال الأخذ بعين الاعتبار للتكاليف الحقيقية على المدى القصير ، وبخاصة على المدى البعيد للفقر المادي والمعنوي الذي هو العاقبة الوحيدة والمؤكدة للسياسة الواقعية Realpolitik المشرعنة اقتصاديا : انحراف ، جريمة ، إغراق في الكحول ، حوادث الطرق . . . الخ . إن اليد اليمنى هنا أيضا المشغولة بمسألة التوازنات المالية تجهل ما تفعله اليد اليسرى المحتكة والمجابهة بالعواقب الاجتماعية لــ ” اقتصاديات الموازنات والميزانيات ” المكلفة غاليا في الغالب.

سؤال : هل فقدت القيم التي أسست عليها أفعال ومساهمات الدولة كل مصداقية ؟ ..

ب.ب: إن أول من يستخف بهذه القيم هم حراسها ، ولقد فعل مؤتمر رينس Rennes وقانون العفو من أجل إسقاط المصداقية عن الاشتراكيين أكثر مما فعلته عشر سنوات من الحملة ضد الاشتراكيين، ومناضل ” مرتد ” ( بكل معاني الكلمة ) يحدث من الخسائر أكثر مما يحدثه عشر خصوم. إلا أن عشر سنوات من السلطة الاشتراكية أنجزت بالكامل هدما للإيمان بالدولة وتدميرا للدولة الحامية وقع في السبعينيات باسم الليبرالية ؛ وأشير بذلك على الخصوص لسياسة الإسكان ، فقد كان لهذه السياسة كهدف معلن انتشال البورجوازية الصغيرة من السكنى الجماعية ( وبذلك من ” النزعة الجماعية ” ) وربطها بالملكية الخاصة لجناحها الفردي أو لشقتها في إطار الملكية المشتركة ، ولم تفعل هذه السياسة بمعنى ما سوى أنها نجحت نجاحا باهرا ، ونتيجتها توضح ما قلته منذ لحظة بخصوص التكاليف الاجتماعية لبعض الاقتصادات ؛ وذلك لأنها بدون شك العلة الكبرى وراء العزل الفضائي ، ومن ثمة وراء ما يسمى مشاكل ” الضواحي ” .

سؤال : إذا ما أردنا تحديد نموذج مثالي فسيكون إذن متمثلا في العودة باتجاه الدولة والشأن العمومي ، إنكم لا تشاطرون جميع الناس آراءهم .

ب.ب:رأي من رأي جميع الناس ؟ .. أهو رأي الأشخاص الذين يكتبون في الصحف والمثقفين الذين يوصون بــ ” أقل ما يمكن من الدولة ” والذين يدفنون بسرعة ما الشأن العمومي والمصلحة العمومية من أجل العموم . . إن لدينا هاهنا نموذجيا نمطيا لتأثير هذا المعتقد المشترك الذي يضع أطروحات قابلة تماما للمناقشة على الفور خارج إطار النقاش. يتوجب تحليل العمل الجماعي لــ” المثقفين الجدد ” الذي خلق مناخا إيجابيا لانسحاب الدولة ، وبشكل واسع ، لإخضاع كل شيء للقيم الاقتصادية ؛ إنني أشير إلى ما سمي ” عودة النزعة الفردية ” ، وهي ضرب من النبوءة المنجزة ذاتيا تنحو نحو تدمير الأسس الفلسفية للدولة الحامية Welfare State ، وبخاصة مفهوم المسؤولية الجماعية ( في حوادث الشغل والمرض والبؤس ) ، وهي الفتح الأساسي للفكر الاجتماعي ( والسوسيولوجي ) . إن عودة الفرد هي أيضا ما يسمح بـ ” توبيخ الضحية ” المسؤولة  وحدها عن تعاستها ونصحها بالبحث عن سبل الإغاثة الذاتية ، كل ذلك تحت غطاء ضرورة إنقاص تكاليف المقاولة التي يتم تردادها بشكل لا يعرف التوقف.

لقد خلقت ردة فعل الذعر المستعيد للماضي ، والتي حتمت أزمة 68 ، وهي الثورة الرمزية التي خضت كل الحاملين الصغار لرأسمال ثقافي ( إلى جانب الدعامة المتمثلة في الانهيار ـ غير المأمول للأنظمة من النمط السوفياتي ) خلقت الشروط الإيجابية للتشييد الفكري الذي عوض في نهايته ” فكر العلوم السياسية ” ” فكر ماو ” .

إن العالم الثقافي اليوم هو مجال صراع يستهدف إنتاج وفرض ” مثقفين جدد ” ، وإذن تعريفا جديدا للمثقف ودوره السياسي ، تعريفا جديدا للفلسفة والفيلسوف المنخرطين منذ الآن فصاعدا في النقاشات الفضفاضة لفلسفة سياسية بدون فنية {تقنية} ، لعلم اجتماعي مختزل إلى علم سياسة الأمسيات الانتخابية ، ولتعليق غير حذر على استطلاعات الرأي التجارية بدون منهج. لقد كانت لدى أفلاطون كلمة رائعة تنسحب على كل هؤلاء الناس ، وهي فيلسوف الدوكسا Doxosophe : فــ ” تقني الرأي هذا الذي يعتقد أنه عارف ” ( وأنا هنا أترجم المعنى الثلاثي للكلمة ) يطرح مشاكل السياسة بنفس الألفاظ التي يطرحها بها رجال الأعمال ورجال السياسة والصحافيون السياسيون ( أي بالضبط أولئك الذين يستطيعون أداء ثمن استطلاعات الرأي لصالحهم . . ).

سؤال: لقد أتيت على ذكر أفلاطون ، فهل يقترب سلوك السوسيولوجي من سلوك الفيلسوف؟ ..

ب.ب: إن السوسيولوجي يتعارض مع فيلسوف الرأي Doxosophe {الدوكسوسوفي} في أنه يضع البداهات موضع تساؤل مثلما هو شأن الفيلسوف ، وبخاصة تلك التي تطرح على شكل أسئلة ، أسئلته هو وكذا أسئلة الآخرين ، وذلك ما يصدم بعمق الدوكسوسوفي الذي يرى حكما سياسيا مسبقا في رفض الخضوع السياسي في العمق ، والذي يستلزم القبول اللاشعوري بقواسم مشتركة بالمعنى الأرسطي : أي الموضوعات أو الأطروحات التي تتم بواسطتها عملية الحجاج والبرهنة ولكننا لا نبرهن عليها هي ذاتها.

سؤال : ألا تنحو بمعنى ما نحو إحلال السوسيولوجي محل الفيلسوف ـ الملك الذي يعرف وحده أين تكمن المشاكل الحقيقية؟ ..

ب.ب: إن ما أدافع عنه قبل كل شيء هو إمكانية وضرورة المثقف النقدي والناقد أولا للدوكسا الفكرية التي يفرزها الدوكسوسوفيون ؛ فليست هناك ديمقراطية حقيقية بدون سلطة مضادة نقدية حقيقية ، والمثقف أحد مكونات هذه السلطة المضادة في المقام الأول ، وهذا هو السبب في أنني أعتبر أن فعل تدمير المثقف النقدي ، حيا أو ميتا ، ماركس ، نيتشه ، سارتر ، فوكو ، وبعض الفلاسفة الآخرين الذين نصنفهم تحت يافطة ” فكر 68 ” ـ هو فعل خطير وبمثل خطورة تدمير الشأن السياسي ويندرج في نفس المسعى الشمولي الرامي لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

إنني أود طامعا بطبيعة الحال أن يكون لدى المثقفين كلهم ، وأن يكونوا دائما في مستوى المسؤولية التاريخية الكبرى الملقاة على عاتقهم وأن يجندوا في إطار أفعالهم ونشاطاتهم لا سلطتهم المعنوية وحدها ، وإنما أيضا قدرتهم وكفايتهم الفكرية على طريقة بيير فيدال ناكي ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الذي وظف كامل اقتداره وتحكمه في المنهج التاريخي في نقد الاستخدامات المتعسفة للتاريخ (2). وهذا يعني كمناسبة لذكر كارل كراوس أن ” ما بين وجعين ، أرفض أن أختار أخفهما ” ، وإذا لم أكن قط متساهلا مع المثقفين ” غير المسؤولين ” ، فغنني لا أحب أيضا هؤلاء المسؤولين ” المثقفين ” المتعددي الأشكال والتآليف في ميادين مختلفة الذين يبيضون بضاعتهم السنوية في ما بين مجلسين للإدارة وثلاثة كوكتيلات صحافية وبعض مناسبات الظهور على شاشة التلفزيون .

سؤال: إذن ما هو الدور الذي تتمنى أن يلعبه المثقفون وخاصة في بناء أوربا ؟ ..

ب.ب: إنني أتمنى أن يستطيع الكتاب والفنانون والفلاسفة والعلماء إسماع أصواتهم مباشرة في مجالات الحياة العامة التي يتميزون بخصوصها بالأهلية. وأعتقد أن الجميع سيربح الكثير من تمدد منطق الحياة الثقافية والفكرية ، أي منطق المحاجة والتفنيد ، وتوسعه ليطال الحياة العامة. إن ما يمتد اليوم في الغالب ليطال الحياة الفكرية هو منطق السياسة ، أي منطق الوشاية والقدح وتحريف أفكار الخصم واعتبارها مجرد شعارات.

الانتقال إلى المستوى الأوربي هو فقط ارتفاع إلى الكونية بدرجة أعلى ؛ تسجيل لمرحلة من مراحل مسيرة الدولة الكونية التي هي أبعد ما تكون عن الإنجاز حتى في مجال الشؤون الفكرية. ونحن لن نربح شيئا ذا بال بالفعل إذا ما جاءت نزعة تمركز أوربية لتحل محل النزعات الوطنية المكلومة للأمم الإمبريالية القديمة. وفي الوقت الذي أفضت فيه كل يوتوبيات القرن 19 بكل أشكال فسادها ، فمن المستعجل خلق ظروف عمل جماعي لإعادة بناء عالم من المثل الواقعية هي كفيلة بتعبئة الإرادات دون مخادعة العقول.

باريس ، ديسمبر 1991 .

———————————

(1)     ” المعاناة ” خطوات البحث في العلوم الاجتماعية ، 90 ديسمبر 1991 ، عدد الصفحات 104 و ب. بورديو وآل ” بؤس العالم ” باريس ، منشورات سوي 1993 .

(2)     ب. فيدال ـ ناكي : ” اليهود ـ الذاكرة والحاضر ” ، باريس ، لاديكوفيرت ، المجلد 1 ، 1981 ، المجلد 2 ، 1991 .