أرشيف ‘نصوص إغناسيو راموني’ التصنيف

نرجس وبروميثيوس

17 يناير 2009
nargiss3
عن : مانيار دو فوار ، عدد شتنبر 93
nargisإن معنى الاحتضار هو الصراع ، هو المعركة، فكيف يمكننا في اللحظة التي يبدو فيها أن مجموع الأوجه الثقافية للحضارة الغربية قد تم جعلها مشرفة على الموت أن لا نتساءل عن الصراعات أو المعارك التي تنخرط فيها الثقافة ؟ .. إن كلا من المثقف والفنان والمبدع يعرف جيدا أن المجتمعات الغربية بلغت مرة أخرى نقطة مفترق الطرق ، فلقد دقت ساعة الاختيار من جديد ، لكن لا معالم هناك من أجل معرفة اتجاه المسير في لحظة الانحطاط هاته التي تسبق ميلاد عصر جديد . إننا نلج حقبة انهارت فيها اليقينيات ـ كما لاحظ ذلك إدغار موران ـ والعالم في لحظة غير مؤكدة بشكل خاص لأن كبريات المفترقات التاريخية لم يتم الانطلاق فيها بعد ؛ إننا لا نعرف إلى أين نمضي ، و لا نعرف إن كانت ستحدث هناك عمليات نكوص كبرى ، وما إذا لن نم782imaضي حثيثا نحو حروب متسلسلة . إننا لا نعرف ما إذا كانت سيرورة التحضر ستؤدي إلى وضعية تعاون قليل أو كثير على مستوى البسيطة . إن المستقبل غير آكد بشكل كبير .
ومع ذلك ، فكم من أوهام وآمال بعد الأحداث الخصبة في النصف الثاني من سنة 1989 : وبخاصة ثورة الحرير ببراغ وسقوط جدار برلين ونهاية التسلط ببوخاريست . إن التاريخ والأخلاق يتصالحان كما استطاع أن يؤكد ذلك الكاتب ( والرئيس ) التشيكي فاكلاف هافيل معتقدا أن ساعة بناء المجتمع الذي طالما حلم به عدد 780imaمن المثقفين قد حلت أخيرا ، مجتمع مؤسس على الفضائل الديمقراطية ، على الأخلاق والمسؤولية ، مجتمع لن يكون الجوهري فيه هو الربح والسلطة ، وإنما روح الجماعة واحترام الآخر .
promet
فيالها من لحظة خادعة وعابرة ؛ ذلك أنه منذ ذاك الحين توالت وتلاحقت التغيرات الجارفة ، وجاءت كثير من الصور الأقل بطولية بكثير ، و ووريت الثرى صور انتصار الحريات و تم طمسها. وحتى نقتصر على أوربا خاصة ، فقد تمثلت هذه الصور في : صور حرب البوسنة والمشاهد الفظيعة للمدنيين المسحوقين من قبل عنف أوقع إلى الآن 140.000قتيلا و 70.000 معطوبا و 3 ملايين لاجئ . . . لقد أعيد تشغيل آلية العقاب التي تحدث عنها الروائي جورج شتاينر بتحفيز من الانفجار اللاعقلاني للقوميات ودوخة التشظيات وإعصار الأحقاد . طفل فلسطيني ودبابة إسرائيلية
طفل فلسطيني
ورغم ذلك يقال إن القرن كان قد انطلق بأفكار جد كريمة لوجوه كبيرة : فرويد ، كافكا ، جيد ، روساندا . لقد تمثلت قوة الثقافة الأوربية حتى أواسط هذا القرن في الاختلاط والتهجين : فقد كان المرء يولد في بودابيست ويقيم في فيينا ويكتب بالألمانية ويتكلم الهنغارية. bosnie
إن انفلات النزعات السادية والأفعال الهمجية من عقالها في يوغسلافيا السابقة يطرح مرة أخرى على فلاسفة عصرنا مسألة الشرط الإنساني ؛ فعمليات التنقية و التطهير العرقية تطيح ساخرة بفكرة الديمقراطية ذاتها وتشهد على إفلاس الأنوار ، كما تشهد أخيرا على عجز أوربا عن تحاشي هذه التراجيديا والحيلولة دون الجور وتقسيم البوسنة وتحقيق مشروعه الخاص للبناء الجماعي . إن الكاتبة سوزان سونتاغ التي أخرجت من أجل إبداء تضامنها مع الشعب البوسني في غشت الأخير بسراييفو مسرحية صاموئيل بيكيت في انتظار غودو تعتقد أن سكان سراييفو مثل غودو انتظروا بدون جدوى تدخلا أوربيا لم يحدث قط . . . . لا يمكن لأي خطوة من خطوات الحضارة أن تنبني على اللامبالاة إزاء جريمة ما ، والجريمة المرتكبة بسراييفو هي إحدى جرائم نهاية هذا القرن .
إن معايشة هذه الفاجعة الدموية تصب على المجتمعات الأوربية شيئا من وخز الضمير وشيئا شبيها بالشعور بالغثيان ، وهذا ينضاف لدى عديد من المبدعين إلى الانزعاج الناجم عن الخلط الإيديولوجي الحالي ، فقد أضحت مفاهيم ومحتويات اليمين و اليسار التقليدية في أعين الكثيرين جوفاء وفارغة بالكامل . إن أفق الأمل يبدو كما لو أنه تراجع إلى الحد الذي يجعل القلائل من الناس هم الذين لا زالوا يرون إمكانية ميلاد أحلام جماعية جديدة : لقد كانت لدى جميع الطلبة الذين كنت أدرسهم سابقا ـ يقول جورج شتاينر ـ نوافذ مشرعة على الأمل ، وقد كان هذا الأمل متمثلا في ماو أو أليندي أو دوبتشيك أو الصهيونية . لقد كان هناك دائما مكان نتصارع في إطاره من أجل تغيير العالم ، أما الآن فقد انتهى كل شيء . . .
وعلى شاكلة المجتمعات الغربية لم يعد غالبية المثقفين يرون أنفسهم بوضوح في مرآة المستقبل ؛ ويبدو أنهم مجتاحون من قبل البلبلة و مرعوبون بفعل صدمة التكنولوجيات الجديدة ومربكون بفعل عولمة الاقتصاد ومهمومون بفعل انحطاط البيئة، وقد أصبحوا حذرين اتجاه المؤسسات الكبرى ( البرلمان ، العدالة ، البوليس ، المدرسة ، الطب ووسائل الإعلام ) ، وأخيرا فقد انحطت معنوياتهم بقوة بفعل الفساد الزاحف ـ وريث البحث المحموم عن المال خلال الثمانينيات ـ والذي يصيب بالتآكل والفساد كل شيء . promet
ويظل المبدعون من جهتهم حيارى ؛ فاضطرابات وقلاقل شتى لا حصر لها تخض نظام العالم ، المعالم الأكثر استقرارا تتقمط وتستسلم ، وهو منجرفون بفعل السيل الجارف للأحداث . وما هو مذهل ـ كما لاحظ ذلك الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس ـ هو أننا كنا نحتفل منذ ثلاث سنوات بنهاية عجائبية وغرائبية للقرن ؛ لقد تحدثنا عن نهاية التاريخ وعن حل المشاكل وعن انتصار الرأسمالية والديمقراطية . ثلاث سنوات بعد ذلك نجد أنفسنا غارقين في أقصى حدود الحيرة والارتباك ، إن كل شيء هو برسم إعادة الصياغة والتشكيل ، وكل شيء هو برسم إعادة التفكير .
إن هذه القلاقل ذات التأثير الواسع تكره القارة العجوز وترغمها على إعادة الاعتبار للتضامن وتقارنه في نفس الآن بعودة النزعة القومية وبأزمة الاشتراكية . إن هذه القلاقل تحدث في لحظة تتسبب فيها حرب البوسنة والنقاش الدائر حول معاهدة ماستريخت وكذا أزمة النظام النقدي الأوربي وبناء أوربا في هزات عنيفة ، بناء أوربا ، هذه الأسطورة الحديثة التي أتينا على التساؤل عما إذا لم تكن مخلوقا من مخلوقات الحرب الباردة .
وينضاف لكل هذا التراجع الاقتصادي ، ويترجم هذا التراجع عن طريق تخفيض منتظم ومسترسل لليد العاملة وتفاقم للتسريحات الجماهيرية . إن منطق السوق والبحث عن الربح الأقصى ينتجان بذلك في أوربا الغربية البطالة والتفقير وتدهور مستوى المعيشة والتهديدات المنيخة بكلكلها على أنظمة الحماية الاجتماعية وعلى الإبداع الثقافي .
وبهذا الخصوص فإن مفاوضات الغات GATT ( الاتفاق العام حول التعريفة الجمركية والتجارة ) التي تم تضمينها أيضا مجالات تنتمي إلى ميدان الإنتاج الثقافي وبخاصة القطاع السمعي ـ البصري والصناعة السينمائية هي مفاوضات تخيف الأوساط الفنية . إن الولايات المتحدة التي فرضت نموذجها في المجال الثقافي الجماهيري هي مصممة بالفعل على إقبار توصية CEE التي تمكن من فرض كوطا للأفلام الأوربية على قنوات التلفزة بالقارة العجوز . والمبدعون المذعورون يقولون : إن عبقرية أوربا تباع بثمن بخس كما هتف متعجبا على سبيل المثال روجي بلانشون الذي وجد أن : غياب تفكير المنتخبين الأوربيين السياسي عن مجال الإبداعات الفنية من أجل مستقبل أممنا وقارتنا مسألة تثير الذعر . إن النتائج الاقتصادية القياسية تدخل بذلك في تناقض مع الديمقراطية ، لأن الرغبة في تحقيق هذه النتائج القياسية تناست التحذير الذي أطلقه الكاتب رايموند كونو منذ سنة 1938 ، والذي يقول : إن هدف أي تغير اجتماعي هو سعادة الأفراد وليس تحقيق قوانين اقتصادية لا يمكن تحاشيها  .
وأمام هذا الكم من القلاقل العصية على الفهم ، وهذا الكم من التهديدات والمخاطر ، فقد أصبح العديد من المواطنين يعتقدون أنهم في حضرة أفول العقل ، وأصبحت تراودهم هم ذاتهم فكرة الهروب بداخل صورة لعالم لاعقلاني ، فهل يتوجب أن نعجب منذ ذلك الحين من أن عددا كبيرا من الناس يتحولون نحو الجنان والفراديس الاصطناعية للمخدرات ، أو نحو العلوم المزعومة والممارسات الغيبية ؟.. هل نعلم أن أكثر من 10 ملايين شخصا بفرنسا كل سنة يستشيرون العرافين والمعالجين بالدجل ؟ ..وأن شخصا من بين اثنين يؤكد إيمانه بالظواهر الخارقة ؟.. وأن طوائف أصولية شبيهة بطوائف دلفيديي واكو تتكاثر وتتناسل ، وأيضا حركات ألفية كحركة العصر الجديد Mouvance New Age التي تضم قرابة 300.000 مريد بفرنسا (11) .
إن الناس يتسابقون أيضا نحو ألعاب الحظ و الاحتمال والصدفة ؛ فقد صرف الفرنسيون سنة 1992 في ألعاب السباق وأنواع اليانصيب المختلفة 65 مليارا من الفرنكات ! فالاستحقاق الخالص والجدارة لم يعودا كافيين من أجل النجاح كما يعتقد ذلك الأنثروبولوجي كريستيان برومبرجر ؛ فألعاب الحظ تستلزم 186imaالسعي نحو اجتذاب ثروة كبرى في مجتمع فقد أسس يقينياته الجماعية . إن اللعب والمقامرة هما الوسيلة الوحيدة التي أصبح يعتمد عليها مجتمع تحيق فيه البطالة بشكل أعمى حتى بأكثر الناس جدارة ، وذلك من أجل تغيير مسار القدر . إن السعادة في فترة الأزمة هاته يتم تحسسها كما لو كانت عبارة عن كم منته . واللاعقلي يجتاح السياسة أيضا ؛ ألم نشهد خلال الانتخابات الأخيرة بكل من المملكة المتحدة وفرنسا ظهور حزب القانون الطبيعي الذي اقترح بجدية لا مزيد عليها كحل للخروج من الأزمة تنمية وتطوير الوساطة المتعالية وتشجيع التحليق والطيران عن طريق اليوغا ؟ .. lotto
إن التلفزة التي تخلط الحياة الخاصة بالجلسة العمومية في برامجها الواقعية reality show تفسد مفهوم الواقعية ذاته وتتعهد اللاعقلانية الشاملة والكلية .
وأخيرا فإن أحد الكتب الأكثر رواجا بفرنسا هذا الصيف والذي تعقب خطوات البومة الذهبية ليس إلا استمرارا للألغاز و الشروحات الممكنة من اكتشاف كنز من الذهب 114imaوالمال والماس بقيمة مليون فرنك  ! ..
لقد عرفت أوربا قبلا إبان الركود الكبير في بداية الثلاثينيات لحظة عاودت فيها الأساطير البدائية الظهور من جديد بديناميكية هي أساسا ديناميكية غريزية وعاطفية . إن إفلاس الحداثة ، الأزمات الاقتصادية ، التفكك الاجتماعي والطموح والتشوف الهوياتي تسببت حينها في نوع من انقشاع أوهام العالم وشجعت ، خاصة بألمانيا ، انبهارا باللاعقلي ، وهو الانبهار الذي استثمره اليمين المتطرف . لقد كان عديد من المواطنين الألمان ، كما كتب الكاتب بيتر راشل ، يريدون التجرد والانفلات من زمن حاضر لم يكونوا يفهمونه ، وفضلوا الانخراط والانغماس في عالم يخدع الأبصار .
لكن هذا المناخ المواتي للنازية تم فضحه بدون هوادة من قبل كتاب مثل توماس مان وفريتز لانج آمنوا بالفن السياسي واعتقدوا بإمكانية الجمع بين الحداثة وجوهر الالتزام .
في مناخ التشاؤم الثقافي الحالي يبدو أن فكرة الانكفاء الفرداني و التحريفية الجمالية أصبحت تستهوي عديدا من المبدعين وتراودهم . أما مبدعين آخرين ، ولو أن ذلك أصبح يبدو متجاوزا وعتيقا ، فإنهم اختاروا صف الالتزام ، وهكذا فقد عبر الرسام الإسباني ميجال بارسيلو الذي يعتبر من أكثر ممثلي الفن التشكيلي الجديد والمعاصر لمعانا ، والذي يعيش بمالي ، عبر عن ثورته وسخطه على الفوارق في ما بين الشمال والجنوب : ربما كانت الأشياء الأكثر فظاعة هي الأشياء الأقل إثارة ، كالطريقة التي يسحق بها الغرب العالم الثالث عن طريق البنك العالمي والقروض والسيطرة على المواد الأولية . إنها وضعية أكثر فظاعة من الاستعمار ؛ فعلى الأقل ، كانت بلدان الشمال خلال الفترة الاستعمارية تشعر بكونها ملزمة ببناء الطرق والمدارس ، أما الآن فهي غير ملزمة بأي شيء ، إنه النهب الخالص .

promet

وهكذا فإن العديد من المبدعين بتواجدهم أمام البديل الكلاسيكي المتمثل في الاختيار في ما بين محاكاة نرجس المغرم بذاته ، أو بروميتيوس الذي تدخل لصالح الإنسانية ليسرق النار من الآلهة ويسلمها للبشر ، لا زالوا يفضلون هذا الأخير . إنهم لا يجهلون المخاطر المحدقة ، ويعرفون الاحتضار والآلام المبرحة التي لا تنتهي والتي حكم بها على التيتان Titan : حيث يأتي عقاب أو نسر ليفترس كبده التي تتجدد وتعاود الظهور دائما وهو مقيد بسلاسل airan على قمة جبال القوقاز ، لكنه يتحمل كل ذلك لأنه يعتبره تضحية من أجل الثقافة ورفعتها . ومرة أخرى فإن المبدعين يرفعون تحدي امتلاكهم الحق ، بفعل عبقريتهم ، للتعبير عن آلام المرحلة بشكل أفضل مما يمكن أن يقوم به السياسيون أو الخبراء . إنهم يتذكرون أيضا ، وحسب أخيل ، أن عذاب بروميتيوس سيتوقف في اليوم الذي سيحل فيه محله كائن لا يفنى ، وأنه إذ ذاك ، وإذ ذاك فقط سيتم إنقاذ البشرية . 

المراقبة الشاملة

17 يناير 2009

” في الماضي لم تكن لدى أية حكومة سلطة إبقاء مواطنيها تحت مراقبة دائمة ، أما اليوم فإن بوليس الفكر يراقب الجميع . . . وبشكل دائم “

جورج أورويل 1984

ramonetبقلم : إغناسيو راموني

لوموند ديبلوماتيك عدد غشت 2003.

كان على أولئك الذين عولوا هذا الصيف على الذهاب إلى الولايات المتحدة أن يعلموا أنه سيتم تقديم معلومات شخصية عنهم للجمارك الأمريكية دون موافقتهم طبقا لاتفاقية موقعة ما بين اللجنة الأوربية والسلطات الأمريكية ، وذلك عن طريق شركة الخطوط الجوية التي سيسافرون على متنها ، ومن ثمة فإن السلطات الأمريكية ، وحتى قبل أن تطأ أقدامهم أرضية المطار، ستعرف أسماءهم وأنسابهم وأعمارهم وعناوينهم وأرقام جوازات سفرهم وبطاقات السلف والحالة الصحية والاختيارات الغذائية ( التي يمكن أن تكشف انتماءاتهم الدينية ) وأسفارهم ورحلاتهم السابقة . . الخ.

إن هذه المعلومات سيتم تقديمها لجهاز للغربلة يسمى CAPPS ( جهاز حاسوب للمراقبة الوقائية ) ، وذلك للكشف عن مشكوك فيهم محتملين؛ حيث سيقوم هذا الجهاز بتقدير درجة خطورة المسافر من خلال التعرف على هويته ومقارنتها بالمعلومات المتوفرة لدى مصالح الشرطة ووزارة الدولة ووزارة العدل والأبناك وتصنيفه ضمن لون معين : الأخضر بالنسبة للمسالمين ، الأصفر في حالة الشك ، والأحمر بالنسبة لأولئك الذين سيتم منعهم من دخول الطائرة . وإذا كان الزائر مسلما أو من منطقة الشرق الأوسط ، فإن اللون الأصفر سيتم إلصاقه به بشكل أوتوماتيكي ، وبرنامج الأمن على الحدود يرخص لرجال الجمارك بأخذ صور للزوار وكذا بصماتهم.

الأمريكيون اللاتينيون هم أيضا مستهدفون ؛ فقد اكتشفنا أن 65 مليون مكسيكي و 31 مليون كولومبي و 18 مليون من دول وسط أمريكا وضعت لهم بطاقات دون علمهم ، وفي كل بطاقة تجد تاريخ ومكان الازدياد والجنس وهوية الأبوين والوصف الفيزيقي والأحوال المدنية ورقم جواز السفر والمهنة المصرح بها.

وفي الغالب تدون بهذه الملفات معلومات سرية أخرى كالعناوين الشخصية وأرقام الهواتف والحسابات البنكية وأرقام السيارات وكذا البصمات . ورويدا رويدا ، وبهذه الطريقة ، سيتم تبطيق كل الأمريكيين اللاتينيين من قبل واشنطن.

” الهدف هو إقامة عالم أكثر أمنا ، ويجب أن نكون على علم بالمخاطر المحتملة التي يمثلها الأشخاص الذين يطأون أرض بلادنا ” ، ذاك ما أكده السيد جيمس لي ، وهو أحد مسؤولي مقاولة Choicepoint التي تشتري هذه البطاقات أو الملفات من أجل إعادة بيعها للإدارة الأمريكية (1) ؛ وذلك لأن القانون الأمريكي يحظر تخزين المعلومات الشخصية ، لكنه لا يمنع من مطالبة شركة خاصة بالقيام بذلك لصالح الحكومة. وهذه الشركة التي يتواجد مقرها على مقربة من أتلانتا هي شركة معروفة وغير مجهولة ؛ فإبان الانتخابات الرئاسية بفلوريدا سنة 2000 كانت الدولة قد كلفت فرعها المسمى ( تكنولوجيا قواعد المعلومات Technologie Data Base DBT ) بإعادة تنظيم اللوائح الانتخابية بهذه الولاية . النتيجة هي حرمان  آلاف الأشخاص من حقهم في التصويت ، وهو ما أدى إلى تغيير نتيجة الانتخابات التي فاز بها السيد بوش ب 573 صوتا زيادة فقط . . ونحن نتذكر أن هذا النصر الصغير هو الذي مكن بوش من الوصول إلى سدة الحكم (2) .

إن المراقبة الصارمة واللصيقة ليست منصبة على الأجانب وحدهم في أمريكا ؛ فالمواطنون الأمريكيون بدورهم لا يفلتون من البارانويا السائدة حاليا ، لذلك فإن أنواعا جديدة من المراقبة التي يقرها قانون باتريوت Patriot Act تعيد النظر في الحياة الخاصة الشخصية للناس وكذا في سرية المراسلات، أما السماح بالتنصت على الهواتف فهو مسألة لم تعد ضرورية ؛ حيث يمكن للمراقبين الوصول إلى المعلومات الشخصية المتعلقة بالمواطنين دون أخذ إذن بذلك، وهكذا فقد طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI من المكتبات إيفاءه بلوائح الكتب والمواقع الإلكترونية التي يطلع عليها ويرتادها زبناؤها (3) من أجل رسم ” بروفيل فكري وثقافي ” لكل واحد منهم.

لكن أكثر مشاريع التجسس اللاشرعية هذه هذيانا هو المشروع الذي وضعه البانتاغون  تحت عنوان Total Information Awareness (TIA) أي نظام المراقبة الشاملة للمعلومات (4) والذي كلف به الجنرال جون بواندسكتر المتهم في الثمانينيات بكونه كان المحرض في قضية إيران كونترا . ويتمثل المشروع في تجميع ما لا يقل عن 40 صفحة من المعلومات عن كل ساكن من سكان الأرض البالغ عددهم 6 مليارات نسمة ، ومعالجتها وتحليلها عن طريق حاسوب عملاق . والبانتاغون يزمع من خلال تحليل ومعالجة كل المعطيات المتوفرة عن كل شخص رسم صورة أكثر ما تكون تكاملا عنه ـ الأداءات عن طريق البطاقة البنكية ، الاشتراك في وسائل الإعلام ، حركة الحساب البنكي ، المكالمات الهاتفية ، مواقع الأنترنيت المرتادة ، البريد الإلكتروني ، البطاقات البوليسية ، ملفات التأمين ، المعلومات الطبية والمتعلقة بالضمان الاجتماعي.

وكما هو الحال في فيلم ستيفن سبيلبرغ Minority Report ، فإن السلطات تعتقد أن بإمكانها أن تتنبأ بالجرائم قبل وقوعها : ” سيتقلص هامش الحياة الشخصية ، لكن مقابل أمن أكثر ، كما يعتقد ذلك السيد جون ب. بيتيرسن ، رئيس معهد إرلينغتون ، وسنستطيع أن نستبق المستقبل بفضل مقارنة كل المعلومات المتعلقة بكم ، وغدا سنعرف كل شيء عنكم (5) ” ، وهكذا يجد الأخ الأكبر نفسه متجاوزا . . .

هوامش :

(1) لاخورنادا ، مكسيكو 22 أبريل 2003 .

(2) الغارديان ، لندن ، 5 ماي 2003 .

(3) الواشنطن بوست ، النشرة الوطنية الأسبوعية ، 21 ـ 27 أبريل 2003 .

(4) وقد تم تغيير الإسم نتيجة احتجاجات المدافعين عن حرمة الحياة الشخصية إلى الإسم المذكور (TIA) ، إقرأ أرمان ماتلار ” تاريخ مجتمع المعلومة ” ، لاديكوفيرت ، باريس ، الطبعة الجديدة ، أكتوبر 2003.

(5)    إيل باييس ، 4 يوليوز 2002.  

أرجوحة الديمقراطية

12 مايو 2008

هل الديمقراطية خدعة ؟ .. وهل تتضمن بطبيعتها أو بالقوة إما إمكانات العدالة الاجتماعية أو الظلم والإقصاء الاجتماعيين ؟ .. هل يمكن الحديث في الوضع العالمي الراهن ، الناحي نحو العولمة لكل شيء والمتميز بسيطرة الأسواق المالية عن إرادة ” ديمقراطية ” بداخل المجتمعات تكبحها وتوجهها الموجهة المعاكسة لطموحات الشعوب في العدالة والديمقراطية ” ديكتاتورية ” الأسواق المالية التي لا تعرف إلا منطق مصالحها الخاصة ؟ .. هل يتبقى بعد هذه الهيمنة شبه المطلقة هامش للمناورة والفعل يمكن من تحقيق المعادلة الصعبة ؟ .. في المقال التالي نجد توضيحا لهذه المفارقة وبعض الإيحاءات بالجواب.

أرجوحة الديمقراطية
بقلم: إغناسيو راموني

عن: لوموند ديبلوماتيك

انطلاقا من العديد من العلامات والإشارات نلحظ في مجتمعاتنا التي فقدت البوصلة الهادية عودة التساؤل المحير : هل تمت مصادرة الديمفراطية من طرف جماعة صغيرة من المحظوظين ؟ ..

ذلك أن هاجس ضرورة قيام الجمهورية على ” عقد اجتماعي ” هو الذي قاد ، خلال قرن ونيف ، الاشتراكيين الثوريين ( من ماركس إلى تروتسكي ، مرورا ببلانكو وباكونين ولينين ) باسم الحرية ، إلى مصارعة ” الديمقراطية البورجوازية ” ، في الوقت الذي قاد فيه اليمين المتطرف إلى محاولة إسقاط ” النزعة البرلمانية ” ، وبدا كما لو أن اندحار الفاشية سنة 1945 ثم انهيار الأنظمة الشيوعية سنة 1989 قد حل المشكلة ، وأصبح بمقدور أطروحة فرانسيس فوكوياما حول ” نهاية التاريخ ” أن تنتصر : فالديمقراطية شكلت الأفق المستعصي على التجاوز من قبل أي نظام سياسي، كما أمكن لأي كان التذكير بقولة ونستون تشرشل المشهورة التي تمدح الديمقراطية باعتبارها النظام الأهون شرا بخلاف كل الأنظمة الأخرى.

وبفضل هذا الإطراء انتشرت الديمقراطية في كل مكان ، في أوربا الشرقية وفي الدول المتولدة عن تفكك الاتحاد السوفياتي وأيضا في أمريكا اللاتينية ، وباستثناء وحيد متمثل في العالم العربي انتشرت في إفريقيا وآسيا ، إلى حد أنه غداة الحرب العالمية الثانية ، أضحت النظام السياسي المهيمن إذا استثنينا حالات ناذرة.

ومع ذلك فإن أعداد المشهرين بهذا النظام ، باعتباره خدعة ، تزايدوا يوما بعد يوم ، وفي المقام الأول بأوربا لأنه احتمل ظهور 20 مليونا من العاطلين و 50 مليونا من الفقراء . . . ولأن بعض الدول ( الأوربية ) انتهت إلى قبول نوع من العالمثالثية لمجتمعاتها ؛ فحسب تقارير الأمم المتحدة والبنك العالمي ” فإن أشكال الفوارق في ما بين الفقراء والأغنياء بالمملكة المتحدة هي الأهم من نوعها في العالم الغربي ، مقارنة مع تلك القائمة في نيجيريا ، وبشكل أعمق مع تلك التي نجدها على سبيل المثال في جمايكا ، سريلانكا أو إثيوبيا (1) ” .

هكذا ( إذن ) يتصدع التماسك الاجتماعي ؛ ففي القمة تتقوى طبقة تغتني أكثر فأكثر ( 10 ÷ من الفرنسيين (مثلا) يستحوذون على 55 ÷ من الثروة الوطنية ) ، في حين ، وفي أسفل القاعدة ، تتسع جيوب الفقر متعاظمة . كما أن من المعروف أن المواطنين المهمشين ليس في مستطاعهم التمتع بالخريات الصورية وضمان ممارسة حقوقهم .

كل هذا يحدث في إطار الغلبة والانتصار فيه للمال : فقيمة المبادلات المالية هو 50 ÷ أعلى من قيمة المبادلات الفعلية للمنافع والخدمات ؛ فالأسواق المالية تفرض إرادتها على القادة السياسيين ، وإذا أمكن القول منذ عهد فريب أن ” مائتي عائلة ” امتلكت مقادير ومصير فرنسا ، فإننا نستطيع التأكيد راهنا على أن مصير كوكب الأرض متوقف على إرادة ” 200 من المدراء ” (2) .

لقد عملت الدول على تسريع وتيرة الحركة لتفعيل وضمان ديناميكية لسيرورة العولمة ، وذلك بإلغاء المراقبة على المبادلات وضمان حرية تنقل الرساميل بجعل الأبناك المركزية أبناكا ” مستقلة ” إلى حد أنها موقعت الأسواق المالية خارج متناول ومراقبة الحكومات التي ذهبت بدورها إلى التخلي عن أي إرادة مهما وهنت لوضع سياسة نقدية مستقلة، وذلك بقبول الخضوع لمنطق المصالح الخارجية المعاكس لمصالح مواطنيها.

إن النظام الديمقراطي ينتشر بدون عوائق على مستوى مجموع الكرة الأرضية جراء خضوع القادة السياسيين لديكتاتورية الأسواق المالية . في السابق مورست مقاومة ضارية لكل مشروع ديمقراطي من طرف الماسكين بناصية الرأسمال المتحالفين في الغالب مع قوات عسكرية : فمن الحرب المدنية الإسبانية (1936 ـ 1939) إلى الإطاحة برئيس الشيلي سالفادور أليندي سنة 1973 لا نعدم الأمثلة عن أنظمة ديمقراطية أقبرت بشكل تراجيدي لأنها تصدت للتفاوتات الطبقية بالتوزيع الأكثر عدالة للخيرات، ولأنها عقدت النية على تأميم القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد . أما اليوم، فإن الديمقراطية متساوقة بشكل متناغم ، بفعل تدمير القطاع العام ، مع أشكال الخوصصة وإعفاء حفنة من المحظوظين . . . الخ . لقد غدا بالإمكان التضحية بأي شيء ( والمكتسبات الاجتماعية في المقام الأول ) رضوخا لإكراهات الاقتصاد المالي، وفي أوربا أضحت معايير التقارب والاندماج المفروضة من قبل معاهدة ماستريخت مطلقات شبه دستورية. فكيف لا ندرك إذا أضفنا إلى كل ذلك قلة حياء القادة الذين يتسابقون بمجرد انتخابهم للإنكار والتنكر لوعودهم الانتخابية ( من السيد فوجيموري في البيرو إلى السيد كلينتون في الولايات المتحدة مرورا بالسيد كالديرا بفنزويلا والسيد شيراك بفرنسا ) ، وكذا الوزن اللامحدود لجماعات الضغط ( اللوبيات ) واستفحال الفساد لدى الطبقة السياسية ، كيف لا ندرك عوامل غياب المصداقية عنها ؟.. كيف لا يمكن الوقوف على أن هذه الديمقراطية المعطلة تمكن في المقام الأول من تنامي وتطور اليمين المتطرف ؟.. (3).

إن كل يوم يوضح كم يفضل المنتخبون، والحكومات بالخصوص ، اللجوء إلى كبريات وسائل الإعلام لمخاطبة المواطنين وعدم إعارة البرلمان أي اهتمام فـ ” أن تحكم هو أن تتواصل ” يقول لسان حالهم فيما يبدو ، ولكن واقع الأمر ، وبدواخلهم ، فإن التواصل مع المواطنين يعني الكذب عليهم.

كيف لا يمكن أن نتفهم غضب الناس في مجموع الاتحاد الأوربي وهم يتعرضون لمد من أنواع الظلم؟.. وبأي حق ينادي المسؤولون الماسكون بزمام السلطة السياسية ، خوفا من خريف غضب ساخن ، بضرورة السلم الاجتماعي وهم يمارسون الحرب الاجتماعية بشكل يومي ؟.. ذلك السلم الذي لا يمكن ضمانه وتأمينه إلا إذا تحولت الديمقراطية إلى قاعدة وأساس لعقد اجتماعي جديد.

هوامش :

(1) إلباييس ، مدريد ، 16 شتنبر 1996.

(2) ” قادة العالم الجدد ” طريقة في النظر رقم 28 نونبر 1995.

(3) أنظر كريستيان دوبري ” ديمقراطيات بدون صوت ” لوموند ديبلوماتيك ـ دجنبر 1992.

ديمقراطيات على المقاس

12 مايو 2008

ديمقراطيات على المقاس

بقلم : إغناسيو راموني

لوموند ديبلوماتيك ـ مارس 2006

لقد ظلت الديمقراطية لمدة طويلة من الزمن صيغة ناذرة من صيغ الحكم ، وهي التي تم تقديمها في الغالب باعتبارها أفضا النظم السياسية ؛ وذلك لأن أي نظام لم يستطع أن يجسد بشكل كلي المثال الديمقراطي الذي يفترض سلامة طوية مطلقة من قبل الأقوياء اتجاه الضعفاء ، وكذا إدانة جذرية حقيقية لأي شكل من أشكال الشطط في السلطة ، ولأنه أيضا لا بد من احترام المعايير الخمس التي يلزم توفرها في أي نظام لكي يكون ديمقراطيا ، ألا وهي : الانتخابات الحرة ـ المعارضة الحرة والمنظمة ـ الحق الفعلي في التناوب السياسي ـ النظام القضائي المستقل وتوفر وسائل إعلام حرة . وحتى عندما توفرت هذه الشروط في بعض الدول ، فقد ظلت لمدة طويلة ، كما في فرنسا والمملكة المتحدة ، تتنكر لحق النساء في التصويت ، كما كانت هذه الدول ، فضلا عن ذلك ، قوى استعمارية تنال من حقوق المستعمَرين وتخرقها.

ورغم هذه النواقص ، فقد كان لهذا النهج في الحكم نزوع نحو أن يصير كونيا ، وذلك أولا بفضل التفعيل القوي للديمقراطية من قبل رئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسون ( 1856 ـ 1924 ) ، ثم وبشكل خاص عقب انتهاء الحرب الباردة واختفاء الاتحاد السوفييتي ، حيث تم الإعلان حينها عن ” نهاية التاريخ” بدعوى أنه لا شيء يقف في وجه كل دول العالم منذ ذلك الحين كي تحقق في يوم من الأيام هدفي السعادة القصوى المتمثلين في : اقتصاد السوق والديمقراطية التمثيلية ، وهما الهدفان اللذان تحولا إلى عقيدة لا يجوز المساس بها .

باسم هذه العقائد قدر السيد جورج بوش أن من المشروع بالعراق اللجوء إلى القوة والسجون السرية المقامة بالخارج ، أي أن من المشروع السماح لقواته المسلحة بممارسة التعذيب ، أو إخضاع السجناء بغوانتنامو لمعاملات غير إنسانية خارج أي إطار قانوني ، كما تم فضح ذلك مؤخرا عن طريق تقرير أعدته لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ، وكذا تقرير آخر صادر عن برلمان الاتحاد الأوربي.

ورغم هذه التجاوزات الخطيرة ، فإن الولايات المتحدة لا تتردد في التصرف على مستوى البسيطة كوصي ديمقراطي على الآخرين ؛ فقد ألفت واشنطن تسفيه خصومها من خلال نعتهم بشكل كلي بأنهم ” غير ديمقراطيين ” ، إن لم تصفهم بأنهم ” دول مارقة ” أو دول صعاليك أو بكونها ” منابت للإرهاب ” ، والشرط الوحيد للإفلات من هذه الوصمة هو تنظيم ” انتخابات حرة ونزيهة ” .

غير أن كل شيء في هذه الحالة الأخيرة متوقف على النتائج ، أي على نتائج هذه الانتخابات كما تبرهن على ذلك حالة فنزويلا ، حيث تم منذ سنة 1998 ولمرات عديدة انتخاب السيد هوغو تشافيز في إطار ظروف مضمونة من قبل مراقبين دوليين . لكن ذلك لم ينفع في شيء ؛ إذ استمرت واشنطن في اتهام السيد تشافيز بكونه يشكل ” خطرا على الديمقراطية ” ، بل ذهبت أبعد من ذلك ، أي إلى حد السعي إلى إحداث انقلاب في أبريل 2002 على الرئيس الفنزويلي الذي سيُخضع نفسه من جديد لحكم صناديق الاقتراع في شهر دجنبر المقبل .. .

وهناك أيضا ثلاثة أمثلة أخرى ـ في إيران وفلسطين وهايتي ـ تبرهن على أنه لم يعد كافيا أن يتم انتخابك بشكل ديمقراطي كي تحظى برضا واشنطن. لقد أجمع كل الملاحظين ، بالنسبة لحالة إيران ، على أن انتخابات يونيه 2005 كانت انتخابات رائعة : مشاركة جماهيرية مكثفة ، تعددية وتنوع للمرشحين ( في إطار النزعة الإسلامية الرسمية ) ، وبالخصوص حملة انتخابية باهرة خاضها السيد على أكبر هاشمي رافسنجاني ، وهو المفضل لدى الغربيين والمنتظر فوزه . لا أحد في تلك اللحظة تحدث عن ” الخطر النووي ” الذي تشكله إيران ، لكن كل شيء تغير بعنف بمجرد فوز السيد محمود أحمدي نجاد ( وهو من اعتبرت تصريحاته فضلا عن ذلك بخصوص إسرائيل تصريحات مستهجنة وغير مقبولة ) . وها نحن نشهد الآن حملة تشبيه إيران بالشيطان الخطير.

حتى ولو أن طهران هي من الدول الموقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية ، ورغم إعلانها عدم نيتها امتلاك القنبلة النووية ، ألم يقدم وزير خارجية فرنسا على اتهام إيران بأنها تجتهد في تنفيذ ” برنامج نووي عسكري سري ” ؟ .. ألم تطالب السيدة كوندوليزا رايس ، وزيرة خارجية الولايات المتحدة ، إثر النسيان السريع للانتخابات الإيرانية الأخيرة ، الكونغرس الأمريكي بتخصيص 75 مليون دولار لتمويل برنامج إيران ” للنهوض بالديمقراطية ” ؟..

نفس الوضعية أو تقريبا كذلك تشهدها فلسطين، حيث ترفض الآن كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي ، بعد اشتراطهما تنظيم انتخابات ” ديمقراطية فعلية ” مراقبة من قبل حشد من المراقبين الأجانب ، يرفضان معا نتائج هذه الانتخابات بدعوى أن المنتصر فيها ، أي الحركة الإسلامية حماس ( المرتكبة لهجمات فظيعة على المدنيين الإسرائيليين ) لا تعجبهما .

وأخيرا بهايتي كان بإمكاننا أن نرى بمناسبة الانتخابات الرئاسية يوم 7 فبراير الأخير كيف أن كل شيء كان في لحظة أولى قد تم إعداده للحيلولة دون انتصار السيد روني بريفال ـ الذي فاز أخيرا رغم كل شيء ـ ، هذا الذي لا ترغب فيه ” المجموعة الدولية ” بأي ثمن ، وذلك بسبب علاقاته القديمة بالرئيس السابق جان برتراند أريستيد .

الديمقراطية ـ كما قال ونستون تشرشل ” هي أقل الأنظمة الأخرى سوءا ” ، وما يزعج اليوم هو عدم القدرة على التحديد القبلي لنتائج استشارة انتخابية ما ، وذلك عندما يحب البعض امتلاك القدرة على إقامة أنظمة ديمقراطية على المقاس ، وبنتائج مضمونة سلفا .

الفكر الأوحد

12 مايو 2008
الفكر الأوحد
 
إن المواطنين الأحرار ، وهم منغمسون في الديمقراطيات الحالية ، يتزايد شعورهم أكثر فأكثر بأنهم مستغرقون من طرف عقيدة أخطبوطية ، تحاصر كل محاولة للتفكير مشاغبة ، وتحرمها وتخلخلها وتشلها وتنتهي بخنقها . هذه العقيدة هي الفكر الأوحد المسموح به وحده بواسطة قمع بوليسي للرأي غير مرئي ووحيد الحضور.
منذ سقوط جدار برلين وانهيار الأنظمة الشيوعية والحط من معنويات الاشتراكية ، تزايدت عظمة هذه الإنجيلية الجديدة وقدرتها على التحنيط ، وحازت درجة يمكن معها وصف هذه الغطرسة الإيديولوجية ، بدون مبالغة ، بالدوغماطيقية المعاصرة.
فما هو الفكر الأوحد إذن ؟ .. إنه بألفاظ وعبارات إيديولوجية ترجمة لنزوع كوني لمصالح مجموعة قوى اقتصادية ، وبالخصوص قوى الرأسمالية العالمية التي تمت صياغتها وعملية تحديدها منذ سنة 1944 إبان اتفاقيات بريتون وودز . إن هذه المنابع الرئيسية تتمثل في كبريات المؤسسات الاقتصادية والنقدية : البنك العالمي ـ صندوق النقد الدولي ـ منظمة التنمية والتعاون الاقتصاديين ـ الاتفاقية العامة حول التعريفة الجمركية والتجارة ـ اللجنة الأوربية ـ بنك فرنسا . . . الخ ، التي توظف لخدمة أفكارها على مستوى مجموع الكرة الأرضية مراكز أبحاث عديدة وجامعات ومؤسسات تنمق بدورها هذا الخطاب لصالحها وتعمل على نشره على أوسع نطاق.
ويتم التقاط هذا الخطاب المجهول ويعاد إنتاجه عن طريق كبريات المؤسسات الإعلامية ـ الاقتصادية ، وبالخصوص عن طريق ” أناجيل ” المستثمرين وأصحاب البورصة ـ صحيفة الوال ستريت ـ التايمز المالي ـ الإيكونوميست ـ مجلة الاقتصاد الغربي ـ وكالة رويتر . . . الخ ، والتي هي مملوكة في الغالب من طرف كبريات المجموعات الصناعية أو المالية .وتتلقف أخيرا في كل مكان تقريبا جامعات للعلوم الاقتصادية وصحفيون ورجال سياسة هذه الوصايا الأساسية المستخلصة من لوائح القانون الجديدة هاته ويعيدون تكرارها عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية ، علما بأن التكرار يساوي ويوازي في مجتمعاتنا المتوسطية عملية برهنة .
إن المبدأ الأول للفكر الوحد هو من القوة بحيث لا يستطيع أبدا ماركسي متساهل إنكاره : وهو سحب الاقتصادي على السياسي وتقديمه عليه ، وبالاستناد والاتكاء على مبدأ كهذا ، وكأداة من الأهمية بمكان في يد المنفذ على سبيل المثال، استطاع بنك فرنسا وبدون اعتراض يذكر إعلان استقلاليته سنة 1994 ، وبمعنى ما أضحى ” في منأى عن المخاطر السياسية ” .
” إن بنك فرنسا مستقل ، غير مسيس وشفاف ” يؤكد مديره السيد جان كلود تريشي الذي يضيف إلى ذلك : ” إننا نطالب بإنقاص الاختلالات العمومية ” و ” نتبع استراتيجية التوازن النقدي (1) ” كما لو أن هذين الهدفين ليسا هدفين سياسيين.
وباسم ” الواقعية ” و ” النزعة البراغماتية ” التي يصوغها السيد ألان مينك على الشكل التالي : ” لا يمكن للرأسمالية أن تنهار ، فهي الحالة الطبيعية للمجتمع ، والديمقراطية ليست هي الحالة الطبيعية للمجتمع ، إنها السوق “. (2)
إن الاقتصاد يتموضع في مكان القيادة ، واقتصاد متخلص من العائق الاجتماعي يخرج منفلتا من العوائق التي يشكل ثقلها سبب النكوص والأزمة.
المفاهيم / المفاتيح الأخرى للفكر الأوحد معروفة : إنها السوق ، المثال أو القدوة التي ” تصحح يدها الخفية الاختلالات الوظيفية للرأسمالية وتسويها ” ، وبالخصوص ، الأسواق المالية التي ” توجه ةتحدد علاماتها الحركة العامة للاقتصاد ” ، التنافس والقدرة عليه ، وهي ” تنبه وتنشط المقاولات وتقودها نحو عصرنة مجدية ودائمة ” ، التبادل الحر وبدون قيود ” وهو عامل التنمية المتواصلة للتجارة ، وبالتالي للمجتمعات ” ، عولمة الإنتاج ، سواء المانيفاكتوري أو القنوات المالية ، التقسيم الدولي للعمل الذي ” يصير المطالب النقابية معتدلة ويحفظ قيم الأجور ” ، العملة القوية ” وهي عامل الاستقرار ” ، الخوصصة ، التحرير . . . الخ ، التقليل الدائم من ” تدخل الدولة ” في الاقتصاد ، التحكيم الثابت لمصلحة عائدات الرأسمال على حساب عائدات العمل ، وتجاهل وإهمال إزاء الضريبة البيئية.
إن التكرار المتوالي لهذه ” النزعة الكاتيشية ” (3)  في كل وسائل الإعلام من قبل كل رجال السياسة تقريبا ، من اليمين كما من اليسار (4) ، يوفر لها قوة إقناعية يخنق كل محاولة للتفكير الحر ، ويجعل من المحال مقاومة هذه النزعة التعتيمية الجديدة (5) .
ناذرا ما يتم الإلتفات إلى 17,4 مليون عاطل أوربي ومعضلات المجالات الحضرية، الهشاشة المعممة ، الفساد ، الضواحي المحترقة ، التدمير الإيكولوجي ، إحياء النزعات العنصرية لدى الأصوليين الدينيين والمد المتنامي للمهمشين ، ويتم اعتبارها زوابع بسيطة ولحظية ، وأحلاما لليقظة مدانة وشاذة وغير متلائمة مع أحسن العوالم إنجازا وبناء بالنسبة لضمائرنا المخدرة ، أي عالم الفكر الأوحد.
هوامش :   
(1)     لوموند ، 17 دجنبر 1994.
(2)     كامبيو 16 ، مدريد 5 دجنبر 1994.
(3)     كمثال نموذجي على هذا الفكر المهيمن : فرنسا سنة 2000 ، تقرير الوزير الأول ، منشورات أوديل جاكوب ، باريس 1994.
(4)     نحن نعرف الجواب الشهير للسيد دومينيك ستراوس كاهن ، الوزير الاشتراكي للصناعة بخصوص السؤال : ما الذي سيتغير لو فاز اليمين بالحكم ؟ .. حيث أجاب ” لا شيء ، فلن تختلف سياستهم الاقتصادية عن سياستنا ” ” وال ستريت ” صحيفة أوربا 18 مارس 1993.
(5)     هل هذا هو السبب الذي حدا بمجموعة من المثقفين من بينهم كي دوبور إلى تفضيل الانتحار في الأسابيع الأخيرة؟ ..

عصر جديد من الغزو

9 مايو 2008

عصر جديد من الغزو

 

بقلم : إغناسيو راموني

 

ما هي الحالة الراهنة للعالم ؟ ..إن الظاهرة المركزية فيه هي أنه تم إقحام جميع الدول في ديناميكية العولمة ، ويتعلق الأمر هنا بثورة رأسمالية ثانية ، والعولمة تطال أبعد مكان قصي في الكرة الأرضية متجاهلة بذلك أيضا استقلال الشعوب وتنوع الأنظمة السياسية.وبذلك تعرف الأرض عصر غزو جديد كما كان الحال إبان الاكتشافات الجغرافية أو الحملات الاستعمارية، غير أنه إذا كان الفاعلون الأساسيون في حالات الغزو التوسعي عبارة عن دول ، فإنهم في هذه المرة عبارة عن مقاولات وشركات عملاقة ومجموعات صناعية ومالية خاصة تنوي فرض سيطرتها على العالمين. والملاحظ أنه لم يسبق أبدا أن كان أسياد الأرض بهذه القلة من حيث العدد و لا بهذه القوة . وهذه المجموعات تتموقع بداخل الثلاثي : الولايات المتحدة ـ أوربا واليابان، لكن نصفها يحط رحاله بالولايات المتحدة الأمريكية ، ومن ثمة فهي ظاهرة أمريكية بامتياز.

لقد تسارع تمركز رأس المال والسلطة هذا بشكل عجيب خلال العشرين سنة الأخيرة تحت تأثير ثورة تكنولوجيات الإعلام، وسيتم تحقيق خطوة إلى الأمام انطلاقا من بداية هذه الألفية من خلال أشكال التحكم الجديدة في التقنيات الجينية لتلعيب الحياة والتحكم فيها، وخوصصة الجينوم الإنساني وتعميم إضفاء براءات الاختراع على الكائن الحي تفتح آفاقا جديدة لتوسع الرأسمالية. إن خوصصة كبرى لكل ما يتعلق بالحياة الطبيعية يتم إعدادها مشجعة بذلك فرص ظهور سلطة ربما أكثر إطلاقية من كل ما خبرناه عبر التاريخ بأكمله.

إن العولمة لا تستهدف غزو البلدان أكثر مما تستهدف غزو الأسواق ، والهم الأساسي لهذه السلطة الحديثة ليس هو غزو الأراضي كما كان الشأن إبان الحملات الكبرى أو الفترات الاستعمارية ، وإنما هو وضع اليد على الثروات.

ويصاحب هذا الغزو بأشكال من التدمير هائلة ؛ فصناعات بأكملها تلحقها النكبة بوحشية في كل الجهات والمناطق ، مع كل الآلام الاجتماعية الناجمة عنها : بطالة جماهيرية ، تشغيل متدن ، هشاشة ، إقصاء ، 50 مليونا من الفقراء بأوربا ، ومليار من العاطلين والموسميين بالعالم . . . استغلال متفاحش للرجال والنساء ـ وبشكل فضائحي ـ للأطفال : 300 مليون طفل يتم استغلالهم في ظروف عنف غير مسبوق.

إن العولمة أيضا هي نهب البسيطة؛ فكبريات المجموعات تدمر البيئة بوسائل متجاوزة للحدود ، وهي تستخلص الأرباح من ثروات الطبيعة التي هي ملك مشترك للإنسانية ، وهي تفعل ذلك بدون رادع و لا فرامل ، ويصاحب ذلك أيضا بجرائم مالية مرتبطة بأوساط الأعمال وكبريات الأبناك التي تدر مبالغ تتجاوز 1000 مليار دولار سنويا ، أي أكثر من الناتج الوطني الخام لثلث الإنسانية.

إن التبضيع المعمم للكلمات والأشياء ، للأجساد والأرواح ، للطبيعة والثقافة ، يحدث تعميقا للفوارق؛ فنحن نعرف أن الهوة التي تفصل الأغنياء عن الفقراء تم حفرها خلال عشريتي اللبرالية الفائقة ( 1979 ـ 1999 ) ، لكن كيف يمكن تصور هوة سحيقة كهاته ؟ .. عندما نعلم أن 3 أشخاص من الأكثر غنى في العالم يمتلكون ثروة تفوق حصيلة النتاجات الداخلية الخام PIB (1)  في 48 بلدا من البلدان الأكثر فقرا، أي ربع مجوع الدول في العالم. . .

إننا تكتشف أيضا أنه إذا كان ” لدى 20% من سكان العالم الذين يعيشون في البلدان الأكثر غنى سنة 1960 عائد أكبر ب 30 ضعفا من عائد 20% من السكان الأكثر فقرا ، وأن هذا العائد كان سنة 1995 أكبر ب 82 ضعفا (2) ” ، فإن العائد حسب كل ساكن في أكثر من 70 بلدا هو أقل مما كان عليه قبل 20 سنة .. . وأن قرابة 3 مليار شخص على مستوى البسيطة ـ أي نصف البشرية ـ يعيشون بأقل من 10 فرنكات يوميا.

لقد بلغ تعاظم الخيرات مستويات غير مسبوقة ، لمن عدد أولئك الذين لا سقف لهم و لا شغل و لا ما يكفي من الطعام يتعاظم دون توقف. وهكذا ، فمن بين 4,5 مليار نسمة التي تضمها البلدان المتخلفة، نجد أن ثلثهم يفتقد الماءالشروب وخمس الأطفال لا يلتهمون ما يكفي من الحراريات والبروتينات ، وملياران من الأفراد ـ ثلث البشرية ـ يعانون من مرض فقر الدم.

فهل هذه الوضعية قضاء وقدر ؟ .. لا ؛ لأنه يكفي ـ حسب الأمم المتحدة ـ اقتطاع أقل من 4% من الثروات المراكمة لدى أصحاب أكبر وأضخم ثروات العالم المقدرة ب 225 ثروة ، حتى يتم إشباع حاجات كل سكان الأرض من الغذاء والماء الشروب والتعليم والصحة. إن التوصل إلى الإرضاء الكوني للحاجات الصحية والغذائية الأساسية لن يكلف سوى 13 مليارا من الدولارات ، أي بالكاد ما يصرفه سكان الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي سنويا في مجال استهلاك العطور . . .

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي احتفلنا في ديسمبر 1998 بذكراه الخمسينية يؤكد ما يلي : ” لكل شخص الحق في عيش كريم يضمن صحته ورفاهيته وكذا صحة ورفاهية عائلته ، وخاصة التغذية واللباس والسكن والعلاجات الطبية، وأيضا الخدمات الاجتماعية الضرورية”، إلا أن هذه الحقوق أضحت حقوقا يعسر تحقيقها والوصول إليها في أعين الجزء الأعظم من البشرية.

لنتناول على سبيل المثال مثال التغذية، إن الغذاء غير مفتقد ؛ فلم يسبق للمواد الغذائية أبدا أن كانت بهذه الوفرة ، وهي من شانها أن تمكن كل فرد من 6 مليار نسمة على وجه البسيطة من أن يضمن على الأقل 2700 سعرة حرارية يوميا ، إلا أنه لا يكفي إنتاج المواد الغذائية ، إذ يجب أن تتمكن الجماعات الإنسانية التي هي في حاجة إليها من شرائها واستهلاكها ، وهو ما هو غير متحقق بالفعل، لأن 300 مليونا من الأفراد يموتون سنويا بسبب الجوع ، وأكثر من 7800 مليونا يعانون من سوء التغذية المزمن.

وهنا أيضا ليس هناك ما لا يمكن تفاديه . إن الإفلاسات المناخية هي في الغالب حالات متوقعة ، وعندما يكون بإمكان منظمات إنسانية أن تتدخل ، فإن منظمات مثل [ حركة مناهضة الجوع ] يمكنها أن تقضي على مجاعة ناشئة خلال بضعة أسابيع. ومع ذلك ، فغن المجاعة تستمر في القضاء على ساكنات بأكملها.

لماذا ؟ .. لأن الجوع تحول إلى سلاح سياسي كما كتب سيلفي برونيل يقول : ” لم تعد الشعوب العدوة ، والشعوب التي هي برسم الغزو هي الشعوب الجائعة ، وإنما هم السكان الذين ينتمي إليهم أولئك الذين يريدون ـ لمصلحتهم الخاصة ـ أن يتحايلوا على هذه الصراعات الجديدة ، التي هي كشافات ضوئية إعلامية مع لوازمها وانطلاق للرأفة العالمية من عقالها، كما أنها منبع لا ينضب للمال والغذاء ومنصات عمومية لعرض مطالبهم “. (3)

إن مسؤولين حكوميين أو زعماء حرب بالصومال ، بالسودان ، بليبريا ، بسيراليون، بكوريا الشمالية أو ببيرمانيا يأسرون الأبرياء ويجوعونهم بغرض تحقيق مراميهم السياسية ، وأخيرا ، فقد أصبح دور المناخ في الجماعات الكبرى دورا هامشيا ، إذ أن الإنسان منذ اليوم هو الذي غدا يجوع الإنسان وليس المناخ.

إن البروفيسور أمارتيا سن ، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1998 ، والمعروف بأعماله التي يبين فيها كيف يمكن لسياسات بعض الحكومات أن تتسبب في المجاعة حتى عندما تكون المنتجات الغذائية متوفرة ، يؤكد ما يلي : ” إن إحدى الوقائع الكبرى في تاريخ المجاعة المرعب تتمثل في أنه لم تحدث أبدا أية مجاعة خطيرة في أي بلد يتوفر على صيغة ديمقراطية للحكم وصحافة حرة نسبيا ” (4)  . وفي سياق معارضته للأطروحات الليبرالية الجديدة ، يعتبر السيد سن أنه يجب أن تسند للدولة وليس للسوق مسؤولية كبرى في مجال النهوض بالعيش الكريم وتوفيره لجميع أفراد المجتمع. ومع ذلك ، وفي لحظتنا الراهنة ، فإن البنيات الدولتية ، كما هو الحال بالنسبة للبنيات الاجتماعية التقليدية ، هي بنيات تم هزمها والتشطيب عليها بصورة مفجعة؛ فالدول تنهار في كل مكان تقريبا ببلدان الجنوب ، ومناطق السيبة والكيانات السديمية غير المحكومة تتطور مفلتة بذلك من أية مشروعية ومعاودة الإغراق في حالة الهمجية التي لا يستطيع أن يفرض القانون في إكارها إلا جماعات النهابين عبر فرض الإتاوات على السكان المدنيين، كما أن مخاطر من نوع جديد بدأت تظهر : الجريمة المنظمة ـ الشبكات المافيوزية ـ المضاربة المالية ـ الفساد الأكبر ـ انتشار أوبئة جديدة ( السيدا ـ إيبولا ـ كروزفيلد جاكوب . . الخ ) ـ أنواع حادة من التلوث وأشكال من التعصب الديني والعرقي ـ ظاهرة الاحتباس الحراري ـ التصحر وانتشار الأسلحة النووية . . . الخ.

وفي الوقت الذي يبدو فيه أن الحرية والديمقراطية قد انتصرا في عالم تخلص إلى حد كبير من الأنظمة السلطوية ، فإن أشكالا من الحظر والتلعيب بصيغ متعددة ومتنوعة تعود لتطفو على السطح من جديد بقوة ؛ أشكال جديدة ومغرية من ” أفيون الجماهير ” تقترح ضربا من ” أفضل العوالم ” التي تروح عن المواطنين وتحاول أن تصدهم عن النشاط الحقوقي والمطلبي. في عصر الاستلاب الجديد هذا ، وفي لحظة الثقافة العالمية و ” الثقافة الشمولية ” والرسائل الكونية ، تلعب تكنولوجيات الاتصال أكثر من أي وقت مضى دورا إيديولوجيا مركزيا من أجل تمليس الفكر وتسطيحه ، وكل هذه التغيرات السريعة والعنيفة تصيب الحكام السياسيين بالدوخة والاضطراب ؛ فهم في غالبيتهم يشعرون بأنهم فوجئوا بعولمة تغير قواعد اللعب وتجعلهم عاجزين جزئيا ، وذلك لأن أسياد العالم الحقيقيين ليسوا هم أولئك الذين يتحكمون في مظاهر السلطة السياسية وما يظهر منها على السطح.

وهذا هو السبب في أن المواطنين يضاعفون حالات التعبئة ضد السلط الجديدة كما رأينا ذلك في بداية دجنبر 1999 بمناسبة قمة المنظمة العالمية للتجارة OMC بسياتل. إنهم يظلون مقتنعين بأن هدف العولمة في العمق ، في غبش الألفية الجديدة هاته ، هو تدمير ما هو جماعي ، والاستحواذ عن طريق السوق والقطاع الخاص على المجال العمومي والاجتماعي . . . .  وقد قرر هؤلاء المواطنون أن يتصدوا لذلك.

هوامش :

(1)     قيمة مجمل الإنتاج ( خيرات وخدمات ) في  بلد ما .

(2)    التقرير العالمي حول التنمية البشرية 1998 ، برنامج الأمم المتحدة من أجل التنمية PNUD ، نيويورك ـ شتنبر 1998 .

(3)    إقرأ سيلفي برونيل وجان لوك بؤدان ” جغرافية الجوع السياسية ، عندما يتحول الجوع إلى سلاح ” [ التقرير السنوي لحركة مناهضة الجوع ] 998 PUF .

(4)    إيل باييس ، مدريد ، 16 أكتوبر 1998 .

الطفرة العالمية

9 مايو 2008

 

الطفرة العالمية

 

بقلم : إغناسيو راموني

لوموند ديبلوماتيك ـ عدد أكتوبر 1997 .

 

في أكتوبر 1919 كانت عشرة أيام كافية للثورة البولشفية كي “تزعزع العالم” ، وللمرة الأولى تم الإيقاف المطول زمنيا للعجلة الرأسمالية الساحقة.

لقد سبق تنشيط نمو وانطلاق الرأسمالية بفضل أعمال كبار المنظرين ( آدم سميث ـ دافيد ريكاردو ) ، وبفضل أشكال حاسمة من التقدم التكنولوجي ( الآلة البخارية ـ خط السكك الحديدية ) ،وكذا بفعل الاضطرابات والقلاقل الجيوبوليتيكية ( الإمبراطورية البريطانية ـ النهضة الألمانية ـ قوة الولايات المتحدة ). كل هذه العوامل كانت قد أفرزت الثورة الرأسمالية الأولى التي مكنت من توسع هائل ، لكنه طاحن للإنسان كما شهد بذلك كل من شارلزديكنز ، إميل زولا وجاك لندن.

فكيف يمكن إذن استخلاص الربح جماعيا من الغنى الهائل الذي نجم عن التصنيع مع تفادي انسحاق المواطنين ؟ ..ذلك هو السؤال الذي سيجيب عنه ماركس من خلال إنجازه الأساسي ” الرأسمال ” ( 1876 ) . وكان يتوجب الانتظار خمسين سنة بعد ذلك حتى يظهر استراتيجي عبقري هو لينين ويستطيع الاستيلاء على السلطة بروسيا في خضم آمال ذات ملامح مسيحية بتحرير  ” بروليتاريا كل البلدان “.

ثمانون سنة بعد ذلك انهار الاتحاد السوفياتي وشهد العالم طفرة أخرى جديدة بمستطاعنا تسميتها الثورة الرأسمالية الثانية. وقد نجمت هذه الثورة ، كما هو شأن الثورة الأولى ، عن حزمة من المعلومات حصلت في ثلاثة حقول أساسية.

في المقام الأول ، في مجال التكنولوجيا ؛ فأعلمة ( من الإعلاميات ) كل قطاعات النشاط ، وكذا ولوج فضاءالترقيم ( إذ الصوت والصورة والنصوص أصبحت تبث منذ الآن بسرعة الضوء وبتوسط سنن وحيد code زعزع عالم الشغل والتربية وأوقات الفراغ . . . الخ.

في المقام الثاني ، في المجال الاقتصادي ؛ فالتكنولوجيا الجديدة تشجع توسع النشاط المالي ، إنها تنمي المناشط الحائزة لأربع حاصيات : خاصية الانتشار على مستوى مجموع البسيطة ، خاصية الدوام ، وخاصية كونها فورية و لا مادية. إن ” البيغ بونغ ـ الانفجار الأعظم ” للبورصات والتحرير المتبع في الثمانينيات من طرف السيدة مارغريت تاتشر والسيد رونالد ريغان مكن من عولمة الاقتصاد التي شكلت الدينامية المركزية في نهاية القرن ، تلك الدينامية التي ليس بمستطاع بلد كيفما كان أن يفلت من تأثيراتها.

في المقام الثالث ، في المجال السوسيولوجي ؛ فالاضطرابان السابقان جعلا الامتيازات التقليدية للدولة / الأمة في وضع لا تحسد عليه ، كما جعلا تصورا معينا للتمثيلية السياسية وللسلطة يصاب بالإفلاس ، فهذه السلطة التراتبية ، العمودية والسلطوية أمس بدت أكثر فأكثر منبنية في شبكات أفقية وإجماعية ، بفعل التحكم في الألباب الذي توفره وسائل الإعلام الجماهيرية.

بافتقاد المجتمعات للبوصلة الهادية أمست تبحث دون أمل أو رجاء عن معنى وعن نماذج ، وذلك لأن هذه التغيرات الكبرى حصلت بشكل متآن ضاعف من تأثيرات وهول الصدمة.

وفي نفسا الآن تم تعويض أساسيين من الأسس التي نهضت عليها الديمقراطيات المعاصرة ـ التقدم والماسك الاجتماعيان ـ بأساسين آخرين هما ـ الاتصال والسوق ـ اللذين غيرا طبيعة هذه الديمقراطيات.

إن الاتصال ، باعتباره أول خرافة زمنية ، تم اقتراحه علينا باعتباره كفيلا بحل كل المشاكل ، وبالخصوص النزاعات والإشكالات بداخل الأسر والمدارس ، في المقاولة أو الدولة، فالاتصال سيكون أكبر عامل للمسالمة والسلم . إلا أننا بدأنا نشك في أن وفرته وغزارته ذاتها تتسبب في إنتاج صور جديدة من الاستلاب ، وفي أنه بدلا من أن يحرر الفكر يسجنه ويعتقله بفعل ضروب المبالغة فيه.

إن للسوق منذ الآن نزوعا نحو أن تفيض على كل النشاطات الإنسانية وتشكل عامل تقنينها. في السابق ظلت مجالات معينة كالثقافة والرياضة والدين خارج متناولها ، أما الآن ، فقد ابتلعت من طرف جبروتها . إن الحكومات تستسلم للسوق أكثر فأكثر ( بالتخلي عن قطاعات الدولة ، بالخوصصة ) ، في حين أن السوق هي العدو الأكبر للتماسك الاجتماعي ( والتماسك العالمي ) ، ذلك لأن منطقها يشتهي تقسيم المجتمع إلى فريقين اثنين : القادرون على الدفع وغير القادرين عليه ، وهؤلاء الأخيرون لم يعودوا يهمونها في شيء : إنهم حارج اللعبة . لذلك فغن السوق هي التي تفرز ذاتيا صنوف اللاعدل والظلم.

كل هذه التغيرات البنيوية والتصورية المطبقة منذ عقد من الزمن أنتجت انفجارا أصيلا للعالم ؛ فمفاهيم كمفهوم الجيوبوليتيك ومفهوم الدولة والسلطة والديمقراطية والحدود لم تعد لها أبدا نفس الدلالات ، إلى الحد الذي ، إذا ما عاينا الكيفية الحقيقية لاشتغال الحياة العالمية ، لاحظنا  أن هذه القطاعات قد تغيرت بعمق.

إن ممثلي أدوار البطولة الثلاث المركزية على مستوى البسيطة ( والذين كانوا يتمثلون في النبلاء والإكليروس ودول العالم الثالث ) أمسوا منذ الآن عبارة عن تجمعات للدول ( الاتحاد الأوربي ـ ألينا ـ ميركوسور ـ التجمع الآسيوي …الح ) ، مقاولات شمولية وكبريات مجموعات إعلامية أو مالية ، وكذا المنظمات غير الحكومية ONG ( ذات الصبغة والمدى العالميين ( منظمة السلام الأخضر ـ منظمة العفو الدولية ـ وورلد وايد لايف …الخ ) . إن هؤلاء الفاعلين الثلاثة يتحركون في إطار كوني متحكم فيه من طرف المنظمة العالمية للتجارة OMC أكثر مما هو متحكم فيه من قبل الأمم المتحدة ، هذه المنظمة العالمية للتجارة المعتمدة كحَكَم شمولي جديد ، وتلك علامة على العصر.

ليس للتصويت الديمقراطي أي تأثير على الاشتغال الداخلي لهذه القطاعات الجديدة الثلاث ، وقد برزت هذه الطفرة العالمية للوجود دون أن ننتبه لها أو أن نأخذ حذرنا منها ، ودون أن يكون المسؤولون السياسيون أنفسهم على وعي بها . فهل يستطيع المواطنون أن يظلوا دون رد فعل، في الوقت الذي يفرغ فيه كل هذا الذي يحدث الديمقراطية من المعنى ؟ ..             

السوق في مواجهة الدولة

9 مايو 2008


المجاعة في إفريقيا

السوق في مواجهة الدولة

بقلم : إغناسيو راموني

طريقة في النظرـ عدد 91 يناير ـ فبراير 2007

 

ما هي العولمة ؟ .. إنها المواجهة الكبرى والمركزية في عصرنا ؛ مواجهة السوق للدولة ، ومواجهة القطاع الخاص للخدمات العمومية ، والفرد للجماعة ، والأنانية لصيغ التضامن.

إن السوق تحاول بكل الوسائل توسيع مجال تدخلها على حساب الدولة ؛ وهذا هو السر في أن عمليات الخوصصة تتضاعف في كل مكان تقريبا ، إنها ليست بالفعل إلا عمليات تحويل لأجزاء من الملك العمومي ( مقاولات ـ خدمات )  من القطاع العام إلى القطاع الخاص ، وما كان مجانيا ( أو رخيص الكلفة ) وفي متناول كل المواطنين بدون استثناء أو تمييز ، أضحى حاليا مؤدى عنه وغالي الثمن. وقد طال هذا التراجع الاجتماعي الكبير الشرائح الأكثر تواضعا في المجتمع على الخصوص ، وذلك لأن الخدمات العمومية هي ملك عمومي لأولئك الذين ليست لهم أية أملاك.

العولمة أيضا هي تداخل وتعالق واعتماد متبادل يزداد مثانة في ما بين اقتصادات العديد من الدول عن طريق آليات التبادل التجاري ، وعمليات التصدير والاستيراد تتضاعف وتتزايد كثافتها بشكل منتظم ودائم. غير أن عولمة المبادلات تتعلق على الخصوص بالقطاع المالي ؛ وذلك لأن حرية تنقل الأموال هي كلية ، وهذا ما يجعل هذا القطاع مهيمنا بشكل كبير على العالم الاقتصادي.

إن الأشخاص الذين يتحكمون في نواصي الثروات يجدون أنفسهم في معرض رغبتهم في تنمية رؤوس أموالهم أمام إحدى البديلين التاليين : إما توظيف أموالهم بالبورصة ( في أية بورصة في العالم ، ما دامت الرساميل تتحرك في مجموع العالم بدون حواجز أو عراقيل) ، وإما توظيفها في مشروع صناعي ( إنشاء معمل لصناعة منتجات الاستهلاك ) . في الحالة الثانية تتراوح المردودية المتوسطة ما بين 6% و 8 % بأوربا ، وبالمقابل ، أي في الحالة الأولى ( حالة البورصة ) ، فإن المردودية يمكن أن تلامس مستويات أعلى ( في فرنسا سنة 2006 حققت أسواق البورصة ارتفاعا بـ17,5 % ، وبألمانيا بـ 22 % وبإسبانيا بـ 33,6 % ) .

أمام هذه الفوارق الشاسعة ، لم يعد أصحاب رؤوس الأموال منذ الآن يقبلون استثمار أموالهم في الصناعة ( وهو مجال خلق فرص الشغل ) إلا بشرط واحد وهو أن يضمن هذا الاستثمار مردودية تقارب 15% سنويا .

بيد أننا رأينا أن المردودية المتوسطة لهذا النوع من الاستثمار بأوربا تتراوح ما بين 6 و 8 % . فما العمل إذن ؟ .. إنه بكل بساطة الاستثمار في الصين أو التايلاند على سبيل المثال ، وهي الدول التي يمكن ، بالنظر لرخص كلفة اليد العاملة بها ، أن تضمن مردودا يمكن أن يقارب أو يتجاوز 15 % ، وهذا هو السر في كون عديد من الاستثمارات تتم اليوم بالصين على الخصوص .

وما دام أن غاية هذا التصرف تتمثل في إنتاج مواد بكلفة رخيصة بالبلدان الفقيرة من أجل بيعها بأسعار مرتفعة في الدول الغنية ، فإنه يؤدي إلى شلال من المنتجات المستوردة من البلدان / المصانع كي تباع على سبيل المثال بأوربا. وهنا ، فإنها تنافس بشكل غير شريف البضائع المنتجة بالقارة العجوز ذات اليد العاملة الغالية الكلفة ، وذلك لأن حقوق العمال الاجتماعية بها ـ لحسن الحظ ـ هي ذات أهمية كبيرة.النتيجة هي أن المقاولات الأوربية تفلس ، وتضطر العديد من المصانع لوضع المفتاح تحت الباب وتسريح مأجوريها.

 ومن ثمة فإن بعض الباطرونات يضطرون ، ضمانا للبقاء ، إلى اختيار ” تهجير ” أعمالهم ، أي تحويل مراكزهم الإنتاجية نحو بلدان تتواجد بها يد عاملة رخيصة ، وهو ما يترجم أيضا هنا بإغلاق المصانع وتفشي البطالة .

إن العولمة تتصرف هكذا كآلية للفرز الدائم تحت تأثير التنافسية المعممة ، فهناك تنافس في ما بين الرأسمال والشغل ، وبالنظر إلى أن الرساميل تتحرك بحرية مطلقة ، في حين أن الأشخاص هم أقل حركية من ذلك بكثير ، فالنتيجة هي أن الرساميل هي التي تنتصر وتفوز في نهاية المطاف.

وكما كانت كبريات الأبناك تملي في القرن 19 على العديد من الدول توجهاتها ، أو كما كانت المقاولات المتعددة الجنسيات تفعل ذلك أيضا في ما بين الستينيات والثمانينيات ، فإن الصناديق الخاصة لدى الأسواق المالية تمسك منذ الآن بمصائر العديد من البلدان ، وبمعنى ما أو في مستوى ما ، بالمصير الاقتصادي للعالم .

إن الأسواق المالية هي في مستوى إملاء قوانينها على الدول ، وفي هذا المشهد السياسي ـ الاقتصادي الجديد ، فإن الشمولي ينتصر على الوطني ، والمقاولة الخاصة على الدولة . إنه لم تعد هنالك تقريبا أية عملية إعادة توزيع ، والفاعل الوحيد في التنمية ـ كما يقال لنا ـ هو المقاولة الخاصة ، التي يعترف لها وحدها بأنها تنافسية على المستوى الدولي ، وإذن ، فهي الوحيدة ـ كما يتم تأكيد ذلك لنا ـ التي يجب أن يعاد انتظام الكل حولها.

في الاقتصاد المعولم ، لا يشكل الرأسمال و لا الشغل و لا المواد الأولية في ذاتها العامل الاقتصادي المحدد والحاسم ، إذ المهم هو العلاقة الإيجابية بين هذه العوامل الثلاثة . ولإيجاد هذه العلاقة ، لا تأخذ المقاولة في حسبانها لا الحدود و لا التقنينات ، وإنما فقط الاستغلال الأكثر ربحية للمعلومة ولتنظيم الشغل وتثوير عملية التدبير. وهذا يؤدي في الغالب إلى تحطم وانكسار صيغ التضامن بداخل البلد الواحد ، ونصل إلى حالة طلاق وشرخ في ما بين مصلحة المقاولة ومصلحة المجموعة الوطنية ، في ما بين منطق السوق ومنطق الديمقراطية .

الشركات الشمولية لا تشعر أبدا بأنها معنية بهذا الشرخ ، فهي تنتج وتبيع منتجاتها في العالم بأجمعه ، وتتحدث عن خاصيتها الفوق وطنية التي تمكنها من التصرف بحرية أكبر ، ما دام ليس هناك مؤسسات دولية ذات صبغة سياسية ، اقتصادية أو قانونية ، من شأنها أن تقنن سلوكها بصورة تتسم بالفعالية.

إن العولمة تشكل إذن قطيعة  اقتصادية وسياسية وثقافية هائلة ، إنها تخضع المواطنين لأمر واحد ووحيد يقول : ” عليكم بالتكيف ” واقتلاع كل إرادة فيكم من أجل الخضوع بشكل أفضل للتعليمات المجهولة لدى الأسواق . إنها تشكل المآل الأخير للنزعة الاقتصادية : أي بناء إنسان ” عالمي ” مفرغ من الثقافة ومن الإحساس والوعي بالآخر ، وفرض الإيديولوجيا النيوليبرالية على العالمين.