Category Archives: فلسفة

سراب تغريب العالم

ليست التنمية التي يتم تقديمها غالبا كما لو كانت الحل الأمثل لكل مشاكل الجنوب إلا الوجه الآخر لتغريب العالم . وسواء كانت هذه التنمية ” مستديمة ” أو ” قابلة للدوام ” أو ” داخلية ” ، فإنها تندرج دائما ، وبصورة عنيفة نسبيا ، في إطار منطق التدمير المرتبط بالتراكم الرأسمالي ؛ إنها تعني الفوارق وتدمير البيئة والثقافات ، في حين أن بالإمكان تصور حلول أخرى تأخذ بعين الاعتبار تنوع المجتمعات واختلافها ، حلول تتأسس على تجارب اقتصادية غير تجارية تمت ممارستها هنا أو هنالك في أصقاع العالم المختلفة .
سراب تغريب العالم
عن : لوموند ديبلوماتيك ، عدد ماي 2001
الخلاص النهائي مما يسمى التنمية
تشبه ” التنمية ” إلى حد بعيد نجمة ميتة لا زلنا نرى بريقها حتى وإن انطفأت منذ مدة طويلة جدا وإلى الأبد
جيلبير ريست (1)

سيرج لاتوش

لقد مضت ثلاثون سنة على ميلاد أمل جديد ، أمل بالنسبة لشعوب

العالم الثالث هو بنفس عظمة الأمل الذي شكلته الاشتراكية بالنسبة لبروليتاريي البلدان الغربية ، أمل هو مشكوك فيه ربما بشكل كبير بالنظر لأصوله وأسسه ، ما دام الإنسان الأبيض قد حمله معه قبل أن يغادر البلدان التي سبق له أن استعمرها بعنف . غير أن المسؤولين والحكام والنخب بالبلدان الحديثة العهد بالاستقلال قدموا لشعوبهم هذه التنمية في الأخير كما لو أنها الحل الأمثل لكل مشاكلها .

لقد ركبت الدول الفتية صهوة المغامرة بشكل غير محكم ربما ، لكنها مع ذلك حاولت ، وفي الغالب بعنف ومجهود يائسـين . وقد كان المشروع ” التنموي ” هو المشروعية الوحيدة المعلن عنها لدى النخب التي هي في السلطة . أكيد أننا نستطيع أن نماحك إلى ما لا نهاية لمعرفة ما إذا كانت أو لم تكن الظروف الموضوعية لنجاح المغامرة الحداثية متوفرة بعد ، وبدون أن نفتح هذا الملف الضخم ، فإن كل شخص سيعترف بأن هذه الشروط لم تكن أبدا مواتية لا لتنمية قائمة على التخطيط و لا لتنمية ليبرالية .
لقد كانت سلطات الدول الجديدة المستقلة حديثا واقعة في براثن تناقضات لا حل لها ؛ فلم تكن قادرة لا على إشعال شرارة التنمية و لا على بنائها ، ومن ثمة لم تكن قادرة لا على رفض التبني أو الإنجاح لعملية تبييئ كل ما يسهم في التحديث : التعليم ـ الطب ـ العدالة ـ الإدارة ـ التقنية . إن ” الفرامل ” و ” العوائق ” و ” حالات الحصر ” من كل لون ، وهي المعشوقة لدى الاقتصاديين ، جعلت نجاح المشروع الذي يستلزم الانخراط في المنافسة العالمية في عصر ” العولمة الأعظم ” نجاحا لا يتمتع إلا بقليل من المصداقية .
إن التنمية القابلة نظريا لإعادة الإنتاج ليست كونية و لا تقبل أن تكون كذلك ، وذلك أولا لأسباب إيكولوجية : إذ أن محدودية الكرة الأرضية تجعل تعميم نمط الحياة الأمريكي مستحيلا ومتفجرا .
ومفهوم التنمية ذاته واقع في إحراج أو برهان ذو حدين : فهو إما يشير إلى كل شيء ونقيضه ، وبالأخص مجموع التجارب التاريخية للدينامية الثقافية في تاريخ الإنسانية ، للتجارب التاريخية من إمبراطورية الصين إلى إمبراطورية الأنكا ، وإذ ذاك لن يكون هناك أي معنى مجد لإنعاش وتنشيط سياسة ما ، بل يتطلب الأمر التخلص منها ، وإما أن لها محتوى خاصا ، وهي تحدد إذ ذاك بالضرورة ما تحوزه مما هو مشترك مع التجربة الغربية لـ ” إقلاع ” الاقتصاد كما تم وضعها منذ الثورة الصناعية بإنجلترا ما بين 1750 و 1800 ، وفي هذه الحالة ، فكيفما كان النعت الذي نلصقه بها فإن محتواها الضمني أو الصريح يتمثل في التنمية الاقتصادية وتراكم رأس المال مع كل التأثيرات الإيجابية والسلبية التي عرفناها ونعرفها .
غير أن هذه النواة الصلبة ، والتي هي قاسم مشترك بين حالات التنمية المختلفة وهذه التجربة هي مرتبطة بـ ” قيم ” تتمثل في التقدم والكونية والسيطرة على الطبيعة ، وكذا العقلانية الكمية . هذه القيم ، وبالأخص منها قيمة التقدم ، لا تتطابق أبدا مع طموحات كونية عميقة . إن هذه القيم مرتبطة بتاريخ الغرب وليس لها إلا صدى خافت في المجتمعات الأخرى (2) : فالمجتمعات الإحيائية على سبيل المثال لا تشاطر الغرب معتقد السيطرة على الطبيعة ؛ ففكرة التنمية هي فكرة مفرغة تماما من المعنى ، والممارسات المرتبطة بها هي ممارسات يستحيل بشكل صارم التفكير فيها ووضعها موضع التنفيذ لأنها مما هو محرم و ما لا يمكن التفكير فيه (3) . إن هذه القيم الغربية بالضبط هي ما يجب أن يوضع موضع تساؤل من أجل إيجاد حل لمشاكل العالم المعاصر وتحاشي الكوارث التي يقودنا الاقتصاد العالمي نحوها .
لقد كانت التنمية الحركة الأبوية الكبرى ( ” البلدان الغنية تضمن مآل ومصير البلدان الأقل تقدما ” ) التي غطت تقريبا فترة ” الثلاثينيات الظافرة ” (1975 – 1945 ) . لقد اقترنا بالتعدية وكل هذا انتهى إلى الإفلاس ، ودليل ذلك هو أن المساعدة المحددة في %1 من الناتج الداخلي الخام PIB لبلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) إبان العشرية الأولى للتنمية لدى الأمم المتحدة سنة 1960 ، والتي تم تخفيضها إلى %0,70 سنة 1992 بريو ، وسنة 1995 بكوبنهاغن لم تصل إلى حدود %0,25 سنة 2000 !(4) . وكدليل آخر أيضا هو كون معظم معاهد الدراسات أو مراكز الأبحاث أغلقت أبوابها أو هي في حالة احتضار.
إن أزمة النظرية الاقتصادية للتنمية المعلن عنها سنة 1980 هي في لحظاتها الأخيرة : فنحن في حضرة تصفية حقيقية ! إذ لم تعد التنمية تثير أحدا في المحافل العالمية ” الجادة ” : صندوق النقد الدولي FMI والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة OMC . . . الخ ، بل لم تتم حتى الإشارة إلى هذا ” الشأن ” في ملتقى دافوس الأخير . كما أنها مسألة لا تتم المطالبة بها في الجنوب إلا من قبل بعض ضحاياها وأتباعها المخلصين: أي المنظمات غير الحكومية ONG التي تتعيش منها (5) ، كما أن الجيل الجديد من ” المنظمات غير الحكومية بدون حدود ” محور أيضا ” تجارة الصدقة ” بشكل كبير حول الشأن الإنساني والتدخل العاجل أكثر مما محورها حول الانطلاقة الاقتصادية .
وزيادة على ذلك فقد كانت التنمية ضحية إفلاسها الذي لا يقبل الجدل بالجنوب بشكل أقل من نجاحها بالشمال . إن هذا ” الانسحاب ” المفهومي ( التصوري ) يتطابق مع التحويل الناجم عن ” العولمة ” وما يعتمل خلف هذا الشعار المخادع . لقد كان المنتظر أن تنتهي تنمية الاقتصادات الوطنية ، وبشكل أوتوماتيكي تقريبا ، بجعل الاقتصادات عابرة للأوطان وبجعل الأسواق شمولية.
لا يوجد في اقتصاد معولم أي مكان لنظرية خاصة بالجنوب ؛ فكل مناطق وجهات العالم هي منذ اليوم ” نامية ” (6) ، ومقابل عالم واحد هناك فكر واحد وأوحد ، كما أن رهان التغيير ليس سوى اختفاء ما يمنح أسطورة التنمية بعض التماسك ، ألا وهو Trickle down effect أي ظاهرة الانعكاسات الإيجابية على الجميع .
استعمار المخيالات
لقد ضمن توزيع ثمار النمو الاقتصادي بالشمال ( من خلال التوافق الكينزي ـ الفوردي ) ، بل وحتى فتاته بالجنوب ، تماسكا وطنيا معينا ، إلا أن الشعارات الثلاث ( التحرير ـ الانفتاح ـ التعامل المباشر بدون وسيط ) أطاحت بالإطار الدولتي للتقنينات ممكنة بذلك لعبة الفوارق والتفاوتات من أن تتوسع بدون حدود . وقد بلغ تقاطب الثروة في ما بين الجهات وما بين الأفراد قمما غير مسبوقة . وإذا كانت الثروة على مستوى البسيطة ، حسب التقرير الأخير لبرنامج الأمم المتحدة حول التنمية قد تضاعفت ست مرات منذ سنة 1950 ، فإن العائد المتوسط لسكان 100 بلد من 174 بلد محصي هو في تراجع كلي كما هو شأن معدل أمل الحياة . إن الأشخاص الثلاثة الأكثر غنى في العالم يحوزون ثروة أكبر من الناتج الداخلي الخام لـ 48 بلدا من البلدان الأفقر في العالم ! وتتجاوز ممتلكات 15 شخصا من الأشخاص الأكثر غنى الناتج الداخلي الخام لكل بلدان إفريقيا ما وراء الصحراء . وأخيرا فإن ما يحوزه 48 شخصا من الأغنياء يتجاوز الناتج الداخلي الخام للصين بسكانها البالغ عددهم 1,2 مليار نسمة .
في هذه الأوضاع لم يعد هناك مكان للحديث عن التنمية وإنما فقط عن التقويم الهيكلي . وبخصوص البعد الاجتماعي يتم بشكل واسع استدعاء ما سماه بيرنار هورس بظرف زائد ” الإسعاف العالمي ” الذي تشكل المنظمات غير الحكومية الإنسانية ، وكذا المتدخلون في حالات الطوارئ أداته الأساسية (7) . وفضلا عن ذلك فإذا كانت ” الصيغ ” والتعابير تتبدل بشكل كبير ( وليست وحدها التي تتبدل ) ، فإن مخيالا بأكمله يظل هناك ملازما لمكانه . وإذا لم تكن التنمية غير استمرار للاستعمار بطرق ووسائل أخرى ، فإن العولمة الجديدة بدورها ليست إلا استمرارا للتنمية بطرق ووسائل أخرى ، والدولة تنمحي وتتوارى خلف السوق . إن الدول / الأمم الشمالية التي سبق لها أن كانت حذرة حذرا شديدا من انتقال المؤشر من الاستعمار إلى الاستقلال تختفي من الواجهة لتحل محلها ديكتاتورية الأسواق ( التي سبق لهاته الدول أن نظمتها وشيدتها …) مع أداتها التدبيرية المتمثلة في صندوق النقد الدولي FMI الذي يفرض على البلدان المتخلفة برامج التقويم الهيكلي . إننا نعثر دائما على تلازم بين تغريب العالم واستعمار المخيال عن طريق التقدم والعلم والتقنية . ولقد تم دفع إضفاء طابع الاقتصاد والتقنية إلى حدوده القصوى . لقد ساهم النقد النظري والفلسفي الجذري الذي مارسته بشجاعة جماعة صغيرة من المثقفين المهمشين ( كورنيليوس كاستورياديس ـ إيفان إيليتش ـ فرانسوا بورتان ـ جيلبير ريست على الخصوص ) في الانزلاق البلاغي ، لكن هذا الانزلاق لم ينته إلى إعادة النظر في قيم وممارسات الحداثة .
وإذا لم تعد البلاغة الخالصة للتنمية والتطبيق المرتبط بـ ” الخيرتوقراطية ” الإرادوية تغري أحدا ، فإن مركب الاعتقادات الإيسكاتولوجية ( الخاصة بعلم الآخرة )في ازدهار مادي ممكن بالنسبة للجميع هو مركب يمكن أن نعرفه بأنه ” نزعة تنموية ” يظل على حاله بدون مساس .
إن إفلات التنمية من موتها يتمظهر على الأخص عبر الانتقادات التي شكلت موضوعا وهدفا لها ، ومحاولة لتلافي تأثيراتها السلبية فقد تم الدخول بالفعل في عصر التنميات ( بالمفرد ) ” à particule  “(8) ؛ فقد شهدنا تنميات ” متمركزة حول ذاتها ” ” داخلية ” ، ” مساهمة ” ” جماعية ” ” مندمجة ” ” أصيلة ” ” مستقلة ذاتيا وشعبية ” ” عادلة ” ، دون الحديث عن التنمية المحلية والميكرو ـ تنمية والتنمية الداخلية ، بل وحتى التنمية الإثنية ! وبذلك قاد ذوو النزعة الإنسانية طموحات الضحايا ووجهوها . وتظل التنمية المستديمة أكبر نجاح لفن التشبيب والتلميع هذا لما تقادم وعلاه الصدأ ؛ لقد شكلت فبركة مفاهيمية استهدفت تغيير الكلمات في غياب تغيير الأشياء ، إنها بشاعة لفظية بفعل تناقضها المخادع ، وبذلك فإن ” المستدام ” هو ما مكن المفهوم من أن يعمر ويضمن البقاء على قيد الحياة .
في كل هذه المحاولات من أجل تحديد تنمية ” أخرى ” أو تنمية ” بديلة ” يتعلق الأمر بمداواة ” مرض ” لحق التنمية بشكل عرضي لا بشكل خلقي ، وكل من تجرأ على مهاجمة هذه النزعة التنموية ستقلب عليه حجته بدعوى أنه أخطأ الهدف ولن تقبل إلا بالنسبة لبعض أشكال التنمية الفاسدة ” التنمية المعوجة ” . لكن هذا القول الصاد المصنوع بالمناسبة ليس سوى خرافة ضالة ، فالشر في مخيال الحداثة بالفعل ليس بإمكانه أن يحقق التنمية لسبب وجيه وهو أن التنمية هي التجسيد الفعلي للخير . إن التنمية ” السليمة ” ، ولو أنها لم تتحقق في أي مكان ، هي عبارة عن حشو في الكلام ، وذلك لأن التنمية بالتعريف تعني نموا ” سليما ” ، وذلك أيضا لأن النمو هو بدوره عبارة عن خير ، و لا يمكن لأي قوة من قوى الشر أن تعلو عليه . إن غزارة الحجج ذاتها بخصوص خاصيته النافعة هي ما يكشف ويفضح بشكل جيد احتيال المفهوم المحصن أو إحدى جزيئاته (مكوناته ).
إنه من الواضح أن ” التنمية القائمة فعلا ” ـ بنفس الشكل الذي نتحدث به عن ” الاشتراكية الواقعية ” ـ أي تلك التي هيمنت على البسيطة منذ قرنين من الزمن ، هي ما يخلق المشاكل الاجتماعية والبيئية الحالية : إقصاء ، كثافة سكانية ، فقر ، تلوث بمختلف الأشكال . . . الخ ؛ فالنزعة التنموية تعبر عن المنطق الاقتصادي بكل صرامته ، و لا يوجد مكان في إطار هذا النموذج لاحترام الطبيعة المطالب به من قبل الإيكولوجيين ، و لا لاحترام الكائن الإنساني المطالب به من قبل ذوي النزعة الإنسانية .
إن التنمية القائمة فعلا تبدو إذن في حقيقتها هي والتنمية ” البديلة ” كخداع ومخاتلة . ومن خلال إلصاق هذا النعت بها ، فإن الأمر لا يتعلق حقيقة بإعادة النظر في التراكم الرأسمالي ، بل يتم التفكير على أكبر تقدير في أن إضافة بعد اجتماعي وبعد إيكولوجي للنمو الاقتصادي كما أمكن إضافة بعد ثقافي إليه في السابق . ومن خلال الانكباب على العواقب الاجتماعية ، كالفقر ومستوى المعيشة والحاجات الأساسية ، أو على الأضرار اللاحقة بالبيئة ، فإنه يتم تحاشي المقاربات holistes أو الشمولية لتحليل لدينامية البسيطة ، لآلة تقنو ـ اقتصادية أعظم تشتغل من خلال المنافسة المعممة بدون رحمة ، وهي منذ الآن بدون وجه .
ومنذ ذاك ، فإن النقاش بخصوص لفظة التنمية يتخذ كامل أبعاده ؛ فباسم التنمية ” البديلة ” يتم أحيانا اقتراح مشاريع أصيلة وجد متنوعة مناهضة للنزعة الإنتاجية وللرأسمالية ، مشاريع تستهدف إزالة آفات ” التخلف ” وتجاوزات ” التنمية المعوجة ” ، أو بكل بساطة تصفية العواقب المدمرة للعولمة . إن مشاريع هذا المجتمع المرجو لم تعد لها أية علاقة مع التنمية إلا ” عصر الوفرة لدى المجتمعات البدائية ” أو النجاحات الإنسانية والجمالية القيمة لدى بعض المجتمعات ما قبل الصناعية التي تجهل كل شيء عن التنمية (9) .
الإسم الآخر للحرب الاقتصادية
لقد عشنا هذه التجربة بكل أبعادها في فرنسا ذاتها ، أي تجربة التنمية ” البديلة ” ؛ وقد تمثلت في تحديث الفلاحة في ما بين السنوات 1945 و 1980 كما تمت برمجته من قبل التقنوقراطيين ذوي النزعة الإنسانية وتم تنفيذه من قبل المنظمات غير الحكومية المسيحية التي هي متوأمة مع المنظمات غير الحكومية التي تجتاح بلدان العالم الثالث (10) . لقد شهدنا عمليات المكننة والتركيز والتصنيع بالبوادي ، وكذا إثقال كاهل الفلاحين بالديون والاستخدام الكلي للمبيدات والأسمدة الكيميائية وتعميم التغذية الواطئة . . .
وسواء أردنا أم لم نرد فلم يكن بإمكان التنمية أن تكون مختلفة ومغايرة لما كانته ولما هي إياه : أي عملية تغريب العالم . إن الكلمات منغرسة في التاريخ ، إنها مرتبطة بتمثلات تنفلت في الغالب من قبضة الوعي لدى مستخدميها لكنها مسيطرة على عواطفنا . هناك كلمات لطيفة ، كلمات تبعث على السعادة ، وهناك كلمات جارحة ، هناك كلمات تجعل شعبا بأكمله في حالة هياج وتربك العالم ، ثم هنالك كلمات سامة ، كلما ت تتسرب إلى الدم كمخدر فتفسد الرغبة وتشوش على ملكة الحكم ، وكلمة التنمية هي من هذه الكلمات السامة . إن بالإمكان بكل تأكيد أن نعلن منذ اليوم بأن ” التنمية السليمة تتمثل أولا وقبل كل شيء في إغناء ما صنعه الآباء ، أي أن تكون لك جذور (11) ” أي تعريف كلمة بنقيضها . لقد كانت التنمية دائما وستكون ، وهي أولا وقبل كل شيء عبارة عن عملية اجتثاث للجذور ، فقد أحدثت في كل مكان تعميقا للتبعية والخضوع للغير على حساب الاستقلال الذاتي للمجتمعات .
هل يجب أن ننتظر أربعين سنة أخرى حتى ننتبه إلى أن التنمية هي التنمية القائمة فعلا ؟ ..فليس هناك شيء آخر غيرها . والتنمية القائمة فعلا هي الحرب الاقتصادية ( مع المنتصرين فيها بطبيعة الحال ، لكن وبشكل أكبر مع المنهزمين فيها أيضا ) ، هي الاستنزاف بدون حدود للطبيعة ، هي تغريب العالم وجعل الكرة الأرضية على نمط واحد ، وهي أخيرا تدمير كل الثقافات المغايرة .
وهذا هو السبب في أن ” التنمية المستديمة“، أي هذا التناقض في العبارات ، هي في نفس الآن مرعبة وباعثة على اليأس وفقدان الأمل ! فقد كان بإمكاننا على الأقل مع التنمية غير المحتملة أن يكون لدينا أمل بأن يكون لهذه السيرورة القاتلة نهاية ، وأن تكون ضحية لتناقضاتها ولكبواتها ولطبيعتها التي لا تحتمل بفعل استنزاف الموارد الطبيعية . . .
بذلك يمكننا أن نفكر ونعمل من أجل ما بعد التنمية ، وأن نصنع ما بعد حداثة يتسمان بالقبول . وعلى الأخص إعادة الاعتبار للشأن الاجتماعي والسياسي في علاقات التبادل الاقتصادي ، إعادة تحديد هدف المصلحة العامة والحياة الكريمة في التجارة الاجتماعية ، وذلك لأن ” التنمية المستديمة ” تحرمنا من أي أفق للخروج منها ، لأنها تعدنا بالتنمية إلــى الأبد .
لا يمكن للبديل أن يتخذ صيغة نموذج أوحد ؛ فما بعد التنمية هو بالضرورة تعددي ؛ فالأمر يتعلق بالبحث عن أنماط وضروب للازدهار الجماعي لن تعطى فيها الأولوية لازدهار مادي مدمر للبيئة وللحمة الاجتماعية . إن هدف العيش الكريم يتخذ صورا وصيغا متعددة بحسب السياقات .
وبعبارات أخرى فإن الأمر يتعلق بإعادة بناء ثقافات جديدة ، ويمكن أن نسمي هذا الهدف بالعمران ( الازدهار ) كما هو الحال لدى ابن خلدون أو swadeshi – sarvodaya ( تحسين الظروف الاجتماعية للجميع ) كما هو الحال لدى غاندي ، أو bamtaare ( أن نكون معا في أحسن حال ) كما هو الحال لدى التوكولور . . . المهم هو أن يعني ذلك القطيعة مع آلة التدمير التي تدوم وتستمر تحت اسم التنمية أو إسم العولمة . و لا يمكن أن يتعلق الأمر لدى المقصيين والمنكوبين جراء التنمية إلا بنوع من التركيب في ما بين التقاليد المفتقدة والحداثة العصية على الاختراق . إن هذه الإبداعات الأصيلة التي يمكن أن نقف هنا أو هنالك على بدايات لها ولعملية إنجازها تشرع أبواب الأمل في تنمية يمكن أن نعتبرها ما بعد التنمية.
—————————————————————————–
1)جيلبير ريست ، ” التنمية ، تاريخ معتقد غربي ” صحافة العلوم السياسية ، باريس ، 1996 ، ص : 377 .
(2 إقرأ جان مارك إيلا ، ” مسارات النهضة الإفريقية ” مانيار دو فوار رقم 51 ، إفريقيا الناهضة ، ماي ـ يونيه 2000 .
(3أنظر بخصوص هذا الموضوع على الأخص جيلبير ريست ، نفس المرجع السابق .
(4 إقرأ جان بيير كوت ” التعاون الفرنسي في حالة فشل ” ، لوموند ديبلوماتيك ، يناير 2001 .
(5 ” لقد انتهت كلمة التنمية ، كما قال برتراند كابدوش في خاتمة كتابه (المسيحيون بالعالم الثالث) [كارتالا ، باريس 1990 ص : 255 ] بفقدان جاذبيتها بفعل العديد من التجارب الفاشلة ، غير أنها تظل التعبير الوحيد المتقاسم من طرف كل البشر للتعبير عن آمالهم ” .
(6لقد كان على الاقتصاد الاجتماعي للتنمية أن يحل منذ ذلك الحين محل علم الاقتصاد العادي ، غير أن العكس هو الذي حدث ، على الرغم من بعض الاهتزازات في هذا الاتجاه.
(7 بيرنار هورس ، ” الإيديولوجيا الإنسانوية أو حفل الغيرية المفقود ” ، هارماتان ، باريس ، 1998 .
(8 حسب تعبير مارك بونسولي ، ” يوتوبيا ما بعد ـ عالم ثالثية ” هارماتان ، باريس ، 1994 .
(9ليس لكلمة التنمية في عديد من البلدان الإفريقية أي مقابل في اللغة المحلية ، وذلك للغياب الكبير للمخيال الذي يؤسس هذه المسألة .
(10 إقرأ باول غورنيغ ، ” رحلة إلى قلب FNSEA ” لوموند ديبلوماتيك ، يناير 2001 .
(11 أليدو ساوادوغو ، مذكور من قبل بيير براديرفاند ، “ Une Afrique en marche ” ، بلون ، باريس ، 1989 ، ص : 109 .

الفلسفة ما قبل سقراط

الفلاسفة ما قبل سقراط

ولدت الفلسفة في العالم الهيليني على ساحل آسيا الصغرى في نهاية القرن السابع قبل الميلاد، وبعد اجتياح اليونان من قبل الفرس، عوضت المراكز الثقافية المتواجدة بجنوب إيطاليا وصقلية مدرسة ميليت التي كان طاليس مؤسسها ورائدها.

إن الفلاسفة الذين نسميهم ” ما قبل السقراطيين ” هم أولئك الفلاسفة الذين طرحوا لأول مرة سؤال أصل الأشياء، وهو السؤال الذي يحمل البذور الجنينية لما أمكن تسميته فيما بعد أرسطو بالميتافيزيقا، ولم يتبق لنا من هؤلاء الفلاسفة سوى شذرات أو أعمال غير مكتملة ، وأهم ما نعرفه عنهم جاءنا عن طريق شراحهم.

فيتاغورس

إن فترة ما قبل سقراط تمتد من القرن السادس إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وقد عرفت ميلاد ثلاثة تيارات فكرية كبرى: التيار الأيوني ، الفيتاغورية والإيلية، وما يجمع ويوحد فيما بين هذه التيارات والفلاسفة المؤسسين لها ، بغض النظر عن الاختلافات القائمة فيما بينها ، هو انشغال هؤلاء الفلاسفة بطرح الأسئلة والمشاكل بصورة عقلانية. لقد راموا من خلال طريقتهم في مساءلة العالم قبل كل شيء معرفة طبيعة ( فيزيس ) المادة الأولى أو العنصر الأول المشكل للوجود ، وذلك حتى يتمكنوا من تفسير كل شيء. إن هذا العنصر بالنسبة لطاليس مثلا هو الماء ، وهو بالنسبة لأناكسمندر عنصر لا متناه ، وهو الهواء بالنسبة لأناكسيمنس ، وهو العناصر أو الإستقساط الأربعة بالنسبة لأمبادوقليس، أما ديموقريطس فقد اقترح علينا نموذجا للتفسير انطلاقا من ” الذرات “.

إن هذا التعدد المذهل في الإجابات كانت توازيه اهتمامات وانشغالات تقنية وعملية ، وبالفعل ، فهؤلاء ” العلماء ” الأوائل كانوا يجهلون التمييز الذي نقيمه نحن اليوم في ما بين مختلف ميادين تطبيق المعارف؛ فطاليس مثلا الذي كان مشهورا في عصره بكونه استطاع أن يتنبأ بكسوف شمسي، وضع عددا من القضايا الهندسية البسيطة ، كما تمكن من قياس ارتفاع الأهرامات المصرية.

وهكذا فإن علم الفلك والفيزياء والرياضيات والهندسة والميتافيزيقا كانت كلها متعايشة في الفلسفات ما قبل السقراطية، وسيعطينا حب الاستطلاع هذا، والذي هو بدون حدود ، تعددا في التفسيرات المتعلقة بالكوسموس ، تلك التفسيرات التي سيلجأ إليها الفلاسفة اللاحقون فيما بعد ، وفي غالب الأحيان.

سقراط

وستنتهي هذه المرحلة الأولى منى مراحل تاريخ الفكر الغربي بظهور السوفسطائيين الذين ، كما هو شأن بروتاغوراس أو جورجياس على سبيل المثال ، درسوا فن الدفاع عن أية أطروحة كيفما كانت تبعا لانتظارات مستمعيهم. لقد جسدت فلسفة السوفسطائيين رد فعل مضاد للفلاسفة السابقين. وقد شهد السوفسطائيون في عصرهم عملية تحول جديدة للمركز الثقافي أو الفكري : ففي أثينا ، ومنذ ذلك الحين ، ستعرف الفلسفة مآلها من خلال وجه أسطوري هو وجه الفيلسوف سقراط.

العناصر الأربعة: الماء والهواء والنار والتراب

الفن

ما هو الفن ؟ . .

  1. يتميز الفن عن الطبيعة: من حيث هو فعل أو إنتاج حر صادر عن إرادة حرة تتخذ من العقل أساسا لها، ومن ثم فهو ليس عملا غريزيا لانتماء هذا الأخير للطبيعة، والعمل الفني مسبوق بتمثل ما هو عليه عند علته على وجوده الواقعي وبدون استهداف لأي غرض نفعي.
  2. يتميز الفن عن العلم : فالعمل الفني لا نملك مهارة صنعه حتى ولو كانت معرفتنا به معرفة تامة ومكتملة.
  3. يتميز الفن عن الحرفة : فالفن نشاط حر لا يبتغي أهدافا عملية نفعية ، في حين أن الحرفة نشاط ارتزاقي وانتفاعي ، ومن ثمة لا يستهدف الفن سوى تحقيق الإحساس بالمتعة والجمال المنزهين عن الحس والمنفعة ، كما أن الحرفة عمل إلزامي ومفروض على الإنسان لارتباطه بالاسترزاق.

ما هي مقومات وأسس الحكم الجمالي الذي نصدره على عمل فني ما ؟ . . وما الذي يجعل عملا فنيا ما يحظى بإعجاب المشاهد ؟ . . أهي خصائص العمل الموضوعية ؟ ..أم يتعلق الأمر بموقف ذاتي نسميه الحكم الجمالي أو الذوقي ؟ . . وهل يتأسس الحكم الجمالي على إشباع حسي أو منفعة ؟ . . أم أن قيمة العمل الفني تتحدد في جماليته ، وفي اللذة التي نستشعرها حياله بدون أي اعتبار آخر؟ . .


  • أرسطو : يميز أرسطو في الأعمال المنتجة بين ضربين : تلك التي صدرت عن الطبيعة ، وتلك التي تمت صناعتها ، الأولى تمتلك مبدأ انبثاقها في ذاتها ( كالبذرة مثلا )، أما الأخرى فيوجد هذا المبدأ خارجها ( كالكرسي مثلا ) ، كما يميز أرسطو في هذه الأخيرة بين منتوجات أنتجت لتحقيق غايات نفعية ، وأخرى لم يكن القصد من ورائها الاستعمال أو المنفعة العملية ، وإنما خلق إحساس بالجمال ، وهذه هي المقصودة بالفن ، لذلك تسمى أعمالا فنية ، ولذلك كان الحكم الجمالي يستند على الإحساس بالرضا واللذة دون أي اعتبار للمنفعة أو الغريزة.
  • إيمانويل كانط

  • كانط : الحكم الجمالي حكم تأملي لا يكترث بالموضوع ، وإنما يربط طبيعة الموضوع بالإحساس باللذة والألم، وهو منزه عن أية منفعة حسية أو أخلاقية ، كما أنه ليس حكما معرفيا و لا يمكن التعبير عنه بواسطة مفاهيم ، لكن ذلك لا يعني أن الحكم الجمالي حكم ذاتي يتعلق بكل فرد على حدة ، لأنه حكم كوني نظرا لتوفر الناس كلهم على ما يسميه كانط ” الحس الجمالي المشترك ” ، ومن ثمة كان كونيا وملزما لجميع الناس.
  • بيير بورديو

  • بيير بورديو : إن أطروحة بورديو بخصوص مقومات الحكم الجمالي هي الوجه السلبي والمقلوب لتحليلات الجمال الكانطية ؛ فانطلاقا مما يسميه بورديو بالإستطيقا الشعبية ، حيث يمكن أن يلتقي العامل الباريسي بهيبياس السوفسطائي ، يرى أن عملا فنيا ما ( كصورة الجندي الميت في الحرب مثلا ) يمكن أن يكون إضافة إلى الإحساس بالألم ، مناسبة لإصدار حكم أخلاقي مثلا ( يستهجن الحرب وأهوالها ) ، أو قد تخبرنا الصورة عن واقع الحرب وويلاتها ، ومن ثم تفيدنا في تكوين معرفة يمكن التعبير عنها بواسطة مفاهيم ، كما أن الحكم الجمالي ليس كونيا وإنما هو متعلق بالأفراد أو الجماعات الاجتماعية المختلفة ، ومن هنا لا تنفصل الصورة عن الوظيفة التي تؤديها حسب هذا المشهد أو ذاك أو حسب هذه الفئة أو تلك من المشاهدين، لذلك فالحكم الجمالي حكم افتراضي ، والإستطيقا اللاكانطية تجعل من الفائدة الإخبارية أو الحسية أو الأخلاقية مبدأ للتقدير وإصدار الحكم.

ما علاقة بالفن بالواقع ؟ . . أهو محاكاة وتقليد للواقع كما هو ؟ . . أم ابتعاد عنه وإعادة إنتاج له ؟ . . هل يقلد الفن الظاهر أم يقلد الحقيقة ؟ . . وما علاقة ظاهر الفن بظاهر العالم الخارجي ؟ . . وما الذي يميز الجمال الفني عن الجمال الطبيعي ؟ . .


  • أفلاطون : ما دام الفن محاكاة للطبيعة فهو محاكاة للظاهر وليس محاكاة للحقيقة ، أي محاكاة للنسخ والأشباح والخيالات الكاذبة والزائفة ، ومن ثم فهو في المرتبة الثالثة بالنسبة للحقيقة. إن الحقيقة لا يتم بلوغها إلا عن طريق العقل ، والفن ليس سبيلا لبلوغ هذه الحقيقة وإنما هو يبعدنا عنها ، ولذلك رفض أفلاطون أن يكون الفن مكونا من مكونات الجمهورية الفاضلة.
  • أرسطو : الفن محاكاة للطبيعة ، ويجب أن يكون كذلك ، وكلما كانت المحاكاة تامة وكاملة كلما أمكننا أن نتحدث عن ظفر وانتصار للفن ؛ كالفنان الذي رسم عناقيد عنب هي من المهارة حتى أن الحمام كان ينخدع بها ويأتي لكي ينقرها. إن المحاكاة غريزة في الإنسان بها يتعلم ويكتسب معارفه الأولية ، ثم لأن التعلم لذيذ. والفن يحاكي الواقع أو الطبيعة من حيث الموضوعات وبوسائل مختلفة ، إما عن طريق الصوت أو اللون أو الإيقاع أو الحركة، مجتمعة كلها أو متفرقة؛ وهكذا ، فالشعر مثلا ظهر كاستجابة لهذه الغريزة الإنسانية ، وهو محاكاة للطبيعة عن طريق الأوزان أو الإيقاعات ، وأول الناس الذين ارتجلوا كانوا هم من ابتكر الشعر ، فحاكى ذوو النفوس الخسيسة أفعال الأراذل من الناس فأنشأوا بذلك الأهاجي ، أما ذوو النفوس النبيلة فقد حاكوا أفعال العظماء من الناس ، فأنشأوا بذلك الأناشيد والأمداح.

لكن ما الذي يهمني من هذا التمثيل أو المحاكاة ، أهو جمال الطائر المرسوم على اللوحة في ذاته أم جمال رسمه ؟ . . أو بعبارة أخرى ، هل يجوز أن ننعت بالجمال أشياء الطبيعة ؟ . . وهل ينبغي أن يوضع الجمال الفني في مرتبة واحدة مع الجمال الطبيعي ؟ . .


هيجل : ليس الفن محاكاة للظاهر ؛ إذ أن ظاهر الفن يختلف عن ظاهر العالم الخارجي ؛ فظاهر الفن تعبير عن الروح وليس محاكاة ميكانيكية للعالم الخارجي، صحيح أن ظاهر الفن وهم ، لكن ظاهر العالم الخارجي وهم أكبر ظاهر الفن ، ثم إن الماهية أو الحقيقة ، وحتى لا تبقى تجريدا خالصا، هي في حاجة إلى أن تظهر ، ومن ثمة فالجمال الفني أسمى من الجمال الطبيعي، لأن الجمال الفني تعبير عن الروح ، وما كان صادرا عن الروح هو أسمى مما هو طبيعي، وبالتالي ، فإن هيجل يقول مع كانط ” ليس الفن تصويرا لشيء جميل ، وإنما هو تصوير جميل لشيء” . إن ما يهم في الفن هو جمال التشكيل والإبداع  وليس الموضوع ، ومن هنا نفهم لماذا نجد أشكالا من الفن لا تحيل على الواقع مثل المعمار والموسيقى ، وتكون مصدرا للذة جمالية ، و لا يكون الجمال فيها نسخة مطابقة للواقع ، ومن ثمة أيضا ، فليس الفن محاكاة للواقع لأنه شيء ينضاف إلى الواقع و لا يحاكيه.

فلاسفة الفن والجمال

لكن ، كيف يكون العمل الفني ممكنا ؟ . . ومن تأتي للفنان هذه القدرة على إنجاز العمل الفني ؟ . . ولماذا يستطيع الفنان أن ينجز ما لا يستطيع إنجازه بعض الآخرين ؟ . . ولماذا لا ينجز جميع الفنانين أعمالا على قدر واحد من القيمة؟ . . هل تتأتى هذه القدرة من العبقرية التي ينعم بها بعض الناس دون غيرهم ؟ . . أم أن العمل الفني هو نتاج للجهد والكدح والمثابرة ؟ . . وهل يمكن القول بأن إنجاز عمل فني هو مسألة في متناول جميع الناس؟ . .

  • هيجل: إن الفن لدى هيجل تعبير عن حاجة طبيعية عامة لدى الإنسان تنبع من كونه واعيا مفكرا ، إلى جانب كونه شيئا من أشياء الطبيعة، وبذلك يختلف عن أشياء الطبيعة بهذا الوجود المزدوج. وهو كائن يحقق وعيه بذاته وبالعالم عبر لحظتين إحداهما نظرية والأخرى عملية، وذلك عبر تحقيق ذاته في كل ما يعطى له مباشرة ، وطبع العالم الخارجي بطابع داخلته .
  • كانط: لقد اعتبر كانط العبقرية مصدرا للإبداع ، واعتبرها موهبة أو ملكة فطرية ” تملي على الفن قواعده داخل الذات ” ، ومن ثمة فقواعد العمل الفني سابقة وليست لاحقة على إنجاز هذه العمل ، ولذلك لا يعرف الفنان ذاته من تأتيه تلك القدرة على إنجاز عمله ، ولا يستطيع أن يقوم بوصف علمي للكيفية التي تحقق بها إنتاجها ، كما لا يستطيع تبليغها للآخرين ، ومن هنا فالأصالة هي طبيعة هذه القدرة ، وهذا ينطبق على الفن وحده و لا ينطبق على العلم.
  • فريدريك فيلهيلم نيتشه

  • نيتشه: إن النشاط الذي يقوم به الفنان لا يبدو في عمقه مختلفا عن العمل الذي يمارسه المخترع في الميكانيكا والعالم الفلكي أو المؤرخ . . إلخ ، إن العبقري لا يفعل سوى أنه يبحث عن مواد أو عناصر ، ثم بعد ذلك يبني ويشيد ويركب ، أي يضفي عليها شكلا ، ونحن نتحدث عن العبقرية فقط عندما نتأثر بعمل فني في صورته النهائية ، وعندما لا يكون لدينا شعور بالغيرة ، غير أننا لو تتبعنا العمل الفني في مراحل تطوره وتبلوره لأصبنا ولشعرنا ببعض الفتور. إن فن التعبير يستبعد أي فكرة عن الصيرورة ويفرض نفسه علينا بصورة استبدادية ككمال حاضر. إن هذا العمل يخفي علينا ما بذل في إنجازه من جهد وعرق ، ومن انتقاء وترتيب وإقصاء ، إلى أن ظهر في صورته النهائية، ولو انتبهنا لكل ذلك لأزلنا صفة العبقرية عن الفنان ولاعتبرنا العمل الفني عملا في مكنة ومقدور أي إنسان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتب :

التقنية

  • التقنية والتشريح الإنساني :
  • يقوم تقسيم العمل لدى الحيوانات على الاختلافات التشريحية.

أكيد أنه يوجد تقسيم حقيقي للعمل لدى بعض المجتمعات الحيوانية ، لكن ما يفقأ الأعين هو أن العمل الحيواني محدد بشكل تام ومتوقف على الاختلافات المورفولوجية القائمة في ما بين أفراد الحيوان؛ أليس أفراد النمل / الجنود عير مماثلين لأفراد النمل / الشغالات ، كما أن ملكة النحل أكبر حجما من النحلات / الشغالات.

  • برجسون : إن يد الإنسان تمكن من إنجاز أي عمل كيفما كان.

لدى القشريات والعنكبوتيات Arthropodes و كذا الفقاريات ، كما كتب برجسون (1859-1941 ) نجد ” الجسم مشكلا من سلسلة طويلة نسبيا من الأنوية المتجاورة والنشاط الحركي في ما بين عدد متنوع ، وأحيانا هائل ، من الزوائد لكل منها تخصصها . ويتمركز النشاط لدى حيوانات أخرى حول زوجين من الأعضاء فقط ، وتنجز هذه الأعضاء وظائف تتوقف بشكل قليل جدا على شكلها وتكوينها ، ويغدو الاستقلال تاما لدى الإنسان الذي تستطيع يده القيام بأي عمل كيفما كان ” ( التطور الخلاق ، 1907 ).

  • ماركس: التقنيات هي قوالب العلاقات الاجتماعية.
  • يقوم العمل الإنساني على استخدام الأدوات.

كارل ماركس

إن وسيلة العمل ” ، وبعبارة أخرى الأداة ( أو الآلة ) كما كتب كارل ماركس (1818-1883 )” هي شيء أو مجموعة من الأشياء التي يضعها الإنسان كوسيط يقوم بينه وبين موضوع عمله كقائد لنشاطه ” (رأس المال ، الكتاب 1 ، 1867 ) ، إن الإنسان أثناء العمل يستخدم الخصائص الميكانيكية والفيزيائية والكيميائية لبعض الأشياء قصد جعلها تعمل كقوى على أشياء أخرى تبعا لهدفه الذي يروم تحقيقه.

  • ماركس: تحدد التقنيات أشكال التنظيم الاجتماعي.

عندما تحدث ماركس عن ” القوى المنتجة ” في مجتمع ما ، فقد كان يعني بذلك التقنيات أساسا. إذن، فإذا كانت العلاقات الاقتصادية حسب ماركس توجد في أساس أي تنظيم مجتمعي ، فلأن الاقتصاد هو أولا مجموع التقنيات التي يتوفر عليها هذا المجتمع. وقد كتب ماركس قائلا : ” باكتساب قوى منتجة جديدة يغير الناس مجموع علاقاتهم الاجتماعية ، إن الطاحونة المائية تعطيك مجتمعا إقطاعيا ، أما طاحونة البخار فتعطيك المجتمع الرأسمالي الصناعي ” (بؤس الفلسفة ، 1847). إن الاشتغال الجيد لآلات البخار يفترض بالفعل تجمعات كبرى للعمال الذين لم يعودوا مضطرين للعيش في نفس البلد ، أي سيصبحون أحرارا بشكل قانوني في بيع أنفسهم يوميا . . .إلخ ،  وبكلمة واحدة، فهو يفترض اقتلاع الأغلال المفروضة من قبل النظام القديم.

  • كونت ، ماركوز : عظمة التقنية وفقرها.
  • كونت:

التقنية نشاط متقدم مؤسس على العلم ” ينحدر التنبؤ من العلم ، ومن التنبؤ ينحدر الفعل ” كتب أوغست كونت مؤسس النزعة الوضعية (دروس في الفلسفة الوضعية ، 1830-1842). إن التقنية إذن هي ما استطعنا بواسطته، وبفضل علمنا عن الطبيعة الخارجية، ممارسة تحويل نسبي لمجرى السيرورات الطبيعية بغرض جعلها ” تتحول لتحقيق إشباع حاجاتنا ” ( نفس المرجع ) : وكمثال معاصر ، فإن استخدام الطائرات يفترض الاكتشاف المسبق لقوانين علم القذائف (المقذوفات).

  • ماركوز:

إن العقلانية التكنولوجية منطق للهيمنة حسب ماركوز (1898-1979) ” ليس استعمالها وحده فقط هو ما يعتبر هيمنة ؛ فالتقنية ذاتها هي التي شكلت قبلا هيمنة ( على الطبيعة وعلى الإنسان ) ، هيمنة منهجية وعلمية ، محسوسة وحاسبة ” (التصنيع والرأسمالية لدى ماكس فيبر 1964) . إن العقلانية التكنولوجية تعدم الإنسان وتشطب وجوده وتحوله بكليته إلى أداة ، إلا أن الأفراد قليلا ما يلجأون للاحتجاج على هذه السيطرة التي تحسن أوضاعهم المعاشية ، وتضاعف حرياتهم الفورية ، وتؤدي إلى غرابة الأطوار في مختلف الميادين والمجالات.

  • ملخص :

التقنية ظاهرة إنسانية خالصة ، وهي تعني امتلاك المهارة، أي الممارسة الفعالة المكتسبة داخل المجتمع نتيجة عملية التعلم. إن التقنيات تقوم بشكل قابل للتنوع على مجموعة من العادات، أي على مجموعة من الأفكار العلمية التي تشكل التقنية تطبيقات عملية لها. إن تطور التقنيات المعاصرة يطرح بإلحاح مشاكل كثيرة ، بل يطرح أيضا معنى الحياة الاجتماعية ذاتها : حيث يجب أن يكون الإنسان المستفيد الأكبر من التجديدات التقنية ، إلا أنه يغدو بشكل دائم خاضعا لها ، وفي كل مكان نرى كيف أنها تستخدم من أجل التدمير الباعث على القلق للموارد الأرضية.

الوعي واللاوعي

  • ديكارت :وضوح الوعي بالذات

مفهوم ولد على أرض الفلسفة المعاصرة

رونيه ديكارت

رونيه ديكارت

من اللفظ اليوناني Conscientia، يعني الوعي من حيث الأصل امتلاك وعي بشيء ما. أما بالنسبة للفظة الفرنسية ” Conscience ” فقد استعملت على الخصوص في سياق أخلاقي حتى القرن 17 ، وقد كانت تعني العودة التأملية من طرف الذات للتفكير في أفعالها بغية تقييمها ومحاكمتها، وبعبارة أخرى فإن ” Conscience ” كانت تعني تقريبا معنى أخلاقيا كما هو الحال في الصياغة المشهورة لدى رابلي : ” ليس العلم بدون وعي إلا خرابا للروح “. مع ديكارت 1596 ـ 1650 بالذات أصبح للفظ Conscience معنى جديدا ؛ حيث أصبحت تعني منذ ذلك الحين الفهم المباشر من طرف الفكر لذاته ؛ فعندما أفكر فأنا أعرف بالضرورة أنني أفكر أيضا. كتب ديكارت : ” من خلال اسم الفكر نعرف كل ما يدور بدواخلنا بالصورة التي تجعلنا واعين بذلك ، كلما كان لنا وعي به ” (مبادئ الفلسفة ، I ، 9 ، 1645).

  • ديكارت : ” أنا أفكر ، إذن أنا موجود “.

من الذي يعرف ما إذا كانت حواسي تخدعني في كل مناسبة ؟.. كيف أضمن أنني لا أحلم في الوقت ذاته الذي أكون فيه مستيقظا؟ .. ولماذا لا يخدعني الله عندما أرى بوضوح أن 2 و 3 يساويان 5؟..وقد أضاف ديكارت لمبررات الشك الثلاثة هاته عدة منهجية سماها ” الشيطان الماكر ” وهو يفترض أنه مخدوع بشكل دائم من طرف هذا الشيطان الإبستمولوجي ” فليخدعني كيفما شاء ، كتب ديكارت ، فلن يستطيع أبدا أن يجعلني لاشيء، ما دمت أعتقد أنني شيء ما ” (تأملات ميتافيزيقية ، 1641)، إن الوعي بالوجود ، اليقين بأنني موجود على الأقل كوعي ، هو الحقيقة الأولى في الفلسفة الكارتيزيانية.

  • ديكارت : الجوهر المفكر والجوهر الممتد

ذلك لأن ديكارت يتصور الروح والجسد كما لو كانا جوهرين متمايزين (مبادئ الفلسفة ص 53 ، 1644)، بيد أن السمة المركزية للروح ، تلك التي بدونها لا نستطيع تصور روح أو عقل هي التفكير. إن الروح تفكر دائما ، حتى الجنين ذاته في بطن أمه يفكر ، ويستشعر وعيا بذاته ولو بشكل مبهم ، فحيث توجد الروح ، يوجد بالضرورة تفكير ووعي بالذات.

  • ديكارت : الشعور شفاف بالنسبة لذاته
  • استحالة وجود رغبة لاشعورية

ليس هناك ، كما يقول ديكارت ، شيء يمكنه أن يكون في متناولنا غير أفكارنا” (رسالة إلى رينيري من أجل بولو ،أبريل أو ماي 1638)، وبعبارة أخرى فإن التفكير هو مجال يكون فيه الأنا سيدا في عقر داره. يستحيل إذن ، تبعا لذلك ، أن نستطيع الإحساس برغبة ما بشكل لاشعوري ” وذلك لأنه من المؤكد أننا لا نستطيع أن نريد أي شيء لا ندركه بنفس الوسيلة التي نريده بها” (ديكارت ، موسوعة الأهواء، النص 19 ـ 1649).

إعادة النظر في التقليد الديكارتي

من طرف التحليل النفسي الفرويدي

  • القطيعة مع التقليد الديكارتي
سيجموند فرويد

رائد التحليل النفسي

إن تقسيم الحياة النفسية إلى حياة نفسية واعية وحياة نفسية لاواعية ، كتب فرويد (1856 ـ 1939)، يشكل المقدمة الكبرى والأساسية في التحليل النفسي(محاولات في التحليل النفسي،1927) ، وهنا يقيم النفيض الأساسي للتقليد الديكارتي . لقد دافع ديكارت بالفعل ، وعلى النقيض من ذلك ، عن الفكرة القائلة : “ إنه لا يمكن أن توجد أية فكرة لا يمكننا انطلاقا منها ، وفي اللحظة التي تكون فيها بدواخلنا ، أن لا نمتلك معرفة حاضرة عنها” (ردود على الاعتراضات الرابعة ، 1641). للتوسع أكثر يمكنك الرجوع إلى مقال : التحليل النفسي

  • فرويد : يجب أن نرى في اللاشعور عمق الحياة النفسية كلها.
  • الشعور ـ اللاشعور ـ الكبث.

” إننا نشبه نسق اللاشعور ، كتب فرويد ، بغرفة انتظار كبيرة تتسارع بداخلها النزوعات النفسية كالكائنات الحية ، وترتبط بغرفة الانتظار هذه غرفة أخرى أضيق منها ، شبيهة بالصالون ، بداخلها يقيم الوعي ( الشعور ) ، لكن عند مدخل غرفة الانتظار ، أي بالصالون ، يجثم حارس يفحص كل نزوع نفسي ويفرض عليه الحظر ويمنعه من دخول الصالون إذا لم يرقه (. . .) وعندما يتم طرد بعض هذه النزوعات من طرف الحارس ، بعد أن تكون هذه قد وصلت حدود إلى الصالون ، فذلك لأنها غير قادرة على أن تصبح نزوعات موعى بها : نقول عنها إذ ذاك إنها نزوعات مكبوثة” (مدخل للتحليل النفسي، 1916).

  • مهمة التحليل النفسي
  • استعادة الرغبات اللاشعورية لمنطقة الوعي.

ما الذي يريده المحلل النفسي؟.. يتساءل فرويد ، ثم يبادر إلى الجواب قائلا : ” استعادة كل ما تم كبثه إلى سطح الوعي” (خمس دروس في التحليل النفسي، 1910) (لقراءة الكتاب باللغة الفرنسية أنقر هنا)، وهكذا ، فإن ” تأويل الأحلام ، عندما لا يصير مؤلما بفعل أشكال مقاومة المريض ، يؤدي إلى اكتشاف الرغبات المستثرة والمكبوثة، وكذا العقد النفسية الناجمة عنها” (نفس المرجع).

  • أهمية خبرات الطفولة.

إن الطفل هو الذي يستمر في التواجد بالإنسان البالغ عن طريق الحلم ، حتى الرغبات التي أضحت غير ذات أهمية (تلك المرتبطة بمركب أوديب على سبيل المثال) تستمر في الوجود لدى الشخص البالغ ، كما أنها تغير قوتها لتشكل العلامات المرضية لدى هذا الشخص.

الشخصية

يمكن مقاربة الشخصية إما من زاوية فلسفية تحصرها في ماهية الشخص وكيفية عمله كنظام باعتباره ذاتا مفكرة مريدة وحرة ومسؤولة أخلاقيا وقانونيا ، تمثل غاية وقيمة في ذاتها تستوجب الكرامة والاحترام وتعبر عن إنسانية الإنسان كطبيعة عاقلة وإرادة تسن قوانين وتشريعات وقيما كونية، وإما انطلاقا من وجهة نظر العلوم التي تعتبر الشخصية بناء تجريديا ونموذجا نظريا لفهم سلوك وسيرة الشخص من خلال أنظمة نفسية واجتماعية، وضمنها من خلال نظريات تختلف باختلاف الأوليات التي تنطلق منها.

ابن سينا

1) نظام الشخص :

 

المقاربة الفلسفية : ديكارت ـ إدموند هوسرل ، جان بول سارتر ـ كانط .

كيف يتأتى للإنسان إدراك شخصيته انطلاقا مما يميز ماهيته كشخص؟ .. وكيف يتحدد الشخص كنظام في ضوء ذلك ؟ ..

يحيل مفهوم الشخصية لدى كل من ديكارت وابن سينا وكانط على مفهوم الشخص باعتباره ذاتا عارفة تعي وجودها وإنيتها وقيمتها الأخلاقية.

فالوعي لدى ديكارت وابن سينا يتم بإدراك الإنسان لماهيته كشخص عبر إدراكه لما هو ثابت وقار خلف الحالات التي يمر منها وكل التغيرات التي لا يتوقف بدنه عن معرفتها. إن وحدة الشخص لدى هذين الفيلسوفين ليست متمثلة في المعطى البيولوجي الصرف الذي يجسده البدن ، وإنما هي قيمة سامية لخصها ديكارت في العقل أو مفهوم الذات المفكرة ، في حين لخصها ابن سينا في مفهوم النفس أو الإنية.

ينطلق ديكارت في نص : الذات المفكرة من السؤال : ما الإنسان أو ما الأنا ؟ .. وانطلاقا من منهجيته القائمة على الشك من أجل بلوغ اليقين الذي لا شك فيه شك في كل الأفكار التي كانت لديه عن نفسه محاولا إيجاد الجواب اليقيني عن السؤال : من أنا ؟ .. حدد ديكارت للجسم مجموعة من الخصائص ، ووجد أن هذه الخصائص لا تعلق لأي منها بالنفس ؛ فخاصية النفس الأساسية هي التفكير ، في حين أن خاصية الجسم هي الامتداد ، فاستنتج من ذلك أن الأنا شيء مفكر ؛ أي ذهن أو روح أو فكر أو عقل ، والتفكير دليل الوجود ، ومن هنا الكوجيطو القائل : ” أنا أفكر ، إذن أنا موجود ” ، والشيء المفكر هو شيء يشك ويفهم ويتصور ، يثبت وينفي ويريد ويتخيل ، إلا أن تعدد هذه العمليات الفكرية لا يعتبر تعددا للأنا.

ديكارت

و لا يختلف ابن سينا عن ديكارت عندما يرى بدوره أن وحدة الشخص تتمثل في النفس أساسا وليس في البدن ؛ فلا يمكن للإنسان أن يغفل عن وجوده وإثبات هذا الوجود المسمى ” إنية ” حتى لو افترضنا إنسانا معلقا في الهواء ” برهان الرجل الطائر ” لا يبصر أجزاءه و لا تتلامس أعضاؤه ، فإنه مع ذلك لن يغفل عن إثبات إنيته ، بل حتى النائم في نومه والسكران في سكره لا يمكنه أن يغفل عن إنيته ، تلك الإنية التي لا يتم إدراكها وإثبات وجودها عن طريق المدركات الحسية أو عن طريق الفعل والحركة ، وإنما عن طريق العقل وقوة أخرى غير المشاعر وبدون وسيط.

إن هذا الوعي المعلق لدى كل من ديكارت وابن سينا ، والذي يبدو كما لو أن لا علاقة له بالوجود وبالعالم الخارجي ، لأنه مكتف بذاته ، لم يسلم من وجود معارضين منتقدين رأوا في هذا النوع من الوعي وعيا ميتافيزيقيا ، إذ أن هوسرل انطلاقا من مفهوم ” القصدية ” الذي يعني افتاح الذات واندفاعها نحو العالم والآخرين ، يرى أن الوعي هو دائما وعي بشيء ما ، ووعينا بذواتنا إنما يمر عبر العالم والأشياء والآخرين ، وليس هناك وعي مجرد أو مفصول عن العالم .

أحد أقطاب الفلسفة الوجودية

أحد أقطاب الفلسفة الوجودية

كما أن سارتر يرى أن وعينا لذواتنا يتوقف أساسا على وجود الآخر الذي يلعب دورا أساسيا في إماطة اللثام عن حقيقة الذات خلف ما تتبدى به لنفسها أو ما تتوهمه كواقعها.

 

الفيلسوف النقدي

الفيلسوف النقدي

إن الإنسان لدى كانط، كظاهرة من ظواهر الطبيعة وكحيوان عاقل يسعى لتحقيق غايات نفعية، لا يكتسب بذلك إلا قيمة نفعية خارجية ، وبذلك يمكن الحديث عن قيم الناس في هذا المستوى كما لو كنا أمام تجارة للبشر . لكن الإنسان باعتباره ذاتا لعقل عملي أخلاقي ( الشيء الذي يدخل ضمن مفهوم الفضيلة ) يمتلك قيمة كبرى ومطلقة ( كغاية في ذاته ) تتمثل في امتلاك الكرامة واحترام الذات ، وهنا يتساوى الناس فيما بينهم ، ومن هنا أيضا ضرورة الوعي بالخاصية السامية لتكوين الإنسان الأخلاقي ، وعلى الإنسان أن يسعى نحو غاياته النفعية ، لكن بشكل لا يؤدي إلى الحط من قيمته الأخلاقية .

2. النظام النفسي:

إذا كانت الشخصية من المنظور الفلسفي تتماهى مع نظام الشخص على مستوى الوعي وعلى مستوى البعد الأخلاقي، فإن العلوم الإنسانية ، وبكيفية خاصة علمي النفس والاجتماع، قد أسست تصورها للشخصية انطلاقا من اعتبارها نموذجا نظريا لفهم وتفسير سلوك وسيرة الشخص .

اختلفت مدارس علم النفس بخصوص ما يشكل حقيقة الحياة النفسية : فالمدرسة الشعورية مع وليم جيمس رأت أن هذه الحقيقة تتمثل في المستوى الشعوري الذي نحسه ونشعر به ، والذي يمكننا اكتشافه والتعرف عليه من خلال آلية أساسية سماها أقطاب هذه المدرسة ” الإستبطان Introspection ” الذي يمكننا من معرفة الحالات النفسية المختلفة وتكوين معرفة علمية بصددها .

أما المدرسة السلوكية ( واطسن ـ  بافلوف ) ، أخدا بالتقليد العلمي في ميدان العلوم الحقة وبخاصة منهجها التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة ، فقد رأت أن هذه الحقيقة تتمثل في المظاهر الخارجية للسلوك التي يمكن رصدها ملاحظة ( اصفرار الوجه ـ  توثر العضلات للهجوم أو للهرب ـ  وقوف شعر الرأس ـ  جحوظ العينين ـ  إفراز مادة الأدرينالين في الدم ـ  تقلص المعدة ـ  تصبب العرق . . . الخ ) . ويمكن ، كما يرى ذلك واطسن ، رد مجموع سلوكات الشخصية إلى مجموعة من المنبهات والاستجابات ، باعتبار أن كل السلوكات الإنسانية هي أفعال منعكسة شرطية ( تجربة بافلوف ) تم تلقيها عن طريق التربية ، بالشكل الذي يمكِّننا من التنبؤ بالاستجابة متى ما عرفنا المنبه ، والعكس صحيح أيضا ، ومعنى هذا أنه يمكن رد كل السلوكات الإنسانية إلى قانون عام هو ( منبه   =   استجابة ) . لقد كان واطسن يقول : أعطني عددا معينا من الأطفال ، وأنا أصنع لك  منهم الأستاذ والمحامي والطبيب والنجار والقاتل و . . . الخ .

لقد نظرت هذه المدرسة إلى الإنسان كما لو كان حلقة مفرغة من الشعور عندما أهملت البطانة الوجدانية المصاحبة للمظاهر الخارجية للسلوك  ، في الوقت الذي أهملت فيه المدرسة الشعورية هذه المظاهر عندما اعتبرت حقيقة الحياة النفسية متمثلة بالأساس في الشعور الداخلي فقط  .

أما المدرسة الثالثة وهي المدرسة اللاشعورية بزعامة
أب التحليل النفسي

أب التحليل النفسي

سيجموند فرويد فترى أن حقيقة الحياة النفسية لا تتمثل لا في المستوى الشعوري و لا في مستوى السلوك الظاهري لأنها توجد في مستوى آخر خفي ومحدِّد بشكل أساسي للشخصية كما هو المحرك  الأساسي لكل السلوكات الصادرة عن الشخصية ، إنه المستوى اللاشعوري الذي اكتشفه فرويد من خلال ملاحظاته المتعددة وهو يدرس في باريس في مستشفى الدكتور برويير المختص في علاج الأمراض العصبية لدى النساء خاصة ؛ لقد لاحظ فرويد أن عديدا من المريضات يتحدثن أثناء تنويمهن المغناطيسي عن أحداث لا يتذكرنها في حالة اليقظة ، فاستنتج من ذلك وجود مستوى لاواعي من الحياة النفسية سماه اللاشعــور ، كما وقف على مدى تأثير هذا المستوى ومدى أهمية التعرف على مكوناته لضرورتها في معالجة الأمراض النفسية والعصبية .

ثم ستتوالى بعد ذلك  فتوحات التحليل النفسي الذي اقترن تأسيه وبلورته بالبحث في خبايا اللاشعور وبالخصوص الخبايا المسببة للمرض النفسي بأنواعه وأشكاله المختلفة . وبالنسبة للتحليل النفسي ، يلعب التطور الجنسي ـ  النفسي للطاقة الحيوية الدافعة للغرائز الجنسية ( الليبيدو ) لدى الطفل الدور المركزي في تكوين شخصيته ، وبذلك تعطي الصدارة للجنس كمكون أساسي في حين تفرد أهمية ثانوية للعوامل الأخرى . وتلعب عقدة أوديب دورا أساسيا في النمو الجنسي ـ  النفسي المذكور لدى الطفل : فالليبيدو لديه يتخد أحد الأبوين كموضوع لاختياراته الغرامية الأولى ، وكبت هذا التوجه النفسي ـ الجنسي في أعماق اللاشعور ينشأ عنه المركب المركزي لكل عصاب ( عقدة أوديب ) ، وهو الذي يحدد في ما بعد أشكال التعامل مع الواقع لدى الطفل .

ويتوقف البناء النفسي السليم للشخصية على الحل السليم لهذه العقدة ، إذ أن عكس ذلك  تنشأ عنه في ما بعد اضطرابات عصابية تحتاج إلى علاج . ومعنى هذا أن السنوات الأولى من عمر الطفل تلعب دورا مركزيا في تحديد شخصيته المستقبلية .

إن المحرك  الأساسي للشخصية من وجهة نظر التحليل النفسي يتمثل في ما يسميه فرويد ” الجهاز النفسي ” الذي يتكون خلال ” مراحل النمو النفسي ” الخمسة الأساسية :

1 ـ  المرحلة الفمية

2 ـ المرحلة الشرجية

3 ـ  المرحلة القضيبية ( الأوديبية )

4 ـ  مرحلة الكمون

5 ـ  ثم مرحلة المراهقة .

فما هي مكونات الجهاز النفسي للشخصية ؟ … وما هو الدور الذي يلعبه كل مكون من هذه المكونات في بناء الشخصية على المستوى النفسي ؟ …

يتكون الجهاز النفسي من ثلاث قوى افتراضية هي :

ـ  الهو Le ça : وهو يتضمن دوافعنا وغرائزنا التي ورثناها عن الأجداد والتي كُبتت بفعل الحضارة ، وهو متمركز حول نزعة أساسية ( الليبيدو ) أو نزعة الجنس ، همها طلب اللذة واجتناب الألم ، إذ المبدأ الذي يخضع له الهو في سلوكه هو ” مبدأ اللذة ” .

ـ  الأنا Le moi : وهو جزء من اللاشعور انفصل عنه نتيجة الاحتكاك والاصطدام بالواقع وإكراهاته لذلك  فهو يمثل الجانب الذي يلامس الواقع من شخصيتنا ، ويتكون من جملة من الأفعال الإرادية واللاشعورية التي أفصحت عن نفسها وتلاءمت مع الواقع بصورة ما ، ومهمته تحقيق توازن بين متطلبات الهو ومتطلبات الواقع وكذا متطلبات الأنا الأعلى ، والمبدأ الذي يخضع له في سلوكه هو ” مبدأ الواقع ” .

ـ  الأنا الأعلى Le super – moi : ويمثل سلطة المجتمع والدين والأخلاق وغيرها من المبادئ والضوابط التي تنظم العلاقات بين الناس وتحكم سلوكهم ، والتي امتصها الفرد من المجتمع عن طريق التربية والتنشئة الاجتماعية ، وأصبحت تعبر عن نفسها لديه بشكل فردي في ما يسمى الضمير .

إن هنالك آليات يلجأ إليها الأنا لحفظ توازن الشخصية : كالتعويض والتأجيل ، والتصعيد ، والتبرير ، والكبت ، والنكوص و . . . الخ ، واختلال توازن الشخصية معناه عدم قدرة الأنا على إرضاء متطلبات السلط المتحكمة فيه وفي سلوكه ، ويتمثل ذلك  في الأمراض النفسية التي تتراوح بين العصاب والذهان .

إننا هنا أمام حتمية سيكولوجية تتحكم في السلوك الإنساني وتوجهه ، والسلوكات الإنسانية اللاحقة في مرحلة البلوغ ليست إلا تكرارا بشكل من الأشكال للخبرات الطفولية الأولى . فإلى أي حد يمكن الحديث هنا عن انتفاء الحرية ؟ .. وإلى أي حد يمكن اعتبار عقدة أوديب قانونا شموليا ؟ ..

3.النظام الاجتماعي:

إذا كان المستوى النفسي من مكونات الشخصية فإن الشخصية أيضا ثقافة وتعيش داخل أشكال من التنظيمات والمؤسسات الثقافية التي تشكل البعد الاجتماعي للشخصية ، مما يمكننا من الحديث عن حتمية أخرى متحكمة في السلوك  الإنساني وموجهة له هي الحتمية الاجتماعية . فكيف ترتبط الشخصية بالمجتمع ؟ .. وما هو دور المجتمع في تشكيلها ؟ .. إميل دوركهايم

تختلف أنماط  الشخصية من مجتمع إلى آخر تبعا للانتماء إلى جماعة معينة وثقافة وبيئة جغرافية ، وهذه العوامل تخلق لدى كل مجتمع على حدة شخصيته المميزة التي يسميها علماء الاجتماع بالشخصية الأساسية التي تتمثل في مجموعة من القيم والتصورات المشتركة .

وإلى جانب الاستجابات الموحدة لدى أفراد المجتمع المعني ، هناك استجابات مرتبطة بمجموعات محددة اجتماعيا داخل المجتمع ( الرجال ـ النساء ـ  المراهقون ـ الراشدون ـ الطبقات الاجتماعية  . . . الخ ) وكل هذه الاستجابات المرتبطة بمجموعات محددة تخلق في المجتمع ما يسمى بالشخصية الوظيفية . وتتوقف الشخصية الوظيفية على الوضع والدور  ، إذ أن كل وضعية محددة ترسم مجموعة من السلوكات وردود الأفعال المنتظرة والمحددة من طرف الوضع والدور . ولذلك فهي تلعب دورا بالغ الأهمية في حسن سير المجتمع بتمكين أعضائه من التعامل بنجاح دون الاعتماد على أي شيء آخر سوى الدور الذي تشير إليه الوظيفة .

وهكذا تلعب العوامل الاجتماعية والثقافية بشكل عام الدور الأساسي في بناء الشخصية وطبعها بطابع خاص ؛ فالأفعال والعواطف والسلوكات المختلفة للأفراد إنما تتحدد عن طريق المجتمع والثقافة والدور المحدد اجتماعيا .

الإشكال المركزي الذي يطرح هنا يتعلق بالتساؤل عن علاقة الشخصية بالحتميات المحددة لها والفاعلة فيها ، أهي علاقة تبعية وخضوع لهذه الحتميات والمحددات ؟ … أم علاقة تستطيع الشخصية من خلالها التحرر من هذه الحتميات والتحكم فيها ، وبالتالي السيطرة على الحاضر والقدرة على بنائه وكذا بناء المستقبل ؟ …

إذا كانت مجموعة متعددة من العوامل المختلفة : النفسية والاجتماعية والبيولوجية والثقافية تتدخل في بناء الشخصية ، باعتبارها مجموعة من الحتميات والشروط الفاعلة فيها ، فإن الإشكال الذي يطرح يتمثل في: التساؤل عن علاقة الشخصية بحتمياتها وشروطها أي : إلى إي حد يمكن القول إن علاقة الشخصية بهذه الحتميات هي علاقة خضوع وتبعية ؟ أم علاقة تحرر واستقلال ؟ .. إلى أي حد يمكن للشخصية أنتتحكم في حاضرها وتصنع مستقبلها ؟ …

لقد انتهت معظم العلوم الإنسانية ، وبخاصة المتشبعة منها بالروح الوضعية وما تقتضيه من وقوف عند حدود الظواهر ، إلى أن ماهية الإنسان التي أجهد الفلاسفة أنفسهم في تعريفها والوقوف على كنهها لا تمثل إلا ماهية فارغة وطبيعة شكلية ، لقيامها على وهم الذات وسراب الميتافيزيقا ، لأن الإنسان في الحقيقة ليس إلا شيئا من الأشياء تتحدد سماته وشخصيته بما يفرضه عليه واقعه بمختلف أبعاده ، وما يتحكم فيه من محددات ، المعقول منها واللامعقول الظاهر منها والخفي … والإنسان تبعا لهذا الطرح لا يعدو كونه مفعولا به ونتاجا لتفاعل بنيات وقواعد مؤسسية مختلفة تمارس عليه فعلها وإكراهها من مختلف زوايا ومستويات حياته ، فقد كشفت هذه العلوم عن أن شخصية الإنسان لا يحكمها إلا ما ليس بإنساني من قوى متعالية قاهرة : لغة ، برنامج وراثي ، لاشعور فردي ، لاشعور جمعي ، ضمير جمعي … وكلها محددات كان الإنسان يستبعدها من ذاته كي لا يرى فيها إلا التعقل والوعي والمسؤولية والحرية …وباسم العلم والقطع مع الإيديولوجيا وإقصاء الفلسفة من آخر معاقلها، تعلن هذه النزعة الوضعية في العلوم الإنسانية عن موت الإنسان وموت التاريخ وتنظر للإنسان كما لو كان آلة مبرمجة تؤدي عملها بوعي أو بدونه، كما حدد لها من طرف كل الحتميات المتحكمة في السلوك  الإنساني . فهل يكفي تقرير ضرورة إقصاء عمق الذات من حياة الشخص وتحويله إلى مجرد موضوع وإلى صنف نمطي من النماذج والعلاقات والمعادلات التي يضعها العلم لقتل الإنسان فيه ؟ … هل يمكن قتل الإنسان بتصريفه وتجزيئه إلى شخصية ” أ ” من الوجهة السيكولوجية ، وشخصية ” ب ” من الوجهة الأنثروبولوجية ، وشخصية ” ج ” من الوجهة الإقتصادية ؟ …

إن الشخص قوة مبادرة واختيار ، من وجهة نظر محمد عزيز الحبابي ، بوصفه ممثلا للفلسفة الشخصانية
فيلسوف الشخصانية

فيلسوف الشخصانية

المستندة إلى مرجعية دينية إسلامية ، وذلك لأن الشخصية استقلال ذاتي ؛ فالاعتراف بوحدانية الله واستقلاله المطلق انطلاقا من شهادة التوحيد ، هو اعتراف كذلك من طرف  الشخص بأنه هو الآخر واحد ومستقل رغم أن وحدانية الكائن البشري واستقلاله ليسا مطلقين كما هو شأن وحدانية اللـــه .

إن مفهوم الاستقلال الذاتي يتمثل في ما هو خاص بكل شخص ؛ فالناس ليسوا على نمط واحد إذ لكل شخص وجهته وتطلعاته الخاصة ” لكل وجهة موليها ، فاستبقوا الخيرات ” البقرة آية 147 . ويتعزز هذا الاستقلال الذاتي عندما يرفض الشخص الطاعة العمياء سواء للأشخاص أو الأشياء ، ويعترف بالقيمة العليا للعقل والفكر . إن الشخص رغم استقلاله وحريته يبقى تحت تصرف المشيئة الإلهية المطلقة ، لذلك كان طرفا المعادلة غير متساويين .

 

عضو الحزب الشيوعي الإيطالي

عضو الحزب الشيوعي الإيطالي

وعندما نتساءل ـ مع غرامشي كممثل للفلسفة الماركسية ـ عن ماهية الإنسان ، نجد أنه ليست هنالك ماهية ثابثة للإنسان ؛ لأن هذه الماهية نتاج الفعل والحركة الإنسانيين ، ومضمون السؤال : ما الإنســــان ؟..هو: ما هو مصير الإنسان ؟ …وإلى أي حد يمكن أن يتحكم الإنسان في حاضره ويصنع مستقبله ؟ .. أي أن التساؤل يتعلق بمدى حرية الإنسان أو خضوعه لمجموع إشراطاته .

إن الإنسان بؤرة تلتقي فيها مجموعة من العوامل التي يعتبر الإنسان نتاجا لها ، وهي نتاج لفعله في نفس الآن ، وتتمثل في الفرد نفسه والآخرين والطبيعة ( طبيعة الإنسان الداخلية والطبيعة المحيطة به ) . فإذا كانت هذه العناصر فاعلة في الإنسان ومؤثرة فيه ، بل منتجة له ، فإن للإنسان القدرة على وعي هذه الحتميات والتأثير فيها بتغييرها ، حيث كلما غير هذه الحتميات غير نفسه ذاتها ، ومن هنا العلاقة العضوية والجدلية القائمة بين الإنسان والحتميات الفاعلة فيه ؛ فالعلاقة بينهما هي علاقة تبادل الأثر والتأثير ، بحيث تصير الحرية الإنسانية وعيا بالضرورات حتى يتسنى التأثير فيها وتغييرها : ف ” الحرية وعي الضرورة ” كما يقول ماركس ، وليست هناك حتمية مطلقة ، كما ليست هناك حرية مطلقة ، وإنما تتحدد الشخصية من خلال التفاعل الجدلي القائم بين الفعل الإنساني الواعي وحتمياته وشروطه المحيطة به .
فيلسوف الوجودية

فيلسوف الوجودية

وانطلاقا من مبدأ الفلسفة الوجودية لدى ج . ب . سارتر : ” الوجود يسبق الماهية ” اعتبر الإنسان مشروعا مستقبليا منفتحا على المستقبل أكثر من انفتاحه على الماضي ، مشروعا متوقفا على الاختيار والإرادة الإنسانية بما هما حرية .

إن الفعل الإنساني تركيب جدلي يقوم على التجاوز والاحتفاظ ، تجاوزا لمكونات الفعل الإنساني المتمثلة في النقيضين : شروط الفعل الإنساني الموضوعية بما هي مجموع الحتميات المحيطة بالإنسان من جهة ، والفعل الإنساني الذاتي الذي يمثل الاختيار والإرادة من جهة أخرى .

إن فهم السلوك الإنساني إذن لا يتأتى بتفسيره تفسيرا آليا برده إلى مكوناته الموضوعية ؛ لأنه ليس إعادة إنتاج لشروطه وحتمياته، كما لا يتأتى برده إلى الفعل الإنساني الاختياري ؛ لأن الفعل الإنساني مركب نوعي يختلف عن مجموع مكوناته ، مركب منفتح أساسا على المسقبل وعلى مجموعة من الإمكانات التي يتحقق بعضها دون البعض الآخر . وهكذا يبدو مستحيلا رد النظام الثقافي إلى النظام الطبيعي .

بهذا المعنى يمكن أن نرى في الشخصية نظاما مندمجا يتشكل في الجزء الأساسي والإبداعي منه من خلال الأنا أو نظام الشخص ، وفي جزئه الآخر من خلال محددات موضوعية وحتميات يمكن أن يعيها وأن يتحرر منها بحكم عبقريته إبداعيته ، وأن يتعامل معها لا كمجرد منفعل وإنما كوعي وفعالية ، كإرادة ومسؤولية . وبهذا المعنى يفهم قول ميرلو بونتي : ” أنا لست مجرد نتيجة أو نقطة التقاء العديد من العمليات التي تحدد جسمي أو نفسيتي . إني لا

فيلسوف وجودي

فيلسوف وجودي

يمكن أن أتصور ذاتي كجزء من العالم وكمجرد موضوع لعلم النفس ولعلم الاجتماع وللبيولوجيا . . . إنني المنبع [ المصدر ] المطلق ، ووجودي لا يصدر عن مقدماتي وعن محيطي الفيزيائي والاجتماعي ، بل يتجه نحوها ويدعمها . . . “  وبهذا تستعصي شخصية الشخص على أن ” تُعلّب ” في قوالب أعدتها نظريات تعتبره مجرد موضوع ، لأن الشخصية كما عبر عن ذلك إ . مونييه : ” ليست موضوعا ، بل هي بالذات ما لا يمكن في أي إنسان أن يعامل بوصفه موضوعا “.

++++++++++++++++++++

إقرأ أيضا :

الشغل

  • الشغل ( من وجهة نظر كارل ماركس ) فعل يتم بين الإنسان والطبيعة ، يشكل الإنسان من خلاله قوة طبيعية ( تتمثل في أعضاء الجسم ) مؤثرة في الطبيعة وعليها ، وهو من خلال تأثيره في الطبيعة وتغييرها لإشباع حاجاته الخاصة، يغير ذاته وينمي ملكاتها وقواها.
  • وإذا كان الحيوان يمارس أعمالا قد تضاهي أعمال الإنسان ، فإن الفارق الأساسي بين الشغل الإنساني والشغل الحيواني هو أن هذا الأخير غريزي لا أثر فيه للوعي ، في حين أن الأول قائم على الوعي والتفكير والتخطيط المسبق.

ويمكن تقسيم مسار الشغل الإنساني إلى ثلاثة مكونات أساسية :

  • الشغل الإنساني ( الإنسان ذاته ) ؛
  • الموضوع الذي ينصب عليه الشغل ويشكل موضوعه؛
  • الأداة أو الأدوات المستخدمة في الشغل.

إن الشغل أو العمل منتج للقيم ، وقيمة المنتجات إنما تتحدد بقيمة العمل والجهد المبذول في إنجازها.

ومن وجهة نظر هيجل ، فإن الشغل وساطة تتم بين الإنسان والطبيعة ، وساطة متخصصة يستخدمها الإنسان للتأثير في الطبيعة وتحويلها إلى منتجات استهلاكية ، وبذلك يكتسب قيمته وأهميته ، كما أن هذه الوساطة تمكن الإنسان من اكتساب نوعين من الثقافة :

-          ثقافة نظرية : تتمثل في التمثلات والمعارف المكتسبة انطلاقا من مجال الشغل ، والتي تؤدي حركيتها وسرعتها وترابطها إلى إدراك العلاقات المعقدة والكلية.

-          ثقافة عملية : تتمثل في عادات المهنة عموما التي يؤدي التمرس بها إلى التعود على النشاط الموضوعي واكتساب خصال كلية تتمثل أساسا في تجريد الشغل مما يؤدي إلى التخصص وتقسيم العمل الذي ينعكس بدوره على المهارة حيث تزداد ، وعلى كمية المنتوج أيضا . ومن هنا يساهم كل فرد بثقافته في الثروة الكلية للمجتمع ويشبع حاجات الآخرين في الوقت الذي ينتج فيه لإشباع حاجاته الخاصة.

-          إلا أن الشغل يقتضي مجموعة من الحركات المنضبطة والمعقلنة والمغايرة للحركات المنفلتة من عقالها ، يقتضي حركات يكون فيها حساب الجهد ثابتا بالنسبة لمستوى الإنتاجية، ومن ثمة كان الشغل مجموعة موانع كابحة وقامعة لحرية الإنسان.

الشغل=آلة التعذيب

الشغل=آلة التعذيب

 

علاقة الشغل بالملكية

إذا كان الشغل ظاهرة إنسانية بامتياز لارتباطه بالفكر الإنساني وتميزه عن العمل الحيواني ، وإذا كان تقسيم الشغل سواء بمعناه التقليدي أو الآلي ضروريا من أجل الزيادة في الإنتاج وإشباع الحاجات الإنسانية المختلفة والمتنامية باستمرار ، فإن الشغل الإنساني لا يتم إلا في إطار علاقات إنتاج محددة تميز بين المالكين وغير المالكين لوسائل الإنتاج ، لذلك فإن الإشكال المطروح بهذا الخصوص هو كالتالي :

كيف نشأت الملكية ؟ .. وما هو أساسها ؟ .. و ما قيمتها ؟ .. وما علاقتها بالشغل ؟ .. هل يمكن اعتبارها منتجة لوحدها ؟ .. ومتى ، وفي ظل أية شروط ، يمكن اعتبارها منتجة ؟ ..

1)    إن أول من سيج أرضا وصاح قائلا : ” هذا لي ” ، ووجد أناسا سذجا صدقوه وصادقوا على كلامه ،

ج.ج.روسو

ج.ج.روسو

 كان هو أول مؤسس حقيقي للمجتمع المدني القائم على سلطة القوانين والمؤسسات والمتجاوز للمجتمعات الطبيعية الأولى ، أو حالة الطبيعة ، التي كانت الأرض وخيراتها فيها ملكا للجميع من وجهة نظر جان جاك روسو . ولما كان الحفاظ على الملكية من جهة ، والرغبة في التملك من جهة أخرى ، تدفع الناس إلى التقاتل والصراع فيما بينهم ، فإن أساس الملكية وسبب ظهورها الأول هو السرقة والعنف ، وليس المجتمع المدني إلا حيلة اصطنعها الأغنياء للحفاظ على ممتلكاتهم وتأبيدها ، وإخضاع الجنس البشري للعمل والعبودية لمصلحة هؤلاء الأغنياء ، بدعوى أن هذا المجتمع من شأنه تأمين حرية الأفراد وضمان ممتلكاتهم.

2)     بخلاف ذلك يرى فريدريك إنجلز ـ كممثل للفلسفة الماركسية ـ أن الملكية ظهرت من القديم في المجتمع

فريديريك إنجلز

فريديريك إنجلز

المشاعي ، ولكنها اقتصرت على بعض الأشياء البسيطة ، وتطورت داخل هذا المجتمع نتيجة التبادل مع الآخرين إلى أن أخذت شكل بضاعة ، حيث كلما قل إنتاج جماعة من أجل الاستهلاك الخاص ، وازداد إنتاجها الموجه للتبادل ، كلما أدى ذلك إلى مزيد من تقسيم العمل وتفاوت الناس من حيث الغنى ، وانحلت بذلك المشاعية القديمة لتحل محلها الملكية الخاصة.

إن الأسباب الاقتصادية إذن ، والمتمثلة في تغير علاقات الإنتاج والتبادل ، هي التي أدت إلى ظهور الملكية الخاصة ، و لا يمكن أن يعزى ظهورها لأسباب أخرى كالسرقة والعنف كما هو الشأن لدى روسو.

3)     إن الملكية وحدها عقيمة وغير منتجة ، ولكي تغدو كذلك لا بد من توفير ثلاثة شروط أساسية هي : الأرض المنتجة ـ العمل المنتج ـ والرساميل والأدوات المنتجة. إن الإنتاج هو ثمرة هذه العناصر الثلاث الضرورية مجتمعة ، ولو انفصلت عن بعضها فستكون عقيمة ؛ فالأرض لوحدها بدون تدخل الإنسان الذي يحول أشياء الطبيعة، بفضل عمله وجهده، إلى بضاعة قابلة للاستهلاك والتبادل ، تعتبر غير منتجة . والأدوات والرساميل هي بدورها غير منتجة بدون تدخل المجهود الإنساني وبدون موضوع منتج ينصب عليه العمل الإنساني.

4)     وإذا كان جورج فريدمان ـ من منظور اقتصادي ليبرالي يستند إلى مرجعية قانونية رومانية ـ يرى أن

جورج فريدمان

جورج فريدمان

مقتضيات العقل والعدالة تقتضي أن تكون الملكية فردية ، لصاحبها الحق المقدس في التصرف فيها إيجابيا أو سلبيا ، مدعما وجهة نظره بمعطيات التجربة الحياتية التي تؤكد أن الملكية لا تكون أكثر خصوبة وإنتاجا إلا عندما يكون المالك أكثر حرية في الانتفاع بها حسب رغبته ومشيئته ، فإن فريدريك إنجلز، يرى على العكس من ذلك، أنه إذا كان التبادل قد تم ـ في بداية النظام الليبرالي ـ بين قيم متساوية ، فإن تطور الإنتاج ، في ظل نظام الإنتاج الرأسمالي ، لم يؤد إلا إلى احتكار وسائل الإنتاج والعيش من طرف طبقة واحدة وقليلة العدد مع تدهور الطبقة الأخرى التي تشكل الأغلبية الساحقة إلى مستوى بروليتاريين غير مالكين ، إضافة إلى الأزمات والفوضى في الإنتاج التي هي ناتجة بالأساس عن نمط الإنتاج الرأسمالي.إن الطبيعة الاجتماعية للإنتاج تفترض بالأساس الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج ، وهو الحل الذي يبشر به النظام الاقتصادي الاشتراكي.

5)     إن الملكية في الإسلام ، بخلاف الأطروحتين السابقتين ، مسؤولية ؛ إنها جملة من الواجبات والمسؤوليات ، وهي ليست حقا مطلقا لاستعمال الأشياء ؛ فالمالك مسؤول عن ملكيته ، ومطالب بتنميتها وتطويرها بما يخدم مصلحته ومصلحة المجتمع وفق المقتضيات الشرعية التي تحرم الربا والاحتكار والسرقة والتحايل ، تحت طائلة نزع الملكية أو فقدانها إذا ما أهملها صاحبها أو لم يستثمرها بالشكل الذي يخدم مصلحة الأمة جمعاء.

الشغل ـ الاستلاب ـ التحرر

كارل ماركس

كارل ماركس

إن الشغل ظاهرة تتم بين الإنسان والطبيعة ، ولكنها لا تتم إلا بدخول الناس فيما بينهم في علاقات تسمى ” علاقات الإنتاج ” ؛ تحدد المالك لوسائل الإنتاج من غيره ، وتحقق نوعا معينا من الملكية. كما أن الشغل يفترض تقسيما معينا للعمل ، سواء في شكله التقليدي أو شكله الآلي والتقني المعاصر ، مما يسم الشغل الإنساني ببعدين أساسيين هما : البعد الإنساني المتمثل في علاقات الإنتاج والملكية ، والبعد التقني الآلي ـ في عصرنا ـ وما يطرحه من مشاكل تنعكس على الإنسان. لذلك فالإشكال الذي يطرح بهذا الخصوص يتمثل في التساؤلات التالية :

 

-         هل يحقق الشغل ماهية الإنسان وحريته ؟

-         أم على العكس من ذلك هو قتل للرغبة والحرية ونفي للذات الإنسانية ؟..

-         وما هي الشروط الإنسانية والموضوعية التي بإمكانها أن تجل من الشغل عاملا لتحرر الإنسان واكتمال شخصيته وتفتحها ؟ ..

1)     بخصوص هذا الإشكال تتعدد الأطروحات والإجابات وتختلف نوعيا عن بعضها انطلاقا من المرجعية التي تنطلق منها ؛ فهذا جورج فريدمان ينتهي ، انطلاقا من نظرة فاحصة ومميزة للجوانب السلبية والإيجابية للتقدم التقني المعاصر في الصناعة وعلاقة الإنسان به ، إلى التضحية بالإنسان المنتج لصالح الإنسان المستهلك ؛ فإذا كان الشغل في ظل النظام الآلي المعاصر مهمة قاسية وغريبة عن اهتمامات الإنسان ، فإنه ضروري لتحقيق حاجاته الاستهلاكية المتزايدة والمتنامية باستمرار ، ومن شأن تنظيم المجتمع وهيكلته بشكل جيد أن يضمن استفادة جميع أفراده من نتائج التقدم التقني ، كما أن من شأن أوقات الفراغ أن تمكن الإنسان من الاستمتاع بالثقافة والفن ، لما فيه إمكانية تفتح شخصية الإنسان وتحقيقها.

صحيح أن التقنية حررت العامل من كثير من المهام الصعبة والشاقة ، بحيث لم يعد مستعبدا من طرف الآلة ، ولكن هذا الاستعباد حل محله الاستعباد الذهني للعامل الناشئ عن التمييز المفرط بين النظرية والممارسة ، بين العمل الذهني والعمل اليدوي ، مما أبعد العامل عن كل تفكير ذهني ، وبالخصوص في المجتمعات القائمة على نظام يتوخى الربح أساسا ، وهو ما يهدد التوازن النفسي للإنسان ومصيره الروحي .إلا أن مفاضلة سريعة بين نظام الإنتاج الآلي وانعكاساتها على الإنسان باعتباره مستهلكا من جهة ، وباعتباره منتجا من جهة أخرى ، تدفعنا حتما إلى التضحية بالإنسان المنتج لصالح ولفائدة الإنسان المستهلك.

2)     إن الإغراق في الشغل ـ من وجهة نظر نيتشه ـ والسرعة في إنجازه جريا وراء الربح والفوز هو سمة

ف. نيتشه

ف. نيتشه

الإنسان في المجتمعات المعاصرة ، وهي سمة تؤدي بالإنسان إلى استنفاذ كل طاقاته الذهنية وحرمانه من ممارسة التأمل والاحتكاك بالفنون ، بل إن هذا الوضع أفرز قيما جديدة تقوم على احتقار الراحة والتأمل والاشتغال بالفن ، على عكس ما كان سائدا في الماضي ، وفي ذلك ما فيه من إهدار لكرامة الإنسان لا يتيح لشخصيته التفتح ولا النمو و لا الحرية . إن الشغل إذن بشكله الحالي في المجتمعات الليبرالية هو قتل وقضاء مبرم على الرغبة والحرية الإنسانيين.

3)     إن مملكة الحرية إذن ـ من وجهة نظر كارل ماركس ـ لا تبدأ في الواقع إلا حينما ينتهي الشغل الذي تفرضه الحاجة والضرورة الخارجية ، إنها توجد إذن خارج دائرة العمل، لكن هذا لا يعفي الإنسان من مواجهة هذه الضرورة لإرضاء وإشباع حاجاته والمحافظة على حياته ، تلك الحاجات التي تتنامى وتتنوع مما يزيد من اتساع دائرة مملكة الضرورة.

كارل ماركس

كارل ماركس

إن ” الحرية وعي للضرورة ” ، وهي لا تزدهر إلا استنادا إلى مملكة الضرورة ووعيها ، وتنظيم قوى الإنسان عقلانيا للسيطرة عليها دون الاستسلام لها بأقل الجهود الممكنة ، وذلك بتوفير الظروف ـ على مستوى علاقات الإنتاج وعلى مستوى الشغل ذاته ـ التي هي أكثر تلاؤما مع الكرامة والطبيعة الإنسانيين ، تلك الظروف التي على رأسها تحويل الملكية من ملكية فردية إلى ملكية جماعية ، وكذا امتلاك الوسائل العلمية والتكنولوجية التي تضمن ازدهار القوة الإنسانية التي تشكل غاية في ذاتها.

4)     ومن منظور إسلامي لا يرى محمد باقر الصدر في العمل وسيلة لقتل الرغبة أو

محمد باقر الصدر

محمد باقر الصدر

القضاء على الحرية الإنسانية ، وإنما يرى فيه وسيلة لتأكيد الإنسان لذاته وتطويرها تحقيقا لمهمة الارتقاء الإنساني التي تتحقق من خلال قيم مادية وقيم روحية يؤدي بعضها إلى البعض الآخر ، ويشكل العمل الإنساني وسيلتها.

إن العمل ، وخصوصا العمل الصالح ، يؤدي إلى إثراء الشخصية الإنسانية ونموها ماديا وروحيا ، وقد أعطى الله ذاته المثال بخلق السماوات والأرض عندما خلقهما بتدرج ، ولم يستعمل قدرته لخلقهما دفعة واحدة ، وذلك حتى يعلم البشر أن العمل يتطلب التدرج والجهد والذأب . كما أن إصرار القرآن على أن كل الرسل كانوا يعملون هو تأكيد على منزلة العمل الإنساني في إثراء الشخصية باعتباره وسيلة السمو الروحي من خلال العمل الجسدي.  

بدايات التفكير الفلسفي

اليونان القديمة
عرفت أثينا خلال عهد بريكليس ازدهارا ورفاهية وصلا حد القمة ، وبعد وفاته سنة 429 قبل ميلاد المسيح ، غرقت المدينة اليونانية في أزمة سياسية تواجه فيه أنصار الأوليغارشية وأنصار الديمقراطية. غير أن الصعود القوي والمثير للنظام الملكي المقدوني في عهد فيليب الثاني والإسكندر الأكبر أضعف النفوذ اليوناني إلى حد أن قضى عليه نهائيا غداة اندحار شيروني سنة 338 ق . م .
لقد عرفت الفترة الهيلينية انتشار مذهبين فلسفيين سيؤثران لوحدهما في كل الفلسفات التي ستليهما ؛ ويتعلق الأمر بالمذهبين الأفلاطوني والأرسطي . لكن السؤال الذي يطرح ذاته هو كيف يمكن مباشرة الحديث عن هاتين الفلسفتين دون الحديث قبل ذلك عن سقراط الشخصية / وسقراط اللغز ؟ .. ذلك أننا لا نعرف عن سقراط إلا ما ذكره معاصروه ، ولأن الشهادات بشأنه اختلفت وتناقضت ؛ لقد قدمه تلميذه أفلاطون في محاوراته كحكيم يشد خطابه السامع إليه شدا ، ولكن الشاعر الهزلي أرسطوفان يضعه ، على العكس من ذلك في مسرحيته المعنونة ب:les nués et le dépeint ،في خانة السفسطائيين. من هو سقراط إذن حقيقة؟ ..

سقراط

إن اليقين الوحيد هو أنه كان أستاذا وملهما لأفلاطون، ولأرسطو بمعنى ما . وبخلاف ما قبل السقراطيين الذين لا نعرف عنهم إلا بعض الشذرات ، التي وصلتنا عن طريق الصدفة وحدها ،فقد جاءتنا  أعمال أفلاطون كاملة تقريبا، باستثناء بعض المحاورات وعدد من الرسائل غير الأصلية .ويتفق المعلقون على الاعتراف بأصالة المحاورات الأكثر أهمية . أما بخصوص نصوص أرسطو الأصلية فإننا لم نتوصل بها ، ولكننا نحوز محاضر لدروسه لدى تلامذته على شكل مجموعات هي كافية ،من حيث أهميتها وتماسكها، لإعادة بناء مجموع الفلسفة الأرسطية. وفي ما وراء مشكل الأصول هذا ، تختلف أعمال هذين الفيلسوفين من حيث الأسلوب والنط ؛ فمحاورات أفلاطون تتميز بشخوصها العديدين ، وتبعا لذلك ، تتبلور البراهين والحجج ضمنها بطريقة حرة فيما يبدو ، في الانتقال من موضوع إلى آخر ، وباللعب على مختلف الطرق كالعرض المنهجي واللجوء إلى الأسطورة. أما أعمال أرسطو ، فهي على العكس من ذلك موسوعية ؛ حيث يحتوي المنطق الصارم الملاحظة الدقيقة للطبيعة وللأنظمة السياسية . و لا شيء فيما يبدو يفلت من حب الاستطلاع لدى الفيلسوف الذي يتخذ بين لحظة وأخرى هيئة البيولوجي والسيكولوجي والفيزيائي والميتافيزيقي ، منطقيا كان أم بلاغيا . يجعلنا هذان التوجهان نحزر علاقتين متباينتين لهما مع معاصريهم ؛ وهكذا فإن رد فعل أفلاطون اتجاههم تمثل في مجادلة السفسطائيين الذين اعتبرهم في محاورات الشباب الأعداء الرئيسيين للفلسفة ، لأنهم يرفضون كل معايير الحقيقة. أما أرسطو فقد كان  أكثر موضوعية ، وذلك عندما عرض نظريات الأسلاف ، ولكنه ، على كل حال ، لم يتورع عن محاسبتهم أحيانا انطلاقا من نظريته الخاصة وعلى ضوئها، وتلك طريقة مغلوطة في النقد.وبالموازاة مع ذلك نجد تقليدا منحدرا من سقراط متمثلا في المدارس السقراطية الصغيرة ، كالمدرسة الميغارية أو السينيكية ( نسبة إلى الفيلسوف سينيكا ) ، ورثت عن سقراط السخرية والاهتمامات الأخلاقية، و أتباع هاتين المدرستين يجعلون من ذلك ” الذي يعرف أنه لا يعرف شيئا ” الشكاك الأول. وإذا كان التقليد لا يحكم علاقاتهما الفكرية ، فإنه يتوجب مع ذلك التذكير بأن هذه المدارس ساهمت في تعميق الفلسفتين الأفلاطونية والأرسطوطاليسية اللتين تجمدتا بعد وفاة مؤسسيهما، في نزعة دوغماطيقية أقل فأقل احتراما.

أفلاطون وأرسطو : السماء والأرض

إن ” صغار ” السقراطيين إذن ساهموا في التمهيد الواضح لكبريات مدارس القرن الثالث قبل الميلاد ؛ فبعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة 323 ق م بدأ العصر الهيلينستي الذي أضحت فيه الثقافة اليونانية ملكا مشتركا بين دول البحر الأبيض المتوسط من مصر إلى إسبانيا.
أما أثينا فقد ظلت مركز الحياة الفكرية ، وظلت اللغة اليونانية لغة الفكر والثقافة ، ولكن أيا من فلاسفة القرن 3 ق م لم يكن يونانيا قحا ؛ فغالبيتهم انحدرت من مدن لم تكن تمتلك تقاليد الديمقراطية والاستقلال الوطني التي ميزت أثينا القرن الرابع ق م . . . وهكذا أفلت الاهتمامات والطموحات السياسية لدى الفيلسوف مع لامبالاة أبيقور الذي رأى أن من واجب الفيلسوف أن يعيش على هامش المدينة ، أو وفق التقليد الأبيقوري، حيث تفقد أي مدينة أو أمة معناها الخاص عند انعدام الانتماء  السياسي. إن ما أضحى ذا بال هو الأخلاق ، إلى حد أن أنها تحولت إلى الهدف الوحيد من المعرفة : فالأبيقورية والرواقية تستهدف بناء علم عقلاني للطبيعة لأن فيزياء كهاته ضرورية لامتلاك الحكمة والسعادة.


مفاهيم

التقدم
إن العلم لا يطرح على ذاته أبدا مسألة الاستخدام الخطير أو الضار للاكتشافات التي ترسم معالم مساره ؛ فهل يمكننا أن نعتبر المضغة التي نقتطع منها خلايا بغرض استنساخها شخصا من الأشخاص ؟ .. وما هو الشخص ؟ .. إن البحث العلمي ليس من طبيعة أخلاقية. وخارج بعض ردود الأفعال المعزولو ( جاك تيستارت مثلا أوقف تجاربه المختبرية لأنه خمن أنه فتح باب علم تحسين النسل ) فإنه لا يبدو أن أي تحذير قد استطاع وضع حد لنشاط العلماء أو فث في عضدهم. غير أن الفلسفة تستطيع بفضل بعدها الأخلاقي أن تدعو لمزيد من الوعي بالممارسات التي تجلبها الاكتشافات العلمية معها .إلا أن القضية تطرح مسألة معرفة ما إذا لم تكن فكرة التقدم مجرد وهم ؛ فالعلوم التقنية التي ينتظر أن يؤدي تقدمها إلى تحسين ظروفنا الحياتية لم تف بوعودها ، لقد وفرت الآلة على الإنسان الكثير من المهام الشاقة ، لكنها حرمته في الغالب من الشغل .إن فكرة التقدم تصبح حينها ربما ، كما يوحي بذلك جورج كانغليم ( 1904 ـ 1995 ) فكرة منحطة .
وبارتباطها بالإيمان وبالعقل فقد ظهرت فكرة التقدم منذ القرن 16 عند أول انطلاقة علمية ، وقد دافع الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون ( 1561 ـ 1626 ) ، وهو أول المتحدثين عنها ، عن مبدأ تقدم مستمر للمعرفة ، وقد سار على منواله في هذا السبيل كل من ديكارت وكوندورسيه ( 1743 ـ 1794 ) ، هذا الذي مسح طاولة أشكال تقدم الفكر عبر التاريخ.
بيبليوغرافيا :
- مخطط إجمالي للوحة التاريخية لأشكال تقدم الفكر الإنساني ، دو كوندورسيه ، فلاماريون 1988 .
- السلالة والتاريخ ، كلود ليفي اشتراوس ، جاليمار ، 1987 .
 

839ima 30143i 707ima 56imag

العقل
ولد العقل بأثينا في الفترة التي كان فيها الإغريق يتعلمون الديمقراطية . ولأن المواطن كان مطالبا بمناقشة القضايا العمومية ، فقد كان مطالبا بتعلم كيفية ممارسة وإصدار أحكامه ، حينها تطورت وتعمقت ضرورة عقلانية كونية كرد فعل على الخطاب البلاغي والكاذب لدى السوفسطائيين ، وكان أفلاطون أول فيلسوف شهر وندد بالجدل الفارغ في بادئ الرأي وأشاد بالعقل ومدحه.
والعقل حسب إيمانويل كانط ليس فقط ملكة للمعرفة بامتياز ، وإنما هو أيضا الملكة التي تقود أفعالنا ، إنه ليس نظريا فقط وإنما هو عملي أيضا بوصفه منبع القانون الأخلاقي والواجب. إن العقل هو الملكة الوحيدة في الإنسان التي تمكنه من إنجاز إضفاء المعنى على حياته. والعقل بالنسبة لباروخ اسبينوزا ( 1632 ـ 1677 ) هو تلك الملكة التي تحررنا من كل المعتقدات المؤسسة على الوحي ، وإنجاز هذا الفيلسوف هو المثال الأكثر كمالا على استخدام العقل في الممارسة الفلسفية؛ إن أخلاقه معروضة في صيغة قضايا وأكسيومات وتعريفات وبراهين ، على قاعدة نموذج العرض الرياضي.
ولقد وجد المذهب العقلاني ذاته في صراع مع التيار التجريبي الذي اعتبر أن نوايا العقل في بلوغ الحقيقة خارج معطيات التجربة نوايا مبالغ فيها ، وسيقول كانط عن الفيلسوف التجريبي دافيد هيوم ( 1711 ـ 1776 ) بأنه أيقظني من سباتي الدوغماطيقي .
بيبليوغرافيا :
- نقد العقل الخالص ، إيمانويل كانط ، فلاماريون ، 1987 .
- « Tractatus logico-philosophicus » ، لودفيغ فتجنشتاين ، مكتبة الفلسفة ، جاليمار ، 1993 .
- عن خطأ وعن صواب لهنري أتلان ، Points sciences ، سوي 1949 .
645ima

إيديولوجيا هذه الأيام

إيديولوجيا هذه الأيام

فرانسوا برون(*)
يزعم البعض أن ضربا من “المادية الليبرالية” سيمكننا من التخلص نهائيا من التأثير البشع لـ”الأفكار المستوردة”. لكن، وفي نفس الآن، لا يكف هؤلاء المستكتبون أنفسهم عن مخاطبتنا بكلمات مثل: “التقدم”، “التكنولوجيا”، “الاتصال”، “السرعة” و”الحداثة”. وباختصار، لم يكفوا عن تشييد إيديولوجيا جديدة على مرأى ومسمع منا.
هناك خطاب يخترق الغرب في مجموعه يقوم على ادعاء اختفاء الإيديولوجيات. مفكرون ذوو شأن يعلنون ذلك: ففي ديموقراطياتنا المتقدمة أصبح المواطن غير قابل لفعل القولبة والتنميط، انتهت الأخلاق المدينة وعقائد الماضي. انتهت الإيديولوجية البورجوازية الصغيرة المشهر بها في الأمس القريب من طرف رولان بارث. انتهت المجادلات الكبرى بين لغة الخشب الماركسية والمبشرين بالنزعة الاقتصادية الليبرالية؟ لم يعد هناك مجال للنقاش: فإذا كانت الرأسمالية تصدر الليبرالية إلى كل مكان في العالم، أفليس ذلك لأنها تتطابق مع الطبيعة العميقة للإنسان؟..
تضفي الليبرالية على ذاتها أكثر من أي وقت مضى رداء إثبات بسيط لنظام الأشياء، وحيد وغير قابل للدحض. هكذا يصرح آلان مينك من أجل الإنهاء الحاسم لأي نقد:”ليس الفكر، وإنما هو الواقع الذي يتصف بصفة الواحدية”. لم يعد أيضا هناك إذن أي مجال للتفكير: فالواقعي يكفي. والواقعة والقيمة لم يعودا يشكلان إلا شيئا واحدا.
يقدم لنا أرمان ماتلار مثالا عن هذه الظاهرة التي تعممت: “الكليانية واقعة، يقول ماتلار، وهي أيضا غيديولوجيا: فاللفظ يخفي تعقد النظام العالمي الجديد بدل أن يكشف عنه”(1).
ليس في مقدور أي كان إنكار أن الكليانية واقع، فذكر اسمها وحده كاف لتبجيلها فورا باعتبارها إيجابية، حتى بدون التصريح بما يستتبعها (استراتيجيات هيمنية، توحيد أنماط الاستهلاك، التدمير العاصف لمناصب الشغل الخ). نفس الغموض والالتباس نقع فيه بمجرد النطق بلفظ “العولمة”. إننا ننزلق بدون توقف من الإثبات إلى الإكراهات: فالاقتصاد يتعولم، حسنا، إذن عليكم بعولمة اقتصادكم!. وهكذا، فضمن الآثار المتخلفة عن هذه “البديهية”، تدرج الشرعنات المشبوهة لـ”التشدد والصرامة”: فالعولمة ضربة حظ لنا، ولكن حذار، يجب أن نتحول أولا إلى افراد قادرين على المنافسة، وهذا يفترض تقديم تضحيات، وكيفما كان الحال، فأنتم لا تستطيعون الإفلات من “منطق” الاقتصاد العالمي هذا… عليكم إذن أن لا تتجمدوا في خط الدفاع عن المكتسبات الاجتماعية التي أكل عليها الدهر وشرب الخ…
إن انزلاقا كهذا يمكن ملاحظته بخصوص أبعاد متعددة، ويمكن أن نميز بداخل الخطاب الشمولي على الأقل أربع مركبات إيديولوجية كبرى:
1 ـ أسطورة التقدم. أكيد أن التقدم حقيقة واقعة، ولكنه أيضا إيديولوجيا. إن المثل البسيط “لا يمكن إيقاف عجلة التطور” هو مبدأ للإخضاع مكرر مئات المرات، وهو أيضا أمر يومي: فكل منا مطالب بأن يتقدم ويتغير ويتطور. هاك على سبيل المثال السؤال الذي يطرحه صحافي على منشط إذاعي: “عدد أفراد جمهوركم اليوم يصل إلى ثلاثة ملايين مستمع، فكيف تنوون تطوير نشاطاتكم؟”. ولكن لماذا يجب استقطاب مزيد من المستمعين؟.. ذلك لأن التطور يجب أن يكون محسوبا، وهو في الغالب ذو طبيعة كمية. إن هذا الهوس هو بدون شك أصل التعبير المشهور: “التطور السلبي”، فعملية تقهقر للإنتاج الاقتصادي باعتبارها مسألة غير قابلة للتصور، أريد أن لا ترى فيها إلا صورة ماكرة للتطور، ذلك لأنه لا بد من التطور في جميع الأحوال.
وبالعلاقة مع ما ذكرنا، فإن الرعب الأكبر هو أن تكون متخلفا عن الركب: عن ركب ابتكار جديد، أو عن مستوى استهلاك استمعوا لهذه الأخبار المفزعة: “بالمقارنة مع أمم مصنعة أخرى، تعتبر الأسر الفرنسية متخلفة بخصوص تجهيزات الحاسوب!”، “إن فرنسا متخلفة في ميدان الإشهار إذا أخذنا بعين الاعتبار نصيب PIB الذي تخصصه للإشهار عن كل فرد من الساكنة” إن وسائل الإعلام تعشق تعاطي ابتزاز التخلف، وتلك صورة معكوسة لإيديولوجية التقدم.
ألفاظ قريبة من لفظة “التقدم” كـ”التطور” أو “التغير” تستفيد من قبلية إيجابية. إن التغير الواقع، وهو أيضا إيديولوجيا. “كم تغيرتم أيها الفرنسيون!” وهو العنوان الذي اختارته يومية لإثارة انتباه القراء(2): إنه بدون شك تطور حقيقي ما دام عبارة عن تغير. ففيم تغير الفرنسي؟.. في ما أصبح أكثر قربا من أن “يكونه” منه مما “يبدو” أنه سيكونه! إن هذا النمط من التحليل المنحدر من استقراءات الرأي المصطنعة هو المثال النموذجي للأحداث السوسيولوجية المغلوطة نحن في حاجة أكيدة للتغير، يجب أن “يتحرك” مجتمعنا، نحن في حاجة للتطور الذي هو تحسن حتمي. فذاك هو عصرنا.
2 ـ أولية التقنية. التقنية واقع، وهي أيضا إيديولوجيا. وكل ما يقدم باعتباره تقنية، باعتباره وظيفيا، يبدو إيجابيا. لقد حازت التقنية دوما قوة القانون؛ فـ”الأسباب التقنية” هي المستدعاة غالبا لحجب المشاكل الاجتماعية أو الاختيارات السياسية القابلة لأن تكون موضوع أخذ ورد، فمنطق الأنظمة (ومن بينها النظام الاقتصادي) يحظر أن توضع انحرافاته موضع نقاش. وعندما يتم تجريم الاختلال الوظيفي، فذلك من أجل الدعوة إلى مزيد من التقنية من شأنه أن يسمح بالتحكم فيه. إن الإيديولوجية التقنوية تمركز فكر الناس حول الـ:كيف؟ وذلك من أجل إخفاء السؤال المرعب: لماذا؟ وهكذا، فبدل التساؤل عن أسباب وتأثيرات العنف التلفزيوني، يعتقد أننا قمنا بحل المسألة بابتكار “قزم إلكترونيكي Puce” يمكن من ترميز المشاهد المؤلمة. لقد أسلمنا أمرنا لـ”عبقرية” الاختصاصيين، وذلك لأن الخطاب التقنوقراطي الذي يصدر عن أصغر تقني أو أكبر خبير كانت له دوما وظيفة إسكات غير الاختصاصيين، أي الأغلبية الساحقة من المواطنين.
من بين أنواع “التقدم التقني” التي لا تحصى، والتي يعتبر الشك فيها هرطقة وبدعة، يمكننا أن نذكر اثنين عظيمين: الطريق السيار والسرعة. إن الطريق السيار حقيقة واقعة، ولكنه أيضا محض إيديولوجيا. إنه رمز للعالم الموهوب لحرية الفرد المعاصر: سلخ متسارع للمسافات، تقلص للزمان، طريق ملكي للحداثة. إن معنى ضمنيا كهذا للطريق السيار يضمن القبول بدون مجهود يذكر، لمشاريع “طرق سيارة” لا متناهية: فهو يفتح طريقا نحو شعارات يمكن لمعناها أن يجعل عشاق الحرية يطيرون من الفرح: “إن مستبلكم يمر عبر الطريق السيار!” وليس في الأمر ما يذهل أخيرا إذا كانت “الطرق السيارة للمعلومات” ذائعة الصيت تفرض نظامها المشبوه بفعل سحر استعاري بسيط.
إن السرعة حقيقة واقعة. وهي أيضا إيديولوجيا لا تقبل الانفصال عن أسطورة التقدم. كل ما يتحرك في العالم، كل ما يتحرك بسرعة… يتقدم. إن كل حركية هي إيجابية؛ والضرر الأكبر هو أن تكون “متجاوزا”. إن أغلبية المسابقات (= الرياضية) تقوم على قاعدة السرعة، ولكن، وفي جميع الأحوال، يجب أن تتحرك بسرعة، أن تفكر بسرعة، أن تعيش بسرعة. إن السياسي الذي يعد بالتحرك “بسرعة أكبر، وإلى مدى أبعد” هو الذي يقابل تلقائيا بالتصفيقات الحارة، حتى بدون أن يحدد في أي مسار سيفعل ذلك، وهذا بالضبط ما يجعل محاكمة “مجتمع ذي سرعتين” تحافظ ضمنيا على مفهوم السرعة كمعيار قيمي. طبيعي إذ أن تقود دوخة السرعة نحو قبول إجماعي لكل أنواع التطور المعاصرة. يجب أن نركض، أن نلاحق، أن نستقل القطار وهو يسير: فعبادة السرعة تولد بدون حدود نفاذ صبر نزعة الملاحقة.
3 ـ عقيدة الاتصال. لأن إمكانيات التواصل تتضاعف بشكل لا نهائي فمن المعقول الاستجابة لحاجة رائعة كان على الشعوب واجب الإحساس بها. كلمة سحرية تفتح جميع الأبواب، عقيدة يومية نحن منذرون للإيمان بها. إن التواصل هو أيضا الكذبة الإشهارية (التي تماثل بدون وجه حق بين “الإشهار” و”التواصل”) أكثر منه مفتاح النجاح المهني. إيعاز للجميع وللطلبة بالخصوص، ليتعرفوا على التواصل من أجل أن ينجحوا، أن يوجدوا، أن يحبوا وأن يبيعوا، ألديك مشكلة مع مستخدميك؟ مع زبنائك؟ مع زوجتك أو زوجك؟ مع جمهورك؟ مع محكوميك؟ مع شركائك الدوليين؟. إذا كان الأمر كذلك، فلأنك لا تعرف كيف تتواصل.
تجتذب أسطورة التواصل هاته في إثرها ألف لفظة ولفظة من ألفاظ القيمة، هي في نفس الآن موجهات إيديولوجية. لفظة “الربط” La Connexion على سبيل المثال هي تحويل تقني لعبادة الاتصال: يجب أن تربط الاتصال، أن تكون منخرطا في كل مكان، ويكون الوصول إليك سهلا ومتاحا للجميع.
ويكفي كما يظن أن تكون بالقوة (بالإمكان) على اتصال (بواسطة وسائل الإعلام المتعددة الأوجه) حتى تجد نفسك حقا داخلا في علاقة (في وضعية تبادل أصيلة). إن التفاعلية L‘Interactivité إغراء وغواية أخرى للإيديولوجيا الإعلامية تنحدر طبيعيا -كلفظة- من -لفظة- الارتباط Connexion: وهذان اللفظان يستلزمان وحدهما وجود مجموعات تقديرية متعددة، مترابطة وموصولة مسبقا، تنتظر أن يلحق بها اي شخص ليلعب معها لعبة الإنسانية المجتمعة…
لكن يتوجب القول إن التلفزة التي هي ذاتها رؤية عن بعد، انتقائية، جزئية، مضخمة، وأكثر خداعا مما لم تكنه دائما، قد هيأت بشكل واسع هذا الوهم الاتصالي بما هو حس مشترك. منذ مدة طويلة اعتمدت هذه التفاهة المتمثلة في “النافذة المشرعة على العالم” فكرة أننا منكبون -من خلالها- على الواقع كما هو. وهذا وهم مكابر، وذلك لأن التفلزة لم تعد أبدا تعرض واقع العالم أكثر مما تجمع الشعوب حقيقة؛ فالارتواء بالصور لا يعني المشاركة في الأشياء، وقشعريرة الحدث لا تمكن مطلقا من التعرف على المشاكل.
كثيرون هم المحاولون الذين أعلنوا ذلك: فالنظام المتلفز، مأخوذا في كليته، لا يفعل شيئا آخر غير إخضاع المواطن “لتصوره -الخاص- عن العالم”، هذا المواطن الذي يعتقد بسذاجة في هيمنته على العالم عن طريق الرؤية. إن التأثير الحقيقي الإيديولوجي للتلفزيون يتمثل في إقناعنا بديانة العصر التي يريد هو أن يشكل معبدها.
4 ـ ديانة العصر. حقيقة أن العصر هو شيء واقع، ولكنه أيضا أسطورة ملائمة، ألوهية يومية تستدعى لإخضاع الفرد لتعاليم “الحداثة”. إن أشكال التهليل لضروب المواءمة تشد أنفاس المهلل: يجب أن “نكيف أنفسنا مع التطور”، أن “نعيش عصرنا”، وأن “نكون أبناء عصرنا”. ولكن من يقرر ما هو العصر؟ من بين ملايين الوقائع التي تحدث في نفس الثانية، من يستطيع تعيين تلك التي يمكن اعتبارها” وقائع العصر”؟ أهي وسائل الإعلام؟ هل هم المحللون؟ النخب القائدة؟ أم العامة؟..
وللحقيقة، فالعصر بناء سينوغرافي (تصويري)، وما ندعوه “حدثا” هو نتاج انتقاء وتهويل درامي اعتباطي منجز من طرف “نقالي المعلومات” باستخدام الفكرة القبلية التي يكونونها عن العصر. إن من نسميهم “فاعلين” في العالم المعاصر هم بدورهم “صنائع” مفبركة من طرف أولئك الذين يعينونهم: فمن يقرر مثلا أن الشخص الفلاني سيكون “شخصية الأسبوع”، أو الشهر، أو السنة؟ أما الجمهور فهو لا يلعب إلا دور قلب تراجيدي، ذلك القلب الذي تجعله استقراءات الرأي يتخذ موقفا ويعبر عن رأي مفبرك سلفا.
إن وسائل الإعلام تختار -بوساطة شبكة إيديولوجية مشيدة سلفا- الوقائع التي تشكل منها العصر، وذلك كي تطلب من المواطنين في ما بعد الانخراط فيه، وتشعرهم بأنهم مساهمون فيه، بدون أن يسعوا هم أنفسهم إلى اختياره. ومنذ ذاك، فأن يريد المواطن أن يكون ابن عصره يعود إلى تبني “قيم” أولئك الذين يحددون العصر وقيمه.
إن الإشهار مثلا هو فعلا حقيقة معاصرة واقعة، تتم المناداة بأنه ظاهرة مجتمعية. ومبرر أن الأمر يتعلق بواقعة حادثة، لا يتم الكف عن تبريرها باعتبارها قيمة. “كيف يمكن أن نجرؤ على انتقاد الإشهار؟” يردد “الواقعيون” بامتعاض واستياء، فتستطيع الإيديولوجيا الإشهارية أن تنشر أفيونها بدون عائق(3).

عبارات مشبوهة:
بنفس القدر يمكننا أن نتحدث عن الاستهلاك. فالأمر يتعلق حقا بواقع يومي؛ ولكنه بجعلنا غياه مقياسا أكبر لعافية الاقتصاد وحل معضلة التشغيل، بدون إعادة النظر في مفهوم “مجتمع الاستهلاك” حتى، ننعطف لنغرق فيقلب الإيديولوجيا: عين إيديولوجيا النزعة الرأسمالية التي تنتج على المستوى الدولي البطالة لهؤلاء والاستغلال الفاحش لأولئك ابسم الولي الصالح/السوق.
آلاف العبارات المشبوهة، بقلب وسائل الإعلام أو خارجها، تشرعن كل يوم الحقائق الاجتماعية أو الاقتصادية التي تحرم مناقشتها لأنها تنتمي للعصر. وغالبا ما تستخدم هذه المبررات نغمة الاستغراب البريء: فكيف أجرؤ سنة 1996 على الاستمرار في الدفاع عن مبدأ “قطاع عمومي”؟ أيعتبر ممكنا انتقاد استعمال السيارة أو رفض الكهرباء النووية (الناتجة عن استخدام الطاقة النووية؟).. إنك لن تذهب إلى حد التنديد بمكانة الرياضة في التلفزيون!(4).
يلزم أن تحدث قلاقل واضطرابات اجتماعية حتى يمكن فجأة أن تتكسر الواقعية-المزعومة للخطابات الشمولية، وتمكن من تبين الإيديولوجيا المريعة التي تشكل قاعدة انطلاقها(5). ولكن إشراقات جد مختصرة كهاته لا تعوق التشريط السياسي-الإعلامي من أن يعيد غزو حقل وعي المواطنين. إن قوة هذا النسق فعلا تتمثل في كون مختلف “المركبات الإيديولوجية” التي تشكله لا تكف عن التداخل في ما بينها، وعن تدعيم بعضها للبعض الآخر. وعندما يضعف أحدها، يتلقف الآخر المشعل: فهل سيشك في مجتمع الاستهلاك بأنه سيستمر الاعتقاد في معصومية التقدم التقني، سنصبح حذرين إزاء وسائل الإعلام، ولكننا سنحافظ على التمثل العام لـ”الحداثة” الذي تمنحنا إياه. سنأسف للعولمة… إن تعدد ووفرة الأساطير اليومية التي تعبث مستخفة بموضوعيتنا بإعادة تشكيل ذاتها دون توقف تحدث تأثيرا مشوشا يحبط التحليل النقدي. فاين هو الواقعي؟ هل يمكن أن نثق في الآراء السائدة والمتقلبة التي تعرضها عمليات استقراء الرأي المتوالية بدون انقطاع؟(6)
لقد استفحل هذا التشويش الإيديولوجي بفعل أشكال اللاتماسك الملحوظة في ما بين الخطابات المفروضة علينا وتجربة الأشياء التي غالبا ما تكذبها. إن الإيمان والركون إلى السيارة، الطريق السيار والسرعة يفضي إلى امتلاء الطرق والمدن. تصاحب أسطورة الاتصال باتساع ظواهر الانزواء (الوحدة) والإقصاء. والبحث عن جميع أشكال الاتصال ينقلب إلى وسواس معد.
هوامش:
النص المترجم أعلاه مأخوذ عن Manière de voir 1996؛ و”تفكر وسائل الإعلام كما أفكر أنا، مقتطفات من خطاب مجهول” هارماتان، باريس، 1996، عدد استثنائي.
1 ـ السيناريوهات الجديدة للاتصال العالمي “لوموند ديبلوماتيك”، غشت 1995.
2 ـ الإكسبريس، 2 يناير 1996.
3 ـ انظر: الاعتداءات الإشهارية، ص58 (طريقة في النظر، عدد استثنائي)
4 ـ انظر بالخصوص ميشال كايا، رياضة وحضارة، هاراتان، باريس 1996.
5 ـ كانت تلك هي الحالة في فرنسا في ديسمبر 1995.
6 ـ 1139 استقراء للرأي نشرت سنة 1995. (الاقتصادي الجديد، 15 مارس 1996) أي أكثر من 3 استقراءات في اليوم.
——————————————————————————–
(*) فرانسوا بيرون: كاتب “سعادة ملائمة”، كاليمار 1985، و”تفكر وسائل الإعلام كما أفكر أنا”، مقتطفات من خطاب مجهول، هارماتان، باريس 1996. والمقال أعلاه مأخوذ من Manière de voir عدد خاص.