الأمن الغذائي والتجارة الحرة

By maarouf66

زراعة الكفافأجواء بريتون وودزإؘ?ى البعثاث المشاركة في اتفاقيات هوت سبرينغ

حق الشعوب في التغذية
أمن غذائي أم تجارة حرة

من 13 إلى 17 نونبر انعقدت بروما القمة العالمية للتغذية في إطار منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة ( الفاو ) ، حيث إن حوالي 800 مليون شخصا يعانون من سوء التغذية في العالم ، ويمكن أن تتعاظم أعدادهم تحت تأثير انفجار ديمغرافي لصيق بتقلص المساحات المزروعة ونذرة المياه. ولن تمكن مواجهة هذا التحدي بترك المجال فارغا أما طموحات الشركات المتعددة الجنسيات المتخصصة في مواد التغذية الفلاحية ، وإنما بتعبئة الحكومات والفاعلين الاجتماعيين.
بقلم : كارين ليهمان*
عن لوموند ديبلوماتيك

ستجد الحكومات والمنظمات غير الحكومية ONG والمؤسسات المتعددة الاهتمامات المتواجدة بالقمة العالمية للتغذية بروما نفسها في مواجهة سؤال مطروح منذ الأربعينيات وهو : هل يشكل الأمن الغذائي حقا إنسانيا أم امتيازا للسوق؟ ..
إن المؤسسات المالية العالمية والحكومات في دول صناعية متعددة ، وفي طليعتها حكومة الولايات المتحدة ، توصي بحرية أكبر للمبادلات ، هذه التي بإمكانها ـ من وجهة نظرهم ـ أن تساهم بصورتين اثنتين في ضمان الأمن الغذائي عن طريق الرفع من قيمة المداخيل المفترض فيها أن تساعد على تعاظم النشاط الاقتصادي المرتبط بالتصدير ، وعلى الانتقاء من أجل تصدير منتجات وطنية تستفيد على مستوى السوق العالمية من امتيازات مماثلة.
وترفض في الجانب الآخر مئات من ONG المنظمات الفلاحية وجماعات المستهلكين في العالم رفضا باتا وبصوت واحد هذا النوع من التبرير ، وتعلن أن التغذية تمثل بالنسبة للإنسانية حقا أساسيا ، والسوق وحدها غير قادرة حقا على ضمان هذا الحق ، وإذن فعلى عاتق الحكومات ، وبتعاون وثيق مع المجتمع المدني ، يقع عبء تصور وأجرأة السياسات الملائمة. وبين الإثنين نجد الفاو بمديرها السيد ” جاك ديوف ” الذي دعا القمة بشجاعة إلى تأييد ودعم منظمته في سعيها إلى مساعدة الحكومات الوطنية المهمومة بضمان الأمن الغذائي لشعوبها ، وذلك في الوقت الذي يعتبر فيه عدد من بينها مدعوا إلى التخلي عن هذه المسؤولية على مستوى السوق العالمية، وبوضوح على مستوى الشركات المتعددة الجنسيات ، وعلى مستوى الدول الناطقة باسمها. وحتى إذا كانت الفاو تريد ذلك ، فإنها لا تستطيع إلا بصعوبة دعم المقترحات المختلفة لمجموعة المنظمات غير الحكومية ، كلما كانت هذه غير متلائمة مع نتائج دورة الأوروغواي التي أدت إلى ميلاد المنظمة العالمية للتجارة OMC سنة 1995 . إذن فإننا لا نرى بوضوح، في الإطار المتعدد الأشكال الحالي ، أية استراتيجية متماسكة يمكن أن تنجم عن لقاء روما.
إن المنطقين الحاضرين معا متماثلان بشكل تام مع الاقتراحات المقدمة عند نهاية الحرب من أجل إعادة تنظيم النسق الاقتصادي العالمي : فأحدهما وضع الحكومات في مركز إجراء منسق على المستوى العالمي ، والآخر استهدف تحرير السوق العالمية من أي تدخل دولتي بغرض أن تدبر السوق شؤونها بنفسها، وقد حبذ المؤتمران المنعقدان بالولايات المتحدة ـ في ذلك الحين ـ هاتان المقاربتان وعملا على ميلاد المؤسسات الكفيلة بأجرأتها عمليا. وفي سنة 1943 اجتمعت الحكومات الأربع والأربعون المتحالفة بـ ” هوت سبرينغ ” (فيرجينيا) ومهرت الأمن الغذائي بصفة ” الحق الإنساني ” ، وفي السنة الموالية اجتمعت نفس الحكومات بـ “بريتون وودز” (نيو هامبشر) ورسمت الإطار لنظام عالمي جديد مؤسس على التبادل الحر ، فانحدرت بذلك الفاو من ” هوت سبرينغ ” في حين انحدر البنك العالمي BM وصندوق النقد الدولي FMI من ” بريتون وودز ” ، تماما كما هو شأن نظام المبادلات الذي تم تقنينه مؤخرا باعتباره ” اتفاقا عاما حول التعريفة الجمركية والتجارة ” ( الغات ) والذي تحول إلى المنظمة العالمية للتجارة OMC .
لقد اتسم مؤتمر ” هوت سبرينغ ” ببعد توقعي مستقبلي ، وقد وجدت عديد من اقتراحاته صدى لها في بعض الاقتراحات التي أعطيت لها الأسبقية من طرف المنظمات غير الحكومية بروما ؛ فقد أكد ذلك المؤتمر، انطلاقا من أخذه بالحسبان للنظام الغذائي في مجموعه، وليس للفلاحة وحدها، أن النظام الغذائي يلقي على عاتق الحكومات واجب ضمان حق الغذاء للمواطنين بشكل دائم بالاتكاء على مساعدة منظمة عالمية.وقد تم أيضا توقع أداء الثمن الملائم للفلاحين مقابل منتجاتهم ، وكذا تحسين القدرة الشرائية للغذاء عن طريق تخصيص الأجر الملائم في حده الأدنى ، وضمان سقف للتغذية بالنسبة للأمهات ذوات الأطفال الحديثي السن والتدخل المباشر للحكومات في التسويق التجاري والتخزين والتحويل ونقل المنتجات الفلاحية. وأخيرا ، كان ممكنا تنظيم المبادلات في إطار اتفاقيات بين الدول تستهدف تخفيض ” تعويم أثمنة المواد الغذائية والمنتجات الفلاحية “.
وخلال عشرات السنين أمكن أن يبنين هذا التصور جزئيا السياسات الفلاحية في العالم أجمع قبل أن يتم اطراحه من طرف الإيديولوجية الصاعدة لتحرير المبادلات ، وعن طريق الاستحواذ على الضبط الكلي للسوق العالمية من طرف الشركات المتعددة الجنسيات. ولأن منظمة الفاو لا تتوفر لا على الميزانية و لا على السلطات الضرورية لتنفيذ سياستها ، فإنها لم تتمكن أبدا من التمتع بالوضعية وبالصفة التي أرادها لها مؤسسوها من أجل ضمان وتأمين الأمن الغذائي.
عشرون سنة بعد ” هوت سبرينغ ” ، وفي سنة 1974 التقت الحكومات من جديد بروما في إطار القمة العالمية الأولى حول التغذية ، في سياق أزمة من نوع جديد؛ فسنة قبل ذلك ، وبنهاية إيقاف مسلسل ارتفاع الأسعار داخليا ، أصدر الرئيس نيكسون مرسوما يقضي بحظر الصادرات الأمريكية من السوجا ، محدثا بذلك حالة اضطراب في صفوف الدول المستوردة(1). ومن جهة أخرى ، فإن حشرة ضارة كانت قد أدت إلى تدمير جزء أعظم من محصول الحبوب بالولايات المتحدة.
وقد أعاد المشاركون في هذا المؤتمر ، من خلال إبداء استعدادهم للقضاء على المجاعة في العالم خلال العشر سنوات المقبلة ، التأكيد على ضرورة تنسيق عالمي من خلال تأسيس مجلس عالمي للغذاء على مستوى الأمم المتحدة ، واقترحوا توفير احتياطيات من الحبوب موجهة ومخصصة للتزود العالمي خلال فترات الخصاص.
” بريتون وودز ” ضد ” هوت سبرينغ ”
لم يعرف أي من هذه المقترحات ، كما هو شأن مقترحات ” هوت سبرينغ “، طريقه للإنجاز أو حتى بدايته؛ فبدل ذلك أجابت الحكومات بمجموعة من الجهود غير المسبوقة لتنمية المنتوج الفلاحي ؛ فالأوربيون، انطلاقا من قضية السوجا، أدركوا أهمية الاكتفاء الغذائي الذاتي ، فانهمكوا في إنتاج الزيوت . أما الفلاحات الأمريكية فاقترضت من أجل إنجاز زراعات كثيفة ، فاشتعلت بذلك نار حرب تجارية طويلة الأمد بين الولايات المتحدة والمجموعة الأوربية أدت إلى اختفاء ملايين الاستغلاليات العائلية في كل مكان من العالم، وأحدثت بفضل تمويل الصادرات هيمنة غير مسبوقة على أسواق الدول النامية. وقد مثل الشق الفلاحي لاتفاقيات دورة الأوروغواي للغات مجال هدنة بين الفصيلين اللذين اقتسما فيما بينهما أسواق التصدير ووضع أيضا نهاية للصراع بين ” هوت سبرينغ ” و ” بريتون وودز ” بسحب الفلاحة من مجال مراقبة الحكومات لوضعها تحت وصاية المنظمة العالمية للتجارة OMC .
غير أن المنظمات غير الحكومية وبعض الحكومات المشاركة في قمة روما ترفض مع ذلك اعتبار التجارة ترياقا سحريا لجميع الأمراض ؛ والدليل على ذلك هو غياب اتفاق حول المصطلحات ، بل وحتى حول فقرات بأكملها من النصوص المنجزة من طرف فرق العمل ضمن لجنة الأمن الغذائي (غشت 96) ، وبالخصوص فيما يتعلق بدور المبادلات . يجب القول إن عجز النظام الحالي عن مواجهة النذرة الغذائية أصبح أكثر فأكثر وضوحا في الدول التي حررت مبادلاتها التجارية إلى حدود مستوى مماثل ومستجيب لإجراءات منظمة الغات حتى قبل النتيجة الرسمية لدورة الأوروغواي ، ومن بين هذه الدول : المكسيك التي التزمت بهذا المسلك بعد دخول اتفاق التبادل الحر الأمريكي ـ الشمالي ( ألينا ALENA ) حيز التنفيذ والتوقيع عليه في 1 يناير 1994.
إن الحدود الأكثر فأكثر بداهة لنظام غذائي عالمي تستدعي خلق إطار عالمي جديد يجعل من الأمن الغذائي لأولى أولوياته المطلقة (2) ؛ فالحكومات والمجتمع المدني في حاجة إلى حرية أكبر للفعل ولأدوات سياسية إضافية لدعم الأنظمة الفلاحية والغذائية على المستوى المحلي ـ الجهوي ـ والوطني ، دون التعرض لعقوبات تجارية ، وهم مطالبين أيضا بامتلاك القدرة على استدعاء ميكانيزمات الدعم العالمي إذا اقتضى الحال ذلك.
ولحسن الحظ أن مراكز مضادة للسلطات، نابعة من المجتمع استثمرت منذ الخمسينيات، وبشكل تصاعدي ، مجالا ظل حتى ذلك الحين وقفا على الدول والشركات المتعددة الجنسيات.
إن الحفاظ على التنوع البيولوجي وحماية خطوط اقتسام المياه وتدبير الاحتياطيات المحلية المستنهضة ـ تفضيليا على المستوى المحلي ، وبمعية فلاحين يقيمون مع المستهلكين والبيئة علاقات متلائمة ومحققة لنمو مستدام ، أي مشاركة قوية للفاعلين الاجتماعيين ، هي مسألة جد ضرورية في كل الحالات ، وكثير من هذه السياسات غير متلائم ـ بكل بساطة ـ مع منطق تحرير المبادلات. وإذا كان المواطنون والحكومات يريدون القضاء على الجوع في العالم ، فغنهم مطالبين بالتحرر من أغلال اتفاقيات الغات ، كما أنهم مطالبين إما بالتغيير الجذري لقواعد المنظمة العالمية للتجارة OMC ، أو بخلق إطار عالمي جديد مؤسس على أولوية الأمن الغذائي . وبهذا الخصوص تم اقتراح عديد من الحلول الوجيهة من طرف المنظمات غير الحكومية ONG والقمم السابقة.
وانطلاقا من ” هوت سبرينغ ” يمكن إعادة تبني التأكيد المؤكد لحق الإنسانية في الغذاء وعلى الدور الأعظم للدول في الحفاظ على التوازن بين حاجات الفلاحين وحاجات المستهلكين عن طريق خلق نظام غذائي ملائم ، وكذا اللجوء إلى اتفاقيات تجارية عالمية من أجل التخفيف المؤقت من إرادة تبخير الأسواق الفلاحية ، ويجب أن تستخلص من قمة سنة 74 صورة تقوية التعاون العالمي وفكرة إنشاء نظام عالمي للاحتياطيات.
إن اقتراحات المنظمات غير الحكومية في قمة 96 توفر إطارا لمساهمات المجتمع المدني في إنجاز وتحقيق الأمن الغذائي ، كما توضح أهمية إنتاج وتوزيع المواد الغذائية القاعدية. وهذه السبل المتمركزة والمتمحورة حول برنامج شاسع للفعل مثلت حلولا بديلة للسلسلة المحدودة من الاختيارات التي تجد الفاو ذاتها حاليا مكرهة على الاشتغال بها وعليها .
*****
هوامش :
(1) من أجل تحليل للحظر المفروض على السوجا وتجارة الحبوب إقرأ ريشارد جيلمور في :
A poor harvest :The clach of policies and interests in the grain trade longman – New York 1982
(2) إقرأ إدغار بيزاني : ” من أجل أن يغذي العالم العالم ” لوموند ديبلوماتيك ـ أبريل 1995.
* معهد الفلاحة والسياسة التجارية ـ شيكاغو ( الولايات المتحدة ) .

الأوسمة:

اترك رد