أرشيف ‘فلسفة’ التصنيف

15 سبتمبر 2009

free counters

العلم

17 يناير 2009

مــا هـــو الـــعلـــم ؟ ..

العلم نشاط خاص لم تكن له على الدوام ، لا القوة ، و لا الانتشار اللذين يعرف بهما اليوم . جغرافيا ، ظهر العلم في حوض البحر الأبيض لمتوسط وأوربا الغربية ، ولم يمتد إلى أجزاء الكرة الأرضية الأخرى إلا مؤخرا ( القرن 19 ) وبشكل لا متكافئ . تاريخيا ، نستطيع القول إن له عقدين للميلاد : فقد ظهر أولا ، وبشكل خاص ، على شكل رياضيات ومنطق وعلم فلك ، وذلك منذ القديم . هذه العلوم ـ التي ذهبت بها شعوب معينة بالحوض المتوسطي إلى درجة من الاكتمال مبهرة ـ كانت علوما تأملية خالصة ، بمعنى أنه في مجتمع كمجتمع أثينا ـ مثلا ـ لم يكن لهذه العلوم أي ميل لخدمة أي تقدم تقني ، بل كانت وظيفتها ، الترويح عن النفس ، وتثقيف المواطنين العاطلين عن العمل بإعطائهم تصورا عن العالم . وقد ظهر العلم بعد ذلك في القرن 17 في أوربا الغربية في خضم منافسة مع النسق التجاري ، ولكن بشكل أكثر مغايرة هذه المرة للسابق : حيث ، وباعتباره ظل أبعد ما يكون عن الصبغة التأملية ، فقد حاول ، ما في وسعه ، لتحصيل المعارف المشبعة للحاجات العملية . وهذا هو السبب في كون العلوم المنحدرة من هذا المهد الثاني ، تختلف جذريا ، من حيث موضوعاتها ومناهجها ، عن العلوم التأملية الخالصة : إنها ستحاول معرفة العالم المشخص الفيزيقي ( في القرن 17 كانت ” الفيزياء ” تعني كل علوم الطبيعة ) ، وستطبق المنهج التجريبي لإنجاز هذه المهمة . و لا يتعلق الأمر مطلقـــا ، وبطبيعة الحال ، بادعاء أن كل الأبحاث كانت لها غايات عملية ، و لا أن كل الاكتشافات أمكن استيعابها كاكتشافات مشتقة من من الحاجات التكنولوجية . ومع ذلك فإن العلم المولود في القرن 16 لم يبق متجاهلا من طرف عقول خالصة ، وفر لها استعباد الآخرين فرص التفلسف مجانا ، ولكنه أصبح علما شكّل موضوع اهتمام البورجوازيين أو التجار الذين ، مع أنهم لم يمارسوه بأنفسهم بل تركوا أمره للاختصاصيين ، فإنهم حلموا بتملك العالم بواسطته ، كما باشروا ذلك فعليا عن طريق نشاطهم الاقتصادي . وكما بشر بذلك ديكارت ، فإن العلم ، منذ ذلك الحين ، استهدف ” جعلنا أسيادا متملكين للطبيعة ” . ولكن تجديد العلم في القرن 17 لم يفعل سوى أنه فتح أمام العلم قارة أخرى : قارة ” الفيزياء ” ، وساهم أيضا بالتدريج ، وبروح نفعية ، في استخدام العلوم القديمة التأملية من رياضيات ومنطق في دراسة الطبيعة . وهذا هو السبب في أننا عندما نتكلم اليوم عن العلم المعاصر ، فإننا نتجاهل مكتسبات العلم القديم وعلوم القرون الوسطى ، التي لا يمكن اعتبارها مكتسبات بدون معنى، لكي نشير ونعني بشكل جوهري العلم الأمبريقي أو التجريبي ، هذان النعتان اللذان يشيران في نفس الآن للموضوع ( الطبيعة ) وللمنهج ( الاختبار التجريبي ) العلميين (1).
إن العلم معرفة موضوعية تنشئ بين الظواهر علاقات كلية وضرورية تسمح بالتنبؤ بالنتائج ( المعلولات ) التي نحن قادرون على التحكم فيها تجريبيا ، أو تحديد سببها عن طريق الملاحظة . لنوضح حدود هذا التعريف :
1 ] إن العلم معرفة : من زاوية النظر الوحيدة هاته ، يماثل العلم ما نسميه : المعرفة الأمبريقية ، بمعنى المعرفة المؤسسة على التجربة الفورية التي هي غالبا خاطئة ( النار تحرق ـ الصوف يحتفظ بالحرارة ..الخ ) ، والمعرفة التقنية ( فن صناعة البواخر ـ والنار ..الخ ) . غير أن المقارنة تتوقف عند هذا الحد : إذ المعرفة الأمبريقية وكذا المعرفة التقنية تتحددان بواسطة الحاجات الفورية التي تستجيبان لها ( أتعرف على النجوم من أجل أن ترشدني ـ أسوق سيارتي لغرض التنقل … الخ ) ، في حين لم تكن للمعرفة العلمية أبدا ، وبمعنى معين ، تطبيقات فورية : إنها بالفعل إجراء ثقافي وفكري خالـص ، ولو أنها أُنشئت لغاية تطبيقات عملية محددة . لقد استطاع علماء معينون ـ مثلا ـ دراسة علم القذائف بغية تحسين مردودية قطع المدفعية ، إلا أنهم كانوا مطالبين باستخلاص قوانين عامة صالحة بالنسبة لجميع الأجسام المقذوفة . وقد استُخدمت هذه القوانين في ما بعد من طرف رجال المدفعية ، ولكن ، أيضا ، من طرف الصناع ، وحديثا من طرف المهتمين بإطلاق المكبات الفضائية إننا نجد أن العلم ، وربما كان ذلك هو السبب الأقوى لميلاده في المجتمع التجاري ، يفترض تقسيما للعمل : إنه يتعارض مع المعرفتين الأمبريقية والتقنية في أن الإجراءات الفكرية الخالصة وكذا المادية الخالصة مفصولتان عن بعضهما في العلم والتقنية ، كما أن الأشخاص القائمين بهذه الإجراءات هم أنفسهم منفصلون عن بعضهم البعض ومقسمون إلى علماء وتقنيين .
2 ] إن المعرفة العلمية معرفة موضوعية أو تنزع نحو الموضوعية : فهي تتمثل في قضايا ( قوانين ) و/أو أنسقة من القضايا ( نظريات ) هي مطالبة ، وفي الآن نفسه ، بالاستجابة لمعايير الصلاحية ( التماسك المنطقي الداخلي لقضية أو نسق من القضايا ) ولمعايير الحقيقة ( التطابق بين القضية والوقائع ) . وهذان النوعان من المعايير ( خاصة المعايير الثانية ) مستقلان أو يحاولان الاستقلال عن كل تقدير ذاتي . هكذا يلغي العلم ، لا فقط قضايا اللغة الدارجة أو الشعرية التي تتضمن تناقضا داخليا ( ” هذا التلميذ متوسط الذكاء لأنه ينتمي إلى وسط متواضع ـ متوسط ـ ” أو ” الأرض زرقاء كبرتقالـة ” ) ، بل أيضا القضايا المتناقضة مع أخرى ( ” الشمس هي مركز الكون وهي لا تتحرك ” هي قضية غير متسقة مع القضية التالية : ” الشمس تدور حول الأرض ” ) ، بل وأيضا حتى القضايا التي تم تكذيبها بواسطة التجربة أو الملاحظة ( ” الطبيعة تخشى الفراغ ” هي قضية تم تكذيبها عن طريق التجربة ) . وبإرضاء هذين الشرطين يستطيع العلم أن يدعي الموضوعية والحصول على موافقة ( إجماع ) الجماعة العلمية ( المجتمع ) . ثم ، بمقدار ما يتشرب العلمُ الجسد الاجتماعي ( بواسطة مجموع الأنسقة والأنظمة التربوية ) للمجتمع بأكمله . وهذه الملاحظة الأخيرة تبين أن الموضوعية لا تحصلها المعرفة العلمية بشكل فوري ومباشرة ، لأنها مسألة يمكن امتلاكها بالتدريج ، نتيجة التعديل المتعاقب للأخطاء ، والتدقيق والإرهاف المستمرين للنظريات . فالعلم يترك دائما في بعض الجهات مناطق تشكل غنيمة سهلة للذاتية : ليست الموضوعية ، إذن ، محمولا جوهريا (2) للمعرفة العلمية ، إنها بمعنى ما ، النواة الصلبة للعلم ، وهي متأتية من محيط معين من الاحتمال والارتياب … الخ : إنها لا تنتمي إلى ما هو كائن ، لأنها من صنف ما يصير ويكون .
سمة مميزة أخرى تضع العلم في حال تعارض مع الحس المشترك ( المعرفة العامية ) تتمثل في كونه يستخدم مفاهيم وحيدة المعنى ، تجعل من المعرفة العلمية معرفة موضوعية : فبتعارض المفاهيم العلمية ، بهذا الخصوص ، مع المفاهيم اللسانية ( مفاهيم اللغة المتداولة ) تتميز بكونها ليس لها ، أو تحاول أن لا يكون لها إلا معنى واحدا محددا من طرف العالــم ، وذلك لتغطية مجموع من الظواهر أو العلاقات ، في حين أن المفاهيم اللسانية ملتبسة بطبيعتها : فهي تغطي عدة مجموعات من الظواهر ، وهي معرضة لانزلاق المعاني وللتشوهات مثلا ، أو لترابط غير لائق للأفكار . إن مفهوم العطالة مثلا في اللغة العلمية يشير إلى خاصية تنسحب على كل الأجسام الصلبة ، وعليها وحدها فقط ، وحسب هذا المفهوم فإن جسما متروكا لحاله يظل في حالة اللاحركة ، أو في حالة حركة دائمة ما دام لم يتعرض لأي شيء يغير حركته . وبالعكس من ذلك في اللغة المتداولة ، تُتمثل العطالة باعتبارها غيابا للحركة ، أو كمقاومة لها ( قوة العطالة ) ، كما يمكن سحب هذا المفهوم على الأجسام والأرواح معا ، إلى حد أنه يتحول أحيانا إلى مرادف للجمود والبلادة . نرى بوضوح إذن أنه لا يمكننا إقامة أية معرفة موضوعية انطلاقا من التصور اللساني للعطالة ، وذلك لأنه ليست هنالك أية علاقة مشتركة بين عطالة الفتاة الشابة المغمى عليها ، وعطالة السيد ” دوبون ” الذي يرفض مغادرة كرسيه لممارسة عملية غسل الأطباق المنزلية ، أو العطالة الاجتماعية التي تمنع النواب الجيسكارديين من القيام بالإصلاحات الضرورية . إن المفهوم العلمي ، بالعكس من ذلك ، لا يسمح بأي شيء على الأقل خلا بناء كل الميكانيكا المتعلقة بالأجسام الصلبة .
3 ] يدرس العلم الظواهر : و لا نعني بهذا اللفظ الأشياء أو الوقائع التي يستطيع أي إنسان ملاحظتها في ما حوله ، بل نعني به الأشياء أو الوقائع المحددة ، والمنتقاة ، والمصنوعة من طرف العلماء . فالكيمياء ، على سبيل المثال ، لا تدرس ماء الحنفية أو ماء سيدي حرازم ، بل تدرس مركبا كيميائيا H2O ، والفيزيائي الذي يريد تبديه قانون السقوط الحر للأجسام لا يهتم بالانتحار والسقوط من النافذة ( بالنسبة للأشخاص ) ، وذلك لكي يحصر اهتمامه وانتباهه في دراسة كويرة معدنية تتدحرج فوق سطح مائل ، في الوقت الذي يدرس فيه عالم الطيور سلوك العصافير المحصية والمفهرسة قبليا ، والمصنفة حسب معايير مورفولوجية وإيكولوجية … الخ .
4 ] يقيم العلم علاقات كلية وضرورية : وبذلك يتجاهل الحالات الخاصة والجزئية ، و لا يهتم إلا بالظواهر التي تحدث دائما في ظروف محددة . إن العلاقات المقامة بين حدوث الظواهر والشروط والأسباب التي تؤدي إلى حدوثها هي ضرورية بمعنى أن الظاهرة لا يمكن أن لا تحدث عندما تجتمع وتتوفر شروط حدوثها . والعلاقات المستخلصة بهذه الصورة تحمل صفة ” قانون ” . وسنرى في ما بعد أن قوانين علمية معينة هي قوانين وصفية خالصة ، في حين أن قوانين أخرى هي قوانين سببية .تنبؤ العرافة
5 ] يمكِّن العلم من التنبؤ انطلاقا من القوانين التي ينشئها : وهنا يجب أن نميز بوضوح بين نشاطات وإمكانيات العلم في مجال التنبؤ ونبوءات وتكهنات العرافين الممارسة بكل أصنافها من طرف بائعي الأوهام والدجالين . إن التنبؤ العلمي هو في نفس الآن أكثر فعالية وأكبر محدودية من تنبؤ أو فراسة العرافة : فالتنبؤ يفترض بالفعل التحكم الكامل في سيرورة ما ، بمعنى معرفة سبب ما وتأثير ما ، و نتيجة لذلك تتوفر لهذه المعرفة ميزة مطلقة . على سبيل المثال يمكن التنبؤ وبدقة لامتناهية بحالات الخسوف كما هو الشأن بالنسبة لمسارات المركبات الفضائية . وإذا كانت التنبؤات المناخية ( الأرصاد الجوية ) ـ والتي ليست بالسوء الذي يزعمه البعض ـ لا تضمن في شيء الحالة الجوية المثلى ( المتنبئ بها ) لعطلنا الأسبوعية أو الكبرى ، فإن مرد ذلك فقط إلى التعقد والتفاعل بين الظواهر التي لا نعرفها بشكل جيد دائما ، وإلى صعوبة ملاحظتها بالامتداد والاتساع الضروريين . وبالمقابل ، يتميز التنبؤ أو التكهن المبني على التنجيم أو على قراءة فنجان القهوة بعدم فعاليته كليا ، لأنه لا يقيم أية علاقة ضرورية بين سبب ونتيجة . وإذا كان مدى التكهن لا نهائيا ( حيث نستطيع التكهن بموت أحد السياسيين بشكل أفضل من التكهن بزواج نجمة من نجوم الطرب ) فإن الثقة التي نضعها في هذا التكهن تساوي صفرا .
وهكذا فإن العلم ـ بفضل موضوعيته ، وبفضل الضرورة المطلقة للعلاقات التي يقيمها ، والتنبؤات التي يقوم بها ، وأيضا بفضل التواضع والحذر المصاحبين لكل قضية من قضاياه ـ هو معرفة من طبيعة أخرى مغايرة لطبائع أنواع المعارف الأخرى ، صحيحة كانت أم خاطئة .

1 ـ خصائص المعرفة العلمية :
ـ العلم والرأي : [ بادئ الرأي ] .

ليس العلم معرفة مختلفة عن تلك التي يمدنا بها الرأي فقط ( أو المعرفة العامية ) ، ولكنه لا يمكن أن يوجد أيضا ، كما أوضح ذلك وبقوة جاستون باشلار في جميع أعماله ، إلا بإحداثه قطيعة إبستمولوجية مع الرأي ؛ فالمعرفة العلمية مطالبة حتى تنتج معرفة إيجابية ، بإنكار شبه ـ معرفة سابقة ، وبالنسبة لباشلار فإن المعرفة العلمية هي دائما مفارقة [ رأي مغاير للرأي السائد ] تؤكد ذاتها ضد حكم مسبق .
هكذا لن ننزعج ، تبعا لإشكالية باشلار ، من أننا نتحاشى الطرح المغلوط للتعارض بين المعرفة العلمية والرأي الشخصي ( الإحساس ـ الذاتية ) ، والذي عودنا التقليد الفلسفي على حله باللجوء إلى ” ثياثيثوسنا ” أو إلى مقدمة أرسطو الكبرى ” لا علم إلا بما هو كلي ” ؛ إذ يتعلق الأمر هنا بإبستمولوجية طفولية تختزل رادة المعرفة العلمية إلى العمومية ، إلى المفهوم ، بفصله عن إطاره المتمثل في العالم المحسوس ـ وهو ما يعتبر تعسفا ـ ؛ فتأسيسا على إبستمولوجيا مثل هاته لا يمكن لأي علم أن يتشكل ما عدا الرياضيات والمنطق ، ما دامت ترفض مفاهيم العلم الأمبريقي المعاصر : أي تلك المتعلقة بالكم والقياس ، فالثياثيثوس ـ مثلا ـ يقصي مستثنيا التيرموميتر ( مقياس الحرارة ) 0
وإذا كنا نريد تعريف العلم بالعلاقة مع الرأي فعلا ، فيجب أن نمنح لهذا الأخير لا معنى الفكرة الشخصية الذاتية ، بل بالعكس معنى الفكرة المتلقاة ؛ فليس للعلم ، أو لم يعد من مهامه الصراع ضد المعيش ، بل هو مطالب بالمصارعة الدائمة وغير المهادنة للإيديولوجيا .
في أي شيء إذن يختلف العلم عن بادئ الرأي المتمثل بهذا الشكل ؟ .. إن بادئ الرأي ، صادقا كان أم كاذبا ، لم يكن أبدا مُحفّزا إلا من طرف حاجة اجتماعية : فالفكرة القائلة بأنه في مناطق ساحلية معينة تجلب الرياح الغربية الأمطار والعواصف ، هي فكرة تستجيب لضرورة حيوية لدى الفلاحين للحفاظ على إنتاجيتهم الفلاحية ، ولدى البحارة لكي يعرفوا إن كان بإمكانهم الإبحار بدون مخاطر ، ونفس الشيء يذكر بالنسبة للفكرة القائلة بأن المحار البحري مهيج للشهوة الجنسيــة ، فهي فكرة ليس لها من معنى إلا ما تشهد به ـ على سبيل المثال ـ عدة لوحات لدى المجتمع الفلاماندي الراقي في القرن 17 حيث كان الاهتمام بالغا بالنتيجة الناشئة عن التهام هذه الرخويات أكثر من الاهتمام بالسيرورة التي تؤدي لهذه النتيجـــة . إن بادئ الرأي يبحث عن نتيجة ، عن معلول ، في الوقت الذي يقيم فيه العلم علاقة . ألم يكن باشلار إذن محقا في القول بأن بادئ الرأي لا يمكن أن يكون على صواب ، حتى ولو كان صائبا بالصدفة وانطلاقا من الوقائع ، ” إن بادئ الرأي هو بحق خاطئ دوما ” . إن العلم ينشغل ويحرص بالفعل على إضفاء المشروعية على أحكامه وإثباتاته بدون أن يهتم بنتائج وتأثيرات محتوياتها ، أما الرأي ، فهو على العكس ، لا يبالي بتفسير الظاهرة ولا يفعل سوى أن يقرر وجودهـــا ، و لا تهمه إلا المنفعة التي يمكنه أن يجنيها منها . سنرى في ما بعد أنه يمكن إيجاز التعارض بين العلم وبادئ الرأي في الكلمات التالية : يبحث العلم عن الأسباب الفاعلة في حين يتجه بادئ الرأي مباشرة صوب الأسباب الغائية .
وإذا كنا نريد تقدير وقياس أهمية القطيعة الإبستمولوجية التي يحدثها العلم ، فإننا نستطيع مساءلة أنفسنا عن معنى إصلاح النظام التربوي المسمى إصلاح ” هابي ” [ في فرنسا ] في ميدان التعليم العالي : فهذا الإصلاح ينزع ، في ميدان التعليم الابتدائي والإعدادي نحو إبدال الخبرات المعرفية العلمية ، المتهمة بأنها صعبة المنال ، متجهمة ،جافة ، وغير منفتحة على الحياة ، بمعارف يزعم أنها نافعة ( كما لو أن المعارف العلمية الحقة ليست كذلك ) ومباشرة ، كما ينزع نحو تعويض التفسير العلمي للظواهر بالخبرات العملية savoir faire . في هذا الميدان الذي يهمنا بالدرجة الأولى ، نتناول من جديد مشعل باشلار ، ولا نسمح للعلم بالتنازل لبادئ الرأي كي يستحوذ على الساحة التي استوطنها العلم بصبر وأناة .

جاستون باشلار

(1) الرأي بحق ، خاطئ دوما .

إن العلم في حاجته إلى الاكتمال ، كما في مبدئه ، يعارض بإطلاق الرأي . وإذا حدث له في نقطة معينة أن يجعل من الرأي موقفا مشروعا ، فذلك لغايات أخرى غير تلك التي تؤسس الرأي ، بشكل يجعل من الرأي دائما موقفا خاطئا . إن الرأي يفكر بشكل سيء ، بل إنه لا يفكر : إنه يترجم الحاجات العملية إلى معارف ، وبتحديده للأشياء انطلاقا من مردودها العملي يعوق ذاته عن معرفتها . لا يمكن أن نؤسس أي شيء على الرأي إذ يجب أولا تدميره ، فهو أول عائق يجب تجاوزه ، ولا يكفي مثلا تعديله في نقاط معينة ، والاحتفاظ به كشكل من الأخلاق المؤقـتة ، كمعرفة عامية مؤقتة . إن الروح العلمية تمنعنا من اتخاذ رأي حول مسائل لا نفهمها ولا نستطيع صياغتها بشكل واضح . يجب أن نعرف أولا وقبل كل شيء كيفية طرح المشاكل . ومهما قلنا عن الحياة العملية ، فإن المشاكل لا تطرح من تلقاء ذاتها ، وهذا المعنى بالضبط هو الذي يسم الروح العلمية الحقيقية ؛ فكل معرفة ـ بالنسبة للروح العلمية ـ هي جواب عن سؤال . وإذا لم يكن هنالك سؤال ، فلا يمكن أن تكون هنالك معرفة علمية . إذ لا شيء ينبثق من ذاته ، لا شيء معطى بذاته ، فكل شيء يبنى ” .
ك . باشلار : ” مكونات الروح العلمية ” .
فران 1967 ص : 14 .

لا يسجل العلم فقط ـ بالنسبة لباشلار ـ قطيعة مع بادئ الرأي في اللحظة التي يتكون فيها : إنها قطيعة أبدية دائمة ؛ ففكرة علمية ما تستطيع دائما أن تصير رأيا معقِّما متى ما تم إقرارها وتكريسها . لا يمكن ، إذن ، اعتبار تاريخ الفكر العلمي تاريخا لتطور مستمر متصل ( الأطروحة التي يساندها الإبستمولوجيون القائلون بالاتصال ) ، بل بالعكس ، تاريخا لثورة دائمة تبرز خلالها أفكار مناقضة لأفكار أخرى ، ووقائع مناقضة لوقائع أخرى … الخ . وتحدد هذه ” الجدلية ” الأبدية الحركة الذاتية للعلم المتمثلة في تعديل دائم للأفكار بواسطة الوقائع ، وللوقائع بواسطة الأفكار .

(2) التقدم العلمي متتالية من القطائع .

” يعلن التقدم العلمي دائما عن قطيعة ، عن قطائع أبدية بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية ، وذلك كلما تناولنا علما متطورا ، علما هو بفعل هذه القطائع ذاتها ، يحمل ميزة المعاصرة .
كي نعطي لمشكلة التقدم العلمي أفقها الفلسفي ، علينا أن نفحص عن قرب بعض الاعتراضات المصاغة من طرف أنصار الاستمرارية الثقافية ( . . . ) .
أحد الاعتراضات الطبيعية لأنصار الاستمرارية الثقافية يستدعي استمرارية التاريخ ؛ فما دمنا نقوم باستعراض استمراري للوقائع ، فإننا نظن بسهولة في إمكانية إعادة إحياء الحوادث في استمرارية الزمن ، ونعطي بدون انتباه لمجمل التاريخ صفة وحدة واستمرارية كتاب ما ( . . . ) .
إن الاستمراريين شغوفون بالتفكير في الأصول ، إنهم يهتمون بالبحث عن العناصر الأولى للمعرفة ؛ فالتقدم العلمي يحدث ببطء شديد ، ويظهر أنهم أكثر بطئا وأكثر استمرارية . وكما أن العلم يخرج ببطء من جسد المعارف العامية ، فإنهم يعتقدون في إمكانية امتلاك اليقين النهائي بالاستمرار بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية . وفي المحصلة ، هذه هي المصادر الأساسية للإبستمولوجيا الموضوعة من طرف الاستمراريين : ما دامت البدايات بطيئة فإن أنواع التقدم مستمرة . لذلك لا يذهب الفيلسوف بعيدا ، فهو يظن أن لا جدوى من معايشة الأزمنة الجديدة حيث تنفجر أشكال التقدم العلمي من كل جهة مفجرة معها بالضرورة الإبستمولوجيا التقليدية ( . . . ) .
طريقة أخرى لتمويه الانقطاعات في التطورات العلمية تتمثل في نسب استحقاقها لحشد من الخدام المجهولين ؛ حيث يُعشق الادعاء بأن التطورات كانت ” في الهواء ” عندما حيّنها رجل [ العلم ] العبقري . وبذلك تؤخذ بعين الاعتبار ” الأجواء ” و ” التأثيرات ” . وكلما كنا بعيدين عن الوقائع ، كلما كان سهلا استدعاء ” التأثيرات ” التي تستدعى بدون توقف من أجل الأصول الموغلة في البعد ، فهي تمرّرُ عبر العصور والقارات .غير أن مفهوم التأثير هذا العزيز على الفكر الفلسفي ليس له من معنى في ميدان بلوغ الحقائق والاكتشافات في حضن العلم المعاصر . إن العاملين [ في المختبرات ] يجتمعون بدون شك ، وبدون شك يتعاونون في مجال البحث ، وهم يشكلون الآن فرقا ومدارس ، ولكن عبقرية مختبرات ما تقوم في نفس الوقت على النقــد والتجديد ؛ والنقد الذاتي لدى عمال المختبرات يدحض من جوانب متعددة كل ما ينهض من ” التأثير ” ( . . . ) إنه وصف للفكر العلمي باعتباره فكرا موجها داخل دوغماتية حقيقة لا تناقش ، وتلك ممارسة لعلم ـ نفس كاريكاتوري عفا عليه الزمن ، إذ أن نسيج تاريخ العلم المعاصر هو النسيج الزمني للجدال ، والبراهين التي تتقاطع فيه هي كذلك [ ناجمة عن ] فُرص الانقطاعات .
نوع ثالث من الاعتراضات مستعار من طرف أنصار الاستمرارية الثقافية من مجال البيولوجيا ؛ فما دمنا نعتقد في الاستمرار بين المعرفة العامة والمعرفة العلمية ، فإننا نعمل على الاحتفاظ بها ونجعل مسألة تقويتها إلزاما لنا ، ونريد أن نستخرج من الحس السليم ، بتؤدة ورفق ، أصول ومبادئ المعرفة العلمية ، وننفر من ممارسة العنف ” بالمعنى العامي ” . زفي مناهج التعليم الأولية نزجي ، كما في لحظات الاستمتاع ، ساعات التلقين الخصبة ، ونتمنى الاحتفاظ بتقليد العلم الأولي ، العلم البسيط ، ونجعل من واجبنا إشراك التلميذ في جمود المعرفة الأولى .يجب عكس ذلك التوصل إلى نقد الثقافة الأولية ، فنلج بذلك مملكة الثقافة العلمية الصعبة والمعقدة .
ها هنا حالة انقطاع لا يمكن محوها بسهولة باستدعاء نزعة نسبية بسيطة : فمن البسيط والسهل أصبحت الكيمياء فجأة صعبة ومعقدة . إنها لم تصبح معقدة بالنسبة لنا فقط ، ولا بالنسبة للفيلسوف فقط ، ولكن وبشكل أكبر صعبة في ذاتها . لن يقبل مؤرخو العلم بدون شك أن توصف الثقافة العلمية لعصرنا بأنها ثقافة صعبة بشكل خاص . إنهم سيعترضون بأنه ـ خلال حركة التاريخ ـ كانت كل أشكال التقدم صعبة ، وسيكرر الفلاسفة أن أطفالنا يتعلمون اليوم في المدرسة وبيسر ما تطلب مجهودا ضخما من العباقرة المتفردين للأزمنة المتطورة . ولكن هذه النسبية الواقعية والبديهية لا تفعل سوى إبراز السمة المطلقة لصعوبة العلوم الفيزيائية والكيميائية المعاصرة متى توجب علينا الخروج من مملكة العناصر الأولية ” .

ك . باشلار : ” المادية العقلانية “
المطبوعات الجامعية الفرنسية 1972 .
ص ـ ص 213 – 207 .

إن القطيعة الإبستمولوجية هي بالبداهة أكثر ظهورا في العلم المعاصر منه في العلوم عند ولادتها . وباشلار هنا يوضح كلك بواسطة مثال مستعار من تقنية ” عقلانية ” هي عقلانية المصباح الكهربائي الذي يفترض وجوده ذاته لا فقط التخلي عن بادئ الرأي الذي يقنعنا بأن مصباحا لا يمكنه أن يضيء إلا بإحراق مادة معينة ، بل أيضا تشكيل وتأسيس مجموعة بكاملها من المعارف العقلانية تسمح بتصور وصنع الموضوع التقني البالغ التعقيد المتمثل في المصباح [ الكهربائي ] .

(3) مثال تقني ـ علمي للقطيعة : المصباح الكهربائي .

” لنوضح ( . . . ) كيف أن التقنية التي صنعت المصباح الكهربائي ذي الخيط المتوهج تقطع حقيقة مع كل تقنيات الإنارة المستخدمة من طرف الإنسانية كلها حتى القرن 19 . فلكي ننير مكانا في التقنيات القديمة وجب إحراق مادة ما . أما الفن التقني في مصباح أديسون فيقوم على تجنب الإحراق . إن التقنية القديمة هي تقنية الاحتراق ، أما التقنية الجديدة فهي تقنية اللااحتراق .
ولكي نتمكن من هذه الجدلية ، [ نتساءل ] عن المعرفة العقلانية الخاصة التي يتوجب امتلاكها عن الاحتراق | إن أمبريقية الاحتراق لم تعد كافية للذي يكتفي بتصنيف المواد القابلة للاشتعال والاحتراق ، وبتضخيم قيمة المواد القابلة للاحتراق أكثر من غيرها ، وبتمييز بين المواد القابلة للاحتفاظ بالاحتراق والمواد غير القمينة بذلك . يجب أن نمتلك فهما مؤداه أن احتراقا ما هو تأليف لإعاقة الاحتراق ، وليس نموا لقوة جوهرية . وقد أصلحت كيمياء الأوكسجين في العمق ، وبشكل جذري المعرفة المتعلقة بالاحتراق .
في [ إطار ] تقنية اللااحتراق ابتكر أديسون المصباح الكهربائي ، زجاج المصباح المغلق ، المصباح الذي لا يسحب ( الأوكسجين الضروري للاحتراق ) . إن المصباح لم يصنع لكي يعوق توهج المصباح ذاته بفعل التيارات الهوائية ، بل صنع للمحافظة على الفراغ حول السلك المتوهـج ، فليس للمصباح الكهربائي مطلقا أية خاصية مشتركة مع المصباح العادي ، والخاصية الوحيدة التي تسمح بالإشارة إلى المصباحين معا باستخدام نفس اللفظ هي أن كليهما ينيران الغرفة عندما يحل الظلام ، وحتى نجعلهما متقاربين ومتقابلين ، فإننا نجعل منهما هدفا لسلوك حياتي مشترك . لكن هذه الوحدة في الهدف ليست وحدة للفكرة ، إلا لمن لا يفكر في أشياء أخرى غير الهـــــدف ( . . . ) .
ما نريد البرهنة عليه هو أنه في العلم الكهربائي ذاته ، هناك تأسيس لتقنية “غير طبيعية ” ، لتقنية لا تتلقى دروسها من اختبار تجريبي للطبيعة ؛ إذ لا يتعلق الأمر بالفعل ، كما سنشير إلى ذلك ، بالانطلاق من الظواهر الكهربائية كما تعرض للفحص المباشر والفوري .
في العلم الطبيعي للكهرباء في القرن 18 طُرح بدقة التساوي الجوهري بين المبادئ الثلاثـــة : نار ـ كهرباء ـ نور . وبكلمة أخرى ، فإن الكهرباء أخذت من الخصائص البديهية للشرارة الكهربية ؛ فالكهرباء نار ونور ” التيار الكهربائي ، يقول l’abbé bertholon ( كهرباء النباتات . ص : 25 . ) نار محورة ، أو هو بنفس المعنى تيار مشابه تماما للنار والنور ، ذلك لأن له معهما أكبر العلاقات ، وهي المتمثلة في الإنارة واللمعان ، والاشتعال والإحراق ، أو تذويب أجسام معينة : وهذه ظواهر تثبت أن طبيعته هي طبيعة النار ما دامت تأثيراته العامة مشابهة لتأثيرات النار ، ولكنه نار محورة ما دام يختلف عنها من بعض الأوجه ” . وليس هذا الكلام حدسا معزولا لأننا نجده بسهولة في كتب عديدة خلال القرن 18 .
هكذا لا تستطيع المعرفة العامية أن تتطور بتأصلها في القيم الأولى ؛ إنها لا تستطيع هجر أمبريقيتها الأولى ، إن لها من الإجابات أكثر مما لديها من الأسئلة ، إن لديها جوابا عن كل شـيء . وسنرى ذلك في المثال المختار التالي : إذا كانت عصا resine راتنج [ مادة صمغية لزجة تفرزها بعض النباتات لاسيما الصنوبر ] تقذف الشرارات لأقل احتكاك ، فلأنها مليئة بالنار . فلماذا نندهش من هذه الظاهرة الجديدة ؟ … ألم نكن نصنع منذ عهود غابرة مشاعل بواسطة الراتنج ؟ … وهذه الشرارات ليست فقط نورا باردا بل حارا ، وتستطيع أن ماء الحياة ملتهبا ، ماء النار . كل هذه الملاحظات في النمط الأمبريقي للقرن 18 تثبت الاستمرارية بين الحس المشترك والتجربة العلمية . إن الظاهرة التي فاجأتنا أولا لم تكن أبدا إلا مثالا لسريان النار في مجمل الطبيعة وفي الحياة ذاتها ، وكما قال بوت pott باستخدامه للكلمة العالمة phlogistique مصدر اللهب [ سائل تصوره الكيميائيون القدامى لتفسير الاحتراق ] ، ولكن بالتفكير ضمنيا في الكلمة الشعبية : النار : ” إن امتداد هذه المادة ( le phlogistique = مصدر اللهب ) يذهب أبعد في الكون ، فهو منتشر في الطبيعة كلها ولو في توليفات جد مختلفـــــة ” . هكذا ، ليس هناك من حدوس عامة غير الحدوس الساذجة ، والحدوس الساذجة تفسر كل شيء ( . . . ) .
إن صورا كهاته ـ والتي يمكن مضاعفتها ـ توضح بشكل كاف بأي بساطة ينشئ أمبريقي من الملاحظة نسقه ، ومدى السرعة التي يغلق بها هذا النسق . إننا نرى ذلك ؛ فالمعارف العلمية الكهربائية كتلك التي يكونها الملاحظون الأوائل مُلحقة ، وبسرعة ، بكوسمولوجية للنار . ولو تم إنجاز مصباح كهربائي في القرن 18 ، فإن السؤال التالي كان سيطرح لا محالة وهو : كيف يمكن أن تصير النار الكهربائية الكامنة نارا ظاهرة ؟ .. كيف يمكن أن يصير نور الشرارة نورا دائما ؟ .. وكثيرة هي الأسئلة التي تستهدف جوابا مباشرا ، و لا واحدة من هاته النظرات للكون استطاعت أن تقود وتهدي تقنية معينة.
لنعد إذن إلى فحص الظاهرة ـ التقنية . إن التاريخ الفعلي قائم هنا لإثبات أن التقنية عقلانية ، تقنية ملهِمة بواسطة قوانين عقلانية وقوانين جبرية ( الجبر ) ، ونحن نعلم جيدا أن القانون العقلاني الذي يضبط ظواهر المصباح الكهربائي في توهجها هو قانون ” جول ” الذي يخضع للمعادلة الجبرية التالية :
W = RI2t
( W = طاقة ، R : مقاومة ، I : قوة التيار ، t : زمن )
هاهنا علاقة مضبوطة لمفاهيم محددة بدقة . W تسجل في العداد ، RI2t تستهلك بداخل المصباح . إن التنظيم الموضوعي للقيم يتصف بالكمال .
من المعلوم أن الثقافة المجردة شطبت على الحدوس المحسوسة الأولى ؛ إننا لم نعد نقول ـ أو نعتقد بالكاد ـ أن النار والنور يتجولان في خيط الكهرباء العجيب ، لأن التفسير التقني يذهب إلى المعنى المعاكس للتفسير الجوهراني ، وهكذا فإننا عندما نريد أن نحدد بشكل أفضل آثار المقاومة نستدعي المعادلة التالية : . R = P L
s

( P = مقاومة المعدن ، L : طول الخيط الكهربائي ، S : القطع المخروطي للخيط الكهربائي ) . وسندرك الضرورة التقنية لاستعمال خيط طويل ودقيق لتصعيد المقاومة ، وسنتعجب لدقة الخيط المرتعش . إن العامل p يحتفظ بدون شك بتحفظ معين اتجاه الأمبريقية ، ولكنها أمبريقية مؤطرة جيدا ، مؤطرة عقلانيا . ومن جهة أخرى ، يستطيع علم أكثر تطورا أن يأتي في ما بعد ليضاعف فتوحاته ضد هذه الأمبريقية . إن الصناعة المعاصرة بالتصاقها وتشبثها بتقنية محددة ، وباشتغالها على مادة مصفاة بعناية كما هو شأن فلزات ” تنغستن ” تنتهي إلى نوع من عقلنة المادة ؛ فبالنسبة للمعمل الذي يصنع المصابيح ذات السليكات من نوع تنغستن لم يعد العامل p يحتفظ أبدا بأية مفاجأة امبريقية ؛ فهو بمعنى ما منزوع الفردية ماديا ، إذا كنا حساسين اللطائف الفلسفية التي لا يمكن أن يفوتها الاعتراف بالدور الفعلي للعقلنة في صناعة المصابيح الكهربائية بالجملة .
نستطيع إذن أن نؤكد أن المصباح الكهربائي هو موضوع للفكر العلمي ، وبهذه الصفة ، هو مجرد مثال بالنسبة لنا ، ولكنه مثال واضح تماما لموضوع مجرد ـ مشخص ، لنفهم وظيفته ، يجب القيام بانعطاف يقودنا نحو دراسة علاقات الظواهر في ما بينها ؛ أي نحو علم عقلاني معبّر عنه جبريا ” .

ك . باشلار
” العقلانية المطبقة “
المطبوعات الجامعية الفرنسية 1949 .
ص ص 109 – 105 .
إن للتصور الباشلاري الذي يعرّف العلم كمتتالية من القطائع مع المعرفة العامية نتائج من الأهمية بمكان : فلا يجب أن نبحث للاكتشافات العلمية عن سوابق أو أسلاف . إن باشلار يريد محاربة فكرة ، هي مع ذلك أكثر انتشارا ، يتم الإحساس وفقها بكل المعارف العلمية مسبقا ” في خطوطها الكبرى ” قبل أن يتم بناؤها بشكل صارم . وهكذا فإن القول بأن لوكريس ـ أو لماذا لا ديمُوقريطس ـ هو مبتكر النظرية الذرية للمادة ، هو قول لا معنى له . إنها نظرة للعقل ليؤكد ، كما فعل جوزيف نيدهام ذلك ، أن الاكتشافات المعاصرة حول النسبية والتطور كانت بشكل مسبق متضمنة في الفكر الفلسفي والديني للصين القديمة [" العلم الصيني والغرب " ـ نقط ـ 1973 . ص 45 وما يليها ] . إنه خلط للفكر العلمي ـ الذي يجهد في إقامة قوانين صارمة ونظريات متماسكة ومثبتة بواسطة التجربة ـ مع أمواج الحدوس الميتافيزيقية . إن الظاهرة النفسية التي تغطي هذا الخلط والبلبلة هي مماثلة للخلط الذي نجده في الحلم المنذر [ بوقوع أحداث معينة ] ، وللطريقة ذاتها التي نلصق بها معنى خاصا بالحلم [ المنذر ] الذي ، بخلاف كل الأحلام الأخرى ، يبدو ومع ذلك أنه يعرض الواقع بشكل فضفاض . وبالمثل فإن من بين النظريات الفلسفية حول المادة والتي لا تحصى ، فإننا لا نحتفظ به من بينها إلا تلك التي لها علاقة ، هي غالبا محض لسنية ، مع الاكتشافات العلمية ( فهناك هوة عميقة بين ذرة لوكريس وذرة روثرفورد ) . ونحن في الحالتين معا نعزو للضرورة ما هو ناشئ عن مجرد الصدفة .
نفس الشيء يقال عن الإبداعات التقنية : فمما لا معنى له ، وما هو ساذج أن ننسب لليوناردو دافينشي اختراع مظلة هبوط المظليين أو الهيليكوبتر أكثر من كوننا نجعل من جول فيرن أب الرجال ـ الضفادع ؛ فهذا النوع من السخافات المروّجة تجاريا ببراعة وتعالم شديد الخطورة ، حيث تنزع إلى اختزال قيمة هذه الابتكارات وتجعل منها مجرد أفكار فضفاضة هي في مقدور أي عقل متخيِّل .

الشخصية

9 اغسطس 2008

   يمكن مقاربة الشخصية إما من زاوية فلسفية تحصرها في ماهية الشخص وكيفية عمله كنظام باعتباره ذاتا مفكرة مريدة وحرة ومسؤولة أخلاقيا وقانونيا ، تمثل غاية وقيمة في ذاتها تستوجب الكرامة والاحترام وتعبر عن إنسانية الإنسان كطبيعة عاقلة وإرادة تسن قوانين وتشريعات وقيما كونية، وإما انطلاقا من وجهة نظر العلوم التي تعتبر الشخصية بناء تجريديا ونموذجا نظريا لفهم سلوك وسيرة الشخص من خلال أنظمة نفسية واجتماعية، وضمنها من خلال نظريات تختلف باختلاف الأوليات التي تنطلق منها.

ابن سينا

1) نظام الشخص :

 

المقاربة الفلسفية : ديكارت ـ إدموند هوسرل ، جان بول سارتر ـ كانط .

كيف يتأتى للإنسان إدراك شخصيته انطلاقا مما يميز ماهيته كشخص؟ .. وكيف يتحدد الشخص كنظام في ضوء ذلك ؟ ..

يحيل مفهوم الشخصية لدى كل من ديكارت وابن سينا وكانط على مفهوم الشخص باعتباره ذاتا عارفة تعي وجودها وإنيتها وقيمتها الأخلاقية.

فالوعي لدى ديكارت وابن سينا يتم بإدراك الإنسان لماهيته كشخص عبر إدراكه لما هو ثابت وقار خلف الحالات التي يمر منها وكل التغيرات التي لا يتوقف بدنه عن معرفتها. إن وحدة الشخص لدى هذين الفيلسوفين ليست متمثلة في المعطى البيولوجي الصرف الذي يجسده البدن ، وإنما هي قيمة سامية لخصها ديكارت في العقل أو مفهوم الذات المفكرة ، في حين لخصها ابن سينا في مفهوم النفس أو الإنية.

ينطلق ديكارت في نص : الذات المفكرة من السؤال : ما الإنسان أو ما الأنا ؟ .. وانطلاقا من منهجيته القائمة على الشك من أجل بلوغ اليقين الذي لا شك فيه شك في كل الأفكار التي كانت لديه عن نفسه محاولا إيجاد الجواب اليقيني عن السؤال : من أنا ؟ .. حدد ديكارت للجسم مجموعة من الخصائص ، ووجد أن هذه الخصائص لا تعلق لأي منها بالنفس ؛ فخاصية النفس الأساسية هي التفكير ، في حين أن خاصية الجسم هي الامتداد ، فاستنتج من ذلك أن الأنا شيء مفكر ؛ أي ذهن أو روح أو فكر أو عقل ، والتفكير دليل الوجود ، ومن هنا الكوجيطو القائل : ” أنا أفكر ، إذن أنا موجود ” ، والشيء المفكر هو شيء يشك ويفهم ويتصور ، يثبت وينفي ويريد ويتخيل ، إلا أن تعدد هذه العمليات الفكرية لا يعتبر تعددا للأنا.

ديكارت

و لا يختلف ابن سينا عن ديكارت عندما يرى بدوره أن وحدة الشخص تتمثل في النفس أساسا وليس في البدن ؛ فلا يمكن للإنسان أن يغفل عن وجوده وإثبات هذا الوجود المسمى ” إنية ” حتى لو افترضنا إنسانا معلقا في الهواء ” برهان الرجل الطائر ” لا يبصر أجزاءه و لا تتلامس أعضاؤه ، فإنه مع ذلك لن يغفل عن إثبات إنيته ، بل حتى النائم في نومه والسكران في سكره لا يمكنه أن يغفل عن إنيته ، تلك الإنية التي لا يتم إدراكها وإثبات وجودها عن طريق المدركات الحسية أو عن طريق الفعل والحركة ، وإنما عن طريق العقل وقوة أخرى غير المشاعر وبدون وسيط.

إن هذا الوعي المعلق لدى كل من ديكارت وابن سينا ، والذي يبدو كما لو أن لا علاقة له بالوجود وبالعالم الخارجي ، لأنه مكتف بذاته ، لم يسلم من وجود معارضين منتقدين رأوا في هذا النوع من الوعي وعيا ميتافيزيقيا ، إذ أن هوسرل انطلاقا من مفهوم ” القصدية ” الذي يعني افتاح الذات واندفاعها نحو العالم والآخرين ، يرى أن الوعي هو

أحد أقطاب الفلسفة الوجودية

أحد أقطاب الفلسفة الوجودية

دائما وعي بشيء ما ، ووعينا بذواتنا إنما يمر عبر العالم والأشياء والآخرين ، وليس هناك وعي مجرد أو مفصول عن العالم .

كما أن سارتر يرى أن وعينا لذواتنا يتوقف أساسا على وجود الآخر الذي يلعب دورا أساسيا في إماطة اللثام عن حقيقة الذات خلف ما تتبدى به لنفسها أو ما تتوهمه كواقعها.

الفيلسوف النقدي

الفيلسوف النقدي

إن الإنسان لدى كانط، كظاهرة من ظواهر الطبيعة وكحيوان عاقل يسعى لتحقيق غايات نفعية، لا يكتسب بذلك إلا قيمة نفعية خارجية ، وبذلك يمكن الحديث عن قيم الناس في هذا المستوى كما لو كنا أمام تجارة للبشر . لكن الإنسان باعتباره ذاتا لعقل عملي أخلاقي ( الشيء الذي يدخل ضمن مفهوم الفضيلة ) يمتلك قيمة كبرى ومطلقة ( كغاية في ذاته ) تتمثل في امتلاك الكرامة واحترام الذات ، وهنا يتساوى الناس فيما بينهم ، ومن هنا أيضا ضرورة الوعي بالخاصية السامية لتكوين الإنسان الأخلاقي ، وعلى الإنسان أن يسعى نحو غاياته النفعية ، لكن بشكل لا يؤدي إلى الحط من قيمته الأخلاقية .

(2 النظام النفسي:

إذا كانت الشخصية من المنظور الفلسفي تتماهى مع نظام الشخص على مستوى الوعي وعلى مستوى البعد الأخلاقي، فإن العلوم الإنسانية ، وبكيفية خاصة علمي النفس والاجتماع، قد أسست تصورها للشخصية انطلاقا من اعتبارها نموذجا نظريا لفهم وتفسير سلوك وسيرة الشخص .

اختلفت مدارس علم النفس بخصوص ما يشكل حقيقة الحياة النفسية : فالمدرسة الشعورية مع وليم جيمس رأت أن هذه الحقيقة تتمثل في المستوى الشعوري الذي نحسه ونشعر به ، والذي يمكننا اكتشافه والتعرف عليه من خلال آلية أساسية سماها أقطاب هذه المدرسة “ الإستبطان Introspection ” الذي يمكننا من معرفة الحالات النفسية المختلفة وتكوين معرفة علمية بصددها . 

أما المدرسة السلوكية ( واطسن ـ  بافلوف ) ، أخدا بالتقليد العلمي في ميدان العلوم الحقة وبخاصة منهجها التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة ، فقد رأت أن هذه الحقيقة تتمثل في المظاهر الخارجية للسلوك التي يمكن رصدها ملاحظة ( اصفرار الوجه ـ  توثر العضلات للهجوم أو للهرب ـ  وقوف شعر الرأس ـ  جحوظ العينين ـ  إفراز مادة الأدرينالين في الدم ـ  تقلص المعدة ـ  تصبب العرق . . . الخ ) . ويمكن ، كما يرى ذلك واطسن ، رد مجموع سلوكات الشخصية إلى مجموعة من المنبهات والاستجابات ، باعتبار أن كل السلوكات الإنسانية هي أفعال منعكسة شرطية ( تجربة بافلوف ) تم تلقيها عن طريق التربية ، بالشكل الذي يمكِّننا من التنبؤ بالاستجابة متى ما عرفنا المنبه ، والعكس صحيح أيضا ، ومعنى هذا أنه يمكن رد كل السلوكات الإنسانية إلى قانون عام هو ( منبه   =   استجابة ) . لقد كان واطسن يقول : أعطني عددا معينا من الأطفال ، وأنا أصنع لك  منهم الأستاذ والمحامي والطبيب والنجار والقاتل و . . . الخ .

لقد نظرت هذه المدرسة إلى الإنسان كما لو كان حلقة مفرغة من الشعور عندما أهملت البطانة الوجدانية المصاحبة للمظاهر الخارجية للسلوك  ، في الوقت الذي أهملت فيه المدرسة الشعورية هذه المظاهر عندما اعتبرت حقيقة الحياة النفسية متمثلة بالأساس في الشعور الداخلي فقط  .

أما المدرسة الثالثة وهي المدرسة اللاشعورية بزعامة

أب التحليل النفسي

أب التحليل النفسي

 سيجموند فرويد فترى أن حقيقة الحياة النفسية لا تتمثل لا في المستوى الشعوري و لا في مستوى السلوك الظاهري لأنها توجد في مستوى آخر خفي ومحدِّد بشكل أساسي للشخصية كما هو المحرك  الأساسي لكل السلوكات الصادرة عن الشخصية ، إنه المستوى اللاشعوري الذي اكتشفه فرويد من خلال ملاحظاته المتعددة وهو يدرس في باريس في مستشفى الدكتور برويير المختص في علاج الأمراض العصبية لدى النساء خاصة ؛ لقد لاحظ فرويد أن عديدا من المريضات يتحدثن أثناء تنويمهن المغناطيسي عن أحداث لا يتذكرنها في حالة اليقظة ، فاستنتج من ذلك وجود مستوى لاواعي من الحياة النفسية سماه اللاشعــور ، كما وقف على مدى تأثير هذا المستوى ومدى أهمية التعرف على مكوناته لضرورتها في معالجة الأمراض النفسية والعصبية .

ثم ستتوالى بعد ذلك  فتوحات التحليل النفسي الذي اقترن تأسيه وبلورته بالبحث في خبايا اللاشعور وبالخصوص الخبايا المسببة للمرض النفسي بأنواعه وأشكاله المختلفة . وبالنسبة للتحليل النفسي ، يلعب التطور الجنسي ـ  النفسي للطاقة الحيوية الدافعة للغرائز الجنسية ( الليبيدو ) لدى الطفل الدور المركزي في تكوين شخصيته ، وبذلك تعطي الصدارة للجنس كمكون أساسي في حين تفرد أهمية ثانوية للعوامل الأخرى . وتلعب عقدة أوديب دورا أساسيا في النمو الجنسي ـ  النفسي المذكور لدى الطفل : فالليبيدو لديه يتخد أحد الأبوين كموضوع لاختياراته الغرامية الأولى ، وكبت هذا التوجه النفسي ـ الجنسي في أعماق اللاشعور ينشأ عنه المركب المركزي لكل عصاب ( عقدة أوديب ) ، وهو الذي يحدد في ما بعد أشكال التعامل مع الواقع لدى الطفل .

ويتوقف البناء النفسي السليم للشخصية على الحل السليم لهذه العقدة ، إذ أن عكس ذلك  تنشأ عنه في ما بعد اضطرابات عصابية تحتاج إلى علاج . ومعنى هذا أن السنوات الأولى من عمر الطفل تلعب دورا مركزيا في تحديد شخصيته المستقبلية .

إن المحرك  الأساسي للشخصية من وجهة نظر التحليل النفسي يتمثل في ما يسميه فرويد ” الجهاز النفسي ” الذي يتكون خلال ” مراحل النمو النفسي ” الخمسة الأساسية :

1 ـ  المرحلة الفمية

2 ـ المرحلة الشرجية

3 ـ  المرحلة القضيبية ( الأوديبية )

4 ـ  مرحلة الكمون

5 ـ  ثم مرحلة المراهقة .

فما هي مكونات الجهاز النفسي للشخصية ؟ … وما هو الدور الذي يلعبه كل مكون من هذه المكونات في بناء الشخصية على المستوى النفسي ؟ …

يتكون الجهاز النفسي من ثلاث قوى افتراضية هي :

ـ  الهو Le ça : وهو يتضمن دوافعنا وغرائزنا التي ورثناها عن الأجداد والتي كُبتت بفعل الحضارة ، وهو متمركز حول نزعة أساسية ( الليبيدو ) أو نزعة الجنس ، همها طلب اللذة واجتناب الألم ، إذ المبدأ الذي يخضع له الهو في سلوكه هو ” مبدأ اللذة ” .

ـ  الأنا Le moi : وهو جزء من اللاشعور انفصل عنه نتيجة الاحتكاك والاصطدام بالواقع وإكراهاته لذلك  فهو يمثل الجانب الذي يلامس الواقع من شخصيتنا ، ويتكون من جملة من الأفعال الإرادية واللاشعورية التي أفصحت عن نفسها وتلاءمت مع الواقع بصورة ما ، ومهمته تحقيق توازن بين متطلبات الهو ومتطلبات الواقع وكذا متطلبات الأنا الأعلى ، والمبدأ الذي يخضع له في سلوكه هو ” مبدأ الواقع ” .

ـ  الأنا الأعلى Le super – moi : ويمثل سلطة المجتمع والدين والأخلاق وغيرها من المبادئ والضوابط التي تنظم العلاقات بين الناس وتحكم سلوكهم ، والتي امتصها الفرد من المجتمع عن طريق التربية والتنشئة الاجتماعية ، وأصبحت تعبر عن نفسها لديه بشكل فردي في ما يسمى الضمير .

إن هنالك آليات يلجأ إليها الأنا لحفظ توازن الشخصية : كالتعويض والتأجيل ، والتصعيد ، والتبرير ، والكبت ، والنكوص و . . . الخ ، واختلال توازن الشخصية معناه عدم قدرة الأنا على إرضاء متطلبات السلط المتحكمة فيه وفي سلوكه ، ويتمثل ذلك  في الأمراض النفسية التي تتراوح بين العصاب والذهان .

إننا هنا أمام حتمية سيكولوجية تتحكم في السلوك الإنساني وتوجهه ، والسلوكات الإنسانية اللاحقة في مرحلة البلوغ ليست إلا تكرارا بشكل من الأشكال للخبرات الطفولية الأولى . فإلى أي حد يمكن الحديث هنا عن انتفاء الحرية ؟ .. وإلى أي حد يمكن اعتبار عقدة أوديب قانونا شموليا ؟ ..

(3النظام الاجتماعي:

إذا كان المستوى النفسي من مكونات الشخصية فإن الشخصية أيضا ثقافة وتعيش داخل أشكال من التنظيمات والمؤسسات الثقافية التي تشكل البعد الاجتماعي للشخصية ، مما يمكننا من الحديث عن حتمية أخرى متحكمة في السلوك  الإنساني وموجهة له هي الحتمية الاجتماعية . فكيف ترتبط الشخصية بالمجتمع ؟ .. وما هو دور المجتمع في تشكيلها ؟ .. إميل دوركهايم

تختلف أنماط  الشخصية من مجتمع إلى آخر تبعا للانتماء إلى جماعة معينة وثقافة وبيئة جغرافية ، وهذه العوامل تخلق لدى كل مجتمع على حدة شخصيته المميزة التي يسميها علماء الاجتماع بالشخصية الأساسية التي تتمثل في مجموعة من القيم والتصورات المشتركة .

وإلى جانب الاستجابات الموحدة لدى أفراد المجتمع المعني ، هناك استجابات مرتبطة بمجموعات محددة اجتماعيا داخل المجتمع ( الرجال ـ النساء ـ  المراهقون ـ الراشدون ـ الطبقات الاجتماعية  . . . الخ ) وكل هذه الاستجابات المرتبطة بمجموعات محددة تخلق في المجتمع ما يسمى بالشخصية الوظيفية . وتتوقف الشخصية الوظيفية على الوضع والدور  ، إذ أن كل وضعية محددة ترسم مجموعة من السلوكات وردود الأفعال المنتظرة والمحددة من طرف الوضع والدور . ولذلك فهي تلعب دورا بالغ الأهمية في حسن سير المجتمع بتمكين أعضائه من التعامل بنجاح دون الاعتماد على أي شيء آخر سوى الدور الذي تشير إليه الوظيفة .

وهكذا تلعب العوامل الاجتماعية والثقافية بشكل عام الدور الأساسي في بناء الشخصية وطبعها بطابع خاص ؛ فالأفعال والعواطف والسلوكات المختلفة للأفراد إنما تتحدد عن طريق المجتمع والثقافة والدور المحدد اجتماعيا .

الإشكال المركزي الذي يطرح هنا يتعلق بالتساؤل عن علاقة الشخصية بالحتميات المحددة لها والفاعلة فيها ، أهي علاقة تبعية وخضوع لهذه الحتميات والمحددات ؟ … أم علاقة تستطيع الشخصية من خلالها التحرر من هذه الحتميات والتحكم فيها ، وبالتالي السيطرة على الحاضر والقدرة على بنائه وكذا بناء المستقبل ؟ …

إذا كانت مجموعة متعددة من العوامل المختلفة : النفسية والاجتماعية والبيولوجية والثقافية تتدخل في بناء الشخصية ، باعتبارها مجموعة من الحتميات والشروط الفاعلة فيها ، فإن الإشكال الذي يطرح يتمثل في: التساؤل عن علاقة الشخصية بحتمياتها وشروطها أي : إلى إي حد يمكن القول إن علاقة الشخصية بهذه الحتميات هي علاقة خضوع وتبعية ؟ أم علاقة تحرر واستقلال ؟ .. إلى أي حد يمكن للشخصية أنتتحكم في حاضرها وتصنع مستقبلها ؟ …

لقد انتهت معظم العلوم الإنسانية ، وبخاصة المتشبعة منها بالروح الوضعية وما تقتضيه من وقوف عند حدود الظواهر ، إلى أن ماهية الإنسان التي أجهد الفلاسفة أنفسهم في تعريفها والوقوف على كنهها لا تمثل إلا ماهية فارغة وطبيعة شكلية ، لقيامها على وهم الذات وسراب الميتافيزيقا ، لأن الإنسان في الحقيقة ليس إلا شيئا من الأشياء تتحدد سماته وشخصيته بما يفرضه عليه واقعه بمختلف أبعاده ، وما يتحكم فيه من محددات ، المعقول منها واللامعقول الظاهر منها والخفي … والإنسان تبعا لهذا الطرح لا يعدو كونه مفعولا به ونتاجا لتفاعل بنيات وقواعد مؤسسية مختلفة تمارس عليه فعلها وإكراهها من مختلف زوايا ومستويات حياته ، فقد كشفت هذه العلوم عن أن شخصية الإنسان لا يحكمها إلا ما ليس بإنساني من قوى متعالية قاهرة : لغة ، برنامج وراثي ، لاشعور فردي ، لاشعور جمعي ، ضمير جمعي … وكلها محددات كان الإنسان يستبعدها من ذاته كي لا يرى فيها إلا التعقل والوعي والمسؤولية والحرية …وباسم العلم والقطع مع الإيديولوجيا وإقصاء الفلسفة من آخر معاقلها، تعلن هذه النزعة الوضعية في العلوم الإنسانية عن موت الإنسان وموت التاريخ وتنظر للإنسان كما لو كان آلة مبرمجة تؤدي عملها بوعي أو بدونه، كما حدد لها من طرف كل الحتميات المتحكمة في السلوك  الإنساني . فهل يكفي تقرير ضرورة إقصاء عمق الذات من حياة الشخص وتحويله إلى مجرد موضوع وإلى صنف نمطي من النماذج والعلاقات والمعادلات التي يضعها العلم لقتل الإنسان فيه ؟ … هل يمكن قتل الإنسان بتصريفه وتجزيئه إلى شخصية ” أ ” من الوجهة السيكولوجية ، وشخصية ” ب ” من الوجهة الأنثروبولوجية ، وشخصية ” ج ” من الوجهة الإقتصادية ؟ …

إن الشخص قوة مبادرة واختيار ، من وجهة نظر محمد عزيز الحبابي ، بوصفه ممثلا للفلسفة الشخصانية

فيلسوف الشخصانية

فيلسوف الشخصانية

المستندة إلى مرجعية دينية إسلامية ، وذلك لأن الشخصية استقلال ذاتي ؛ فالاعتراف بوحدانية الله واستقلاله المطلق انطلاقا من شهادة التوحيد ، هو اعتراف كذلك من طرف  الشخص بأنه هو الآخر واحد ومستقل رغم أن وحدانية الكائن البشري واستقلاله ليسا مطلقين كما هو شأن وحدانية اللـــه .

إن مفهوم الاستقلال الذاتي يتمثل في ما هو خاص بكل شخص ؛ فالناس ليسوا على نمط واحد إذ لكل شخص وجهته وتطلعاته الخاصة ” لكل وجهة موليها ، فاستبقوا الخيرات ” البقرة آية 147 . ويتعزز هذا الاستقلال الذاتي عندما يرفض الشخص الطاعة العمياء سواء للأشخاص أو الأشياء ، ويعترف بالقيمة العليا للعقل والفكر . إن الشخص رغم استقلاله وحريته يبقى تحت تصرف المشيئة الإلهية المطلقة ، لذلك كان طرفا المعادلة غير متساويين .

عضو الحزب الشيوعي الإيطالي

عضو الحزب الشيوعي الإيطالي

وعندما نتساءل ـ مع غرامشي كممثل للفلسفة الماركسية ـ عن ماهية الإنسان ، نجد أنه ليست هنالك ماهية ثابثة للإنسان ؛ لأن هذه الماهية نتاج الفعل والحركة الإنسانيين ، ومضمون السؤال : ما الإنســــان ؟..هو: ما هو مصير الإنسان ؟ …وإلى أي حد يمكن أن يتحكم الإنسان في حاضره ويصنع مستقبله ؟ .. أي أن التساؤل يتعلق بمدى حرية الإنسان أو خضوعه لمجموع إشراطاته .

إن الإنسان بؤرة تلتقي فيها مجموعة من العوامل التي يعتبر الإنسان نتاجا لها ، وهي نتاج لفعله في نفس الآن ، وتتمثل في الفرد نفسه والآخرين والطبيعة ( طبيعة الإنسان الداخلية والطبيعة المحيطة به ) . فإذا كانت هذه العناصر فاعلة في الإنسان ومؤثرة فيه ، بل منتجة له ، فإن للإنسان القدرة على وعي هذه الحتميات والتأثير فيها بتغييرها ، حيث كلما غير هذه الحتميات غير نفسه ذاتها ، ومن هنا العلاقة العضوية والجدلية القائمة بين الإنسان والحتميات الفاعلة فيه ؛ فالعلاقة بينهما هي علاقة تبادل الأثر والتأثير ، بحيث تصير الحرية الإنسانية وعيا بالضرورات حتى يتسنى التأثير فيها وتغييرها : ف ” الحرية وعي الضرورة ” كما يقول ماركس ، وليست هناك حتمية مطلقة ، كما ليست هناك حرية مطلقة ، وإنما تتحدد الشخصية من خلال التفاعل الجدلي القائم بين الفعل الإنساني الواعي وحتمياته وشروطه المحيطة به .

فيلسوف الوجودية

فيلسوف الوجودية

وانطلاقا من مبدأ الفلسفة الوجودية لدى ج . ب . سارتر : “ الوجود يسبق الماهية ” اعتبر الإنسان مشروعا مستقبليا منفتحا على المستقبل أكثر من انفتاحه على الماضي ، مشروعا متوقفا على الاختيار والإرادة الإنسانية بما هما حرية .

إن الفعل الإنساني تركيب جدلي يقوم على التجاوز والاحتفاظ ، تجاوزا لمكونات الفعل الإنساني المتمثلة في النقيضين : شروط الفعل الإنساني الموضوعية بما هي مجموع الحتميات المحيطة بالإنسان من جهة ، والفعل الإنساني الذاتي الذي يمثل الاختيار والإرادة من جهة أخرى .

إن فهم السلوك الإنساني إذن لا يتأتى بتفسيره تفسيرا آليا برده إلى مكوناته الموضوعية ؛ لأنه ليس إعادة إنتاج لشروطه وحتمياته، كما لا يتأتى برده إلى الفعل الإنساني الاختياري ؛ لأن الفعل الإنساني مركب نوعي يختلف عن مجموع مكوناته ، مركب منفتح أساسا على المسقبل وعلى مجموعة من الإمكانات التي يتحقق بعضها دون البعض الآخر . وهكذا يبدو مستحيلا رد النظام الثقافي إلى النظام الطبيعي .

بهذا المعنى يمكن أن نرى في الشخصية نظاما مندمجا يتشكل في الجزء الأساسي والإبداعي منه من خلال الأنا أو نظام الشخص ، وفي جزئه الآخر من خلال محددات موضوعية وحتميات يمكن أن يعيها وأن يتحرر منها بحكم عبقريته إبداعيته ، وأن يتعامل معها لا كمجرد منفعل وإنما كوعي وفعالية ، كإرادة ومسؤولية . وبهذا المعنى يفهم قول ميرلو بونتي : ” أنا لست مجرد نتيجة أو نقطة التقاء العديد من العمليات التي تحدد جسمي أو نفسيتي . إني ل

فيلسوف وجودي

فيلسوف وجودي

ا يمكن أن أتصور ذاتي كجزء من العالم وكمجرد موضوع لعلم النفس ولعلم الاجتماع وللبيولوجيا . . . إنني المنبع [ المصدر ] المطلق ، ووجودي لا يصدر عن مقدماتي وعن محيطي الفيزيائي والاجتماعي ، بل يتجه نحوها ويدعمها . . . “  وبهذا تستعصي شخصية الشخص على أن ” تُعلّب ” في قوالب أعدتها نظريات تعتبره مجرد موضوع ، لأن الشخصية كما عبر عن ذلك إ . مونييه : ” ليست موضوعا ، بل هي بالذات ما لا يمكن في أي إنسان أن يعامل بوصفه موضوعا “.

الشغل

9 اغسطس 2008
  • الشغل ( من وجهة نظر كارل ماركس ) فعل يتم بين الإنسان والطبيعة ، يشكل الإنسان من خلاله قوة طبيعية ( تتمثل في أعضاء الجسم ) مؤثرة في الطبيعة وعليها ، وهو من خلال تأثيره في الطبيعة وتغييرها لإشباع حاجاته الخاصة، يغير ذاته وينمي ملكاتها وقواها.
  • وإذا كان الحيوان يمارس أعمالا قد تضاهي أعمال الإنسان ، فإن الفارق الأساسي بين الشغل الإنساني والشغل الحيواني هو أن هذا الأخير غريزي لا أثر فيه للوعي ، في حين أن الأول قائم على الوعي والتفكير والتخطيط المسبق.

ويمكن تقسيم مسار الشغل الإنساني إلى ثلاثة مكونات أساسية :

  • الشغل الإنساني ( الإنسان ذاته ) ؛
  • الموضوع الذي ينصب عليه الشغل ويشكل موضوعه؛
  • الأداة أو الأدوات المستخدمة في الشغل.

إن الشغل أو العمل منتج للقيم ، وقيمة المنتجات إنما تتحدد بقيمة العمل والجهد المبذول في إنجازها.

ومن وجهة نظر هيجل ، فإن الشغل وساطة تتم بين الإنسان والطبيعة ، وساطة متخصصة يستخدمها الإنسان للتأثير في الطبيعة وتحويلها إلى منتجات استهلاكية ، وبذلك يكتسب قيمته وأهميته ، كما أن هذه الوساطة تمكن الإنسان من اكتساب نوعين من الثقافة :

-          ثقافة نظرية : تتمثل في التمثلات والمعارف المكتسبة انطلاقا من مجال الشغل ، والتي تؤدي حركيتها وسرعتها وترابطها إلى إدراك العلاقات المعقدة والكلية.

-          ثقافة عملية : تتمثل في عادات المهنة عموما التي يؤدي التمرس بها إلى التعود على النشاط الموضوعي واكتساب خصال كلية تتمثل أساسا في تجريد الشغل مما يؤدي إلى التخصص وتقسيم العمل الذي ينعكس بدوره على المهارة حيث تزداد ، وعلى كمية المنتوج أيضا . ومن هنا يساهم كل فرد بثقافته في الثروة الكلية للمجتمع ويشبع حاجات الآخرين في الوقت الذي ينتج فيه لإشباع حاجاته الخاصة.

-          إلا أن الشغل يقتضي مجموعة من الحركات المنضبطة والمعقلنة والمغايرة للحركات المنفلتة من عقالها ، يقتضي حركات يكون فيها حساب الجهد ثابتا بالنسبة لمستوى الإنتاجية، ومن ثمة كان الشغل مجموعة موانع كابحة وقامعة لحرية الإنسان.

الشغل=آلة التعذيب

الشغل=آلة التعذيب

 

علاقة الشغل بالملكية

إذا كان الشغل ظاهرة إنسانية بامتياز لارتباطه بالفكر الإنساني وتميزه عن العمل الحيواني ، وإذا كان تقسيم الشغل سواء بمعناه التقليدي أو الآلي ضروريا من أجل الزيادة في الإنتاج وإشباع الحاجات الإنسانية المختلفة والمتنامية باستمرار ، فإن الشغل الإنساني لا يتم إلا في إطار علاقات إنتاج محددة تميز بين المالكين وغير المالكين لوسائل الإنتاج ، لذلك فإن الإشكال المطروح بهذا الخصوص هو كالتالي :

كيف نشأت الملكية ؟ .. وما هو أساسها ؟ .. و ما قيمتها ؟ .. وما علاقتها بالشغل ؟ .. هل يمكن اعتبارها منتجة لوحدها ؟ .. ومتى ، وفي ظل أية شروط ، يمكن اعتبارها منتجة ؟ ..

1)    إن أول من سيج أرضا وصاح قائلا : ” هذا لي ” ، ووجد أناسا سذجا صدقوه وصادقوا على كلامه ،

ج.ج.روسو

ج.ج.روسو

 كان هو أول مؤسس حقيقي للمجتمع المدني القائم على سلطة القوانين والمؤسسات والمتجاوز للمجتمعات الطبيعية الأولى ، أو حالة الطبيعة ، التي كانت الأرض وخيراتها فيها ملكا للجميع من وجهة نظر جان جاك روسو . ولما كان الحفاظ على الملكية من جهة ، والرغبة في التملك من جهة أخرى ، تدفع الناس إلى التقاتل والصراع فيما بينهم ، فإن أساس الملكية وسبب ظهورها الأول هو السرقة والعنف ، وليس المجتمع المدني إلا حيلة اصطنعها الأغنياء للحفاظ على ممتلكاتهم وتأبيدها ، وإخضاع الجنس البشري للعمل والعبودية لمصلحة هؤلاء الأغنياء ، بدعوى أن هذا المجتمع من شأنه تأمين حرية الأفراد وضمان ممتلكاتهم.

2)     بخلاف ذلك يرى فريدريك إنجلز ـ كممثل للفلسفة الماركسية ـ أن الملكية ظهرت من القديم في المجتمع

فريديريك إنجلز

فريديريك إنجلز

المشاعي ، ولكنها اقتصرت على بعض الأشياء البسيطة ، وتطورت داخل هذا المجتمع نتيجة التبادل مع الآخرين إلى أن أخذت شكل بضاعة ، حيث كلما قل إنتاج جماعة من أجل الاستهلاك الخاص ، وازداد إنتاجها الموجه للتبادل ، كلما أدى ذلك إلى مزيد من تقسيم العمل وتفاوت الناس من حيث الغنى ، وانحلت بذلك المشاعية القديمة لتحل محلها الملكية الخاصة.

إن الأسباب الاقتصادية إذن ، والمتمثلة في تغير علاقات الإنتاج والتبادل ، هي التي أدت إلى ظهور الملكية الخاصة ، و لا يمكن أن يعزى ظهورها لأسباب أخرى كالسرقة والعنف كما هو الشأن لدى روسو.

3)     إن الملكية وحدها عقيمة وغير منتجة ، ولكي تغدو كذلك لا بد من توفير ثلاثة شروط أساسية هي : الأرض المنتجة ـ العمل المنتج ـ والرساميل والأدوات المنتجة. إن الإنتاج هو ثمرة هذه العناصر الثلاث الضرورية مجتمعة ، ولو انفصلت عن بعضها فستكون عقيمة ؛ فالأرض لوحدها بدون تدخل الإنسان الذي يحول أشياء الطبيعة، بفضل عمله وجهده، إلى بضاعة قابلة للاستهلاك والتبادل ، تعتبر غير منتجة . والأدوات والرساميل هي بدورها غير منتجة بدون تدخل المجهود الإنساني وبدون موضوع منتج ينصب عليه العمل الإنساني.

4)     وإذا كان جورج فريدمان ـ من منظور اقتصادي ليبرالي يستند إلى مرجعية قانونية رومانية ـ يرى أن

جورج فريدمان

جورج فريدمان

مقتضيات العقل والعدالة تقتضي أن تكون الملكية فردية ، لصاحبها الحق المقدس في التصرف فيها إيجابيا أو سلبيا ، مدعما وجهة نظره بمعطيات التجربة الحياتية التي تؤكد أن الملكية لا تكون أكثر خصوبة وإنتاجا إلا عندما يكون المالك أكثر حرية في الانتفاع بها حسب رغبته ومشيئته ، فإن فريدريك إنجلز، يرى على العكس من ذلك، أنه إذا كان التبادل قد تم ـ في بداية النظام الليبرالي ـ بين قيم متساوية ، فإن تطور الإنتاج ، في ظل نظام الإنتاج الرأسمالي ، لم يؤد إلا إلى احتكار وسائل الإنتاج والعيش من طرف طبقة واحدة وقليلة العدد مع تدهور الطبقة الأخرى التي تشكل الأغلبية الساحقة إلى مستوى بروليتاريين غير مالكين ، إضافة إلى الأزمات والفوضى في الإنتاج التي هي ناتجة بالأساس عن نمط الإنتاج الرأسمالي.إن الطبيعة الاجتماعية للإنتاج تفترض بالأساس الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج ، وهو الحل الذي يبشر به النظام الاقتصادي الاشتراكي.

5)     إن الملكية في الإسلام ، بخلاف الأطروحتين السابقتين ، مسؤولية ؛ إنها جملة من الواجبات والمسؤوليات ، وهي ليست حقا مطلقا لاستعمال الأشياء ؛ فالمالك مسؤول عن ملكيته ، ومطالب بتنميتها وتطويرها بما يخدم مصلحته ومصلحة المجتمع وفق المقتضيات الشرعية التي تحرم الربا والاحتكار والسرقة والتحايل ، تحت طائلة نزع الملكية أو فقدانها إذا ما أهملها صاحبها أو لم يستثمرها بالشكل الذي يخدم مصلحة الأمة جمعاء.

الشغل ـ الاستلاب ـ التحرر

كارل ماركس

كارل ماركس

إن الشغل ظاهرة تتم بين الإنسان والطبيعة ، ولكنها لا تتم إلا بدخول الناس فيما بينهم في علاقات تسمى ” علاقات الإنتاج ” ؛ تحدد المالك لوسائل الإنتاج من غيره ، وتحقق نوعا معينا من الملكية. كما أن الشغل يفترض تقسيما معينا للعمل ، سواء في شكله التقليدي أو شكله الآلي والتقني المعاصر ، مما يسم الشغل الإنساني ببعدين أساسيين هما : البعد الإنساني المتمثل في علاقات الإنتاج والملكية ، والبعد التقني الآلي ـ في عصرنا ـ وما يطرحه من مشاكل تنعكس على الإنسان. لذلك فالإشكال الذي يطرح بهذا الخصوص يتمثل في التساؤلات التالية :

 

-         هل يحقق الشغل ماهية الإنسان وحريته ؟

-         أم على العكس من ذلك هو قتل للرغبة والحرية ونفي للذات الإنسانية ؟..

-         وما هي الشروط الإنسانية والموضوعية التي بإمكانها أن تجل من الشغل عاملا لتحرر الإنسان واكتمال شخصيته وتفتحها ؟ ..

1)     بخصوص هذا الإشكال تتعدد الأطروحات والإجابات وتختلف نوعيا عن بعضها انطلاقا من المرجعية التي تنطلق منها ؛ فهذا جورج فريدمان ينتهي ، انطلاقا من نظرة فاحصة ومميزة للجوانب السلبية والإيجابية للتقدم التقني المعاصر في الصناعة وعلاقة الإنسان به ، إلى التضحية بالإنسان المنتج لصالح الإنسان المستهلك ؛ فإذا كان الشغل في ظل النظام الآلي المعاصر مهمة قاسية وغريبة عن اهتمامات الإنسان ، فإنه ضروري لتحقيق حاجاته الاستهلاكية المتزايدة والمتنامية باستمرار ، ومن شأن تنظيم المجتمع وهيكلته بشكل جيد أن يضمن استفادة جميع أفراده من نتائج التقدم التقني ، كما أن من شأن أوقات الفراغ أن تمكن الإنسان من الاستمتاع بالثقافة والفن ، لما فيه إمكانية تفتح شخصية الإنسان وتحقيقها.

صحيح أن التقنية حررت العامل من كثير من المهام الصعبة والشاقة ، بحيث لم يعد مستعبدا من طرف الآلة ، ولكن هذا الاستعباد حل محله الاستعباد الذهني للعامل الناشئ عن التمييز المفرط بين النظرية والممارسة ، بين العمل الذهني والعمل اليدوي ، مما أبعد العامل عن كل تفكير ذهني ، وبالخصوص في المجتمعات القائمة على نظام يتوخى الربح أساسا ، وهو ما يهدد التوازن النفسي للإنسان ومصيره الروحي .إلا أن مفاضلة سريعة بين نظام الإنتاج الآلي وانعكاساتها على الإنسان باعتباره مستهلكا من جهة ، وباعتباره منتجا من جهة أخرى ، تدفعنا حتما إلى التضحية بالإنسان المنتج لصالح ولفائدة الإنسان المستهلك.

2)     إن الإغراق في الشغل ـ من وجهة نظر نيتشه ـ والسرعة في إنجازه جريا وراء الربح والفوز هو سمة

ف. نيتشه

ف. نيتشه

الإنسان في المجتمعات المعاصرة ، وهي سمة تؤدي بالإنسان إلى استنفاذ كل طاقاته الذهنية وحرمانه من ممارسة التأمل والاحتكاك بالفنون ، بل إن هذا الوضع أفرز قيما جديدة تقوم على احتقار الراحة والتأمل والاشتغال بالفن ، على عكس ما كان سائدا في الماضي ، وفي ذلك ما فيه من إهدار لكرامة الإنسان لا يتيح لشخصيته التفتح ولا النمو و لا الحرية . إن الشغل إذن بشكله الحالي في المجتمعات الليبرالية هو قتل وقضاء مبرم على الرغبة والحرية الإنسانيين.

3)     إن مملكة الحرية إذن ـ من وجهة نظر كارل ماركس ـ لا تبدأ في الواقع إلا حينما ينتهي الشغل الذي تفرضه الحاجة والضرورة الخارجية ، إنها توجد إذن خارج دائرة العمل، لكن هذا لا يعفي الإنسان من مواجهة هذه الضرورة لإرضاء وإشباع حاجاته والمحافظة على حياته ، تلك الحاجات التي تتنامى وتتنوع مما يزيد من اتساع دائرة مملكة الضرورة.

كارل ماركس

كارل ماركس

إن ” الحرية وعي للضرورة ” ، وهي لا تزدهر إلا استنادا إلى مملكة الضرورة ووعيها ، وتنظيم قوى الإنسان عقلانيا للسيطرة عليها دون الاستسلام لها بأقل الجهود الممكنة ، وذلك بتوفير الظروف ـ على مستوى علاقات الإنتاج وعلى مستوى الشغل ذاته ـ التي هي أكثر تلاؤما مع الكرامة والطبيعة الإنسانيين ، تلك الظروف التي على رأسها تحويل الملكية من ملكية فردية إلى ملكية جماعية ، وكذا امتلاك الوسائل العلمية والتكنولوجية التي تضمن ازدهار القوة الإنسانية التي تشكل غاية في ذاتها.

4)     ومن منظور إسلامي لا يرى محمد باقر الصدر في العمل وسيلة لقتل الرغبة أو

محمد باقر الصدر

محمد باقر الصدر

القضاء على الحرية الإنسانية ، وإنما يرى فيه وسيلة لتأكيد الإنسان لذاته وتطويرها تحقيقا لمهمة الارتقاء الإنساني التي تتحقق من خلال قيم مادية وقيم روحية يؤدي بعضها إلى البعض الآخر ، ويشكل العمل الإنساني وسيلتها.

إن العمل ، وخصوصا العمل الصالح ، يؤدي إلى إثراء الشخصية الإنسانية ونموها ماديا وروحيا ، وقد أعطى الله ذاته المثال بخلق السماوات والأرض عندما خلقهما بتدرج ، ولم يستعمل قدرته لخلقهما دفعة واحدة ، وذلك حتى يعلم البشر أن العمل يتطلب التدرج والجهد والذأب . كما أن إصرار القرآن على أن كل الرسل كانوا يعملون هو تأكيد على منزلة العمل الإنساني في إثراء الشخصية باعتباره وسيلة السمو الروحي من خلال العمل الجسدي.  

بدايات التفكير الفلسفي

9 اغسطس 2008

مدينة أثينااليونان القديمة

موقع مدينة أثينا

عرفت أثينا خلال عهد بريكليس ازدهارا ورفاهية وصلا حد القمة ، وبعد وفاته سنة 429 قبل ميلاد المسيح ، غرقت المدينة اليونانية في أزمة سياسية تواجه فيه أنصار الأوليغارشية وأنصار الديمقراطية. غير أن الصعود القوي والمثير للنظام الملكي المقدوني في عهد فيليب الثاني والإسكندر الأكبر أضعف النفوذ اليوناني إلى حد أن قضى عليه نهائيا غداة اندحار شيروني سنة 338 ق . م .

الملك فيليب الثاني غزوات الإسكندر الأكبر الإسكندر الأكبر

لقد عرفت الفترة الهيلينية انتشار مذهبين فلسفيين سيؤثران لوحدهما في كل الفلسفات التي ستليهما ؛ ويتعلق الأمر بالمذهبين الأفلاطوني والأرسطي . لكن السؤال الذي يطرح ذاته هو كيف يمكن مباشرة الحديث عن هاتين الفلسفتين دون الحديث قبل ذلك عن سقراط الشخصية / وسقراط اللغز ؟ .. ذلك أننا لا نعرف عن سقراط إلا ما ذكره معاصروه ، ولأن الشهادات بشأنه اختلفت وتناقضت ؛ لقد قدمه تلميذه أفلاطون في محاوراته كحكيم يشد خطابه السامع إليه شدا ، ولكن الشاعر الهزلي أرسطوفان يضعه ، على العكس من ذلك في مسرحيته المعنونة ب:les nués et le dépeint   ،في خانة السفسطائيين. من هو سقراط إذن حقيقة؟ ..

سقراط أفلاطون وأرسطو أرسطوفان

 إن اليقين الوحيد هو أنه كان أستاذا وملهما لأفلاطون، ولأرسطو بمعنى ما . وبخلاف ما قبل السقراطيين الذين لا نعرف عنهم إلا بعض الشذرات ، التي وصلتنا عن طريق الصدفة وحدها ،فقد جاءتنا  أعمال أفلاطون كاملة تقريبا، باستثناء بعض المحاورات وعدد من الرسائل غير الأصلية .ويتفق المعلقون على الاعتراف بأصالة المحاورات الأكثر أهمية . أما بخصوص نصوص أرسطو الأصلية فإننا لم نتوصل بها ، ولكننا نحوز محاضر لدروسه لدى تلامذته على شكل مجموعات هي كافية ،من حيث أهميتها وتماسكها، لإعادة بناء مجموع الفلسفة الأرسطية. وفي ما وراء مشكل الأصول هذا ، تختلف أعمال هذين الفيلسوفين من حيث الأسلوب والنط ؛ فمحاورات أفلاطون تتميز بشخوصها العديدين ، وتبعا لذلك ، تتبلور البراهين والحجج ضمنها بطريقة حرة فيما يبدو ، في الانتقال من موضوع إلى آخر ، وباللعب على مختلف الطرق كالعرض المنهجي واللجوء إلى الأسطورة. أما أعمال أرسطو ، فهي على العكس من ذلك موسوعية ؛ حيث يحتوي المنطق الصارم الملاحظة الدقيقة للطبيعة وللأنظمة السياسية . و لا شيء فيما يبدو يفلت من حب الاستطلاع لدى الفيلسوف الذي يتخذ بين لحظة وأخرى هيئة البيولوجي والسيكولوجي والفيزيائي والميتافيزيقي ، منطقيا كان أم بلاغيا . يجعلنا هذان التوجهان نحزر علاقتين متباينتين لهما مع معاصريهم ؛ وهكذا فإن رد فعل أفلاطون اتجاههم تمثل في مجادلة السفسطائيين الذين اعتبرهم في محاورات الشباب الأعداء الرئيسيين للفلسفة ، لأنهم يرفضون كل معايير الحقيقة. أما أرسطو فقد كان  أكثر موضوعية ، وذلك عندما عرض نظريات الأسلاف ، ولكنه ، على كل حال ، لم يتورع عن محاسبتهم أحيانا انطلاقا من نظريته الخاصة وعلى ضوئها، وتلك طريقة مغلوطة في النقد.وبالموازاة مع ذلك نجد تقليدا منحدرا من سقراط متمثلا في المدارس السقراطية الصغيرة ، كالمدرسة الميغارية أو السينيكية ( نسبة إلى الفيلسوف سينيكا ) ، ورثت عن سقراط السخرية والاهتمامات الأخلاقية، و أتباع هاتين المدرستين يجعلون من ذلك ” الذي يعرف أنه لا يعرف شيئا ” الشكاك الأول. وإذا كان التقليد لا يحكم علاقاتهما الفكرية ، فإنه يتوجب مع ذلك التذكير بأن هذه المدارس ساهمت في تعميق الفلسفتين الأفلاطونية والأرسطوطاليسية اللتين تجمدتا بعد وفاة مؤسسيهما، في نزعة دوغماطيقية أقل فأقل احتراما.

جورجياس بروتاغوراس

إن ” صغار ” السقراطيين إذن ساهموا في التمهيد الواضح لكبريات مدارس القرن الثالث قبل الميلاد ؛ فبعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة 323 ق م بدأ العصر الهيلينستي الذي أضحت فيه الثقافة اليونانية ملكا مشتركا بين دول البحر الأبيض المتوسط من مصر إلى إسبانيا.

سينيكا أبيقور

أما أثينا فقد ظلت مركز الحياة الفكرية ، وظلت اللغة اليونانية لغة الفكر والثقافة ، ولكن أيا من فلاسفة القرن 3 ق م لم يكن يونانيا قحا ؛ فغالبيتهم انحدرت من مدن لم تكن تمتلك تقاليد الديمقراطية والاستقلال الوطني التي ميزت أثينا القرن الرابع ق م . . . وهكذا أفلت الاهتمامات والطموحات السياسية لدى الفيلسوف مع لامبالاة أبيقور الذي رأى أن من واجب الفيلسوف أن يعيش على هامش المدينة ، أو وفق التقليد الأبيقوري، حيث تفقد أي مدينة أو أمة معناها الخاص عند انعدام الانتماء  السياسي. إن ما أضحى ذا بال هو الأخلاق ، إلى حد أن أنها تحولت إلى الهدف الوحيد من المعرفة : فالأبيقورية والرواقية تستهدف بناء علم عقلاني للطبيعة لأن فيزياء كهاته ضرورية لامتلاك الحكمة والسعادة.

مفاهيم

9 اغسطس 2008
التقدم
إن العلم لا يطرح على ذاته أبدا مسألة الاستخدام الخطير أو الضار للاكتشافات التي ترسم معالم مساره ؛ فهل يمكننا أن نعتبر المضغة التي نقتطع منها خلايا بغرض استنساخها شخصا من الأشخاص ؟ .. وما هو الشخص ؟ .. إن البحث العلمي ليس من طبيعة أخلاقية. وخارج بعض ردود الأفعال المعزولو ( جاك تيستارت مثلا أوقف تجاربه المختبرية لأنه خمن أنه فتح باب علم تحسين النسل ) فإنه لا يبدو أن أي تحذير قد استطاع وضع حد لنشاط العلماء أو فث في عضدهم. غير أن الفلسفة تستطيع بفضل بعدها الأخلاقي أن تدعو لمزيد من الوعي بالممارسات التي تجلبها الاكتشافات العلمية معها .إلا أن القضية تطرح مسألة معرفة ما إذا لم تكن فكرة التقدم مجرد وهم ؛ فالعلوم التقنية التي ينتظر أن يؤدي تقدمها إلى تحسين ظروفنا الحياتية لم تف بوعودها ، لقد وفرت الآلة على الإنسان الكثير من المهام الشاقة ، لكنها حرمته في الغالب من الشغل .إن فكرة التقدم تصبح حينها ربما ، كما يوحي بذلك جورج كانغليم ( 1904 ـ 1995 ) فكرة منحطة .
وبارتباطها بالإيمان وبالعقل فقد ظهرت فكرة التقدم منذ القرن 16 عند أول انطلاقة علمية ، وقد دافع الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون ( 1561 ـ 1626 ) ، وهو أول المتحدثين عنها ، عن مبدأ تقدم مستمر للمعرفة ، وقد سار على منواله في هذا السبيل كل من ديكارت وكوندورسيه ( 1743 ـ 1794 ) ، هذا الذي مسح طاولة أشكال تقدم الفكر عبر التاريخ.
بيبليوغرافيا :
-          مخطط إجمالي للوحة التاريخية لأشكال تقدم الفكر الإنساني ، دو كوندورسيه ، فلاماريون 1988 .
-          السلالة والتاريخ ، كلود ليفي اشتراوس ، جاليمار ، 1987 .
 

839ima 30143i 707ima 56imag

العقل
ولد العقل بأثينا في الفترة التي كان فيها الإغريق يتعلمون الديمقراطية . ولأن المواطن كان مطالبا بمناقشة القضايا العمومية ، فقد كان مطالبا بتعلم كيفية ممارسة وإصدار أحكامه ، حينها تطورت وتعمقت ضرورة عقلانية كونية كرد فعل على الخطاب البلاغي والكاذب لدى السوفسطائيين ، وكان أفلاطون أول فيلسوف شهر وندد بالجدل الفارغ في بادئ الرأي وأشاد بالعقل ومدحه.
والعقل حسب إيمانويل كانط ليس فقط ملكة للمعرفة بامتياز ، وإنما هو أيضا الملكة التي تقود أفعالنا ، إنه ليس نظريا فقط وإنما هو عملي أيضا بوصفه منبع القانون الأخلاقي والواجب. إن العقل هو الملكة الوحيدة في الإنسان التي تمكنه من إنجاز إضفاء المعنى على حياته. والعقل بالنسبة لباروخ اسبينوزا ( 1632 ـ 1677 ) هو تلك الملكة التي تحررنا من كل المعتقدات المؤسسة على الوحي ، وإنجاز هذا الفيلسوف هو المثال الأكثر كمالا على استخدام العقل في الممارسة الفلسفية؛ إن أخلاقه معروضة في صيغة قضايا وأكسيومات وتعريفات وبراهين ، على قاعدة نموذج العرض الرياضي.
ولقد وجد المذهب العقلاني ذاته في صراع مع التيار التجريبي الذي اعتبر أن نوايا العقل في بلوغ الحقيقة خارج معطيات التجربة نوايا مبالغ فيها ، وسيقول كانط عن الفيلسوف التجريبي دافيد هيوم ( 1711 ـ 1776 ) بأنه أيقظني من سباتي الدوغماطيقي .
بيبليوغرافيا :
-          نقد العقل الخاص ، إيمانويل كانط ، فلاماريون ، 1987 .
-          « Tractatus logico-philosophicus » ، لودفيغ فتجنشتاين ، مكتبة الفلسفة ، جاليمار ، 1993 .
-          عن خطأ وعن صواب لهنري أتلان ، Points sciences ، سوي 1949 .
645ima اسبينوزا

إيديولوجيا هذه الأيام

12 مايو 2008

إيديولوجيا هذه الأيام

فرانسوا برون(*)
يزعم البعض أن ضربا من “المادية الليبرالية” سيمكننا من التخلص نهائيا من التأثير البشع لـ”الأفكار المستوردة”. لكن، وفي نفس الآن، لا يكف هؤلاء المستكتبون أنفسهم عن مخاطبتنا بكلمات مثل: “التقدم”، “التكنولوجيا”، “الاتصال”، “السرعة” و”الحداثة”. وباختصار، لم يكفوا عن تشييد إيديولوجيا جديدة على مرأى ومسمع منا.
هناك خطاب يخترق الغرب في مجموعه يقوم على ادعاء اختفاء الإيديولوجيات. مفكرون ذوو شأن يعلنون ذلك: ففي ديموقراطياتنا المتقدمة أصبح المواطن غير قابل لفعل القولبة والتنميط، انتهت الأخلاق المدينة وعقائد الماضي. انتهت الإيديولوجية البورجوازية الصغيرة المشهر بها في الأمس القريب من طرف رولان بارث. انتهت المجادلات الكبرى بين لغة الخشب الماركسية والمبشرين بالنزعة الاقتصادية الليبرالية؟ لم يعد هناك مجال للنقاش: فإذا كانت الرأسمالية تصدر الليبرالية إلى كل مكان في العالم، أفليس ذلك لأنها تتطابق مع الطبيعة العميقة للإنسان؟..
تضفي الليبرالية على ذاتها أكثر من أي وقت مضى رداء إثبات بسيط لنظام الأشياء، وحيد وغير قابل للدحض. هكذا يصرح آلان مينك من أجل الإنهاء الحاسم لأي نقد:”ليس الفكر، وإنما هو الواقع الذي يتصف بصفة الواحدية”. لم يعد أيضا هناك إذن أي مجال للتفكير: فالواقعي يكفي. والواقعة والقيمة لم يعودا يشكلان إلا شيئا واحدا.
يقدم لنا أرمان ماتلار مثالا عن هذه الظاهرة التي تعممت: “الكليانية واقعة، يقول ماتلار، وهي أيضا غيديولوجيا: فاللفظ يخفي تعقد النظام العالمي الجديد بدل أن يكشف عنه”(1).
ليس في مقدور أي كان إنكار أن الكليانية واقع، فذكر اسمها وحده كاف لتبجيلها فورا باعتبارها إيجابية، حتى بدون التصريح بما يستتبعها (استراتيجيات هيمنية، توحيد أنماط الاستهلاك، التدمير العاصف لمناصب الشغل الخ). نفس الغموض والالتباس نقع فيه بمجرد النطق بلفظ “العولمة”. إننا ننزلق بدون توقف من الإثبات إلى الإكراهات: فالاقتصاد يتعولم، حسنا، إذن عليكم بعولمة اقتصادكم!. وهكذا، فضمن الآثار المتخلفة عن هذه “البديهية”، تدرج الشرعنات المشبوهة لـ”التشدد والصرامة”: فالعولمة ضربة حظ لنا، ولكن حذار، يجب أن نتحول أولا إلى افراد قادرين على المنافسة، وهذا يفترض تقديم تضحيات، وكيفما كان الحال، فأنتم لا تستطيعون الإفلات من “منطق” الاقتصاد العالمي هذا… عليكم إذن أن لا تتجمدوا في خط الدفاع عن المكتسبات الاجتماعية التي أكل عليها الدهر وشرب الخ…
إن انزلاقا كهذا يمكن ملاحظته بخصوص أبعاد متعددة، ويمكن أن نميز بداخل الخطاب الشمولي على الأقل أربع مركبات إيديولوجية كبرى:
1 ـ أسطورة التقدم. أكيد أن التقدم حقيقة واقعة، ولكنه أيضا إيديولوجيا. إن المثل البسيط “لا يمكن إيقاف عجلة التطور” هو مبدأ للإخضاع مكرر مئات المرات، وهو أيضا أمر يومي: فكل منا مطالب بأن يتقدم ويتغير ويتطور. هاك على سبيل المثال السؤال الذي يطرحه صحافي على منشط إذاعي: “عدد أفراد جمهوركم اليوم يصل إلى ثلاثة ملايين مستمع، فكيف تنوون تطوير نشاطاتكم؟”. ولكن لماذا يجب استقطاب مزيد من المستمعين؟.. ذلك لأن التطور يجب أن يكون محسوبا، وهو في الغالب ذو طبيعة كمية. إن هذا الهوس هو بدون شك أصل التعبير المشهور: “التطور السلبي”، فعملية تقهقر للإنتاج الاقتصادي باعتبارها مسألة غير قابلة للتصور، أريد أن لا ترى فيها إلا صورة ماكرة للتطور، ذلك لأنه لا بد من التطور في جميع الأحوال.
وبالعلاقة مع ما ذكرنا، فإن الرعب الأكبر هو أن تكون متخلفا عن الركب: عن ركب ابتكار جديد، أو عن مستوى استهلاك استمعوا لهذه الأخبار المفزعة: “بالمقارنة مع أمم مصنعة أخرى، تعتبر الأسر الفرنسية متخلفة بخصوص تجهيزات الحاسوب!”، “إن فرنسا متخلفة في ميدان الإشهار إذا أخذنا بعين الاعتبار نصيب PIB الذي تخصصه للإشهار عن كل فرد من الساكنة” إن وسائل الإعلام تعشق تعاطي ابتزاز التخلف، وتلك صورة معكوسة لإيديولوجية التقدم.
ألفاظ قريبة من لفظة “التقدم” كـ”التطور” أو “التغير” تستفيد من قبلية إيجابية. إن التغير الواقع، وهو أيضا إيديولوجيا. “كم تغيرتم أيها الفرنسيون!” وهو العنوان الذي اختارته يومية لإثارة انتباه القراء(2): إنه بدون شك تطور حقيقي ما دام عبارة عن تغير. ففيم تغير الفرنسي؟.. في ما أصبح أكثر قربا من أن “يكونه” منه مما “يبدو” أنه سيكونه! إن هذا النمط من التحليل المنحدر من استقراءات الرأي المصطنعة هو المثال النموذجي للأحداث السوسيولوجية المغلوطة نحن في حاجة أكيدة للتغير، يجب أن “يتحرك” مجتمعنا، نحن في حاجة للتطور الذي هو تحسن حتمي. فذاك هو عصرنا.
2 ـ أولية التقنية. التقنية واقع، وهي أيضا إيديولوجيا. وكل ما يقدم باعتباره تقنية، باعتباره وظيفيا، يبدو إيجابيا. لقد حازت التقنية دوما قوة القانون؛ فـ”الأسباب التقنية” هي المستدعاة غالبا لحجب المشاكل الاجتماعية أو الاختيارات السياسية القابلة لأن تكون موضوع أخذ ورد، فمنطق الأنظمة (ومن بينها النظام الاقتصادي) يحظر أن توضع انحرافاته موضع نقاش. وعندما يتم تجريم الاختلال الوظيفي، فذلك من أجل الدعوة إلى مزيد من التقنية من شأنه أن يسمح بالتحكم فيه. إن الإيديولوجية التقنوية تمركز فكر الناس حول الـ:كيف؟ وذلك من أجل إخفاء السؤال المرعب: لماذا؟ وهكذا، فبدل التساؤل عن أسباب وتأثيرات العنف التلفزيوني، يعتقد أننا قمنا بحل المسألة بابتكار “قزم إلكترونيكي Puce” يمكن من ترميز المشاهد المؤلمة. لقد أسلمنا أمرنا لـ”عبقرية” الاختصاصيين، وذلك لأن الخطاب التقنوقراطي الذي يصدر عن أصغر تقني أو أكبر خبير كانت له دوما وظيفة إسكات غير الاختصاصيين، أي الأغلبية الساحقة من المواطنين.
من بين أنواع “التقدم التقني” التي لا تحصى، والتي يعتبر الشك فيها هرطقة وبدعة، يمكننا أن نذكر اثنين عظيمين: الطريق السيار والسرعة. إن الطريق السيار حقيقة واقعة، ولكنه أيضا محض إيديولوجيا. إنه رمز للعالم الموهوب لحرية الفرد المعاصر: سلخ متسارع للمسافات، تقلص للزمان، طريق ملكي للحداثة. إن معنى ضمنيا كهذا للطريق السيار يضمن القبول بدون مجهود يذكر، لمشاريع “طرق سيارة” لا متناهية: فهو يفتح طريقا نحو شعارات يمكن لمعناها أن يجعل عشاق الحرية يطيرون من الفرح: “إن مستبلكم يمر عبر الطريق السيار!” وليس في الأمر ما يذهل أخيرا إذا كانت “الطرق السيارة للمعلومات” ذائعة الصيت تفرض نظامها المشبوه بفعل سحر استعاري بسيط.
إن السرعة حقيقة واقعة. وهي أيضا إيديولوجيا لا تقبل الانفصال عن أسطورة التقدم. كل ما يتحرك في العالم، كل ما يتحرك بسرعة… يتقدم. إن كل حركية هي إيجابية؛ والضرر الأكبر هو أن تكون “متجاوزا”. إن أغلبية المسابقات (= الرياضية) تقوم على قاعدة السرعة، ولكن، وفي جميع الأحوال، يجب أن تتحرك بسرعة، أن تفكر بسرعة، أن تعيش بسرعة. إن السياسي الذي يعد بالتحرك “بسرعة أكبر، وإلى مدى أبعد” هو الذي يقابل تلقائيا بالتصفيقات الحارة، حتى بدون أن يحدد في أي مسار سيفعل ذلك، وهذا بالضبط ما يجعل محاكمة “مجتمع ذي سرعتين” تحافظ ضمنيا على مفهوم السرعة كمعيار قيمي. طبيعي إذ أن تقود دوخة السرعة نحو قبول إجماعي لكل أنواع التطور المعاصرة. يجب أن نركض، أن نلاحق، أن نستقل القطار وهو يسير: فعبادة السرعة تولد بدون حدود نفاذ صبر نزعة الملاحقة.
3 ـ عقيدة الاتصال. لأن إمكانيات التواصل تتضاعف بشكل لا نهائي فمن المعقول الاستجابة لحاجة رائعة كان على الشعوب واجب الإحساس بها. كلمة سحرية تفتح جميع الأبواب، عقيدة يومية نحن منذرون للإيمان بها. إن التواصل هو أيضا الكذبة الإشهارية (التي تماثل بدون وجه حق بين “الإشهار” و”التواصل”) أكثر منه مفتاح النجاح المهني. إيعاز للجميع وللطلبة بالخصوص، ليتعرفوا على التواصل من أجل أن ينجحوا، أن يوجدوا، أن يحبوا وأن يبيعوا، ألديك مشكلة مع مستخدميك؟ مع زبنائك؟ مع زوجتك أو زوجك؟ مع جمهورك؟ مع محكوميك؟ مع شركائك الدوليين؟. إذا كان الأمر كذلك، فلأنك لا تعرف كيف تتواصل.
تجتذب أسطورة التواصل هاته في إثرها ألف لفظة ولفظة من ألفاظ القيمة، هي في نفس الآن موجهات إيديولوجية. لفظة “الربط” La Connexion على سبيل المثال هي تحويل تقني لعبادة الاتصال: يجب أن تربط الاتصال، أن تكون منخرطا في كل مكان، ويكون الوصول إليك سهلا ومتاحا للجميع.
ويكفي كما يظن أن تكون بالقوة (بالإمكان) على اتصال (بواسطة وسائل الإعلام المتعددة الأوجه) حتى تجد نفسك حقا داخلا في علاقة (في وضعية تبادل أصيلة). إن التفاعلية L‘Interactivité إغراء وغواية أخرى للإيديولوجيا الإعلامية تنحدر طبيعيا -كلفظة- من -لفظة- الارتباط Connexion: وهذان اللفظان يستلزمان وحدهما وجود مجموعات تقديرية متعددة، مترابطة وموصولة مسبقا، تنتظر أن يلحق بها اي شخص ليلعب معها لعبة الإنسانية المجتمعة…
لكن يتوجب القول إن التلفزة التي هي ذاتها رؤية عن بعد، انتقائية، جزئية، مضخمة، وأكثر خداعا مما لم تكنه دائما، قد هيأت بشكل واسع هذا الوهم الاتصالي بما هو حس مشترك. منذ مدة طويلة اعتمدت هذه التفاهة المتمثلة في “النافذة المشرعة على العالم” فكرة أننا منكبون -من خلالها- على الواقع كما هو. وهذا وهم مكابر، وذلك لأن التفلزة لم تعد أبدا تعرض واقع العالم أكثر مما تجمع الشعوب حقيقة؛ فالارتواء بالصور لا يعني المشاركة في الأشياء، وقشعريرة الحدث لا تمكن مطلقا من التعرف على المشاكل.
كثيرون هم المحاولون الذين أعلنوا ذلك: فالنظام المتلفز، مأخوذا في كليته، لا يفعل شيئا آخر غير إخضاع المواطن “لتصوره -الخاص- عن العالم”، هذا المواطن الذي يعتقد بسذاجة في هيمنته على العالم عن طريق الرؤية. إن التأثير الحقيقي الإيديولوجي للتلفزيون يتمثل في إقناعنا بديانة العصر التي يريد هو أن يشكل معبدها.
4 ـ ديانة العصر. حقيقة أن العصر هو شيء واقع، ولكنه أيضا أسطورة ملائمة، ألوهية يومية تستدعى لإخضاع الفرد لتعاليم “الحداثة”. إن أشكال التهليل لضروب المواءمة تشد أنفاس المهلل: يجب أن “نكيف أنفسنا مع التطور”، أن “نعيش عصرنا”، وأن “نكون أبناء عصرنا”. ولكن من يقرر ما هو العصر؟ من بين ملايين الوقائع التي تحدث في نفس الثانية، من يستطيع تعيين تلك التي يمكن اعتبارها” وقائع العصر”؟ أهي وسائل الإعلام؟ هل هم المحللون؟ النخب القائدة؟ أم العامة؟..
وللحقيقة، فالعصر بناء سينوغرافي (تصويري)، وما ندعوه “حدثا” هو نتاج انتقاء وتهويل درامي اعتباطي منجز من طرف “نقالي المعلومات” باستخدام الفكرة القبلية التي يكونونها عن العصر. إن من نسميهم “فاعلين” في العالم المعاصر هم بدورهم “صنائع” مفبركة من طرف أولئك الذين يعينونهم: فمن يقرر مثلا أن الشخص الفلاني سيكون “شخصية الأسبوع”، أو الشهر، أو السنة؟ أما الجمهور فهو لا يلعب إلا دور قلب تراجيدي، ذلك القلب الذي تجعله استقراءات الرأي يتخذ موقفا ويعبر عن رأي مفبرك سلفا.
إن وسائل الإعلام تختار -بوساطة شبكة إيديولوجية مشيدة سلفا- الوقائع التي تشكل منها العصر، وذلك كي تطلب من المواطنين في ما بعد الانخراط فيه، وتشعرهم بأنهم مساهمون فيه، بدون أن يسعوا هم أنفسهم إلى اختياره. ومنذ ذاك، فأن يريد المواطن أن يكون ابن عصره يعود إلى تبني “قيم” أولئك الذين يحددون العصر وقيمه.
إن الإشهار مثلا هو فعلا حقيقة معاصرة واقعة، تتم المناداة بأنه ظاهرة مجتمعية. ومبرر أن الأمر يتعلق بواقعة حادثة، لا يتم الكف عن تبريرها باعتبارها قيمة. “كيف يمكن أن نجرؤ على انتقاد الإشهار؟” يردد “الواقعيون” بامتعاض واستياء، فتستطيع الإيديولوجيا الإشهارية أن تنشر أفيونها بدون عائق(3).

عبارات مشبوهة:
بنفس القدر يمكننا أن نتحدث عن الاستهلاك. فالأمر يتعلق حقا بواقع يومي؛ ولكنه بجعلنا غياه مقياسا أكبر لعافية الاقتصاد وحل معضلة التشغيل، بدون إعادة النظر في مفهوم “مجتمع الاستهلاك” حتى، ننعطف لنغرق فيقلب الإيديولوجيا: عين إيديولوجيا النزعة الرأسمالية التي تنتج على المستوى الدولي البطالة لهؤلاء والاستغلال الفاحش لأولئك ابسم الولي الصالح/السوق.
آلاف العبارات المشبوهة، بقلب وسائل الإعلام أو خارجها، تشرعن كل يوم الحقائق الاجتماعية أو الاقتصادية التي تحرم مناقشتها لأنها تنتمي للعصر. وغالبا ما تستخدم هذه المبررات نغمة الاستغراب البريء: فكيف أجرؤ سنة 1996 على الاستمرار في الدفاع عن مبدأ “قطاع عمومي”؟ أيعتبر ممكنا انتقاد استعمال السيارة أو رفض الكهرباء النووية (الناتجة عن استخدام الطاقة النووية؟).. إنك لن تذهب إلى حد التنديد بمكانة الرياضة في التلفزيون!(4).
يلزم أن تحدث قلاقل واضطرابات اجتماعية حتى يمكن فجأة أن تتكسر الواقعية-المزعومة للخطابات الشمولية، وتمكن من تبين الإيديولوجيا المريعة التي تشكل قاعدة انطلاقها(5). ولكن إشراقات جد مختصرة كهاته لا تعوق التشريط السياسي-الإعلامي من أن يعيد غزو حقل وعي المواطنين. إن قوة هذا النسق فعلا تتمثل في كون مختلف “المركبات الإيديولوجية” التي تشكله لا تكف عن التداخل في ما بينها، وعن تدعيم بعضها للبعض الآخر. وعندما يضعف أحدها، يتلقف الآخر المشعل: فهل سيشك في مجتمع الاستهلاك بأنه سيستمر الاعتقاد في معصومية التقدم التقني، سنصبح حذرين إزاء وسائل الإعلام، ولكننا سنحافظ على التمثل العام لـ”الحداثة” الذي تمنحنا إياه. سنأسف للعولمة… إن تعدد ووفرة الأساطير اليومية التي تعبث مستخفة بموضوعيتنا بإعادة تشكيل ذاتها دون توقف تحدث تأثيرا مشوشا يحبط التحليل النقدي. فاين هو الواقعي؟ هل يمكن أن نثق في الآراء السائدة والمتقلبة التي تعرضها عمليات استقراء الرأي المتوالية بدون انقطاع؟(6)
لقد استفحل هذا التشويش الإيديولوجي بفعل أشكال اللاتماسك الملحوظة في ما بين الخطابات المفروضة علينا وتجربة الأشياء التي غالبا ما تكذبها. إن الإيمان والركون إلى السيارة، الطريق السيار والسرعة يفضي إلى امتلاء الطرق والمدن. تصاحب أسطورة الاتصال باتساع ظواهر الانزواء (الوحدة) والإقصاء. والبحث عن جميع أشكال الاتصال ينقلب إلى وسواس معد.
هوامش:
النص المترجم أعلاه مأخوذ عن Manière de voir 1996؛ و”تفكر وسائل الإعلام كما أفكر أنا، مقتطفات من خطاب مجهول” هارماتان، باريس، 1996، عدد استثنائي.
1 ـ السيناريوهات الجديدة للاتصال العالمي “لوموند ديبلوماتيك”، غشت 1995.
2 ـ الإكسبريس، 2 يناير 1996.
3 ـ انظر: الاعتداءات الإشهارية، ص58 (طريقة في النظر، عدد استثنائي)
4 ـ انظر بالخصوص ميشال كايا، رياضة وحضارة، هاراتان، باريس 1996.
5 ـ كانت تلك هي الحالة في فرنسا في ديسمبر 1995.
6 ـ 1139 استقراء للرأي نشرت سنة 1995. (الاقتصادي الجديد، 15 مارس 1996) أي أكثر من 3 استقراءات في اليوم.
——————————————————————————–
(*) فرانسوا بيرون: كاتب “سعادة ملائمة”، كاليمار 1985، و”تفكر وسائل الإعلام كما أفكر أنا”، مقتطفات من خطاب مجهول، هارماتان، باريس 1996. والمقال أعلاه مأخوذ من Manière de voir عدد خاص.

البنيوية وأوربا

3 مايو 2008

من البنية إلى أوربا

كاترين كليمانبقلم: كاترين كليمان*
ينشر لاكان “كتابات”ـه، و فوكو “الكلمات والأشياء”، بارث “نقد وحقيقة”… إنها سنة النور بالنسبة للبنيوية؛ إنها تدشن نزعة إنسانية أوربية جديدة..
ثلاثون سنة مضت منذ أن رسمت سنة 1966 انتصار الحركة البنيوية في فرنسا*. ظهرت في تلك السنة “كتابات” لاكان و”نقد وحقيقة” بارث، “نظرية الأدب” لتودوروف، و “من أجل نظرية للإنتاج الأدبي” لبيير ماشري، بدون احتساب الأعداد المخصصة للنزعة البنيوية من طرف مجلة “الأزمنة المعاصرة والاتصالات “Temps Moderne et Télécommunication… بيد أن ما أبهر الجميع لم يكن هذا الشلال من الأفكار. لا، فالمفاجأة جاءت من نجاحين جماهيريين: لاكان ب 5000 نسخة اختفت في 15 يوما، 50.000 نسخة في المجموع، وفوكو ب 800 نسخة في 5 أيام، 20.000 نسخة في السنة؛ فقد تعلق الأمر بمنهج صارم لتحليل المجتمعات تم نحته ببطء منذ سنوات ما قبل الحرب في مجال الميثولوجيا المقارنة، اللسانيات والإثنولوجيا التي وجدت ذاتها فجأة مقذوفة إلى الواجهة في صف الأفكار المهيمنة على حساب مبدعيها الحقيقيين هؤلاء. وقد ذهب في “الإكسبريس EXPRESS “رونو ماتينيون Renaud Matignon، عضو الفريق الأول لـ Tel quel إلى حد الحديث عن “أطفال 1966″. وفي كتابه التحفة “تاريخ البنيوية” عمّد فرانوسا دوس بدون تردد سنة 1966 باعتباره إياها “سنة النور”.

ألتوسير-فوكو-لاكان

ألتوسير-فوكو-لاكان

بيد أن ليفي استروس، المؤسس الحقيقي للنزعة البنيوية، لم يعره أذنا صاغية. وفي سنة 1970، بعد نشر محاولة خصصتها لإنجازه العلمي(1)، كتب لي رسالة غاضبة بمودة بدعوى أنني حاولت أن أقصيه من الموجة البنيوية: “أنت، وأنا أقر بذلك، التي أجدها غريبة عندما تعلنين عن استثنائي من النزعة البنيوية، وتتركين المجال لمحتلين وحيدين لها: لا كان، فوكو وألتوسير؟.. إن هذه مسألة مغلوطة؛ ففي فرنسا هناك ثلاثة بنيويين أصلاءهم :

دوميزيل - بنفنيست - ك.ل.اشتراوس

دوميزيل - بنفنيست - ك.ل.اشتراوس

بنفنست، دوميزيل وأنا، وأولئك الذين تذكرينهم لا يدخلون ضمن التعداد إلا بفعل تأثير زيغان”. بنفنست اللساني، دوميزيل المثولوجي، وليفي استروس الإثنولوجي. لقد كان على حق تماما، لكن “الزيغ” الذي تحدث عنه لم يكن فارغا من المعنى؛ فوراء الشجرة المتفرعة لبنيوية وفق الموضة، كانت تختفي غابة التاريخ تحت الوجه المقنع لفورة أوربية مذهلة.

الكتب المؤسسة

الكتب المؤسسة

لنعد تناول المسألة. منذ 1949 ظهرت أطروحة ليفي استروس التي كتبت بنيويورك؛ هناك حيث لجأ الأنثروبولوجي خلال الحرب بعد طرده طبقا لقوانين فيشي المعادية لليهود. وقد جذبت “البنيات الأولية للقرابة” انتباه سيمون دو بوفوار وجورج باطاي. سنة 1958، بظهور الأنثروبولوجيا البنيوية (الجزء الأول) انتشر منهج التحليل في العصر الكلاسيكي” : المناقشة التي تمت أمام لجنة تحكيم منبهرة والظهور الذي تم ضمن منشورات بلون أحرزا معا نجاحا هائلا. في 1962 نشر كتاب “نقد العقل الجدلي” وشوهدت الإغفاءة الميتودولوجية الكبرى لجان بول سارتر والعرش ينزع منها من طرف كتابين لليفي استروس هما : “الفكر المتوحش” و “الطوطمية اليوم”؛ فقد أثار الإثنولوجي مع الفيلسوف جدالا حول مفهوم زمن التاريخ، فتأرجحت الوجودية وتراجعت إلى الماضي.

كتابات لاكان

كتابات لاكان

لا “كتابات” لا كان، ولا “الكلمات والأشياء” كانت متطابقة مع هذا التعريف؛ وذلك لأنه إذا كان قد أشير لستروس مرات عديدة في “الكتابات”، وإذا كان مفهوم البنية يزهر في كل لحظة، فإنه استعمل من أجل تخليص التحليل النفسي من تلميعاته البيولوجية أو السيكولوجية بفرض احترام مفاهيم الرمزية ومفاهيم الواقعي والمتخيل على الإنجاز الفرويدي، ولإلقاء الضوء علىالوهم، المرآة وخداع النفس. يتعلق الأمر بعودة لفرويد ولقوة فكرة اللاشعور، ويتعلق الأمر أيضا بقنبلة إيديولوجيا الأنا المحتضنة من طرف التحليل النفسي الأمريكي الذي يدافع عن قضية أديم فيها التفكير بإمعان، ودست كما يجب في “طريقة العيش الأمريكية”. لم تعد لـ”الكلمات والأشياء”

كلمات وأشياء فوكو

كلمات وأشياء فوكو

كبير علاقة بالمنهج البنيوي: فالبرهنة على التفتت المتعاظم لتمثل وفكرة الإنسان هو هدف ميشال فوكو. وموت الإنسان: وإذا كنا نريد أن ننصت بشكل سيء، فإننا سنخلص من ذلك إلى موت النزعة الإنسانية في الوقت الذي تنزع فيه كل الجهود المتراصة، من أي منبع كانت، وعلى النقيض من ذلك لأن تمنح الإنسان، بعد أوشفيتز، كرامة أخرى من جديد. ذلك لأن كل عمالقة الفكر، كيفما كانت أهدافهم من التفكير، هم في بحث دائب عن أخلاق جديدة: أخلاق الرغبة بالنسبة للاكان، أخلاق التحرر بالنسبة لفوكو، الأخلاق الكونية للحفاظ على الأنواع الإنسانية والطبيعية بالنسبة لليفي استروس. دائما.
لقد تحمست الحركة منذ انطلاقها، مبتلعة ومغيبة في حركة تبديد الأوهام ذاتها الشخص، الوعي، الاختيار والتمرد. وباختصار فإن أفضل ما في المذهب الوجودي سقط في الفخ لصالح البنية التي غزت حظوة النقد الأدبي، تحليل الصور السينمائية والإشهارية، المطبخ-ومع الأسف لم تكتسح بعد التلفزة! ولأنها مجالات للسخرية كما تبدو اليوم، فقد كانت بالفعل لأشغال التحويل-من موضوع لآخر-هاته فضائل. ولم يكن من الممكن إيقاف هذا الجموح: فلكونها كانت مضللة بفعل الإفراط، هرولت الفكرة البنوية نحو حتفها ومضيعتها. لقد بدت كأولى العلامات الحذرة على نهضة تحررية : في سنة 1966 كتب سولرز مقالا حول “المتموقعين Situationistes”. ولم يتردد فوكو عن أن يحتمي متذرعا بسارتر الذي دافع عن نفسه تلك السنة كعفريت جميل في عدد من أعداد L’Arc لبرنار بنجو:

ج.ب.سارتر

ج.ب.سارتر

“إن الماركسية هي المستهدفة من وراء الحديث عن التاريخ بطبيعة الحال، ويتعلق الأمر بتشكيل إيديولوجية جديدة كآخر سد تستطيع البورجوازية مرة أخرى أن تقيمه ضد ماركس”. ومبعوثا من جديد إلى الحياة من طرف أطفال “بيبي بوم”، سيحقق الفيلسوف العجوز انتصارا جديدا سنتين بعد ذلك، عندما سينتقم له التاريخ، ذو المعنى أو بدونه، وهو يحتل مركز الصدارة.

السلالة والتاريخ

السلالة والتاريخ

لقد جعل شهر ماي 68 بفرنسا المذهب البنيوي ينفجر، لكن البنيويين الحقيقيين ثبتوا؛ فقد حبك ليفي استروس “ميتولوجيات”ـه: 1967 “من العسل إلى الرماد”، 1968 “أصل آداب المائدة”، 1971 “الإنسان العاري” فنهاية المشوار. أما بالنسبة لجورج دوميزيل الذي أراد أن يكون بحذر “فيلولوجيا”، فنشر سنة 1968، السنة التي كانت خصبة حقا بالنسبة للنظرية البنيوية، جزأين من كتابه ” أسطورة وملحمة”، وهما عبارة عن أشغال انطلقت في الثلاثينات محللة البنيات المشتركة القائمة بين أساطير الهند الفيدية (نسبة إلى فيدا) وأساطير روما اللاثينية ومنطقة توجد بين البلطيق والقوقاز. لقد مات البنيوي: عاش البنيوي! ولكونها (النظرية البنيوية) تخلصت من خوفها من الإعلام، فإن الأشغال استمرت.
لكن، كما سيقول قائل، أين أوربا من كل هذا؟.. لنمهد للجواب. في سنة 1966 انطلقت طائرات الـ52 Bتقنبل الفيتنام، حيث قاتل 267000 جندي أمريكي الشيوعيين بمشقة وعنت. في نفس السنة انسحبت فرنسا من حلف الشمال الأطلسي OTAN: بيد أنه وللدقة؛ كان الحلف الصراعي الغريب في ما بين أوربا وأمريكا، أي شأن العائلة القديم هذا، يمر تحت أرض الحركة البنيوية بفرنسا. وضد “نزعة تاريخية an historisme للثقافة خاصة بالولايات المتحدة لأمريكا الشمالية” سيطلق لاكان، في سنة 1955من فيينا بقلب أوربا العجوز، و بمناسبة إعادة افتتاح الأوبرا، نداءا لحقيقة فرويد. هناك، بأمريكا، كما قال: “فقد التاريخ معناه ما دام قد وجد حده النهائي”. بالسويد، وبكارولينا ريديديفا ابتكر فوكو بمكتبة أوسالا قراءة جديدة للأرشيفات، هذا المنبع الذي لا ينضب لاستكشاف الحمقى، المجرمين، السجناء والمهمشين من التاريخ الأوربي.. إننا ضمن الدراسات الروسية لبروب حول القصة، وبداخل أبحاث جوليا كريستيفا حول باختين نعثر، مرة أخرى ومن جديد، على أوربا. وفي سنة 1966 نشر المؤرخ جورج دوبي “أوربا الكاتدرائيات”.
ومع ذلك تظل غامضة في أذهان الناس أوربا هاته التي ولدت سنة 1950 مع برنامج الفحم والفولاذ الذي وضعه

روبير شومان أب الاتحاد الأوربي

روبير شومان أب الاتحاد الأوربي

شومان، والذي حلت محله سنة 1967 معاهدة أوربا؛ فلفظة “الأوروقراط” التي ظهرت سنة 1965 باعثة على الغيظ. ومع ذلك، فإن الانتشار البنيوي زرع في ما بين الكتلتين زاوية أوربية في حالتها الخالصة؛ بالصراع من جهة ضد الهيمنة الأمريكية، وضد تحريف الشيوعية من جهة أخرى. وتمت مباشرة المعركتين باسم أوربيين هما: فرويد وماركس. بعد ذلك، وبوضع المتاريس، كما حدث سنة 1848 بأوربا أجمعها، أعاد ماي 68 ربط الصلات مع التقليد الأوربي المتمثل في الانفجارات الثورية. بعد ذلك بقليل سيعيد المؤرخون الفرنسيون: دوبي، لوروا-لادوري، لوجوف عقارب الساعة وسيضبطونها على الساعة الحقيقية، وسيجددون ربط خيوط أوربا بالعصر الوسيط، باستلهام بنيويين حقيقيين هما: دوميزيل وليفي استروس. أما فيرنان فسيعثر من جديد على جديد اليونان؛ حيث اكتشف ليفي استروس الممر المؤدي من الأسطورة إلى المنطق. إن الرحلة الطويلة للفكرة الأوربية التي بدأت غداة الحرب انطلاقا من فعل إيماني لآباء أوربا على قاعدة برنامج مارشال والمساعدات الأمريكية، قطعت المحيط الأطلسي، صدّرت النزعة البنيوية واجتاحت

الجنرال شارل دوغول

الجنرال شارل دوغول

الأنتلجنسيا النيويوركية : وهكذا عادت البضاعة إلى مرسلها، لقد مرت (الفكرة) عبر المقاومة التحررية لماي 68 ببراغ وباريس وانتهت تراجيديا بتشيكوسلوفاكيا بفعل الاجتياح السوفياتي وانتخابيا بفرنسا بفعل انتصار الجنرال دوغول. بعد ذلك، شيدت الفكرة الأوربية بفضل المؤرخين الفرنسيين والإيطاليين. وبإعادة تأمينها على قواعد جديدة عادت النزعة الإنسانية الأوربية من جديد. بيد أنه حدث قبل ذلك، مع ثورة العمال بيولونيا في السبعينات، أن شققت شروخ غير مرئية حائط برلين.
لكن كلود ليفي استروس وحده-المعتبر حسب القاموس الإثنولوجي “أمريكي النزعة” اختصاصيا في هنود أمريكا- هو الذي هاجم بجد فعلا النتائج الفلسفية للفكر البنيوي على النزعة الإنسانية الأوربية؛ ففي سنة 1977، أحد عشرة سنة بعد “سنة النور”

ليش فاليسا

ليش فاليسا

صاغ ليفي استروس أمام البرلمانيين نقدا جذريا للنزعة الإنسانية لحقوق الإنسان التي وضع لها تعريفا جديدا مستوحى في نفس الآن من الرواقيين ومن فلسفة الهنود الحمر والفكر المتوحش. وبتأسيسها على احترام كل الأنواع الحية التي ينتمي إليها النوع الإنساني، بدد الفكرة الديكارتية لإنسان هو “سيد الطبيعة ومالك لها”، وجعل هذا الإنسان ملزما بخدمة الطبيعة وحمايتها. ثم إن أستاذ الفكر البنيوي الفرنسي وحده فقط هو من سيضع أسس إيكولوجيا فلسفية: باستباق النتائج البشعة للعولمة

الإنسان البدائي

الإنسان البدائي

المتلاطمة كالأمواج اليوم؛ فقد كان متقدما على زمانه بعشرين سنة كما كان الحال

ربيع براغ

ربيع براغ

ذلك لأنه حول معنى التاريخ بالتأكيد سيتم انعطاف الأفكار؛ فتقدم التاريخ باعث على الوهم حسب ليفي استروس، وتقدم العقل كذلك باعث علة الوهم حسب فوكو : فليس للتاريخ من معنى أو اتجاه والعقل يهذي. إن البذور المزروعة خلال قرن من التفكير الأوربي انتجت بفرنسا ورودا غير منتظرة: على سبيل المثال “الفكر المتوحش” هذا الذي رد الاعتبار لمنطق أولئك الذين اعتبروا ” بدائيين”؛ شعوب متروكة حتى ذلك الحين في بحر ما قبل تاريخ الأفكار، والتي لا يتخلى تماسك منطقهم عن شيء، مع ذلك، كما برهن على ذلك ليفي استروس، لعقل الفلاسفة الغارقين دوما في الأسطورة بدون أن يشعروا بذلك في كل الأحيان. بيد أننا نتساءل: من هم زارعو البذور الأولى؟.. إنهما بالنسبة للجميع ماركس وفرويد. ماركس؛ لأنه مع مفهوم الإيديولوجيا العاكسة للبنى التحتية مرر مقدمات نظرية الوهم. وفرويد؛ لأنه باكتشافه اللاشعور دمر صورة الوعي الحر. ولكونه رج من جهة، بفعل مفهوم الايديولوجيا، ومن جهة أخرى بفعل فكرة اللاشعور، فقد انهدم تمثال الحرية المنتصرة، وبذلك انطلقت القذيفة.

البذور الأولى

البذور الأولى

في سنة 1964 نشر لويس ألتوسير لدى ماسبيرو في مجموعة “نظرية” كتابين كان لهما شأن: “دفاعا عن ماركس”، و “قراءة الرأسمال”، وهو إنجاز جماعي لتلامذته: رانسيير، ماشري، باليبار وإيسطابلي. إن نقد التاريخ بمساعدة البنية قضم من النظرية الماركسية ما كان لديها من مكونات مسيحية، وأخذ الحزب الشيوعي المهاجم باسم ماركس شخصيا يصدر صريرا. وأخيرا في سنة 1966 أنهى كتاب لاكان “كتابات” وكتاب فوكو “الكلمات والأشياء” المهمة: وذلك لأن “سنة النور” هاجمت بعنف الأسس الأوربية للنزعة الإنسانية لعصر الأنوار.

"دفاعا عن ماركس" و "قراءة الرأسمال"

"دفاعا عن ماركس" و "قراءة الرأسمال"

Image9بيد أن المنهج البنيوي المحدد من طرف ليفي استروس كان قد أغوى الناس قبلا. وباعتباره متولدا من جهة عن فكرة البنية الاجتماعية المأثورة لدى الأنثروبولوجيا الأنجلوساكسونية، و بالخصوص لدى رادكليف براون، ومن جهة أخرى عن الأعمال اللسانية لرومان جاكوبسون وريث سوسور وتروبتسكوي، دخل المنهج البنيوي في إطار الأنثروبولوجيا البنيوية. إن بنية ما هي نسق يتكون من عناصر مترابطة في ما بينها، وكل تغير يقع لإحداها يؤدي إلى تغيير مجموع العناصر. يتعلق الأمر إذن ببناء نموذج ينتمي إلى مجموعة من التحولات كل منها يقابل نموذجا من نفس الأسرة يمكنه أن يسمح بتوقع تغيراته في حالة تغير أحد عناصره. أخيرا، وبالأخص، “يجب أن يبنى النموذج بطريقة تمكن وظيفته (أي أداءه لوظائفه) من الأخذ بعين الاعتبار لكل الظواهر الملاحظة”. وفي سنة 1964، ولوضع المنهج على المحك مع “المطبوخ و النيء” الجزء الأول من عمله الكبير: علوم الأساطير، بنى ليفي استروس نموذجا يسمح بالأخذ بعين الاعتبار لكل الأساطير الأمريكية-الهندية (أساطير الهنود الحمر) من جنوب إلى شمال القارة الأمريكية والمنتمية لنفس عائلة الأساطير، مع التغيرات المتتالية المحصية بدقة، ومجموع تحولات المجموعة تبعا لطرق السرد المختلفة لدى قبائل متعددة.

ــــــــــــــــــــــ
- ليفي استروس أو البنية والتعاسة La structure et le malheur (بيبليوغرافيا الجيب).
(1) فيلسوفة، روائية، كاترين كليمان نشرت مؤخرا La putaine du diable (منشورات فلاماريون)
حيث رسمت على شكل رواية التاريخ الثقافي لما بعد الحرب.
(*) كتبت المقالة سنة 1996.

tatoo1

هكذا تكلم دريدا

2 مايو 2008

هكذا تكلم دريدا

انطفأت شمعة جاك  دريدا يوم 9 أكتوبر 2004 ، ولقد كان لفرانز أوليفيي جيسبير حظ  الالتقاء مع هذا الفيلسوف اللامع والكبير لمرات متعددة . ..

ومنذ موته يوم السبت الأخير ، لم يعد بإمكان الفرنسيين أن يجهلوا أن جاك دريدا كان الفيلسوف المعاصر الذي عرفت أعماله أكبر قدر من التعاليق والترجمة. لقد التقينا عدة مرات ، وفي أحد الأيام سجلت معه حوارا أردته أن يكون في متناول الجميع ؛ أي ضربا من المدخل العام لأعمال هذا الفيلسوف ، وذلك للتعريف به بشكل أفضل . وفي يوم 29 يونيه ، وهي آخر مرة نتناول فيها طعام الغذاء سوية ، سلمته مسودة الحوار لإدخال تعديلاته عليها ، لكنني لم أتمكن بعدها من لقائه ، فقد كان يعاني كثيرا من مرض السرطان ، كما كان منشغلا بمحاضراته وسفرياته ، لذلك فإنني أنشر هنا ـ وللتاريخ ـ نص الحوار الذي دار بيني وبينه دون تعديل.

لوبوان : إذن فأنت الفيلسوف المعاصر المقروء والمذكور أكثر من غيره .

جاك دريدا : ( يضحك ) لست أنا هذا الشخص الذي تتحدث عنه . . .

لوبوان : أتريد أن تقول إنك لست في مستوى ذلك

ج د : بالعكس ، لكنه ليس أنا ؛ فعندما أكتب أو أتحدث إلى الجمهور ، يكون هناك دائما أنا آخر بداخلي يلاحظ ويحلل ، ومن ثم ينتابني  نوع من الضيق : أحيانا لا أشتكي من ذلك ، بل أقول لنفسي بأنه علي أن أفعل ما هو مطلوب لكي أغدو ذلك الشخص ، لكنه يتوجب علي بدون توقف، حتىأستمر في العمل والتفكير، التخلص من هذا الشخص الذي تتحدث عنه.

لوبوان : إذن فأنت تسافر كثيرا لكي تفلت من قبضة هذا الشخص؟

ج د : أنا في حاجة للسفر لأفهم ما يحدث في العالم ، لكنيي أعلم أيضا أنه لا يمكن أن أبقى في فرنسا دون أن أشعر بالاختناق.

ل : لماذا ؟ ..

ج د : لأبسط . . . يبدو لي أن المسرح الثقافي والفلسفي في فرنسا يظل رغم بعض الاستثناءات جد محدود وجد محلي ، وهو أيضا أكثر سلبية في علاقته بي أنا خاصة .

ل : إن الأجانب يحبونك ، أما الفرنسيون فيكرهونك ، لماذا ؟ ..

ج د : ( صمت ) هذا ما أحاول فهمه .

ل : ألا تكون غيرة زملائك منك هي سبب ذلك ؟ ..

ج د : تلك ظاهرة كلاسيكية ودائمة العود ، والفلاسفة لا يقرأون في غالب الأحيان في بلدانهم كما يقرِأون خارجها.

ل : أنت بدورك لا تبذل مجهودا كبيرا بهذا الصدد ؛ فأنت أكثر غموضا واستغلاقا على الفهم .

ج د : لو كنت غامضا ومبهما لكان ذلك صحيحا أيضا بالنسبة لكتبي المترجمة إلى اليابانية أو الإنجليزية ، بيد أن الناس يقرأون كتبي هناك كثيرا … إنني أرفض تهمة الغموض والإبهام ؛ فذاك مبرر ينطوي على سوء نية.

ل : كيف أصبح دريدا ما هو إياه ؟ .. والذي أشعل شرارة موهبتك الفلسفية ؟..

ج د : لقد ترعرعت بالجزائر في كنف أسرة لم يكن ببيتها كتب ، ولم أكتشف جان جاك روسو ونيتشه أولا إلا بالمدرسة ، ثم اكتشفت بعدهما أندريه جيد وفاليري . في البداية لم أكن أميز بين الفلسفة والأدب ؛ فقد كانت لدي على الخصوص رغبة في كتابة روايات أو أشعار، وأن أصير أستاذا للآداب لكسب القوت، ولم أختر الفلسفة إلا عندما كنت داخليا بالجزائر ، مع استمرار اهتمامي بالآداب ، وهذا هوما دفع البعض إلى اتهامي بخلط الأصناف والاهتمامات ، وتلك مشكلة قديمة قدم التاريخ.

ل : ألديك حنين دائم إلى الجزائر ؟ ..

ج د : نعم بطبيعة الحال ، فكل ما يحدث هناك يؤثر في بشكل كبير.

ل : لماذا يحيق بالجزائر إلى هذا الحد ما يمكن أن نسميه الشقاء العربي ؟ ..

ج د : إن التراجيديا الجزائرية تفسر في جزء كبير منها بظاهرة الاستعمار؛ فعندما قرر البلد التحرر من الاستعمار ، كان النموذج الذي وجده أمامه هو نموذج الدولة / الأمة الأوربية الحديثة ، إلى جانب الأسلحة ، أي البدائية باختصار ، ومن هنا التراجع والانحطاط الذي تلا ذلك والذي كان اقتصاديا وإيديولوجيا ودينيا.

ل : هل كنت من أنصار استقلال الجزائر باعتبارك فرنسيا؟ ..

ج د : إنني كنت أتفهم طموحات الجزائريين ، كما كنت في الآن نفسه أتمنى أن يتم إيجاد نوع من التنظيم السياسي يمكن فرنسيي الجزائر من البقاء فيها.

ل : لقد كانت الجزائر تحتاج لرجل شبيه بمانديلا . . .

ج د : إن مانديلا مطلوب في كل مكان وعلى صعيد كل القارات ، وحتى يومنا هذا فالأمور ليست على ما يرام بجنوب إفريقيا.

ل : لقد غادرت الجزائر سنة 1949 لتصبح داخليا بباريس بليسي لويس الأكبر ، فكيف عشت تلك الحقبة من تاريخك ؟ ..

ج د : من الجزائر البيضاء ، وصلت إلى باريس المدينة السوداء ، ولأنني كنت داخليا لأول مرة في حياتي ، فقد شعرت بنفسي كما لو كنت سجينا ، لقد كنت في السابعة عشرة من عمري وكنت أبكي كطفل صغير .

ل : أكانت لديك نماذج ؟ ..

ج د : لقد كنت أقدر سارتر وأحلم بسذاجة بأنني على صورته ؛ أي فيلسوفا يكتب الروايات ، وكنت قد تأثرت في السابق بأندريه جيد الذي قرأته بجنون من كتابه ” Paludes ” إلى كتابه ” اللاأخلاقي ” ، وهو بالنسبة لي لم يكن رومانسيا وإنما كان رجل أخلاق ، لقد كان يقول لنا كيف يجب أن نحيا ونعيش ، والفلسفة في العمق كانت دوما تلك طبيعتها من وجهة نظري : أي البحث عن أخلاق وعن نمط للعيش والحياة.

ل : ألديك إحساس بأن الفلسفة تقدمت بالفعل منذ أفلاطون وأرسطو إلى أيامنا هاته ؟ ..

ج د : أصل الفلسفة والتفلسف هما أفلاطون وأرسطو ، وبعدهما لم يحدث سوى أن الفلسفة عرفت تحولات مع كانط أو هيجل ، لكن لا يمكننا الجزم بأنها تراجعت وتقهقرت ، لا بد من الحديث عن التراكم والتركيز والإنجاز . وحتى إذا كان ديكارت قد حاول محو أرسطو ، فنحن نعلم أنه لم ينطلق من الصفر ، إذ يمكن الذهاب إلى أن ديكارت هو وريث أرسطو .

ل : في كتابه ” Apories إحراجات ” أوضحت أن الفلسفة مجموعة من الإحراجات ، وأن أفضل وسيلة لممارستها تتمثل في مقاومة التناقضات . . .

ج د : لا . . لا يتعلق الأمر بالمقاومة ، بل بالتحمل والجلد ؛ فالإحراجات لا يمكننا مقاومتها لأنها على درجة كبيرة من القوة .

ل : إذن فأنت تتألم كثيرا وتعاني ؟ ..

ج د : (ضحك) أقضي الوقت في المعاناة. إنني لست مازوخيا ، لكنني أجدني دائما محاصرا بإيعازات متنافرة ، فمثلا فيما يتعلق بالحوار الذي نجريه الآن ، أقول لنفسي من جهة إن من واجبي أن أتواصل مع الآخرين ، كما أعتقد من جهة أخرى أنه لا يمكن معالجة موضوعات هي بهذه الدرجة من الأهمية من خلال بضع كلمات : فهذا عمل لا مسؤول . لا بد من محاولة إيجاد التوافق الأقل عرضة للاتهام ، إذن فأنا أتفاوض مع نفسي.

ل : ما الذي يمكن أن تكون عليه مكانة الفلسفة اليوم في المدينة؟ ..

ج د : لقد حاول أفلاطون أن يفرض القانون الفلسفي على ديكتاتور سيراكوس الصغير فعرفت محاولته إخفاقا يدعو للرثاء. إن كل فيلسوف يحلم ومنذ القديم وبدرجات متفاوتة أن يكون مستشارا للأمير فيالظل ، ويجب تصفية الحساب مع هذه المحاولة. لكنني بالمقابل أؤمن كثيرا بالتحالف في ما بين الشأنين السياسي والفلسفي ؛ فبخصوص القضايا الأوربية أو التغيرات التي يعرفها القانون الدولي على سبيل المثال ، يلجأ السياسيون في الغالب إلى الفلاسفة ، ومعهم الحق في ذلك ؛ فالشأن السياسي هو شأن فلسفي في العمق ، كما هو حال الشأن القانوني أيضا ، والتفكيك يساعدنا على التفكير بشكل أفضل في هذه الأمور.

ل : إنك الفيلسوف الذي ابتكر فكرة التفكيك ، أليس ذلك هو سر نجاحك ؟ ..

ج د : إنني أجد في كل مكان أذهب إليه ، في الشرق الأوسط والصين ، في اليابان والولايات المتحدة أن مفهوم التفكيك يلاقي رواجا وإقبالا كبيرين ؛ فنحن بحاجة إليه دون شك كي نفهم عالمنا الذي نعيش فيه بشكل أفضل.

ل : كيف تعرف مفهوم التفكيك ؟ ..

ج د : يتعلق الأمر أولا بتحليل شيء ما تم بناؤه وتشييده ، ومن ثم فهو غير طبيعي ، ثقافة ما أو مؤسسة ما أو نص أدبي أو نظام لتأويل القيم ، وباختصار ببناء Constructum ، والتفكيك ليس هو التدمير ، إذ هو ليس مسعى سلبيا ، وإنما هو تحليل جينيالوجي لبنية ما مبنية ونريد تفكيكها.

ل : إن الإنسانية لم تنتظر مجيء دريدا لكي تمارس عملية التفكيك وتتعلمه . . .

ج د : بالفعل ، فقد مارسته على الدوام دون أن تعرف أو تفطن ذلك؛ فمكا إن يقع حدث ما مثلا حتى نجد أن التفكيك يغشى المكان ، إن الحدث ليس قابلا للبرمجة لأنه يأخذنا على حين غرة ، إنه يصيبنا بالاضطراب ، والحدث هو التفكيــك .

ل : ألا يمكننا القول إن التفكيك هو الصيغة الحديثة للفكر النقدي؟ ..

ج د : نعم، بكل تأكيد ، مع إضافة أن التفكيك يتصدى أيضا لفكرة النقد ذاتها ، أنا لست ضد النقد ، بل أعتقد أنه يجب الدفع به إلى أقصى حد ممكن ، لكن هناك دائما لحظة يحدث أن أسائل نفسي فيها عن من أين جاء ، وباختصار ، فإن التفكيك لا يمكن إرجاعه إلى النقد ، فهو ليس سلبيا ، إنه فكرة نعم مؤكدة في التقليد الكبير ، أي التقليد النيتشوي.

ل : ما هو الإجراء الذي نقوم به عندما نقرر ممارسة عملية تفكيك شيء ما ؟ ..

ج د : يجب التوجه في البداية نحو الآخر ، والاعتراف به وفهمه إذا كان الأمر يتعلق بنص ، وأنا عندما أفكك أتساءل دائما عما يشكل فرادة وكلية النص ، عن الشخص أو عن الأمة التي أدرسها ، هذا هو ما يجعل من التفكيك قبل كل شيء إشارة أو علامة على الاحترام والمحبة.

ل : ألا يكون للشخص دائما ، عندما يكون فيلسوفا من فلاسفة التفكيك ، نزوع إلى تقطيع الشعرة إلى أربعة قطع ؟ ..

ج د : أنا لا أفهم لماذا يؤاخذونني بكوني أعقد الأمور ، كما لو أن الأشياء بسيطة ؟ وأنا أعتقد أنني أكون قد بسطتها غاية التبسيط قبلا عندما يتعلق الأمر بآخر ، بك أنت ، بي أنا ، بثقافة ، بلغة أو مؤسسة.

ل : وهذا ما يجعلك لا تحب الكلام أمام العموم ..

ج د : نعم ، وقبلا عندما أكتب أكون خائفا من التبسيط ، لكنني عندما أتكلم ، فالأمر يكون أسوأ من ذلك .

ل: هل تقرأ النصوص دائما عندما تقدم محاضرات؟ ..

ç     ج د : نعم ، دائما ، حتى عندما أدرس أيضا

ل : أتعتقد أنه ليس بالإمكان تبليغ الأفكار إلا عن طريق الكتابة ؟ ..

ج د : إنني لا أستطيع أن أفكر دون أن أكتب ، حتى إذا كان يحدث لي غالبا أن أفكر وأنا أتمشى أو أقود سيارتي ، وأنا أكون مرغما على الكتابة إذا كنت أريد أن أنظم خطابي.

ل : هل أنت من الذين يعتقدون أن المكتوب مهدد اليوم ؟ ..

ج د : نعم ؛ فالكتاب مهدد بأشكال أخرى من القراءة ، وأنا لدي تعلق لبيدي وحسي بالكتاب ، إنه يضمن الدقة وكذا عمليتا الذهاب والإياب ، لكنني لا أعترض على ضرورة تطوير أدوات إعلامية أو دعامات أخرى ، كالحاسوب والويب والبريد الإلكتروني التي من فضائلها توسيع حقل الاتصال والتواصل.

ل : إنك تهتم منذ مدة طويلة بما تسميه تكنولوجيا الاتصال عن بعد« Télétechnologie »

ج د : نعم ، غير أن بنية ” الاتصال ” قديمة قدم الإنسان ؛ إن الكتابة هي ذاتها “اتصال” ما دام هدفها ، كما يشير إلى ذلك روسو ، هو الاتصال عن بعد ، وما يحدث اليوم ، مع وساعة الاتصال هو أنه يمكننا أن نتواصل في أي مكان وفي اللحظة ذاتها.

ل : هل تقلقك العولمة المتسارعة لمجتمعاتنا ؟ ..

ج د : إن ما يقلقني هو إضفاء التجانس والنمطية على الثقافات وأشكال الهيمنة التي تتستر خلفه ، غير أنني أهنئ نفسي على أن مجتمعات جد منغلقة بدأت اليوم تنفتح وتتحرر بفضل العولمة ، و لا يمكن للمرء أن يكون ضد ذلك.

ل : من بين الظواهر التي تتعولم اليوم هناك ظاهرة التوبة ، فكيف تفسر الظاهرة وأنت من درسها لمدة طويلة ؟ ..

ج د : أولا بظهور مفهوم قانوني جديد على المسرح العالمي هو مفهوم الجريمة ضد الإنسانية ، ثم بفعل ما يمكن تسميته بحق تمسيح العالم (من المسيحية).

ل : إن الجميع يقول بأنهم يتخلصون من المسيحية !..

ج د : بالعكس ؛ حتى إذا كانت المسيحية في تراجع من جهة الدعوات الربانية وزيارة المعابد ، فإن وجهة نظرها هي في طريقها لتفرض ذاتها في كل مكان ، حتى بالبلدان التي لم يكن فيها أبدا أي تأثير يذكر للمسيحية . إن هذا الخطاب الأوربي حول الحق ، والذي أصبح مهيمنا وسائدا ، هو حامل لثقافة إبراهيمية ـ يهودية وإسلامية ، ولكنها مسيحية على الأخص ، وذلك لأن الصفح والتسامح هو أولا وقبل كل شيء مفهوم مسيحي . عندما يطلب وزير ياباني الصفح ، فهو يتحدث المسيحية ، والديبلوماسية والجغرافيا السياسية والشأن الإنساني أو القانون الدولي هي اليوم ، وبشكل واضح وجلي ، ذات استلهام مسيحي.

ل : إنك تقول هذا في الوقت الذي أضحت فيه الكنيسة هدفا بدل أن تكون مرجعا

ج د : الكل يعرف منذ زمن لوثر أن النزعة المعادية للمسيحية قابلة للتشبيه بالمسيحية ، لقد كان لوثر يدعي أنه يشتغل على التدمير ، وهي الفكرة التي تلقفها بعده هايدغر ، لكن الأمر كان يتعلق فعلا بالتفكيك وليس بالتدمير.

ل : كيف تفسر أننا نجد في زمن التوبة الكاملة بلدا مسيحيا، مثل الولايات المتحدة، يقوم بشكل كثيف وبضمير مرتاح، بإعدام المحكومين لديه بالإعدام؟

ج د : إن الكنيسة لم تقم في يوم من الأيام بإدانة الحكم بالإعدام ، أما في فرنسا فقد تم ذلك سنة 1978 من خلال إعلان أصدره بعض رجال الدين ، لكن الفاتيكان امتنعت بالكامل عن القيام بذلك ، ولو نظرنا إلى المسألة تاريخيا ، لوجدنا أن الكنيسة كانت على الدوام مؤيدة للحكم بالإعدام.

ل : أين تموقع نفسك في إطار الجدل الفلسفي الكبير والمتعاظم الدائر حول حقوق الحيوانات ؟

ج د : إن العلاقة بين الإنسان والحيوان هي أيضا في طريقها للتغير ، غير أنني لا أعتقد أن ذلك سيتحقق عبر القانون والحقوق ؛ فمن يتكلم عن الحقوق يتكلم عن الواجبات ، و لا أتصور حيوانات تحترم واجباتها

 ل : وأنت ، هل أنت عاشب أم لاحم ؟

ج د : ليس بالمعنى الدقيق ، فحتى عندما يكون لديك نزوع لأكل أقل ما يمكن من اللحم ، فأنت تأكله على الأقل رمزيا

ل : ماذا تعني ؟

ج د : إن علاقتنا بالآخر هي دائما علاقة آكل لحوم البشر بفريسته ، والرغبة هي عملية أكل للحم البشري ، والكلام أيضا ، لكنه يبدو لي أن ما نفعله بالدجاج والخراف والخنازير في المزارع وفي المجازر هو بشع تماما ، وسأحاول أن أدرس في الشهور المقبلة الأسس السياسية للعنف اتجاه الحيوانات. لقد كانت الحيوانات في العصر الوسيط تحاكم ويتم إعدام الخنازير في الساحات العمومية وتصدر الأحكام على الذباب بالنفي، أما اليوم فيتم قتل الحيوان دون محاكمته. لقد قال ثيودور أدورنو إن الطريقة التي يتحدث بها الفلاسفة عن الحيوانات هي جوهر الفاشية ذاته ، وهو يرى أن الشتائم الموجهة للحيوانات هيمن نفس طبيعة الشتائم التي نكيلها للماديين واليهود أو النساء.

ل : لقد كتبت في مكان ما قائلا إننا لا نستطيع أن نتفلسف دون تحليل نفسي ، لكن هل يمكننا أن نتفلسف بدون أديان ؟

ج د : لا بطبيعة الحال ، أنا لست متدينا و لا أمارس شعائر أي دين ، لكنني أنظر إلى ظواهر الإيمان بجدية فائقة

ل : هل أنت مؤمن بالله ؟ .. بشكل دائم أم أحيانا . . .؟

ج د : أنا بداخلي ربما هنالك طفل لا زال يؤمن بالله ، لكن هذه ليست حال الفيلسوف البالغ

ل : ألم يحدث لك أن صليت ؟

بلى ، إنني أصلي طيلة الوقت ، لكن بطريقتي الخاصة ، وفي كل الأحوال غالبا ما أصلي ، لكنني، وبطبيعة الحال ، لن أصلي في الكنائس و لا في معابد اليهود

 ل : هل يتعلق الأمر بصلوات أم بتراتيل ؟

ج د : لنقل إن الأمر يتعلق بتراتيل لا تماثل الطقوس والشعائر القائمة

ل : طقوس تتوجه نحو كائن أعلى وأكبر من كل الموجودات ؟

ج د : لا ، هي طقوس تروم كائنا تتوجه نحوه ، إن المسألة ليست مسألة حشمة أو حياء ، غير أنه يصعب علي أن أقول أكثر مما قلت.

ل : هل تشعر بأنك يهودي ؟

ج د : هنا أيضا يصعب علي أن أجيب عن سؤال كهذا ببضع كلمات ، لقد ولدت يهوديا في كنف أسرة تحترم الشعائر والطقوس ، بما فيها طقس الختان، لكن بدون ثقافة يهودية عميقة ، وبالفعل ، فأنا أشعر بأنني يهودي ولست يهوديا على الإطلاق ، حتى إذا كان بالإمكان اعتباري يهوديا قحا بفعل محبتي للأسفار التي ليست لها أية علاقة بيهوديتي ؛ فأنا أكن الحب لجذوري : الجزائر أو اللغة الفرنسية ، وأنا مزدوج اللغة وجد فرانكفوني.

ل : ما هي الأشياء التي تحترمها اليوم ؟

ج د : أحب أن أحترم ؛ فكل الأشخاص الذين أتحدث عنهم في كتاباتي ، حتى عندما يتعلق الأمر بنصوص متقطعة ، هم أشخاص يجب أن أعترف بأنني أحترمهم.

ل : بعض الأسماء

ج د : هيلين سيسكو مثلا ، فهي كاتبة كبيرة ، غير أنني وددت أن أحترم أيضا بعض الشخصيات السياسية ، لكنني وجدت ذلك صعبا علي

ل : هناك بطبيعة الحال بعض الاستثناءات

ج د : نعم بطبيعة الحال ، مانديلا ، دوغول خصوصا ، حتى عندما كنت مناهضا للدوغولية في الستينيات ، فقد كنت مأخوذا بشخصية دوغول الذي عرف كيف يزاوج بين كل الأشياء ، المنظور والحساب ، المثالية والتجريبية ، لقد استطاع بفعل حذقه ، ككل السياسيين الماهرين ، أن يربطها كلها بأفكاره العظيمة واكتشافاته اللفظية وإنجازاته المسرحية في ندواته الصحفية.

ل : وميتيران ؟

ج د :لقد التقيته عدة مرات وقد أثار إعجابي ، حتى ولو أن لديه وجهات نظر ضيقة نسبيا بخصوص الأدب أو الفلسفة ، فقد كان رجلا مغرما بالكتب ، وقد كنت أود أن أحترمه.

ل : ألا زلت تضع مسافة بينك وبين السياسة ؟

ج د : لم يكن بمستطاعي أبدا أن أمارس هذه المهنة ؛ ففي كل مرة اقتربت فيها من الوزراء ، فابيوس ، شوفينمان أو لانج في الثمانينيات مثلا ، استطعت أن ألاحظ أن لا أحد من الناس يعاني من قلة الحرية مثلما يعاني هؤلاء ؛ إنهم “عبيد” تطوقهم آلة ضخمة ، ويرتعدون من الخوف أمام أسيادهم غير المرئيين .

الشغل ـ المبادلات

27 أبريل 2008

ضرورة وخصوصية العمل الإنساني

ضرورة الشغل

إن طبيعة متميزة بالكرم الزائد ستأخذ بيد الإنسان بدون شك معيقة إياه عن أن يطور ذاته إذا لم تجعل من تطوره ضرورة مملاة عليه من طرف غريزة حب البقاء.

كما أن أسطورة الفردوس المفقود ( خاصة في العهد القديم ) والتي تتحدث عن ” عصر ذهبي ” لم يكن العمل فيه لازما أو ضروريا ، تشهد زيادة على ذلك على أن الإنسان العامل هو كائن خاضع لإكراه وضرورة قاسيين يتمثلان في الشغل .

من السهولة بمكان القول على أنه فيما يتعلق بالسعادة ، فإن أناس العهود الغابرة حرموا منها أناس العهد الحاضر بشكل تام ” هكذا صرح أفلاطون في كتابه ” السياسة ” (272.B ) . يجب أن نتصور أن عقابا إلهيا حل بالإنسان ( أنظر الإنجيل) أو بعض الثورات الكونية ( أفلاطون ) حتى نفهم هذه العبودية وهذا التعذيب الذي تم إخضاع الناس له منذ ذلك الحين ( اللفظ الفرنسي Travail مشتق كما نعلم من الأصل اللاتينيTripalium  وهي الكلمة التي تعني ” أداة التعذيب ” ) .

 

هل يمكن الحديث عن ” شغل ” حيواني ؟ ..

إن الحيوانات بدورها ، وبمعنى من المعاني ، ” تعمل ” بكل تأكيد ؛ فهي تبني أعشاشا ومساكن كالنحلة أو القندس . . . الخ ، لكنه الحيوانات لا تنتج إلا ما تحتاجه هي أو صغارها فورا فقط ، ومن ثمة فهي لا تعمل إلا استجابة لضرورة الحاجة الفيزيقية الفورية ، في حين أن الإنسان يعيد إنتاج ما أنتجه ويغير الطبيعة بأكملها تبعا لمشيئته ورغبته.

إن عجز الأدوات التي يمتلكها الإنسان في الأصل ( أعضاؤه ) والتي يستخدمها لتدبير معاشه، هو بالضبط ما يكره الإنسان على استخدام ذكائه المبدع : ” في العمل الغريزي ” يقول برجسون في هذا السياق ، وبعبارة أخرى لدى الحيوانات المحمية عموما من البرودة والمسلحة بشكل أفضل من الإنسان ، فإن ” التمثل معاق من طرف الفعل ” ( التطور الخلاق ، 1907 ) ، وأيضا ، فإذا كان هناك ” عمل ” حيواني ، فإنه لا يوجد بالتأكيد ، أو مطلقا ، أي تطور في هذا النوع من النشاطات أو الأعمال اللحظية . 

 

العمل الإنساني يحكمه وعي الهدف المراد تحقيقه

ذلك أن العمل الإنساني مقاد في كليته من طرف وعي الهدف المراد تحقيقه. ” إن النحل ، كما أشار إلى ذلك كانط ( 1724 ـ 1804 ) ، لا يؤسس عمله على أي تفكير عقلي خالص ” ( نقد ملكة الحكم ، 43 ـ 1790 ) . أكيد أن ” العنكبوت يمارس عملا مشابها لعمل الحائك ، والنحلة تماثل عن طريق بناء خلايا العسالة وإلى حد كبير عمل ومهارة المهندس ، غير أن ما يميز منذ البداية أسوا المهندسين عن النحلة الأكثر مهارة  ، كما يشير إلى ذلك ماركس ، هو أن المهندس يبني الخلية في ذهنه أولا قبل أن يبنيها ويشيدها في العسالة ( رأس المال ، الكتاب I ، المقطع III ، الفقرة 7 ، 1867 ).

 

الشغل والمبادلات حسب الاقتصاديين الكلاسيكيين

القيمة الإستعمالية والقيمة التبادلية

يجب أن نلاحظ ، كما ينبهنا آدم سميث ( 1723 ـ 1790 ) وهو الأب المؤسس الحقيقي للاقتصاد الكلاسيكي ، إلى أن للفظ قيمة معنيان مختلفان : فهي تعني أحيانا ” منفعة شيء خاص ” ؛ أي قيمته الاستعمالية، وأحيانا تعني ” القدرة التي توفرها حيازة هذا الشيء لشراء بضائع أخرى ” ، أي قيمته التبادلية ( آدم سميث ، أبحاث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم ، 1776).

إن الأشياء التي لها أكبر قيمة استعمالية ليس لها في الغالب إلا قيمة تبادلية نسبية أو ليست لها هذه القيمة إطلاقا ، والعكس بالعكس ؛ فليس هناك ما هو أكثر نفعا من الماء ، غير أننا لا نستطيع أن نشتري به أي شيء.أما اللؤلؤة بالعكس من ذلك ، فليس لها تقريبا أية قيمة استعمالية ، لكننا نستطيع مبادلتها بكمية كبيرة من البضائع.

 

المصلحة الفردية هي الهدف الوحيد من المبادلات حسب الاقتصاديين الكلاسيكيين

في كل الأنواع الحية تقريبا ” كما يشير إلى ذلك آدم سميثإذا بلغ أي كائن كمال تطوره يغدو مستقلا تمام الاستقلال ، وكلما ظل على حالته الطبيعية ، فإنه يستطيع الاستغناء عن مساعدة كل المخلوقات الحية. لكن الإنسان في حاجة دائمة تقريبا لمساعدة بني جنسه ، وهو يتوقع منهم ذلك بدون جدوى انطلاقا من اهتماماتهم وحدها ، إلا أنه سيكون متأكدا من النجاح لو أنه حرك فيهم مصالحهم الشخصية وأقنعهم أن مصلحتهم الخاصة تتطلب منهم أن يعملوا ما ينتظره منهم ” ( سميث ، أبحاث حول طبيعة وأسباب ثروة الأمم I ، 2 ـ 1776 ) .

 

الإنسان بوصفه إنسانا اقتصاديا

إن من يقترح على شخص آخر صفقة ما يخاطبه عموما بالعبارات التالية : ” أعطني ما أنا في حاجة إليه ، وستحصل مني، بالمقابل، على ما أنت في حاجة إليه ” . إننا إذن، كما يستنتج ذلك سميث ” لا ننتظر من الجزار أو بائع الجعة أو الخباز أن يوفر لنا عشاءنا بفعل الاهتمام بنا وحده ، بل بفعل الفائدة التي يجلبها توفير هذا العشاء لمصالحهم ، إننا لا نتوجه بالخطاب لإنسانيتهم وإنما لأنانيتهم ” ( نفس المرجع السابق ) . ومن هذا المعتقد الذي يوجد بشكل طبيعي لدى كل واحد منا وفقه استعداد للتبادل مع أمثاله ينبع التعريف ” الليبرالي ” للإنسان باعتباره إنسانا اقتصاديا Homo-économicus .

 

تقسيم الشغل

في العصور القديمة

لقد رأى كتاب وفلاسفة العصور القديمة بالخصوص في تقسيم الشغل ضمانة لجودة المنتوجات المصنوعة . ” إن أشخاصا مختلفين يتلاءمون مع القيام بمهام مختلفة ” ، هذا ما أكده سقراط في كتاب جمهورية أفلاطون ( الكتاب II ، 370 B ) : وذلك لأن ” الطبيعة لم تخلق كل واحد منا مشابها للآخر ، وإنما مختلفا عنه من حيث القدرات ومهيأ لهذه الوظيفة أو تلك ” ( نفس المرجع ) .

 

في القرنين 18 و 19

إنتاج أكثر بشكل دائم وبسرعة أكبر من سابقتها ، تلك كانت الطموحات الكبرى لدى الرأسمالية الوليدة والصناعة الكبرى بالخصوص. وأيضا فإن الاقتصاديين الكلاسيكيين ـ آدم سميث وجان بابتيست ساي ( 1767 ـ 1832 ) وريكاردو ( 1772 ـ 1823 ) . . الخ ، جعلونا نلاحظ على الأخص أن تقسيم الشغل المدفوع دائما نحو التعمق مكن من الرفع من مردودية العامل.

” إننا نفقد الكثير من الوقت بالانتقال من نوع من الشغل إلى نوع آخر ” كما قرر سميث في ( أبحاث حول طبيعة وأسباب ثروة الأمم ، I ، 2 ) ولهذا السبب فقد حل تكليف العامل المعاصر بمهمة محددة محل مهنة القرون الوسطى التي كانت أقل كآبة وتخصصا بشكل لا يقبل المقارنة.

 

الشغل المجزأ ( فريدمان )