أرشيف التصنيف: فلسفة

الكاهنة ، الملكة المحاربة الغامضة

لقد غيرت الكاهنة تقريبا مسار التاريخ ، لكونها كانت متمردة وزعيمة ، وذلك عن طريق إبطاء عملية تقدم الاجتياح العربي الأموي خلال عملية التوسع الإسلامي في شمال أفريقيا في القرن السابع الميلادي . غير أن ملحمتها تظل مع ذلك في جانبها الأكبر والأعظم غير معروفة إلى حد كبير .

لقد صار المصير التراجيدي للكاهنة المتمردة مصدر إلهام للعديد من الروائيين ؛ فقد نظم فيها الكاتب الجزائري كاتب ياسين قصيدة شعرية تكريما لها في كتابه “حرب الألفي سنة ” ، كما تقمص العديد من الروائيين و كاتبات المقالات من أتباع الحركة النسوية شخصية الكاهنة لحمولتها الرمزية ، معتبرين إياها واحدة من أوائل الممثلات للنزعة النسوية في التاريخ ؛ فقد قادت هذه الزعيمة البربرية ، ثمانية قرون قبل جان دارك ، الجيوش في بلادها لمحاربة الغزاة . وكانت امرأة في عالم من الرجال ، امرأة محاربة هزمت فيالق القوات العربية وجعلتها في وضع حرج لعدة سنوات .

نحن في القرن السابع الميلادي ، حيث ضعفت ووهنت الإمبراطورية البيزنطية ، في حين كانت الدولة الأموية في كامل عنفوانها وتقدمها. ماذا كان هدف هذه الدولة ؟ لقد كان متمثلا في غزو وأسلمة شمال أفريقيا المحتلة من قبل البيزنطيين، والتي تعمرها القبائل البربرية . ففي سنة 688 ، دخل القائد العربي حسان بن نعمان الغساني مدينة القيروان، ومن هناك هاجم مدينة قرطاج التي طرد منها فلول البيزنطيين. ولكن في الشرق ، في المنطقة الجبلية من جبال الأوراس ، كانت تنتصب هناك امرأة في الجزء العلوي من صخرة النسور ، إحدى ذرى  Thumar(عاصمة الأوراس) ، وقد أعلنت حالة التمرد ضد الغزاة العرب . تلك المرأة كانت هي الكاهنة ، وقد شكلت بذلك العقبة الأخيرة التي لا تزال قائمة في وجه زحف المسلمين نحو الغرب.

من التاريخ إلى الأسطورة

هل كان اسمها Diyhaديها ،دايها Dayha أو دامينا Damina ؟ لا نعرف … فالتاريخ لم يحتفظ لنا منها إلا بلقبها : الكاهنة ، التي تعني ” النبية ” ، ” الكاهنة ” أو ” الساحرة “؛ وذلك لأنه حكي عنها أنها تمتلك القدرة على قراءة المستقبل . في كتابه ” تاريخ البربر “، ذكر ابن خلدون ” معارفها الخارقة التي كانت تأتيها من شياطينها “، فهل تمت شيطنتها من قبل بعض المؤرخين العرب ؟ تلك على أي حال هي أطروحة بعض المحللين المعاصرين ، بل هي أيضا أطروحة المؤلف كاتب ياسين ، الذي ينسب لملكة البربر هذه الكلمات : “إن العرب يدعونني الكاهنة ، أي الساحرة ؛ فهم يعرفون أنني أتحدث إليكم ، و أنكم تستمعون لكلامي … إنهم مندهشون من أنكم تقادون من قبل امرأة. وذلك لأنهم تجار الرقيق والعبيد. وهم يحجبون نساءهم لبيعهن بثمن أفضل . إن أجمل فتاة بالنسبة لهم ليست إلا سلعة . (…) إنهم يحرمون عليها أن تتكلم، أو أن يستمع إليها أحد. إنهم يصدمون لرؤيتهم امرأة حرة، لذلك فإنني أجسد الشيطان في أعينهم  ” .

فما الذي نعرفه حقا عن الكاهنة ؟ إن ما نعرفه أولا هو أنها بربرية زناتية  (من قبيلة تسمى أيضا زناتة ) بمنطقة الأوراس ( بالأمازيغية ” أوراس “، بمعنى ” الصلبة ” ) ، وهي منطقة كانت تمتد من شمال الجزائر الحالية إلى الطرف الشرقي من تونس حاليا وإلى غرب المغرب الحالي حتى نهر ملوية . الكاهنة كانت تنتمي إلى هذه الأرض من المغرب الشرقي ،  المسكونة منذ ما قبل التاريخ من قبل قبائل بربرية ، وتلك الأرض هي مملكة نوميديا القديمة ​​. والكاهنة ( التي لا يعرف تاريخ ميلادها) هي الإبنة الوحيدة لتبات إبن تيفان ، سيد قبيلة جراوة القوية ، وهي القبيلة التي وفرت حسب ابن خلدون القادة لجميع برابرة منطقة الأوراس . لقد خلفت الكاهنة ، وهي وريثة سلالة أمازيغية قديمة ، القائد البربري كسيلة، الذي قتل في إحدى المعارك في مواجهة خلفاء القائد العربي عقبة بن نافع ، ويبدو أن السلطة انتقلت إليها طريق مجلس للقبائل ، وهو ما  كان شائعا في ذلك الوقت.

المحاربة والقائدة الإستراتيجية

المسألة المؤكدة هي أن الكاهنة كانت تتقن تماما فن الحرب ؛ فهي فارسة مغوارة ، تستعمل القوس و ترمي الرمح بمهارة وإتقان . وفي الوقت الذي كان فيه كسيلة وجيشه من البربر يواجهون القوات العربية المتحلقة حول مدينة القيروان ، كانت الكاهنة تنتظر، وتراقب وتركض فوق جوادها الأزغب عبر جبال الأوراس، من جبل شيليا إلى غابات الأرز بمنطقة بيليزما  (شمال شرق الجزائر الحالية )، ولأن القبائل البربرية كانت مهددة على الدوام ، فقد كان عليها أن تتحرك وتتنقل باستمرار وأن  تختبئ في الوديان الضيقة والمناطق الطبيعية الوعرة في جبال الأوراس .

بعد تعيين الكاهنة زعيمة للقبائل البربرية وخليفة للقائد كسيلة ، بدأت خوض معركتها انطلاقا من إنشاء حلف بين القبائل البربرية لمناهضة الغزو العربي ؛ فقبل إشهار السيف ، كان عليها أن تقنع الناس وتضمن وحدتهم والتحاقهم بالمعركة. وببلاغة وحزم،أنشأت تجمعا للقبائل بالاعتماد على دعم قبائل جراوة وبني يفرن . وبعد جمع القوات والفيالق ، أعدتها وهيأتها للمعركة والقتال . خصمها سيكون هو القائد العربي حسان بن نعمان الغساني ، الذي دخل المغرب سنة 693 . وقد تمثلت مهمته في: كسر شوكة المتمردين ومقاومتهم. ولأنه كان واثقا من قوته ، فقد انطلق ليهاجم ويواجه الكاهنة في مدينة قسنطينة  بالقرب من نهر ميسكيانا (بين تيبيسة و عين البيضا على الحدود بين الجزائر و تونس ) . إنها المعركة الأولى للكاهنة، وقد انتصرت فيها ؛ فمن خلال  استراتيجية محكمة ،قامت بإخفاء جزء من قواتها خلال الليل ، وذلك لنصب كمين للقوات العربية . وعند الغسق ، أمكن لتلك القوات أن تطلق صرخات النصر. فقد هزم جيشها القوات العربية التي اندحرت إلى طرابلس ( المنطقة الغربية من ليبيا في الوقت الحاضر) . لقد استطاعت ملكة الأوراس بفضل فكرها الإستراتيجي ، وبدعم من قوة الفرسان خيالة  بني يفرن، أن تسحق الجيش الأموي . وقد تعرفت بعد المعركة ، من خلال استعراض الأسرى، على خالد بن يزيد ، حفيد الجنرال حسان بن نعمان.  ولشهامتها ، أو ربما ببساطة لإعجابها بجمال الشاب السجين ، فقد قررت الكاهنة ليس فقط الإبقاء على حياته ، وإنما ، وتبعا لعادة بربرية قديمة ، تبنيه واتخاذه ابنا لها رغم أنها كانت فعليا أما لطفلين هما : إفران ويزديكان.

بعد هذا الانتصار، كانت الكاهنة تعرف أنه لن تكون أمامها إلا فترة راحة قصيرة فقط ؛ ففي ساحة المعركة ، كانت قد قرأت في أعين حسان بن نعمان التصميم الصارم على الاستمرار في المعركة . إنه سيعود بدون شك . . وبشكل أقوى . ولذلك كانت تتأمل تضاريس جبال الأوراس الوعرة على ظهر جوادها الأزغب ، وتفكر في ذلك البلد العربي البعيد الذي تنولد وتتكاثر من جديد رؤوس القادمين منه كلما تم قطعها ، مثل الحية هيدرا التي يتضاعف عدد رؤوسها التي يتم قطعها. إنها تتوقع الهجمة الثانية  خاصة وأنها تعرف أنه سيمضي إلى نهاية الشوط ولن يتوقف عن المحاولة أبدا . القائد العربي من جانبه في مدينة طرابلس ، قام بإعادة تنظيم جيوشه التي عززتها قوات جديدة أرسلها إليه الخليفة في نفس العام أي سنة 693 ، ثم أعاد الانطلاق في حملة ضد الكاهنة . ” النبية ” الآن على مشارف منطقة الساحل بمنطقة  Thysdrus  ثيسدروس (تسمى الآن الجم ، وهي بلدة في جنوب تونس) ، مدينة قديمة تشتهر بمسرحها الذي هو من أكبر المسارح في الإمبراطورية الرومانية ، ولم تتردد وهي تراقب اقتراب القائد العربي في ممارسة سياسة الأرض المحروقة ، من خلال حرق المراعي والبساتين والقرى و النجوع والغابات و النخيل وأشجار الزيتون خلال مسيرها. وفي هذا الإطار يصعب التمييز بين الصواب والخطأ : فوفقا للمؤرخين ابن خلدون وابن الأثير ، ولكن وفقا أيضا لغوتييه و البيان ، فقد تكون الكاهنة قد أصدرت  الأوامر بإحراق الأرض ، وأن لا تترك وراءها إلا أطلالا يتصاعد منها الدخان ، وذلك بينما تحارب وهي تتراجع نحو طبرقة ( مدينة ساحلية على بعد بضعة كيلومترات من الحدود الجزائرية التونسية و على بعد 150 كلم من تونس العاصمة ) . إن هذه الأطروحة هي أطروحة منازع فيها من قبل بعض المؤرخين المعاصرين ، أولئك الذين يطرحون أنها خصصت لتشويه سمعة الملكة البربرية ونزع المصداقية عنها. أكيد أن مدنا وقرى تم إحراقها، لكن ذلك لا يفسر بفعل الغزو العربي ، وإنما بفعل الاشتباكات بين البيزنطيين والبربر ، وحتى بين البربر الرحل و البربر المستقرين . ومع ذلك، ولعدة سنوات ، فقد قاومت الكاهنة وقواتها الهجوم العربي ، بفضل معرفتها الممتازة بالأرض وتضاريسها وكذا نوعية وجودة سلاح الفرسان لديها.

ولأنها مطاردة من قبل جيش عربي قوي، ولأن بعض القبائل هجرتها بفعل خضوعها لحسان بن نعمان ، فقد أحست الكاهنة بدنو النهاية . إنها كأم ، تريد أولا حماية ابنيها الإثنين إفران ويزديكان ، لذلك أمرتهما قبل المعركة بالالتحاق بمعسكر الجيش الإسلامي واعتناق دين الإسلام . ومنذ ذلك الحين غدت الكاهنة وحيدة ، حتى ابنها بالتبني خالد بن يزيد خانها : فهو منذ فترة زمنية سابقة ، كان يوفر المعلومات الاستراتيجية سرا  لعمه حسان بن نعمان . وفي سنة  702، اغتنم  هذا الأخير الفرصة لشن هجوم جديد ضد آخر الأوفياء الذين لا يزالون على طاعة ” النبية ” . لقد اندفع نحو  ثيدروسThydrus حيث تراجعت الكاهنة، مارا بمناظر طبيعية كئيبة من الرمل و الرماد الذي لا تزال تفوح منه رائحة الخشب المتفحم والصوف. وكذا حدائق الأغنام ، التي تعتبر الثروة الرئيسية للمملكة ، والتي غدت تشكل أكواما من اللحم المحترق.

الهجوم النهائي و المعركة الأخيرة

لم تكن تدور بخلد حسان بن نعمان ، وهو الذي عقد العزم على الانتقام من الكاهنة والأخذ بثار هزيمته المذلة التي ألحقتها به القوات البربرية ، إلا فكرة واحدة ووحيدة: وهي تدمير الكاهنة ومعها المتمردين البرابرة ومسحهم من الوجود. ولأنه أبلغ من قبل ابن أخيه ، ابن الكاهنة بالتبني ، بأنه لم تعد لديها إلا حامية عسكرية صغيرة فقط ، فقد أعطى أوامره لقيادة الجيش بإرسال تحذيرات ودعوات للمحاصرين بالاستسلام قبل الاقتحام وشن الهجوم .

وستدور أحداث المعركة النهائية سنة 702 في طبرقة ( المدينة الساحلية في شمال غرب تونس ، على بعد بضعة كيلومترات من الحدود التونسية الجزائرية ) . الكاهنة من جهتها ، وهي المصممة بدورها على الاستعداد للموت من أجل قضيتها وأرضها وشعبها ، خرجت من مخبئها ، وهي تمتطي صهوة جوادها الأزغب ، وهي تلوح بسيفها . لقد كانت معركة حامية الوطيس لكنها غير متوازنة . وعندما أخذ منها التعب والإجهاد مأخذه، واستنفدت كامل قواها، سقطت ملكة الأوراس ، وبذلك غدت تحت رحمة عدوها وخصمها . الجنرال العربي حسان وضع مقدمة سيفه فوق صدر الكاهنة وبحركة مباغثة وحاسمة غرز سيفه في قلبها . ويحكى أنه هتف قائلا: “إن هذه الملكة المقيتة تحتاج إلى مدفن قذر وكريه “، ملمحا بذلك إلى  المزبلة وحفرة القاذورات. وقد تكون إثرها قد انطلقت بعض الاحتجاجات، صادرة بدون شك عن خالد ، حفيد الجنرال . حيث يبدو في التصور وهو يذكر عمه المنتصر بأن الكاهنة تكره العرب بالطبع، ولكن لا يمكننا أن ننكر لها ونعترف لها  بشهامة وسمو روح معينين. بعدها قد يكون الجنرال قد جز عنق المتمردة ، ووفقا للبعض ، فقد أرسل رأسها كغنيمة حرب إلى الخليفة عبد الملك ، في حين يدعي آخرون أنه ربما تم قذفه في بئر في مكان يدعى بير – الكاهنة ( بئر الكاهنة ) ، ووفقا لمصادر أخرى ، فإن هذه البئر تقع في مكان يسمى بئر الألتر ، جنوب تيبيسة ( بلدة جزائرية على الحدود مع تونس ) . وكيفما كان الحال ، فبوفاة الكاهنة ، انفتحت الطريق وصولا إلى المحيط الأطلسي و الأندلس أمام العرب ، ثم سيطالب هؤلاء الأخيرون البربر حينها بتوفير اثني عشر ألف فارس ، سيتم إيلاء قيادتهم  إلى ابني الكاهنة المحاربة أنفسهما، إفران ويزديكان ، لقد كان على الكاهنة أن تحارب حتى آخر نفس من أنفاسها . وقد كان من شأنها أن تغير التاريخ …

==============

كتب المراجع:

ابن خلدون ، تاريخ البربر و والممالك الإسلامية في شمال أفريقيا

أندريه الشرقاوي ، تاريخ اليهود في شمال أفريقيا ، منشورات  هاشيت ، 1985

جان سرفييه ، البربر ، المنشورات الجامعية الفرنسية ، مجموعة ماذا أعرف ، 2011

جبرائيل كامب: البربر ، الذاكرة والهوية ، منشورات أكت سود ، 2007 ( طبعة جديدة)

ياسمينة القادري

فيديو

تحديات الفلسفة الإسلامية مع الأستاذ سعيد البوسكلاوي

الأستاذ سعيد البوسكلاويمداخلة الأستاذ سعيد البوسكلاوي إبان الندوة المنظمة من قبل الجمعية المغربية للبحث في الفلسفة الإسلامية والعلوم المحيطة بها بقاعة العروض محمد الروداني بالمعرض الدولي للنشر والكتاب يوم السبت 22 فبراير 2014 .

فيديو

تحديات الفلسفة الإسلامية مع الأستاذ إبراهيم بورشاشن

الأستاذ إبراهيم بورشاشن

مداخلة الأستاذ إبراهيم بورشاشن إبان الندوة المنظمة من قبل الجمعية المغربية للبحث في الفلسفة الإسلامية والعلوم المحيطة بها بقاعة العروض محمد الروداني بالمعرض الدولي للنشر والكتاب يوم السبت 22 فبراير 2014 .

فيديو

تحديات الفلسفة الإسلامية مع الأستاذ أحمد العلمي

DSCN1318مداخلة الأستاذ أحمد العلمي إبان الندوة المنظمة من قبل الجمعية المغربية للبحث في الفلسفة الإسلامية والعلوم المحيطة بها بقاعة العروض محمد الروداني بالمعرض الدولي للنشر والكتاب يوم السبت 22 فبراير 2014 .

فيديو

ذكرى الراحل سالم يفوت مع الأستاذ محمد وقيدي

محمد وقيديذكرى الراحل الأستاذ سالم يفوت بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء بقاعة العروض محمد الصباغ يوم الخميس 20 فبراير 2014 ، وقد ساهم في إحياء الذكرى كل من الأساتذة: محمد وقيدي – عبد السلام بنعبد العالي – كمال عبد اللطيف ( مسير الجلسة في نفس الآن ) ومحمد نور الدين أفاية.

فيديو

ذكرى الراحل سالم يفوت مع الأستاذ نور الدين أفاية

DSCN1279ذكرى الراحل الأستاذ سالم يفوت بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء بقاعة العروض محمد الصباغ يوم الخميس 20 فبراير 2014 ، وقد ساهم في إحياء الذكرى كل من الأساتذة: محمد وقيدي – عبد السلام بنعبد العالي – كمال عبد اللطيف ( مسير الجلسة في نفس الآن ) ومحمد نور الدين أفاية.

فيديو

ذكرى الراحل سالم يفوت مع الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي

الأستاذ عبد السلام بنعبد العاليذكرى الراحل الأستاذ سالم يفوت بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء بقاعة العروض محمد الصباغ يوم الخميس 20 فبراير 2014 ، وقد ساهم في إحياء الذكرى كل من الأساتذة: محمد وقيدي – عبد السلام بنعبد العالي – كمال عبد اللطيف ( مسير الجلسة في نفس الآن ) ومحمد نور الدين أفاية.

فيديو

ذكرى الراحل الأستاذ سالم يفوت

ذكرى الراحل سالم يفوتذكرى الراحل الأستاذ سالم يفوت بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء بقاعة العروض محمد الصباغ يوم الخميس 20 فبراير 2014 ، وقد ساهم في إحياء الذكرى كل من الأساتذة: محمد وقيدي – عبد السلام بنعبد العالي – كمال عبد اللطيف ( مسير الجلسة في نفس الآن ) ومحمد نور الدين أفاية.

بعض كتب الراحل للقراءة :

سراب تغريب العالم

ليست التنمية التي يتم تقديمها غالبا كما لو كانت الحل الأمثل لكل مشاكل الجنوب إلا الوجه الآخر لتغريب العالم . وسواء كانت هذه التنمية ” مستديمة ” أو ” قابلة للدوام ” أو ” داخلية ” ، فإنها تندرج دائما ، وبصورة عنيفة نسبيا ، في إطار منطق التدمير المرتبط بالتراكم الرأسمالي ؛ إنها تعني الفوارق وتدمير البيئة والثقافات ، في حين أن بالإمكان تصور حلول أخرى تأخذ بعين الاعتبار تنوع المجتمعات واختلافها ، حلول تتأسس على تجارب اقتصادية غير تجارية تمت ممارستها هنا أو هنالك في أصقاع العالم المختلفة .
سراب تغريب العالم
عن : لوموند ديبلوماتيك ، عدد ماي 2001
الخلاص النهائي مما يسمى التنمية
تشبه ” التنمية ” إلى حد بعيد نجمة ميتة لا زلنا نرى بريقها حتى وإن انطفأت منذ مدة طويلة جدا وإلى الأبد
جيلبير ريست (1)

سيرج لاتوش

لقد مضت ثلاثون سنة على ميلاد أمل جديد ، أمل بالنسبة لشعوب

العالم الثالث هو بنفس عظمة الأمل الذي شكلته الاشتراكية بالنسبة لبروليتاريي البلدان الغربية ، أمل هو مشكوك فيه ربما بشكل كبير بالنظر لأصوله وأسسه ، ما دام الإنسان الأبيض قد حمله معه قبل أن يغادر البلدان التي سبق له أن استعمرها بعنف . غير أن المسؤولين والحكام والنخب بالبلدان الحديثة العهد بالاستقلال قدموا لشعوبهم هذه التنمية في الأخير كما لو أنها الحل الأمثل لكل مشاكلها .

لقد ركبت الدول الفتية صهوة المغامرة بشكل غير محكم ربما ، لكنها مع ذلك حاولت ، وفي الغالب بعنف ومجهود يائسـين . وقد كان المشروع ” التنموي ” هو المشروعية الوحيدة المعلن عنها لدى النخب التي هي في السلطة . أكيد أننا نستطيع أن نماحك إلى ما لا نهاية لمعرفة ما إذا كانت أو لم تكن الظروف الموضوعية لنجاح المغامرة الحداثية متوفرة بعد ، وبدون أن نفتح هذا الملف الضخم ، فإن كل شخص سيعترف بأن هذه الشروط لم تكن أبدا مواتية لا لتنمية قائمة على التخطيط و لا لتنمية ليبرالية .
لقد كانت سلطات الدول الجديدة المستقلة حديثا واقعة في براثن تناقضات لا حل لها ؛ فلم تكن قادرة لا على إشعال شرارة التنمية و لا على بنائها ، ومن ثمة لم تكن قادرة لا على رفض التبني أو الإنجاح لعملية تبييئ كل ما يسهم في التحديث : التعليم ـ الطب ـ العدالة ـ الإدارة ـ التقنية . إن ” الفرامل ” و ” العوائق ” و ” حالات الحصر ” من كل لون ، وهي المعشوقة لدى الاقتصاديين ، جعلت نجاح المشروع الذي يستلزم الانخراط في المنافسة العالمية في عصر ” العولمة الأعظم ” نجاحا لا يتمتع إلا بقليل من المصداقية .
إن التنمية القابلة نظريا لإعادة الإنتاج ليست كونية و لا تقبل أن تكون كذلك ، وذلك أولا لأسباب إيكولوجية : إذ أن محدودية الكرة الأرضية تجعل تعميم نمط الحياة الأمريكي مستحيلا ومتفجرا .
ومفهوم التنمية ذاته واقع في إحراج أو برهان ذو حدين : فهو إما يشير إلى كل شيء ونقيضه ، وبالأخص مجموع التجارب التاريخية للدينامية الثقافية في تاريخ الإنسانية ، للتجارب التاريخية من إمبراطورية الصين إلى إمبراطورية الأنكا ، وإذ ذاك لن يكون هناك أي معنى مجد لإنعاش وتنشيط سياسة ما ، بل يتطلب الأمر التخلص منها ، وإما أن لها محتوى خاصا ، وهي تحدد إذ ذاك بالضرورة ما تحوزه مما هو مشترك مع التجربة الغربية لـ ” إقلاع ” الاقتصاد كما تم وضعها منذ الثورة الصناعية بإنجلترا ما بين 1750 و 1800 ، وفي هذه الحالة ، فكيفما كان النعت الذي نلصقه بها فإن محتواها الضمني أو الصريح يتمثل في التنمية الاقتصادية وتراكم رأس المال مع كل التأثيرات الإيجابية والسلبية التي عرفناها ونعرفها .
غير أن هذه النواة الصلبة ، والتي هي قاسم مشترك بين حالات التنمية المختلفة وهذه التجربة هي مرتبطة بـ ” قيم ” تتمثل في التقدم والكونية والسيطرة على الطبيعة ، وكذا العقلانية الكمية . هذه القيم ، وبالأخص منها قيمة التقدم ، لا تتطابق أبدا مع طموحات كونية عميقة . إن هذه القيم مرتبطة بتاريخ الغرب وليس لها إلا صدى خافت في المجتمعات الأخرى (2) : فالمجتمعات الإحيائية على سبيل المثال لا تشاطر الغرب معتقد السيطرة على الطبيعة ؛ ففكرة التنمية هي فكرة مفرغة تماما من المعنى ، والممارسات المرتبطة بها هي ممارسات يستحيل بشكل صارم التفكير فيها ووضعها موضع التنفيذ لأنها مما هو محرم و ما لا يمكن التفكير فيه (3) . إن هذه القيم الغربية بالضبط هي ما يجب أن يوضع موضع تساؤل من أجل إيجاد حل لمشاكل العالم المعاصر وتحاشي الكوارث التي يقودنا الاقتصاد العالمي نحوها .
لقد كانت التنمية الحركة الأبوية الكبرى ( ” البلدان الغنية تضمن مآل ومصير البلدان الأقل تقدما ” ) التي غطت تقريبا فترة ” الثلاثينيات الظافرة ” (1975 – 1945 ) . لقد اقترنا بالتعدية وكل هذا انتهى إلى الإفلاس ، ودليل ذلك هو أن المساعدة المحددة في %1 من الناتج الداخلي الخام PIB لبلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) إبان العشرية الأولى للتنمية لدى الأمم المتحدة سنة 1960 ، والتي تم تخفيضها إلى %0,70 سنة 1992 بريو ، وسنة 1995 بكوبنهاغن لم تصل إلى حدود %0,25 سنة 2000 !(4) . وكدليل آخر أيضا هو كون معظم معاهد الدراسات أو مراكز الأبحاث أغلقت أبوابها أو هي في حالة احتضار.
إن أزمة النظرية الاقتصادية للتنمية المعلن عنها سنة 1980 هي في لحظاتها الأخيرة : فنحن في حضرة تصفية حقيقية ! إذ لم تعد التنمية تثير أحدا في المحافل العالمية ” الجادة ” : صندوق النقد الدولي FMI والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة OMC . . . الخ ، بل لم تتم حتى الإشارة إلى هذا ” الشأن ” في ملتقى دافوس الأخير . كما أنها مسألة لا تتم المطالبة بها في الجنوب إلا من قبل بعض ضحاياها وأتباعها المخلصين: أي المنظمات غير الحكومية ONG التي تتعيش منها (5) ، كما أن الجيل الجديد من ” المنظمات غير الحكومية بدون حدود ” محور أيضا ” تجارة الصدقة ” بشكل كبير حول الشأن الإنساني والتدخل العاجل أكثر مما محورها حول الانطلاقة الاقتصادية .
وزيادة على ذلك فقد كانت التنمية ضحية إفلاسها الذي لا يقبل الجدل بالجنوب بشكل أقل من نجاحها بالشمال . إن هذا ” الانسحاب ” المفهومي ( التصوري ) يتطابق مع التحويل الناجم عن ” العولمة ” وما يعتمل خلف هذا الشعار المخادع . لقد كان المنتظر أن تنتهي تنمية الاقتصادات الوطنية ، وبشكل أوتوماتيكي تقريبا ، بجعل الاقتصادات عابرة للأوطان وبجعل الأسواق شمولية.
لا يوجد في اقتصاد معولم أي مكان لنظرية خاصة بالجنوب ؛ فكل مناطق وجهات العالم هي منذ اليوم ” نامية ” (6) ، ومقابل عالم واحد هناك فكر واحد وأوحد ، كما أن رهان التغيير ليس سوى اختفاء ما يمنح أسطورة التنمية بعض التماسك ، ألا وهو Trickle down effect أي ظاهرة الانعكاسات الإيجابية على الجميع .
استعمار المخيالات
لقد ضمن توزيع ثمار النمو الاقتصادي بالشمال ( من خلال التوافق الكينزي ـ الفوردي ) ، بل وحتى فتاته بالجنوب ، تماسكا وطنيا معينا ، إلا أن الشعارات الثلاث ( التحرير ـ الانفتاح ـ التعامل المباشر بدون وسيط ) أطاحت بالإطار الدولتي للتقنينات ممكنة بذلك لعبة الفوارق والتفاوتات من أن تتوسع بدون حدود . وقد بلغ تقاطب الثروة في ما بين الجهات وما بين الأفراد قمما غير مسبوقة . وإذا كانت الثروة على مستوى البسيطة ، حسب التقرير الأخير لبرنامج الأمم المتحدة حول التنمية قد تضاعفت ست مرات منذ سنة 1950 ، فإن العائد المتوسط لسكان 100 بلد من 174 بلد محصي هو في تراجع كلي كما هو شأن معدل أمل الحياة . إن الأشخاص الثلاثة الأكثر غنى في العالم يحوزون ثروة أكبر من الناتج الداخلي الخام لـ 48 بلدا من البلدان الأفقر في العالم ! وتتجاوز ممتلكات 15 شخصا من الأشخاص الأكثر غنى الناتج الداخلي الخام لكل بلدان إفريقيا ما وراء الصحراء . وأخيرا فإن ما يحوزه 48 شخصا من الأغنياء يتجاوز الناتج الداخلي الخام للصين بسكانها البالغ عددهم 1,2 مليار نسمة .
في هذه الأوضاع لم يعد هناك مكان للحديث عن التنمية وإنما فقط عن التقويم الهيكلي . وبخصوص البعد الاجتماعي يتم بشكل واسع استدعاء ما سماه بيرنار هورس بظرف زائد ” الإسعاف العالمي ” الذي تشكل المنظمات غير الحكومية الإنسانية ، وكذا المتدخلون في حالات الطوارئ أداته الأساسية (7) . وفضلا عن ذلك فإذا كانت ” الصيغ ” والتعابير تتبدل بشكل كبير ( وليست وحدها التي تتبدل ) ، فإن مخيالا بأكمله يظل هناك ملازما لمكانه . وإذا لم تكن التنمية غير استمرار للاستعمار بطرق ووسائل أخرى ، فإن العولمة الجديدة بدورها ليست إلا استمرارا للتنمية بطرق ووسائل أخرى ، والدولة تنمحي وتتوارى خلف السوق . إن الدول / الأمم الشمالية التي سبق لها أن كانت حذرة حذرا شديدا من انتقال المؤشر من الاستعمار إلى الاستقلال تختفي من الواجهة لتحل محلها ديكتاتورية الأسواق ( التي سبق لهاته الدول أن نظمتها وشيدتها …) مع أداتها التدبيرية المتمثلة في صندوق النقد الدولي FMI الذي يفرض على البلدان المتخلفة برامج التقويم الهيكلي . إننا نعثر دائما على تلازم بين تغريب العالم واستعمار المخيال عن طريق التقدم والعلم والتقنية . ولقد تم دفع إضفاء طابع الاقتصاد والتقنية إلى حدوده القصوى . لقد ساهم النقد النظري والفلسفي الجذري الذي مارسته بشجاعة جماعة صغيرة من المثقفين المهمشين ( كورنيليوس كاستورياديس ـ إيفان إيليتش ـ فرانسوا بورتان ـ جيلبير ريست على الخصوص ) في الانزلاق البلاغي ، لكن هذا الانزلاق لم ينته إلى إعادة النظر في قيم وممارسات الحداثة .
وإذا لم تعد البلاغة الخالصة للتنمية والتطبيق المرتبط بـ ” الخيرتوقراطية ” الإرادوية تغري أحدا ، فإن مركب الاعتقادات الإيسكاتولوجية ( الخاصة بعلم الآخرة )في ازدهار مادي ممكن بالنسبة للجميع هو مركب يمكن أن نعرفه بأنه ” نزعة تنموية ” يظل على حاله بدون مساس .
إن إفلات التنمية من موتها يتمظهر على الأخص عبر الانتقادات التي شكلت موضوعا وهدفا لها ، ومحاولة لتلافي تأثيراتها السلبية فقد تم الدخول بالفعل في عصر التنميات ( بالمفرد ) ” à particule  “(8) ؛ فقد شهدنا تنميات ” متمركزة حول ذاتها ” ” داخلية ” ، ” مساهمة ” ” جماعية ” ” مندمجة ” ” أصيلة ” ” مستقلة ذاتيا وشعبية ” ” عادلة ” ، دون الحديث عن التنمية المحلية والميكرو ـ تنمية والتنمية الداخلية ، بل وحتى التنمية الإثنية ! وبذلك قاد ذوو النزعة الإنسانية طموحات الضحايا ووجهوها . وتظل التنمية المستديمة أكبر نجاح لفن التشبيب والتلميع هذا لما تقادم وعلاه الصدأ ؛ لقد شكلت فبركة مفاهيمية استهدفت تغيير الكلمات في غياب تغيير الأشياء ، إنها بشاعة لفظية بفعل تناقضها المخادع ، وبذلك فإن ” المستدام ” هو ما مكن المفهوم من أن يعمر ويضمن البقاء على قيد الحياة .
في كل هذه المحاولات من أجل تحديد تنمية ” أخرى ” أو تنمية ” بديلة ” يتعلق الأمر بمداواة ” مرض ” لحق التنمية بشكل عرضي لا بشكل خلقي ، وكل من تجرأ على مهاجمة هذه النزعة التنموية ستقلب عليه حجته بدعوى أنه أخطأ الهدف ولن تقبل إلا بالنسبة لبعض أشكال التنمية الفاسدة ” التنمية المعوجة ” . لكن هذا القول الصاد المصنوع بالمناسبة ليس سوى خرافة ضالة ، فالشر في مخيال الحداثة بالفعل ليس بإمكانه أن يحقق التنمية لسبب وجيه وهو أن التنمية هي التجسيد الفعلي للخير . إن التنمية ” السليمة ” ، ولو أنها لم تتحقق في أي مكان ، هي عبارة عن حشو في الكلام ، وذلك لأن التنمية بالتعريف تعني نموا ” سليما ” ، وذلك أيضا لأن النمو هو بدوره عبارة عن خير ، و لا يمكن لأي قوة من قوى الشر أن تعلو عليه . إن غزارة الحجج ذاتها بخصوص خاصيته النافعة هي ما يكشف ويفضح بشكل جيد احتيال المفهوم المحصن أو إحدى جزيئاته (مكوناته ).
إنه من الواضح أن ” التنمية القائمة فعلا ” ـ بنفس الشكل الذي نتحدث به عن ” الاشتراكية الواقعية ” ـ أي تلك التي هيمنت على البسيطة منذ قرنين من الزمن ، هي ما يخلق المشاكل الاجتماعية والبيئية الحالية : إقصاء ، كثافة سكانية ، فقر ، تلوث بمختلف الأشكال . . . الخ ؛ فالنزعة التنموية تعبر عن المنطق الاقتصادي بكل صرامته ، و لا يوجد مكان في إطار هذا النموذج لاحترام الطبيعة المطالب به من قبل الإيكولوجيين ، و لا لاحترام الكائن الإنساني المطالب به من قبل ذوي النزعة الإنسانية .
إن التنمية القائمة فعلا تبدو إذن في حقيقتها هي والتنمية ” البديلة ” كخداع ومخاتلة . ومن خلال إلصاق هذا النعت بها ، فإن الأمر لا يتعلق حقيقة بإعادة النظر في التراكم الرأسمالي ، بل يتم التفكير على أكبر تقدير في أن إضافة بعد اجتماعي وبعد إيكولوجي للنمو الاقتصادي كما أمكن إضافة بعد ثقافي إليه في السابق . ومن خلال الانكباب على العواقب الاجتماعية ، كالفقر ومستوى المعيشة والحاجات الأساسية ، أو على الأضرار اللاحقة بالبيئة ، فإنه يتم تحاشي المقاربات holistes أو الشمولية لتحليل لدينامية البسيطة ، لآلة تقنو ـ اقتصادية أعظم تشتغل من خلال المنافسة المعممة بدون رحمة ، وهي منذ الآن بدون وجه .
ومنذ ذاك ، فإن النقاش بخصوص لفظة التنمية يتخذ كامل أبعاده ؛ فباسم التنمية ” البديلة ” يتم أحيانا اقتراح مشاريع أصيلة وجد متنوعة مناهضة للنزعة الإنتاجية وللرأسمالية ، مشاريع تستهدف إزالة آفات ” التخلف ” وتجاوزات ” التنمية المعوجة ” ، أو بكل بساطة تصفية العواقب المدمرة للعولمة . إن مشاريع هذا المجتمع المرجو لم تعد لها أية علاقة مع التنمية إلا ” عصر الوفرة لدى المجتمعات البدائية ” أو النجاحات الإنسانية والجمالية القيمة لدى بعض المجتمعات ما قبل الصناعية التي تجهل كل شيء عن التنمية (9) .
الإسم الآخر للحرب الاقتصادية
لقد عشنا هذه التجربة بكل أبعادها في فرنسا ذاتها ، أي تجربة التنمية ” البديلة ” ؛ وقد تمثلت في تحديث الفلاحة في ما بين السنوات 1945 و 1980 كما تمت برمجته من قبل التقنوقراطيين ذوي النزعة الإنسانية وتم تنفيذه من قبل المنظمات غير الحكومية المسيحية التي هي متوأمة مع المنظمات غير الحكومية التي تجتاح بلدان العالم الثالث (10) . لقد شهدنا عمليات المكننة والتركيز والتصنيع بالبوادي ، وكذا إثقال كاهل الفلاحين بالديون والاستخدام الكلي للمبيدات والأسمدة الكيميائية وتعميم التغذية الواطئة . . .
وسواء أردنا أم لم نرد فلم يكن بإمكان التنمية أن تكون مختلفة ومغايرة لما كانته ولما هي إياه : أي عملية تغريب العالم . إن الكلمات منغرسة في التاريخ ، إنها مرتبطة بتمثلات تنفلت في الغالب من قبضة الوعي لدى مستخدميها لكنها مسيطرة على عواطفنا . هناك كلمات لطيفة ، كلمات تبعث على السعادة ، وهناك كلمات جارحة ، هناك كلمات تجعل شعبا بأكمله في حالة هياج وتربك العالم ، ثم هنالك كلمات سامة ، كلما ت تتسرب إلى الدم كمخدر فتفسد الرغبة وتشوش على ملكة الحكم ، وكلمة التنمية هي من هذه الكلمات السامة . إن بالإمكان بكل تأكيد أن نعلن منذ اليوم بأن ” التنمية السليمة تتمثل أولا وقبل كل شيء في إغناء ما صنعه الآباء ، أي أن تكون لك جذور (11) ” أي تعريف كلمة بنقيضها . لقد كانت التنمية دائما وستكون ، وهي أولا وقبل كل شيء عبارة عن عملية اجتثاث للجذور ، فقد أحدثت في كل مكان تعميقا للتبعية والخضوع للغير على حساب الاستقلال الذاتي للمجتمعات .
هل يجب أن ننتظر أربعين سنة أخرى حتى ننتبه إلى أن التنمية هي التنمية القائمة فعلا ؟ ..فليس هناك شيء آخر غيرها . والتنمية القائمة فعلا هي الحرب الاقتصادية ( مع المنتصرين فيها بطبيعة الحال ، لكن وبشكل أكبر مع المنهزمين فيها أيضا ) ، هي الاستنزاف بدون حدود للطبيعة ، هي تغريب العالم وجعل الكرة الأرضية على نمط واحد ، وهي أخيرا تدمير كل الثقافات المغايرة .
وهذا هو السبب في أن ” التنمية المستديمة“، أي هذا التناقض في العبارات ، هي في نفس الآن مرعبة وباعثة على اليأس وفقدان الأمل ! فقد كان بإمكاننا على الأقل مع التنمية غير المحتملة أن يكون لدينا أمل بأن يكون لهذه السيرورة القاتلة نهاية ، وأن تكون ضحية لتناقضاتها ولكبواتها ولطبيعتها التي لا تحتمل بفعل استنزاف الموارد الطبيعية . . .
بذلك يمكننا أن نفكر ونعمل من أجل ما بعد التنمية ، وأن نصنع ما بعد حداثة يتسمان بالقبول . وعلى الأخص إعادة الاعتبار للشأن الاجتماعي والسياسي في علاقات التبادل الاقتصادي ، إعادة تحديد هدف المصلحة العامة والحياة الكريمة في التجارة الاجتماعية ، وذلك لأن ” التنمية المستديمة ” تحرمنا من أي أفق للخروج منها ، لأنها تعدنا بالتنمية إلــى الأبد .
لا يمكن للبديل أن يتخذ صيغة نموذج أوحد ؛ فما بعد التنمية هو بالضرورة تعددي ؛ فالأمر يتعلق بالبحث عن أنماط وضروب للازدهار الجماعي لن تعطى فيها الأولوية لازدهار مادي مدمر للبيئة وللحمة الاجتماعية . إن هدف العيش الكريم يتخذ صورا وصيغا متعددة بحسب السياقات .
وبعبارات أخرى فإن الأمر يتعلق بإعادة بناء ثقافات جديدة ، ويمكن أن نسمي هذا الهدف بالعمران ( الازدهار ) كما هو الحال لدى ابن خلدون أو swadeshi – sarvodaya ( تحسين الظروف الاجتماعية للجميع ) كما هو الحال لدى غاندي ، أو bamtaare ( أن نكون معا في أحسن حال ) كما هو الحال لدى التوكولور . . . المهم هو أن يعني ذلك القطيعة مع آلة التدمير التي تدوم وتستمر تحت اسم التنمية أو إسم العولمة . و لا يمكن أن يتعلق الأمر لدى المقصيين والمنكوبين جراء التنمية إلا بنوع من التركيب في ما بين التقاليد المفتقدة والحداثة العصية على الاختراق . إن هذه الإبداعات الأصيلة التي يمكن أن نقف هنا أو هنالك على بدايات لها ولعملية إنجازها تشرع أبواب الأمل في تنمية يمكن أن نعتبرها ما بعد التنمية.
—————————————————————————–
1)جيلبير ريست ، ” التنمية ، تاريخ معتقد غربي ” صحافة العلوم السياسية ، باريس ، 1996 ، ص : 377 .
(2 إقرأ جان مارك إيلا ، ” مسارات النهضة الإفريقية ” مانيار دو فوار رقم 51 ، إفريقيا الناهضة ، ماي ـ يونيه 2000 .
(3أنظر بخصوص هذا الموضوع على الأخص جيلبير ريست ، نفس المرجع السابق .
(4 إقرأ جان بيير كوت ” التعاون الفرنسي في حالة فشل ” ، لوموند ديبلوماتيك ، يناير 2001 .
(5 ” لقد انتهت كلمة التنمية ، كما قال برتراند كابدوش في خاتمة كتابه (المسيحيون بالعالم الثالث) [كارتالا ، باريس 1990 ص : 255 ] بفقدان جاذبيتها بفعل العديد من التجارب الفاشلة ، غير أنها تظل التعبير الوحيد المتقاسم من طرف كل البشر للتعبير عن آمالهم ” .
(6لقد كان على الاقتصاد الاجتماعي للتنمية أن يحل منذ ذلك الحين محل علم الاقتصاد العادي ، غير أن العكس هو الذي حدث ، على الرغم من بعض الاهتزازات في هذا الاتجاه.
(7 بيرنار هورس ، ” الإيديولوجيا الإنسانوية أو حفل الغيرية المفقود ” ، هارماتان ، باريس ، 1998 .
(8 حسب تعبير مارك بونسولي ، ” يوتوبيا ما بعد ـ عالم ثالثية ” هارماتان ، باريس ، 1994 .
(9ليس لكلمة التنمية في عديد من البلدان الإفريقية أي مقابل في اللغة المحلية ، وذلك للغياب الكبير للمخيال الذي يؤسس هذه المسألة .
(10 إقرأ باول غورنيغ ، ” رحلة إلى قلب FNSEA ” لوموند ديبلوماتيك ، يناير 2001 .
(11 أليدو ساوادوغو ، مذكور من قبل بيير براديرفاند ، ” Une Afrique en marche ” ، بلون ، باريس ، 1989 ، ص : 109 .

الفلسفة ما قبل سقراط

الفلاسفة ما قبل سقراط

ولدت الفلسفة في العالم الهيليني على ساحل آسيا الصغرى في نهاية القرن السابع قبل الميلاد، وبعد اجتياح اليونان من قبل الفرس، عوضت المراكز الثقافية المتواجدة بجنوب إيطاليا وصقلية مدرسة ميليت التي كان طاليس مؤسسها ورائدها.

إن الفلاسفة الذين نسميهم ” ما قبل السقراطيين ” هم أولئك الفلاسفة الذين طرحوا لأول مرة سؤال أصل الأشياء، وهو السؤال الذي يحمل البذور الجنينية لما أمكن تسميته فيما بعد أرسطو بالميتافيزيقا، ولم يتبق لنا من هؤلاء الفلاسفة سوى شذرات أو أعمال غير مكتملة ، وأهم ما نعرفه عنهم جاءنا عن طريق شراحهم.

فيتاغورس

إن فترة ما قبل سقراط تمتد من القرن السادس إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وقد عرفت ميلاد ثلاثة تيارات فكرية كبرى: التيار الأيوني ، الفيتاغورية والإيلية، وما يجمع ويوحد فيما بين هذه التيارات والفلاسفة المؤسسين لها ، بغض النظر عن الاختلافات القائمة فيما بينها ، هو انشغال هؤلاء الفلاسفة بطرح الأسئلة والمشاكل بصورة عقلانية. لقد راموا من خلال طريقتهم في مساءلة العالم قبل كل شيء معرفة طبيعة ( فيزيس ) المادة الأولى أو العنصر الأول المشكل للوجود ، وذلك حتى يتمكنوا من تفسير كل شيء. إن هذا العنصر بالنسبة لطاليس مثلا هو الماء ، وهو بالنسبة لأناكسمندر عنصر لا متناه ، وهو الهواء بالنسبة لأناكسيمنس ، وهو العناصر أو الإستقساط الأربعة بالنسبة لأمبادوقليس، أما ديموقريطس فقد اقترح علينا نموذجا للتفسير انطلاقا من ” الذرات “.

إن هذا التعدد المذهل في الإجابات كانت توازيه اهتمامات وانشغالات تقنية وعملية ، وبالفعل ، فهؤلاء ” العلماء ” الأوائل كانوا يجهلون التمييز الذي نقيمه نحن اليوم في ما بين مختلف ميادين تطبيق المعارف؛ فطاليس مثلا الذي كان مشهورا في عصره بكونه استطاع أن يتنبأ بكسوف شمسي، وضع عددا من القضايا الهندسية البسيطة ، كما تمكن من قياس ارتفاع الأهرامات المصرية.

وهكذا فإن علم الفلك والفيزياء والرياضيات والهندسة والميتافيزيقا كانت كلها متعايشة في الفلسفات ما قبل السقراطية، وسيعطينا حب الاستطلاع هذا، والذي هو بدون حدود ، تعددا في التفسيرات المتعلقة بالكوسموس ، تلك التفسيرات التي سيلجأ إليها الفلاسفة اللاحقون فيما بعد ، وفي غالب الأحيان.

سقراط

وستنتهي هذه المرحلة الأولى منى مراحل تاريخ الفكر الغربي بظهور السوفسطائيين الذين ، كما هو شأن بروتاغوراس أو جورجياس على سبيل المثال ، درسوا فن الدفاع عن أية أطروحة كيفما كانت تبعا لانتظارات مستمعيهم. لقد جسدت فلسفة السوفسطائيين رد فعل مضاد للفلاسفة السابقين. وقد شهد السوفسطائيون في عصرهم عملية تحول جديدة للمركز الثقافي أو الفكري : ففي أثينا ، ومنذ ذلك الحين ، ستعرف الفلسفة مآلها من خلال وجه أسطوري هو وجه الفيلسوف سقراط.

العناصر الأربعة: الماء والهواء والنار والتراب