تصنيف العلوم

2ـ تنوع العلوم : مشكل التصنيف.

قمنا لحد الآن بفحص للعلم في وحدته ، غير أن التشتت المطرد للعلوم يضطرنا للتساؤل في نفس الآن عن علاقات القرابة التي تقوم فيما بينها في مجموعها ، وعن الاختلافات التي تعمل على تعارضها فيما بينها.

إن تصنيف العلوم هو إذن ، وبادئ ذي بدء ، ضرورة إبستمولوجية. لنشر هنا إلى مثالين تاريخيين يوضحان هذه الضرورة : ففي بداية القرن العشرين تساءل الرياضيون عن وضعية مبحثهم ، وبالخصوص عن علاقاته أو غياب هذه العلاقات ) مع الواقع، وانتهت أبحاثهم إلى إنشاء رياضيات أكسيومية مؤسسة على المنطق بالنسبة لبعضهم ، وفرضية استنتاجية بشكل كلي بالنسبة للبعض الآخر . وفي نفس الحقبة ، تساءل الفيزيائيون من جانبهم عن العلاقات القائمة بين الميكروفيزياء والماكروفيزياء، ففتحوا بذلك باب صراع لم ينته بعد بشكل حقيقي فيما بين المدرستين الوضعية والواقعية. إننا نرى إذن أن ضرورة تحديد مواقع العلوم في علاقاتها ببعضها، أي ضرورة القيام بتصنيف للعلوم.

ومع ذلك ، فإن أي تصنيف يخفي توجهات إيديولوجية ظاهرة أو خفية.

إنها ليست إلا محاولة تلك التي ستستهدف إما تأكيد توقف علم ما أو مجموعة من العلوم على العلوم الأخرى ، أو إقامة معايير تسمح إما بإثبات مشروعية علم ما كان غير معروف تماما حتى تلك اللحظة ، وإما استثناء أحد أو عددا من العلوم من شرف البحث العلمي. إن تصنيفا معينا سيمنح الفيزياء شرفا خاصا، في حين أن تصنيفا آخر سيستهدف دمج علم النفس أو علم الاجتماع ضمن جسد العلوم، هذان العلمان اللذان لم ينظر إليهما دائما كعلمين، وتصنيف آخر سيحاول إقصاء التاريخ وعلم النفس من مجال العلم . . . إلخ.

يمكن إجمال معايير التصنيف في ثلاثة : إذ يمكن تصنيف العلوم إما حسب موضوعها ( مثلا تمييز التجريبيين بين العلوم الصورية : المنطق والرياضيات ، وعلوم الطبيعة : الفيزياء ـ الكيمياء ، البيولوجيا . . . إلخ ، والعلوم الإنسانية : علم النفس ، علم الاجتماع . . إلخ). أو حسب مناهجها ( مثلا التمييز بين العلوم الفرضية الاستنتاجية : الرياضيات والمنطق ، وعلوم الملاحظة : علم الفلك ، علم النبات ، الإثنولوجيا . . . إلخ، والعلوم التجريبية : الفيزياء ، البيولوجيا ، علم النفس . . إلخ) وأخيرا حسب وضعيتها( مثلا التمييز فيما بين علوم تصنيفية (تاكسينوميك ): علم الحيوان ، علم الفطريات . . إلخ، العلوم الاستقرائية : الفيزياء ما قبل الكلاسيكية ، وربما اليوم علم الاجتماع الأمبريقي وعلم النفس التحليلي ، العلوم الاستنتاجية : الفيزياء الكلاسيكية ، البيولوجيا المعاصرة . . إلخ، والعلوم الأكسيومية : الرياضيات والفيزياء المعاصرة). وهذا التصنيف الأخير يأخذ بعين الاعتبار تطورات العلوم التي ينظر إليها كلها ، بمعنى معين ، كما لو كانت تقترب من النموذج ” الكامل ” للرياضيات؛ بمعنى وضع أكسيومات ( هي موضوعة بالنسبة للعلوم الأمبريقية بشكل طبيعي انطلاقا من التجربة ، خصوصا خلال المرحلة الاستقرائية) هذه الأكسيومات التي تستنتج منها عن طريق قواعد إجرائية كل الظواهر التي نريد تفسيرها.

وكيفما كان المعيار المستخدم فإننا نرى كيف تنبثق من كل هذه التصنيفات فكرة التراتبية ، وإعطاء قيمة لعلوم معينة على حساب علوم أخرى، وهذا أيضا بديهي بالنسبة للتصنيف حسب النتائج الذي ينتصر للتجريب ( وهي الصفة المرفوضة فيما يبدو بشكل قطعي ومتعسف لعلوم معينة أثبتت وجودها كعلم الفلك بالنظر لطبيعته)، وأيضا بالنسبة للتصنيف حسب الوضعيات الذي يعطي للفيزياء خاصية الامتياز لجهوده التي تستحق ذلك في مجال الصورنة، وهذا يصدق أيضا ـ ولو أن ذلك يتم بطريقة أكثر خداعا ـ بالنسبة للتصنيف حسب الموضوع الذي يقيم فصلا جذريا فيما بين الرياضيات والمنطق من جهة ، وكل العلوم التي لها محتوى أمبريقي من جهة أخرى، مرتبا بذلك هذه الأخيرة تبعا لقدرتها على استعمال اللغة الصورية ، وبذلك يمتلك خاصية مماثلة تماما لخاصية التصنيف حسب الوضعيات.

في النص التالي، ينتقد روبير بلانشي مختلف تصنيفات العلوم :

4. قسمة العلوم

” ظلت العلوم، في تشتتها المضطرد، مجتمعة ضمن مجموعات كبرى، حسب اشتراك معين في الموضوعات وفي وجهات النظر أو في المناهج (. . . ).

إن التمييز بين علوم مجردة وعلوم مشخصة (. . . ) لا يمكن الأخذ به إلا كتمييز يرسم الحدين المثاليين اللذين تتدرج في إطارهما كل العلوم . وقد كان على سبنسر الذي تبنى هذه القسمة أن يحشر مجموعة من العلوم ” المجردة ـ المشخصة “، لكن ما إن نفتح خانة كهاته ، إلا وتكون كل العلوم مجبرة على الدخول إليها ؛ ذلك لأن العلوم الأكثر تشخيصا تستدعي تصورات معينة ، أي تستدعي التجريد ، وليست هناك أيضا علوم مجردة كليا فقدت كل اتصال مع المشخص الذي تشكل هذه العلوم جزءا منه ؛ فحتى عندما تتحول إلى علوم رمزية وصورية خالصة فإنها تستند إلى هذا المشخص المتمثل في حدس العلامات، وبدل تقسيم مزدوج ، نجدنا بالأحرى بصدد تطور مستمر. وقد توجب قول ذلك أيضا ، وبنفس القدر عن التمييز بين علوم استنتاجية وعلوم إستقرائية. لقد بدأت الرياضيات بوصفها استقرائية، والعلوم المسماة علوما استقرائية ،  تتخذ غالبا ، وهي تنحو دومت نحو الاصطباغ بالصبغة الاستنتاجية ، والاستنتاج والاستقراء يسمان مرحلتين من مراحل تطور العلم ، وهما بدورهما مؤطران بواسطة مرحلة ابتدائية وأخرى نهائية. لقد بدا بالفعل أن كل العلوم تتبع نفس المسارات ، وذلك بتميزها فقط بدرجة تقدمها وسبقها ، مارة أو مستدعاة للمرور تباعا من المرحلة الوصفية ، ثم الاستقرائية ، ثم الاستنتاجية فالأكسيومية.

إن ما هو مبرر أكثر هو القسمة الكبرى التقليدية منذ القدم ، والتي هي على وفاق مع المؤسسات التي تفصل الرياضيات عن الفيزياء بالمعنى العام؛ حيث تشير هذه اللفظة الأخيرة إلى دراسة الطبيعة في كل امتداداتها.

لقد شكلت الرياضيات في العصور الوسطى اختصاص كليات الفنون كمبحث إعدادي ، في حين أن الفيزياء كانت تدرس كجزء من الفلسفة في الكليات العليا. وفي بداية الأزمنة الحديثة ، وبينما يعلي ترييض الفيزياء من شأن العلاقات بين المبحثين الإثنين ، نجد أن التوصل إلى دراسة الطبيعة على مستوى العلم كان له من جهة أخرى تأثير تمثل في تقسيم المعرفة العلمية إلى قسمين أو شقين . هذا الفصل فيما بين المعرفة القبلية والمعرفة البعدية الأمبريقية يتوافق بشكل جيد مع الفلسفة العقلانية القائلة بالأفكار الفطرية ومع الفصل الجذري بين الفهم والحساسية المرتبطان بثنائية الطبيعة الإنسانية.

لكن النزعة الأمبريقية ذاتها تجد نفسها كما لو كانت محرجة ومتضايقة للاعتراف بذلك ؛ لقد قسم هيوم المعارف الإنسانية إلى قسمين حسبما تدور حول العلاقات بين الأفكار أو حول أشياء الواقع : إن قوانين الأولى هي يقينية سواء حدسيا أو برهانيا ، أما المتعلقة بالثانية فهي احتمالية فقط. مثل هذه الثنائية ، كانت على الأقل مزعجة بالنسبة للأمبريقي ، هذا الأمبريقي الذي يعزو كل كمعارفنا لمنبع واحد ووحيد هو التجربة. ولقد تم اقتراح حل جذري من قبل ميل ( جون استيوارت ميل ) الذي يرى في القضايا ، لا قضايا الهندسة فقط ، بل حتى قضايا الأرتميطيقا ، مجرد حقائق تجريبية . لكنه ، وبدلا من معارضة شعور وأحاسيس الرياضيين القوية ، وجدت الأمبريقية ذاتها مقادة بالتدريج لاتباع مسار آخر ؛ فليست الرياضيات علما بنفس المعنى الذي نلصقه بالعلوم الأخرى ، إنها علمية يقينا ، وبشكل نموذجي حتى نظرا لصرامتها ودقتها ويقينيتها ، لكنها ليست معرفة بالأشياء ، إنها لغة متماسكة ، لكنها غير مبالية اتجاه الواقع.

إن هذه الفكرة هي التي أعيد تبنيها في العصر الحاضر بصورة سافرة ، مفصلة ومنهجية ، من طرف التجريبية المنطقية، فكرة تجعل ” علوم الواقع ” في حال تعارض مع ” العلوم الصورية ” ؛ أي المنطق والرياضيات منظورا إليهما كإنشاءات ذات خاصية لسانية . إن نسقا للمنطق الرمزي ، كتب كارناب : ” ليس نظرية ونسقا من العلامات حول موضوعات معينة ، وإنما هو لغة ، أي نسق من العلامات مع  قواعد اشتغاله “. إن تصورا كهذا يستدعي مع ذلك بعض التحفظات ، وليس فقط من قبل الرياضيين ” الأفلاطونيين ” ؛ فالقسمة التي يرسمها تقوم بين مجموعتين من العلوم أكثر مما تقوم بين الأنساق الصورية المحضة من جهة ، والتأويلات المشخصة التي يمكن لهذه القسمة تصورها أو تخيلها منى جهة أخرى، وهذا أيضا حتى في الميدان المنطقي أو الرياضي أقل منه في ميدان الفيزياء أو البيولوجيا. وكما أن بناء أنسقة كهاته ليس ممكنا إلا بالنسبة للعلوم التي تمت أكسمتها مسبقا ، فإننا نفهم فقط بأنها ستكون الأكثر تقدما وتطورا في مسار الصورنة الأكسيومية التي تقدم لنا عنها أحسن الأمثلة “.

إبستمولوجيا ر.بلانشي

روبير بلانشي ” الإبستمولوجيا “

المنشورات الجامعية الفرنسية 1972

ص ص : 63-68.

كل تصنيف ، كما سبق وقلنا يخفي تراتبية معينة ؛ وتصنيف أوجست كونت المذكور أدناه هو بدون شك أحسن الأمثلة على ذلك؛ ففي الوقت الذي يدعي فيه أن هذا التصنيف إيجابي ووضعي ، بمعنى أنه محرر من كل ميتافيزياء ، أو متطابق في نفس الآن مع تراتبية الوقائع المدروسة من قبل العلوم ومع التطور التاريخي لهذه الأخيرة ، فإنه كان موجها بشكل كلي لكي يجعل من السوسيولوجيا ( الفيزياء الاجتماعية ) التتويج والاكتمال بالنسبة للمعرفة العلمية.

غير أن هذا التصنيف يكتسي أيضا بالنسبة لتصنيفات أخرى عديدة ، أهمية أكثر خصوصية : فأوغست كونت يصنف الظواهر ، وبالتالي العلوم التي تشكل هذه الظواهر موضوعاتها ، حسب مستويات مختلفة ، من البسيط إلى المعقد ، وبطريقة تجعلنا ، عندما نمر من مستوى أدنى إلى مستوى أعلى ، نجد مسبقا الظواهر مفسرة جزئيا ، ولن يتبقى أمام العلم من المستوى الأعلى إلا تقرير العلاقات الخاصة القائمة بين الظواهر التي يدرسها. إن المحاولة مثيرة، وإن كانت النتائج بخصوص حالات معينة تبعث على اليأس، بل هي مضحكة أحيانا : فصحيح على سبيل المثال أننا عندما ننتقل من مستوى علم الفلك إلى مستوى الفيزياء ، فإن الظواهر تكون مفهومة مسبقا بشكل جزئي ، والفيزياء تعيد إنتاج قوانين علم الفلك ، وتقيم أخرى خاصة بها ، لكن، هل نستطيع القول إن قوانين علم الفلك هي أكثر بساطة من قوانين الفيزياء؟ ..

إن صنافة كونت مهمة من زاوية نظر أخرى : فقد استعملت كمبرر ميتودولوجي ( وإيديولوجي ) لمفهوم الممارسة العلمية التي هي في نفس الآن خصبة على مستوى الاكتشافات ، وقابلة للمناقشة على مستوى الاستقطابات الفلسفية : إن النزعة الاختزالية أو الإرجاعية تذهب إلى أبعد مما ذهب إليه أوغست كونت نفسه ؛ حيث تدعي هذه المدرسة الفكرية أن مستوى معينا من الظواهر قابل للإرجاع بشكل تام إلى المستوى الأدنى منه. إن الإرجاعية تعلن عن نفسها بصورة أكثر نشاطا في البيولوجيا المجهرية ، حيث أجهدت نفسها في أن لا تستدعي مطلقا أية قوانين أخرى غير قوانين الكيمياء لتفسير الأنظمة الحية ( وهي بذلك تخرق أحد مبادئ التصنيف الكونتي ).

إن التصنيف الكونتي في حقيقته التاريخية ، كما في أشكال استغلاله اللاحقة ، هو وككل تصنيف آخر ، ليس محايدا.

5. تصنيف العلوم حسب تعقد الظواهر التي تدرسها.

أوغست كونت

” للحصول على تصنيف طبيعي وإيجابي ( وضعي ) للعلوم الأساسية ، يجب أن نبحث عن مبدأ التصنيف من خلال مقاربة مختلف الظواهر التي تهتم بها العلوم للكشف عن قوانينها، وما نريد توضيحه هو التعالق الواقعي بين مختلف الأبحاث العلمية، والحال أنه لا يمكن أن ينتج هذا الاعتماد المتبادل إلا من تعالق الظواهر المقابلة [ لهذه الأبحاث ].

وبأخذنا بعين الاعتبار لكل الظواهر القابلة للملاحظة ، ومن زاوية النظر هاته ، سنرى أنه يمكن تصنيفها في عدد قليل من الدرجات الطبيعية ، مرتبة بطريقة تجعل الدراسة العقلانية لكل صنف دراسة مؤسسة على معرفة القوانين الأساسية للصنف السابق ، وتصير بذلك أساس دراسة الصنف اللاحق. وهذا النظام والترتيب هو محدد بدرجة البساطة أو بدرجة عمومية الظواهر ، حيث ينتج تعالقها المتتابع كنتيجة البساطة الأكبر أو الأصغر لدراستها( . . . ).

إن تأملا أوليا لمجموع الظواهر الطبيعية يدفعنا إلى تقسيمها تبعا للمبدأ الذي أتينا على وضعه في صنفين أساسيين كبيرين ، يضم الأول منهما كل ظواهر الأجسام الخام ، في حين يضم الثاني كل ظواهر الأجسام المنظمة ( العضوية ).

هذه الأخيرة هي بالفعل أكثر تعقدا أو خصوصية من الأخرى ، فهي تتوقف على الظواهر السابقة التي لا تتوقف ، بالعكس من ذلك مطلقا ، على الأولى. ومن هنا ضرورة عدم دراسة الظواهر الفيزيولوجية إلا بعد دراسة ظواهر الأجسام غير العضوية. ويتأكد من بعض الطرق التي تفسر بها الفوارق بين هذين الصنفين من الكائنات ، أننا نلاحظ داخل الأجسام الحية كل الظواهر التي توجد داخل الأجسام الخام ، سواء كانت هذه الظواهر ميكانيكية أم كيميائية ، إضافة إلى نظام خاص بالظواهر الحية الخالصة ؛ أي تلك التي تقوم على التنظيم ( . . . ).

لننتقل الآن إلى التحديد الأساسي للتصنيف الموالي الذي يحتمله ، تبعا لنفس القاعدة ، كل من هذين الصنفين الكبيرين للفلسفة الطبيعية.

نرى أولا بالنسبة للفيزياء اللاعضوية ، وبتقيدنا دائما لخاصية العمومية والاعتماد في الظواهر ، وجوب تقسيمها إلى قسمين متمايزين تبعا لكونها تدرس الظواهر العامة للكون ، أو بشكل خاص ، تلك التي تعرضها الأجسام الأرضية ، حيث نجد الفيزياء السماوية أو علم الفلك ، سواء أكان هندسيا أم ميكانيكيا ، ثم الفيزياء الأرضية. إن ضرورة هذه القسمة ، هي بالضبط ، مشابهة للقسمة السابقة.

وباعتبار الظواهر الفلكية ظواهر أكثر عمومية وبساطة وتجريدا من غيرها ، فبديهي أنه يجب أن تبتدئ الفلسفة الطبيعية بدراستها ؛ ما دامت القوانين التي تخضع لها تؤثر على قوانين كل الظواهر الأخرى، والتي هي ذاتها ، وبالعكس من ذلك ، منفصلة عنها بصورة جوهرية؛ ففي كل ظواهر الفيزياء الأرضية نلاحظ أولا النتائج العامة للجاذبية الكونية ، وكذا بعض النتائج الأخرى التي هي خاصة بها ، والتي تُعَدل الأولى ( . . . ).

والفيزياء الأرضية بدورها تندرج في صنافة أدنى ، تبعا لنفس المبدأ ، في قسمين مختلفين جدا ، تبعا لما إذا كنا نتأمل الأجسام من زاوية نظر ميكانيكية أم من زاوية نظر كيميائية، أي حيث تتأتى الفيزياء بالمعنى التام للكلمة ، ثم الكيمياء. ولكي يتم تصور ذلك بصورة منهجية حقيقية ، يفترض بالبداهة وجود معرفة سابقة [ العلم السابق ] ؛ ذلك لأن كل الظواهر الكيميائية هي بالضرورة أكثر تعقيدا من الظواهر الفيزيائية ، وهي تتوقف عليها بدون أن تؤثر فيها. وكل منا يعرف بالفعل أن كل تفاعل كيميائي هو خاضع أولا لتأثير الثقل والحرارة والكهرباء . . . إلخ ، ويعرض زيادة على ذلك شيئا ما خاصا، يعدل حركة العناصر السابقة( . . . ).

تعرض كل الظواهر الحية نظامين أو نوعين من الظواهر المتميزة جوهريا ، أي تلك المتعلقة بالفرد وتلك المتعلقة بالنوع ، خصوصا عندما تكون قابلة للاجتماع ، ويعتبر هذا التمييز أساسيا وبالخصوص بالعلاقة مع الإنسان؛ فهذا النوع أو النظام الأخير من الظواهر هو بالبداهة أكثر تعقيدا وخصوصية من الأول، إنه يتوقف عليه دون أن يؤثر فيه ، ومن هنا ينتج قطاعان كبيران بداخل الفيزياء العضوية : الفيزيولوجيا بمعنى الكلمة ، والفيزياء الاجتماعية المؤسسة على الأولى.

إننا نلاحظ أولا في كل الظواهر الاجتماعية تأثير القوانين الفيزيولوجية لدى الفرد ، وفوق ذلك شيئا خاصا يعدل تأثيراتها ، ويتعلق بتأثير الأفراد على بعضهم البعض ، وهو معقد بالأخص لدى النوع الإنساني ، نتيجة تأثير كل جيل على الجيل الذي يليه. من البديهي إذن أنه يجب لكي ندرس الظواهر الاجتماعية بشكل ملائم ، أن ننطلق أولا من معرفة معمقة بالقوانين المتعلقة بالحياة الفردية ( . . . ).

كنتيجة لهذه المناقشة ، تجد الفلسفة الوضعية ذاتها مقسمة بشكل طبيعي إلى خمسة علوم أساسية، يتحدد تباينها بفعل اعتماد متبادل ضروري وثابت ومؤسس باستقلال عن أي رأي افتراضي ، على مجرد المقارنة المعمقة بين الظواهر المقابلة ، وتلك العلوم هي : علم الفلك ـ الفيزياء ـ الكيمياء ـ الفيزيولوجيا ـ وأخيرا الفيزياء الاجتماعية.”

أوغست كونت: دروس في الفلسفة الوضعية

الدرس الثاني في : كتب مختارة 1842

أوبيي ص ص 119 – 127

About these ads

أضف تعليقك هنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s