وجهة نظر – في حوار مع فرانسيس فوكوياما

لن تتخلى أمريكا عن سياسة ازدواجية المعايير، كما لن تزعزع أمن واستقرار الأنظمة التسلطية الحليفة في العالم العربي من أجل دعم الديمقراطية بالمنطقة

أجرت الحوار هند عروب
شارحا أسباب تراجعه عن نصرة الغزو الأمريكي للعراق بعد أن كان أول الدعاة إلى استخدام منطق القوة، فرانسيس فوكوياما المفكر المثير للجدل و ذو الأفكار المستوقفة، و الذي يعيش حاليا مرحلة مراجعة الكثير من أفكاره، يفيض صراحة في هذا الحوار حيث يقر باتخاذ الديمقراطية ذريعة للحرب على العراق التي افتقرت لأية إستراتيجية بعيدة المدى. و لن تقف صراحته عند هذه الحدود بل سيعترف بخوف الجمهوريين من عضوية المحكمة الجنائية الدولية، وبضرورة محاكمة حتى المثقفين الذين دفعوا بفكرهم قبلة الحرب، وبعدم تخلي أمريكا،ضمن خطتها الجديدة للألفية الثالثة، عن مصالحها المستدعية لسياسة ازدواجية المعايير. في هذا الحوار أيضا، نناقش مجددا فوكوياما في فكرة نهاية التاريخ و تصدير المؤسسات الديمقراطية للبلدان الثالثية، ونهاية السيطرة الأمريكية على العالم و اتجاه هذا الأخير صوب تعددية الأقطاب، ثم المواجهة بين العالم الغربي و لإسلام السياسي في صيغته الراديكالية. و لن ينتهي الحوار دون أن يبوح فرانسيس فوكوياما للقراء بفحوى كتابه القادم ” جذور النظام السياسي .”

  • في سنة2003 غيرت موقفك حيال فكرة استخدام آلية القوة لتدعيم وترسيخ الديمقراطية،وفي سنة2006 نشرت مقالا تنتقد فيه سياسة المحافظين الجدد ومواقفهم وأفعالهم،ماهي الدواعي الحقيقية لهذاالتحول علما أنك مصنف كواحد من مثقفي المحافظين الجدد،وواحد من دعاة استخدام القوة ضد الإرهاب والتخلص من نظام صدام؟

فرانسيس فوكوياما: حدث هذا التحول في مواقفي سنة بعدهجمات الحادي عشرمن شتنبر،وسنة قبل غزوالعراق،أي في سنة2002 حين كانت إدارة بوش تحضر لغزو العراق،وكنت أنا حينها في جولة أوربية لتباحث قضايا تتعلق بالسياسة الأمريكية، وأولها مسألة الغزو مع كبارالشخصيات بأوربا. أثناء هذه المباحثات،وفي خضم متابعتي لخطوات الغزو عن كثب، تكشف لي أن إدارة بوش لم تحضر بشكل جيد لهذا الغزو، وتحديدا لمرحلة ما بعد الغزو وأن الدواعي المعلنة من قبيل الديمقراطية لا صلة لها بحقيقة الغزو ومآربه ،خاصة وأني أمضيت سنوات أفكروأبحث حالات الغزو الأمريكي كحالة الفيتنام،وفي كل مرة أخلص إلى الخلاصة ذاتها،أن الغزوالأمريكي لا يهتم ولايدرس مرحلة ما بعدالغزو،والأمرذاته حدث في حالة لعراق، إذ كان كلما دنا موعد الغزو تبين لي أن إدارة بوش لا تملك أي مخطط جدي لما بعدالحرب في العراق. لقد كانت مغامرة غير محسوبة العواقب على السياسة الخارجية الأمريكية. كانت نظرة بوش للغزو ونتائجه المتخيلة فوق تفاؤلية، خاصة في مسألة الاعتماد على سهولة الانتقال نحوالديمقراطية،لقد بدا جليا أنهم لا يفهمون تعقيدات الحالة وأبعادها التاريخية، الثقافية و الجيواستراتيجية، إذ ليس من السهل خلق مؤسسات ديمقراطية بدولة نامية فيسرعة البرق،إنهم لم يكونوا واعين بمحاذير الاختلاف البيئي والثقافي، ليتبنوا- هم أنفسهم- فيما بعد،أن الأمرلم يكن فسحة ربيعية.إذن عدم التحضير الكافي للغزو،وعدم التخطيط له ولما بعده،جعلني متيقنا أن الخسائر والأخطاء ستكون فادحة وفظيعة ،لذا غيرت موقفي ولم أعد مناصرا للغزو.

  • ألاتعد قيادة حرب باسم “الديمقراطية” جريمة ضدالإنسانية و ضد الديمقراطية ذاتها ؟وهل يمكن بناء الديمقراطية عبر الغزو والدمار والتعذيب؟

فرانسيس فوكوياما: طبعا لا يمكن ؛ فالديمقراطية لم تكن الهدف الرئيسي من هذه الحرب،إنها ذريعة روجت وصدقها الكثيرون، لقد كان الهاجس الأول لهذه الحرب أمنيا صرفا، أما الهاجس الثاني فتجلى في إنهاء نظام صدام كجزء من مسلسل الحرب على الإرهاب وقبل أن يمتلك هذا النظام فعليا أسلحة الدمار الشامل ،أما الديمقراطية فكانت مجرد مبرر.

  • ألم يكن الأمرجريمة ضد الإنسانية ؟

فرانسيس فوكوياما: مبدئيا يمكن استخدام القوة لحماية حقوق الإنسان،والاتقاء من خطرهجوم ما ليس خطأ. ولكني أعتقد أن القوة يجب أن تستخدم بحذرشديد،وأن تخضع لمعايير القوانين الدولية وضوابطها، وأن يكون الهدف حماية المنظومة الدولية واحترام قوانينها.

  • مقاطعة: ولكنه تصور لمفهوم استخدام القوة بشكلوقائي، فلا أحد يضمن التجاوزات والخروقات والجرائم الشنيعة التي تقترف باسم الدفاع عن النفس، إذ كيف تصنفأبوغريبوما اقترفه الجيش الأمريكي بالعراق تحت ذريعةاتقاء” خطر محتمل.

فرانسيس فوكوياما: سأعطي مثالا لاستخدام القوة لغايات حسنة، كحالة سيراليون عام1999 حيث تدخلت بريطانيا تحت المظلة الأممية، ليس من أجل الديمقراطية ، ولكن من أجل استتباب الأمن، وهو نموذج لاستخدام القوة.

  • تعقيب: أعتقد أنه لا رابط بين حالة سيراليون وحالةالعراق، هذا دون مناقشة أن ما يحدث بدول إفريقيا جنوب الصحراء، من اضطرابات وحروب ومجاعات، يقف خلفه القوى الكبرى بالتواطؤ مع الأنظمة المحلية، ليتستروا فيما بعد في ثوب الحمل مطوعين المظلة الأممية

فرانسيس فوكوياما) متدخلا(: ولكني مع ذلك أقول إنه من الممكن استخدام القوة من أجل الديمقراطية، مشددا في ذات الآن على أن الأمر يجب أن لا يتحول إلى عادة روتينية أو سهلة ؛لأننا لا نستطيع ضمان كيفية استخدام القوة، فالشطط والخروقات واردة كما حدث بالعراق.

  • بناءا عليه،هل التخلص من نظام صدام كان يتطلب13 سنة من الحصار والعقوبات الاقتصادية، ثم الإجهاز على العراق عبر الغزو، وتدمير بنياته التحتية، وتقتيل شعبه صغارا وكبارا ؟ ألا      تعتقد أنه لو تخلصت الولايات الأمريكيةالمتحدة من صدام بالطريقة التي تخلصت بها من نظام سلفادور أليندي،لكان الأمر أقل تكلفة من الحرب وعتادها، أم أن الثمن كان يستحق ذلك كما صرحت مادلين أولبرايت؟

فرانسيس فوكوياما: لا، مطلقا، لم يكن الثمن مستحقا لذلك، فالتخلص من نظام صدام لم يكن يستدعي جعل الشعب العراقي يتجرع كل هذه المعاناة. وأمريكا مسؤولةعن معاناة الشعب العراقي وآلامه، لقد كان الأمر خطأ فظيعا.

  • متدخلة: مجرد خطأ فظيع! أوليس الأمر جريمة؟

فرانسيس فوكوياما: ) يضحك( الحقيقة، لا يوجد معيار لتحديد صورةالجريمة وحيثياتها ،لذا أقول إنه خطأ شنيع ناجم عن سياسة فظيعة، أكثر منه جريمة.

  • تعقيب: كيف ذلك ؟ لا يوجد معيار؟هناك القوانين الدولية خاصة تلك المتعلقة      بالحروب اتفاقيات جنيف وباقي فصول القانون الدولي الإنساني،كما أن      كبارالعلماء والمفكرين ورجال القانون الدولي وحتى بعض العسكريين      الأمريكيين،أكدوا أنها جريمة بكل المقاييس والمعايير، إنهاجريمة حرب وجريمة      ضد الإنسانية

فرانسيس فوكوياما: أكتفي بالقول إن الأمر كان خطأ فظيعا.

  • حسن، لقد حضرت بمعية البروفسور لارلي دايموند، تقريرا حول ما استقام وما اعوج في التجربتين العراقية والأفغانية ، تحت عنوان What went wrong and right in Iraq and Afghanistanتقيمون من خلاله التجربتين، وتسطرون الأخطاء القاتلة في كلتاهما، فما كانت هذه الأخطاء القاتلة في كل من العراق وأفغانستان؟

فرانسيس فوكوياما: إنهما حالتان مختلفتان: في الحالةالأفغانية،لم يكن الغزوالأمريكي مساندا أمميا،والخطأ القاتل يتمثل في المبادرة المبكرة لإعادة بناء دولة أفغانستان وفق المعاييرالغربية، مما جعل أمريكا تتكبد تكاليف ضخمة وهائلة لم تكن تطيقها ، وقد طالت المدة ووجدت القوات والإدارة الأمريكيتان نفسيهما في حالة استنزاف. أماالحالة العراقية، فهي على خلاف الأفغانية، حيث الغزو في حد ذاته يعتبرخطأ قاتلا رغم أنه كان مدعوما أمميا، إضافة إلى عدم التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب، وعدم توقع حدوث الحرب الأهلية، والأشياء الفظيعة التي حدثت كأبو غريب.

  • ألكل هذه الأسباب تخشى أمريكا عضوية المحكمة الجنائية الدولية ؟ وهل يمكن لإدارة أوباما الدفع في اتجاه العضوية، بعد ما رفضتها رفضا قاطعا إدارة بوش؟

فرانسيس فوكوياما: إن المشكل يكمن في عدم إمكانية المصادقة على أية معاهدة دولية دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، وأوباما وحده لن يتمكن من إصدار قرار الموافقة على العضوية بالمحكمة الجنائية الدولية نظرا لسيطرة الجمهوريين الضاغطين في اتجاه الرفض.

  • معلقة: إذن هم خائفون من العضوية ،ومن إمكانية محاكمة أعضاء إدارة الصقور من قبل المحكمة الجنائية الدولية.

فرانسيس فوكوياما) يتأمل ثم يجيب(: أجل، الأمركذلك ،إنهم خائفون.

  • وهذا دليل على أن أيديهم ملطخة بالدماء ،وأن ما اقترفوه جريمة وليس مجرد خطأ فظيع. في نفس سياق المحاكمة والمحاسبة ،ألا تعتقد أنه ينبغي محاكمة المثقفين والباحثين الذين دفعوا في اتجاه الحرب ، فهم متورطون في الجريمة بفكرهم؟

فرانسيس فوكوياما: أعتقد أن أي شخص يتورط في مثل هذه الأعمال الشنيعة ،ينبغي أن يحاسب ،حتى المثقفين. ولكن كيف يجب أن تتم محاسبتهم ؟. إنه في الحقيقة سؤال معقد ،فقرار الحرب يعتبر قرارا سياسيا، وأول المتورطين هم إدارة بوش والعسكريون الذين أنجزوا هذه الحرب، أما المفكرون ،فلا شيء في القانون يشير إليهم.

  • معقبة: على الأقل، تتوجب محاسبتهم من الناحية الأخلاقية .

فرانسيس فوكوياما: أجل، إني أعتقد وبشدة بضرورة محاسبة المفكرين المتورطين في الحروب ،لكن الأكيد أن محاسبتهم ينبغي ألا تتم بالكيفية التي يحاسب بها العسكريون.

  • هل من المحتمل أن تقود إدارة أوباما حربا على إيران أو سوريا؟

فرانسيس فوكوياما: لا،لا أعتقد أن إدارة أوباما ستقود حربا على إيران أو سوريا. فالحرب ليست من أولويات الإدارة الأمريكية الحالية ،بل إن أمريكا اليوم باتت عاجزة عن قيادة أية حرب جديدة في الشرق الأوسط ، فالحرب باتت سيناريو يخشاه الكل في أمريكا.وأمريكا لن تدعمفي اعتقادي- أية خطوة حرب منفردة قد تقدم عليها إسرائيل حيال حزب الله مثلا.

  • في هذه الحالة، تعتقد جديا أن أمريكا لن تدعم إسرائيل إذا ما أقدمت على خطوة الحرب منفردة؟

فرانسيس فوكوياما: أجل، أعتقد جازما أن أمريكا حاليا لن تدفع إسرائيل لاتخاذ أية خطوة حرب، كما لن تدعمها في حالة كان القرار إسرائيليا محضا، فلو تعلق الأمر بإدارة بوش لدفع في اتجاه الحرب.والحقيقية أنه الآن ، لا أحد يرغب في الدفع صوب الحرب.

  • ألا تعتقد أن المواجهة بين الإسلام الراديكالي والعالم العربي بقيادة أمريكا،فتحت عهدا جديدا من التاريخ وليس نهايته كما توقعت ؟ثم ألا ترى أن النموذج الغربي للديمقراطية وتحديدا مفهوم تحريرالسوق فتح تاريخا من العبودية والسيطرة والفقر والتبعية كما عمق الفجوة بين جنوب العالم وشماله، وبالتالي ففكرة نهاية التاريخ وتبني العالم لنموذج واحد ) الديمقراطية الغربية( هي ضد الطبيعة الإنسانية ودينامية المجتمعات البشريةعلى الصعيدين المحلي والدولي؟

فرانسيس فوكوياما: لا أعتقد ذلك،لأنه حتى في العالم الإسلامي، الإسلام الراديكالي غيرمرحب به، والإسلاميون إجمالا لديهم مفهوم ثيوقراطي جدا للسلطة وللدولة كنموذج طالبان والحركات السلفية. ففي العالم العربي لا يوجد دعم قوي لهذه التيارات، وأشك أن تصل هذه الحركات إلى السلطة، فالعيش في ظل جمهورية إسلامية لن يجد قبولا كبيرا. ولكني أقر بأن النموذج الإسلاميالسياسي، يبقى على المستوى العالمي، بديلا من البدائل المطروحة على الساحة كالماركسية مثلا، والأكيد أنه بديل مختلف من حيث مضامينه، مبادئه ومفاهيمه ،مختلف حتى في صراعه، فصراع أمريكا والإسلام الراديكالي مغاير للصراع الأمريكيالسوفياتي.

  • تتحدث في كتابكBuilding Nations عن فكرة تصدير المؤسسات، بمعنى أنه يتوجب على أمريكا ألا تصدر السلع وأموال المساعدات فقط، بل المؤسسات الديمقراطية. ألا تعتقد أن هذه الفكرة ضد المسلسل الطبيعي لخلق المؤسسات، فأي مجتمع هو بحاجة إلى خلق      مؤسساته عبر ديناميته ،لا أن تُصدر له؟

فرانسيس فوكوياما: أولا،لا يمكن أن تكون لك مؤسسات ما لم يكن هناك دعم من داخل المجتمع، فإقامة المؤسسات تعني حلا للمشاكل التي يعرفها مجتمع ما، والسير به نحو حكامة مؤسساتية جيدة ولكني أيضا لا أرى ضيرا في استلهام نماذج مؤسساتية خارجية ، فليس في الأمر ما يوحي باستعمار جديد.

  • إذن ما الذي تقصده بتصدير المؤسسات؟

فرانسيس فوكوياما: المقصود هو دعم المؤسسات الدولية الكبرى كالبنك الدولي للمجتمعات النامية ، والضغط عليها في اتجاه المأسسة، وامتلاك مؤسسات أكثر فعالية، شفافية وديمقراطية ،لهذا لا أعتقد بأن عملية تصدير المؤسسات بسيطة وسهلة.

  • معقبة: المجتمعات بحاجة إلى المسار الطبيعي لخلق مؤسساتها ،أما فكرة      تصديرالمؤسسات فلها وقع كولونيالي، والحقيقة انه طفح بنا الكيل من كل ما هو حامل للشارة الأمريكية – التدخل الأمريكيالغزو الأمريكي، الوصاية الأمريكيةحتى الدعم الأمريكي. إننا في المجتمعات      الثالثية بحاجة إلى ان نخط مسارنا ونخوض معركتنا لوحدنا بما لها و ما عليهافلماذا يجب أن تفكروا بدلا عنا؟

فرانسيس فوكوياما: صحيح ما تقولينه صحيح،فمن بين أكبر التراجيديات في العقد الأخير،استغلال إدارة بوش لفكرة تنمية الديمقراطية ودعم او اتخاذها ذريعة لغزو العراق، وللتدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى ، الأمر الذي يجرد مفهوم المساعدة من المصداقة كما أنه شوه صورة أمريكا.

  • لهذا أعتقد أنك بادرت وخبراء آخرين أمثال : Larry Diamond.& Michael AFaul Mc ،إلى      كتابة وتوقيع تقرير New Day New Way,      U.S foreign assistance for the“” 21 h centryتقرير تُلاحظ فيه نبرة ضمير يقظ واعتراف بأخطاء وقطاعات السياسة الخارجية الأمريكية في كنف النظام العالمي أحادي القطبية، كما يلاحظ سعيكم إلى إعادة بناء صورة أمريكا الأخلاقيةمن خلال هذا التقرير بالقول إن لأمريكا أخلاقا أيضا وهي تستطيع أن تكون شريكا جيدا بعد أن كانت سيدا متعجرفا ،لكن ما لم ألاحظه في هذا التقرير هو هل أمريكا ستُبقي في إطار سعيها إلى بناء صورة جديدة- على سياسة ازدواجية المعاير بمعنى دعم الأوتوقراطية باليمنى ، والديمقراطية باليسرى؟.

فرانسيس فوكوياما: صحيح أن أمريكا تدعم الديمقراطية ، وتهتم بها كأساس من أسس سياستها الخارجية ،ولكن أمريكا في ذات الآن لم تهب نفسها راعية للديمقراطية عبر العالم كهدف أوحد وأسمى للسياسة الخارجية الأمريكية ،فللمصالح ثقل كبير في هذه العملية . إن المصالح الأمريكية متضاربة ومتعددة بتعدد واختلاف مناطق العالم، فهناك هاجس الأمن، الحرب على الإرهاب، دعم الأوتوقراطية، ضمان الولوج الدائم لمصادر النفط.. كل هذه المصالح هي التي تسطر السياسة الأمريكية الخارجية، وبالتالي إذا كنا ندعم الديمقراطية ببقعة ما، فنحن في ذات الآن ندعم الأنظمة الأوتوقراطية في السعودية مصر،والمغرب.. إلخ وهذه الحالات تدل على أن الديمقراطية ليست أولية الأولويات على طول الخط، وإن كنا ندعم برامج التنمية والديمقراطية بالعالم العربي إلا أنها ليست أولوية في هذه المنطقة. والسؤال العملي الذي ينبغي طرحه هو كيف تغير أو على الأقل تقلص سياسة ازدواجية المعايير.الحقيقة ،إني لا أعتقد بوجود حكومة ستتخلى عن هذه السياسة في تعاملها مع المصالح الأمريكية ، فلا أحد سيقولهيا لنزعزع النظام في المغرب أو في مصر من أجل الديمقراطيةلا أحد سيفعل ذلك ، إنهم حلفاؤنا وإن كانوا أوتوقراطيين ، ولهم دور مهم في كبح الخطر الإسلامي والحرب على الإرهاب.
لذا، أظن وحتى تقلص أمريكا من سياسة ازدواجية المعايير، عليها الوعي أكثر بعدم تغليب كفة الاستبداد على كفة الديمقراطية ، أثناء سعيها لحماية مصالحها ، وبالتالي فعليها الضغط على الأنظمة الأوتوقراطية الحليفة ، حتى يوسعوا من مساحة الحريات والحقوق وعدم التعرض للديمقراطيين المدافعين عن حقوق الإنسان.

  • معقبة: عذرا، حين تلقي أنظمتكم الحليفة بالقوى الديمقراطية في السجون، أو تضيق عليهم الخناق ، فأمريكا تغلق عينيها ، ولا تهتم بالأمر ، فأي دعم  للديمقراطيين والحقوقيين هذا؟.

فرانسيس فوكوياما: تماما ، لهذا أرى أنه من واجبنا كقوى فاعلة في أمريكا الضغط على حكوماتنا لاتخاذ خطوات عملية أكثر من أجل دعم حقوق الإنسان وحماية المدافعين عنها في المناطق حيث الحاكم أوتوقراطي وحليف لأمريكا في ذات الآن ، ففي مصرمثلا، على أمريكا الضغط أكثرعلى مبارك للدفع بنظامه في اتجاه اتخاذ قرارات تخدم الديمقراطية أكثر، وتوفير ضمانات بعدم التعرض للمعارضين الديمقراطيين. والحقيقة إن أمريكا لا تخشى الديمقراطيين بقدر ما تخشى القوى الإسلامية في الشرق الأوسط.

  • معلقة: لذا تدعم أمريكا حكام المنطقة المتسلطين ، وتمنحهم الضوء الأخضر بأن افعلوا ما شئتم ، فقط ابقوا الخطر الأخضر بعيدا عنا.

فرانسيس فوكوياما: صحيح وهذا من بين الأخطاء التي اقترفتها الإدارة الأمريكية بأن استخدمت الحكام المتسلطين بالمنطقة العربية للحد من خطر الإسلاميين، ولكنهم استغلوا الأمر لقمع الديمقراطيين.

  • هل لنا أن نتعرف على الإشكالية التي يناقشها كتابك القادم The origins of political order؟

فرانسيس فوكوياما: كتابي القادم يبحث مسألة جذور الدولة وأسس هذا الكيان ، ودور القانون ، كما انه يغطي بعض المناطق الجغرافية والحقول السياسية المختلفة لمعاينة تجربة الدولة بكل من الصين،الهند،الخلافة الإسلامية و تجربة السلطنة بمصر ،ثم تاريخ التطور السياسي والمؤسساتي بالشرق الأوسط ، إضافة إلى دراسة بعض الحالات الأوروبية في السياق ذاته.

  • بعد أن غيرت مواقفك ،وبعد الحروب المكلفة التي خاضتها أمريكا، وما زالت كتلك التي خاضتها ضدالإرهاب ، كيف تقرأ مستقبل التاريخ الآن ؟ أما زال في اتجاه النهاية التي تحدثت عنها ؟ أم أنها نهاية السيطرة الأمريكية على العالم في اتجاه عالم متعدد الأقطاب ؟.

فرانسيس فوكوياما) ضاحكا(:إن مقولةنهاية التاريختتعلق بفكرة الديمقراطية الغربية كنموذج جيد ، وأنا ما زلت أعتقد بصحتها ، إضافة إلى اعتقادي بأن نهاية السيطرة الأمريكية قد حلت بالفعل ، خاصة بعد الأزمة المالية الأخيرة. لقد باتت اليوم دول أخرى تنافس أمريكا كالصين وروسيا وحتى البرازيل ، لم تعد أمريكا وحدها المؤثرة في قرارات الساحة الدولية. ثم إن سيطرة دولة واحدة على العالم ليست أمرا صحيا ولا طبيعيا ، فنحن اليوم متجهون صوب عالم متعدد الأقطاب وهو أمر طبيعي أكثر

———————————————
أجري الحوار في ستانفورد يونيفرسيتي بولاية كاليفورنيا في فاتح نوفمبر من سنة 2010
يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما كاتب ومفكر أمريكي الجنسية من أصول يابانية، ولد في مدينة شيكاغو الأمريكية عام1952. يعد من أهم مفكري المحافظين الجدد. من كتبه: نهاية التاريخ والإنسان الأخير و الانهيار أو التصدع العظيم و) الثقة(.
يعتبرفوكوياما واحدا من الفلاسفة والمفكرين الأميركيين المعاصرين ، فضلا عن كونه أستاذا للاقتصاد السياسي الدولي ومديرا لبرنامج التنمية الدولية بجامعة جونزهوبكنز، ويعمل حاليا بمركز الأبحاث حول الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون بجامعة ستانفورد- كاليفورنيا.
تخرج فوكوياما من قسم الدراسات الكلاسيكية في جامعة كورنيل ، حيث درس الفلسفة السياسية على يد ألن بلووم Allen Bloom ، بينما حصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد ،حيث تخصص في العلوم السياسية .
وفضلا عن التدريس الجامعي عمل بوظائف عديدة :عمل مستشارا في وزارة الخارجية الأمريكية.
في عام1989 كان قراء دورية ناشيونال انترست National Interestعلى موعد مع مقالة” نهايةالتاريخ” والتي أحدثت رجة فكرية ،حيث قال : إن نهاية تاريخ الاضطهاد والنظم الشمولية قد ولى وانتهى إلى غير رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وهدم سور برلين، لتحل محلها الليبرالية وقيم الديمقراطية الغربية. وقد أضاف وشرح فوكوياما نظريته المثيرة للجدل في كتاب صدر عام 1992 بعنوان “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”. وقد قصد فوكوياما أن يعارض فكرة نهاية التاريخ في نظرية كارل ماركس الشهيرة ” المادية التاريخية “، والتي اعتبر فيها أن نهاية تاريخ الاضطهاد الإنساني سينتهي عندما تزول الفروق بين الطبقات . كما تأثر فوكوياما في بناء نظريته بآراء الفيلسوف الشهير هيغل و أستاذه الفيلسوف ألان بلوم، حيث ربط كلاهما بين نهاية تاريخ الاضطهاد الإنساني واستقرار نظام السوق الحرة في الديمقراطيات الغربية.
لفترة طويلة ، وقبل أن يغير مواقفه، اعتبر فرانسيس فوكوياما واحدا من منظري المحافظين الجدد حيث أسس هو ومجموعة من هؤلاء في عام1993 مركزا ًللبحوث عرف آنذاك بمشروع القرن الأميركي ، وقد دعا هو ورفاقه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون إلى ضرورة التخلص من نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
وقد عبر فوكوياما في مقالاته ومؤلفاته في السنوات الأخيرة عن قناعته بأنه على الولايات المتحدة أن تستخدم القوة في ترويجها للديمقراطية ، ولكن بالتوازي مع ما أطلق عليه نموذج ديبلوماسية نيلسون الواقعي. حيث اعتبر أن استخدام القوة يجب أن يكون أخر الخيارات التي يتم اللجوء إليها ، ملمحا إلى أن هذه الإستراتيجية تحتاج المزيد من الصبر والوقت. واعتبر أن التركيز على إصلاح التعليم ودعم مشاريع التنمية يمنحان سياسة الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية أبعادا شرعية.

أية دولة ؟ لأية تنمية ؟ ..
أكثير من الدولة أم قليل منها ؟ .. إن الاختلاف بين الليبراليين والاشتراكيين الديمقراطيين لم يتوقف بعد عن إسالة المداد ، والاستعجال يتمثل في التفكير في نموذج آخر للتنمية بغاية وضع حد لإقصاء عدد أكبر من أفراد المجتمع . .

إغناسي ساك

بقلم : إغناسي ساك*

عــن : ألتيرناتيف إيكونوميك ، عدد اسثنائي ، رقم35 .
ينتهي القرن في خضم فضيحة تنمية أخلفت وعدها. لقد عرف الإنتاج العالمي، محمولا على ظهر مدٍّ قوي من التجديدات التكنولوجية منذ نصف قرن، نموّا أعلى من تزايد السكان، والمستوى الذي بلغه هذا التطور من شأنه أن يسمح، بيسر أكبر، بضمان شروط وظروف حياة معقولة لكل ساكن من سكان الأرض إذا كانت ظروف الاقتسام وشروطه عادلة. إلاّ أن التطور، عكس ذلك مع الأسف، يتم في إطار اللاعدل وبواسطته.
لقد قُدِّر أن حوالي مليار من ساكنة الأرض تعيش في بحبوحة عيش لا سابق لها، وأن مليارا آخر من البشر غارق في دوامة من الفقر والعنف يجد الأغنياء صعوبة في تصورها أو حتى تخيلها، الباقون؛ أي قرابة 4 مليارات من البشر يعيشون في مستوى أدنى من عتبة الفقر. لكن إذا ما استمرت هوة في فصل الشمال عن الجنوب، الدول الغنية عن الدول الفقيرة، فإن خط القسمة بين الشمال والجنوب يخترق كل المجتمعات: فهناك شمال في الجنوب ــ الأقلية الغنية تعيش في بحبوحة هوليوودية ــ، لكن أيضا، وأكثر فأكثر، هناك جنوب في الشمال: يتمثل في مقصيينا، عاطلينا، وفقراؤنا الجدد يعدون بالملايين؛ فالنظام لم يعد أبدا في حاجة إليهم.
في سنة 1945 كتب السيد ج.س. كومارايا ، أحد مريدي غاندي قائلا : “ يجب أن يتمثل منهج عملنا في توزيع الثروات عبر سيرورة إنتاج الثروة . وإذا لم تتم مصاحبة التوزيع للإنتاج أو لم يتذخلا معا بشكل متآن، فإنهما يقودان غالبا نحو تراكم الغنى في جهة، وتراكم الفقر والعوز في جهة أخرى. ” ثم يضيف: “ لا يمكن أن يقاس غنى دولة ما بعدد المليونيرات في هذه الدولة “ (1).
ومنذ ذلك الحين لم يتم التفوه بكلمات أفضل من هذه الكلمات. يجب أن نجعل من توزيع المداخيل وفرص الشغل نقاط العبور إلى استراتيجية للتنمية أحرى من أن نعتبرها نواتج سيرورة متمحورة حول تعاظم التطور والأرباح. لقد كان السيد هورست ماهلر، المدير العام السابق للمنظمة العالمية للصحة ( OMS )، على حق في احتجاجه على إعطاء الأولوية للشأن الاقتصادي والجري المحموم واللامضبوط وراء الربح بدون إيلاء أية أهمية للكلفة الإنسانية لذلك: ” إذا ما قيّمتم النجاح على قاعدة الاقتصاد الخالصة والصلبة وحدها، فعليكم إذن أن تقتلوا الشيوخ والضعاف والعجزة . تخلصوا من الباتولوجيا الاجتماعية بإعدام ضحاياها !. “
إن التصحيح الملائم ، بعد فوات الأوان ، عن طريق إعادة التوزيع لجزء من المداخيل ، وهو الضروري للأخذ بيد بقايا الحساب ، لن يكون كافيا لإعادة التوازن للنـسق . لا يتعلق الأمر هنا بنفي دور و لا أهمية شبكات الضمان الاجتماعي. ومع ذلك، فمهما طال زمن عدم تصحيح إعادة التوزيع الأولي المضمن بنمط الإنتاج، فإن مساعدة المقصيين المتكاثر عددهم عبر الزمن ن لن تشكل إلا عملا سيزيفيا حقيقيا. إن المفارقة الاشتراكية الديمقراطية لم تشتغل حقيقة بصورة مقنعة إلا ضمن ظروف نمو سريع وتشغيل تام، بيد أن هذه الظروف لم تعد كافية أبدا، وهناك من الحظوظ أقلها بأن تستقيم الوضعية في مستقبل منظور، اللهم إلا إذا تم انخراط كلي في البحث عن سبل وصيغ جديدة للتنمية.
إننا نشهد استهلاكا وإنهاكا للنماذج التي اشتغلت خلال نصف قرن، وليس مؤكدا مطلقا أن اقتصاد السوق في صيغته الليبرالية الجديدة سيحل المشاكل. ويكفي أن ننظر إلى ما حولنا لكي نتأكد من أن طاغوت الأسواق لا يمكنه إلا أن يفاقم السيرورات الحالية للتنمية المشوهة ويعمقها. بمباعدتنا بين الطرفين؛ أي اقتصاد الطلب الذي اعتاش، واقتصاد السوق الخالصة الذي ليس إلا طوباوية بالمعنى الحرفي للكلمة، يتوجب علينا التفكير بسرعة واستعجال في مختلف الصيغ الممكنة للتنظيم الديمقراطي للاقتصادات المختلطة التي لا زالت وحدها هي الممكنة كيفما كانت الأحوال.
إن هذه الأنظمة تتجسد من خلال مختلف التوليفات بين العمومي والخاص، الدولة والمقاولات والقطاع الثالث للمجتمع المدني المنتظم حول أهداف وغايات المصلحة العمومية. وكما قال عن حق السيد إريك هويسباون: “ كيفما كان من الممكن أن يكون التوازن المرغوب فيه في ما بين العمومي والخاص، في ما بين الدولة والمجتمع المدني، في ما بين الحكومة والسوق، فلا أحد يمكنه الارتياب جديا في وجوب التأليف في ما بينها “ (2).
تختلط التنمية بتوسيع فضاء الديمقراطية
لا يتعلق الأمر يقينا بالمنافحة عن نزعة دولتية مبالغ فيها وفاسدة غالبا تجد ترجمتها في الواقع بخوصصة الدولة الموضوعة في خدمة المصالح الخصوصية. لكن يتوجب في نفس الآن اطراح الفكرة التبسيطية المتمثلة في أن الإصلاح يمر بكل بساطة عبر أقل ما يمكن من تدخل الدولة، إن لم عبر تفكيكها ومحوها كما يريد الليبراليون الجدد الأعلى موقعا. نحن في حاجة أكثر من أي وقت مضى لدولة مُنمِّيةٍ تسعى نحو الهدف المزدوج المتمثل في التشغيل التام والتوزيع العادل للثروات في إطار احترام كلي للإكراهات الإيكولوجية، ولذلك تتوجب بلورة استراتيجية للتنمية مؤسسة على قاعدة برنامج وطني منحوث ديمقراطيا.
يجب أن تبدو هذه الدولة في نفس الآن قادرة على فرض ضبط فعال للأسواق وتأمين إنتاج الخدمات العمومية في أحسن الظروف، هذه الخدمات الممولة من قبل ضريبة تم إصلاح نظامها ( أي موزعة بعدل، لكنها غير مقلصة إلى الحدود القصوى التي يعشقها الليبراليون الجدد ). وبسيرنا في الطريق، لا يجب أن نخطئ الهدف: فليس عن طريق خوصصة المقاولات العمومية ( التي يتوجب تقييم فائدتها المؤسسة حالة بحالة ) يمكننا أن نتوصل إلى إخراج الدولة من حالة الخوصصة.
إن الصراع ضد نزعة التملك الجديدة ليس مفصولا عن دمقرطة الأنظمة السياسية. يجب أن يقاوم النزوع السلطوي المستحث من طرف النمو القوي لبعض الدول ذات الأنظمة الضد ـ ديمقراطية. إن الديمقراطية قيمة أساسية على ضوء التجارب التراجيدية للأنظمة التوتاليتارية التي أغرقت قرننا هذا في الدماء. وأكثر من ذلك، ففي قلب مفهوم التنمية ذاته يمكننا أن نُعبِّر بحدود التملك الفعلي لكل حقوق الإنسان من طرف جميع الناس: حقوق سياسية، مدنية، ولكنها أيضا اقتصادية، اجتماعية وثقافية. بتحديدنا لها هكذا، فإن التنمية تختلط وتتداخل مع توسيع فضاء الديمقراطية.
يجب في هذا السياق فحص تمفصل السلط في ما بين مختلف المستويات: ( المستوىالوطني، الجهوي، والمحلي). فما هي رهانات وحدود اللامركزية ؟ .. أي شكل مشخص يمكن أن يتخده الانتقال للسلطة أو الإمساك بها من طرف القاعدة ؟ .. كيف يمكن للدولة أن تعيد التوازن للفوارق في الغنى في ما بين الجهات ؟ .. إن مآل كل الحلول التبسيطية هو الاطراح. إن الطوباوية الفوضوية الجديدة لفكرة إقامة كونفدرالية بين الجماعات المحلية ممركزة ذاتيا ليس لها من معنى في عالم مكوناته أكثر فأكثر تعالقا في ما بينها. كما أن مفهوم الإعانة مشوب بغموض واضح: فمن يقرر بخصوص ما يمثل الوقف على المستوى المحلي ؟ ..
وبكل بداهة، فإن العلاقات في ما بين مختلف مستويات السلطة تتطلب إعادة التفاوض حول العقود الاجتماعية. إن المستقبل ملك لتسيير تعاقدي ومتفاوض بشأنه للموارد ومجموع المصالح العمومية، وعلى شراكة جديدة في ما بين كبريات المجموعات الثلاث للفاعلين الاجتماعيين المشار إليهم آنفا: السلطات العمومية، المقاولات، المجتمع المدني المنظم. لنلح مرة أخرى على مركزية وتركيز الديمقراطية.
إعادة التفكير في النظام العالمي
لا زال دور الدولة أقوى دلالة عند تقاطع الفضاء الوطني مع الفضاء العابر للأوطان. وبخلاف الكتابات الحديثة نستمر في العيش ( لحسن الحظ ) في عالم من الدول الوطنية مكلفة بحماية مصالح مواطنيها. وكلما خضع الاقتصاد العالمي للتصرفات غير المحمودة للمقاولات العابرة للأوطان والفاعلين في الأسواق المالية الذين يفلتون من أي ضبط أو مراقبة، كلما تعاظمت مسؤوليات الدول: حيث تصبح مطالبة بأن تتصدى للمهمة المزدوجة المتمثلة في إخماد التأثيرات السلبية للعولمة واغتنام الفرص التي توفرها. إن الاستراتيجية الدفاعية تطرح المشاكل الأكثر تعقدا وتُجبر على إعادة التفكير في الأدوات والوسائل التي لا زالت متوفرة بالنظر للالتزامات المأخوذة على المستوى العالمي لصالح التحرير.
وبالموازاة مع ذلك تجب إعادة التفكير في النظام العالمي المُرجِّح بشكل متعاظم لكفة مؤسسات بريتون وودز ( البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ) وكذا المنظمة العالمية للتجارة على حساب نظام الأمم المتحدة. هذا الأخير، وبدون أن نصنع بخصوص فعاليته الحالية مزيدا من الأوهام، يحتاج إلى تدعيم وتعضيد وإعادة توجيهه نحو مهامه الجوهرية المتمثلة في الحفاظ على السلم وإنعاش التنمية. يجب أن يُؤوّل فشل المفاوضات المجراة في الماضي بغاية إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد كما لو أنه حث على البحث عن حلول جديدة لمشاكل تحتدُّ وتتعقد أكثر فأكثر: وهي تتمثل في غياب تنظيم فعال للأسواق المالية وأسواق المواد الأولية والإنقاص المتنامي الفضيحة للمساعدة العالمية لصالح الدول الأضعف تنمية، وغياب تمويل أوتوماتيكي لنظام الأمم المتحدة، على سبيل المثال لا الحصر. .
إننا كلما أفلحنا في تنظيم الاقتصاد العالمي وفي خلق ميكانيزمات للتعاون في ما بين الدول المُنمِّية، كلما كانت مهمتها أيسر بداخل كل دولة على حدة. وكما كان يجب أن نتوقع، فإن المسائل المتعلقة بدور الدولة في مجال التنمية قد تمت ملامستها ومباشرتها في كل مؤتمرات الأمم المتحدة بدون أن تجد هذه المسائل أبدا المكانة المركزية التي تستحقها. وبعد فشل ثلاثة عقود من التنمية، فإن الأمم المتحدة اختارت مقاربات قطاعية، أكيدٌ أنها أقل طموحا ولكنها أقل قابلية للجدال. إن ضعف منطوق مركزي في حضن المنظمة العالمية من أجل التفكير في التنمية في كليتها يتعارض مع الاتساع المحصل عليه من طرف الوكالات والبرامج القطاعية.
أهي حكمة، أم رعب، انتهازية ومحاصرة من قبل الراهنين والأقوياء ؟ .. إن الوقت قد حان لمجابهة إشكاليات الخروج من التنمية المغلوطة أو الرثة . والمؤتمر الذي تعدُّه La Cnuced(3) لسنة 2000 يمكنه أن يوفر فرصة ذلك بشرط إجراء تعبئة أقوى وأعظم للجان الجهوية وفتح فضاء أوسع وأرحب أمام مشاركة تنظيمات المواطنين.
===========================
هوامـــــش :
(1) حسب بعض التقديرات فإن 600 ملياردير تم إحصاؤهم في العالم ينعمون بمداخيل مساوية لمداخيل نصف الناس الأكثر فقرا ، أي ما يقارب 3 مليار من الأشخاص.
(2) و. ج. هوبسباون : ” مستقبل الدولة ” ، تنمية وتبادل ، يوليوز 1996 .

*إغناسي ساك ، عضو دائرة كوندورسيه بباريس .

الاقتصاد والحركة الاجتماعية

الباحثون ، علم الاقتصاد والحركة الاجتماعية

  • بيير بورديو
  • من كتابه : نقيض نار ( مطفأة الحريق )[نصوص للمساهمة في مناهضة المد النيوليبرالي]

بيير بورديو

لقد كانت حركة ديسمبر 1995 الاجتماعية حركة غير مسبوقة بفعل مداها وأهدافها الخاصة . وإذا كانت قد اعتبرت جد هامة من قبل جزء كبير من الساكنة الفرنسية والساكنة العالمية أيضا فلأنها على الخصوص اعتمدت أهدافا جديدة كليا في مجال الصراعات الاجتماعية . بارتباك وغموض ، وبخصوص نمط المخطط الإجمالي فقد جاءت بمشروع مجتمعي حقيقي مصادق عليه جماعيا وقادر على مجابهة المشروع المجتمعي المفروض من طرف السياسة المهيمنة ومن طرف الثوريين المحافظين الذين هم حاليا في السلطة، وبداخل المؤسسات السياسية ومؤسسات إنتاج الخطاب .وبتساؤلي عن ما يمكن للباحثين أن يضيفوه لمبادرة شبيهة بالحالات العامة اقتنعت بضرورة حضورهم المكتشف للبعد الثقافي والإيديولوجي الخالص لهذه الثورة المحافظة . وإذا كانت حركة ديسمبر حركة موافقا عليها بالأغلبية الساحقة بشكل جد واسع؛ فذلك لأنها بدت كدفاع عن المكتسبات الاجتماعية لا لفئة اجتماعية خاصة ـ حتى ولو كانت فئة اجتماعية خاصة هي عود ثقاب هذه الحركة لأنها مست بشكل خاص أكثر من غيرها ـ وإنما لمجتمع بأكمله ، بل حتى لعدد من المجتمعات : وتتعلق هذه المكتسبات بالشغل ، بالتعليم والنقل العموميين ، وبكل ما هو عمومي ، ومن ثمة فهي تتعلق بالدولة ؛ هذه المؤسسة التي ليست بالضرورة ـ بعكس ما يراد لنا أن نعتقد ـ بدائية ورجعية . وإذا كانت هذه الحركة قد ظهرت بفرنسا ، فإن ذلك ليس وليد الصدفة ؛ فهناك أسباب تاريخية ، لكن ما يمكن أن يثير الملاحظين هو أنها تتواصل بصيغة تناوبية ؛ بفرنسا بصيغ مختلفة وغير متوقعة ـ حركة السائقين ، فمن كان ينتظر وقوعها بهذا الشكل ؟ .. ـ وأيضا بأوربا ؛ بإسبانيا حاليا ؛ باليونان منذ بضعة سنوات ؛ بألمانيا حيث استلهمت الحركة من الحركة الفرنسية وأعلنت بشكل صريح عن صلتها بها ؛ بكوريا ـ وهو ما يعتبر أيضا جد هام لأسباب رمزية وعملية . إن هذا الضرب من الصراع التناوبي هو في ما يبدو لي في بحث عن وحدته النظرية والعملية خاصة، ويمكن أن تعتبر الحركة الفرنسية طليعة صراع عالمي ضد الليبرالية الجديدة وضد الثورة المحافظة الجديدة التي يتخذ البعد الرمزي ضمنها أهمية كبيرة جدا . إلا أنني أعتقد أن إحدى نقط ضعف الحركات التقدمية يتمثل في كونها قللت من شأن هذا البعد، ولم تنحث دائما أسلحة ملائمة لمقاومته ومصارعته . إن الحركات الاجتماعية متخلفة عن العديد من الثورات الرمزية بالمقارنة مع خصومها الذين يعتمدون مستشارين في الاتصال ومستشارين في التلفزة .. الخ . تعلن الثورة المحافظة أنها ليبرالية جديدة، مضفية على ذاتها الهالة العلمية والقدرة على العمل بوصفها نظرية، وإحدى الأخطاء النظرية والعملية لكثير من النظريات ـ ابتداء بالنظرية الماركسية ـ تمثلت في نسيان الأخذ بعين الاعتبار لفعالية النظرية ، وليس من حقنا نحن أن نرتكب هذا الخطأ . إننا في مواجهة خصوم مسلحين بنظريات؛ ويتعلق الأمر في ما يبدو لي بمقارعتهم بأسلحة فكرية وثقافية ، ولممارسة هذا الصراع ، وبفعل تقسيم الشغل ، فإن البعض من الناس مسلح بشكل أفضل من الآخرين ؛ وذلك لأن تلك مهنتهم، وعدد معين من بينهم مستعد للانهماك في العمل ، فبماذا يمكنهم أن يساهموا ؟ .. أولا بسلطة معينة . فماذا سمي الأشخاص الذين ساندوا حكومة ديسمبر ؟ .. لقد سموا خبراء ، في حين لم تكن تلك بالنسبة لهم كلهم ربع بداية البداية لاقتصادي ما . يجب أن يواجه تأثير السلطة هذا بتأثير سلطة أخرى للسلطة، لكن هذا ليس كل شيء ؛ فقوة السلطة العلمية الممارسة على الحركة الاجتماعية ، وحتى أعماق ضمائر العمال قوة كبيرة جدا؛ إنها تحدث شكلا من أشكال تثبيط العزائم، وأحد أسباب قوتها يتمثل في أنها تمارس من طرف أناس يبدو عليهم أنهم على وفاق في ما بينهم ـ فالتوافق هو بشكل عام علامة على الحقيقة، ولأنها أيضا تستند وتتكئ على الأدوات التي يمتلكها اليوم هذا الفكر، والتي يبدو ظاهريا أنها الأعتى قوة، أي على الرياضيات بشكل خاص . إن دور ما نسميه الإيديولوجيا المهيمنة هو دور قائم اليوم عن طريق استخدام معين للرياضيات ( وتلك مبالغة فيها إفراط ، ولكنها طريقة لإثارة الانتباه لمسألة أن فعل العقلنة ـ أي مسألة تقديم أسباب لتبرير أشياء لا تقبل التبرير غالبا ـ وجد اليوم في علم الاقتصاد الرياضي أداة جد قوية ). ومن الأهمية بمكان معارضة هذه الإيديولوجيا التي تلبس فكرا محافظا خالصا رداء العقل الخالص بأسباب وحجج وتفنيذات وبراهين؛ أي بممارسة العمل العلمي . إحدى نقاط قوة الفكر الليبرالي الجديد تتمثل في كونه يفرض ذاته باعتباره ضربا من ” سلسلة الوجود الكبيرة ” كما كان الحال في الاستعارات الثيولوجية القديمة التي نجد الله في أحد طرفيها، ثم نمضي بعد ذلك حتى نبلغ الحقائق الأكثر تواضعا عبر سلسلة من الحلقات. وفي سديم الليبرالية الجديدة ومكان الله في أعلى عليين هناك رياضي، وفي الأسفل هناك إيديولوجي للفكر لا يعرف الشيء الكثير عن الاقتصاد، ولكنه يستطيع أن يوهم الناس بأنه يعرف منه القليل بفضل بعض التلميع القاموسي التقني. ولهذه السلسلة القوية جدا تأثير سلطوي . هناك شكوك حتى في أوساط المناضلين الذين ينتجون من جانب عن القوة، القوة الاجتماعية أساسا، وعن النظرية التي تضفي السلطة على كلام السيد تريشي أو السيد تيتماير رئيس البونديسبانك، أو لهذا أو ذاك من كتاب المقالات . إن هذه ليست سلسلة من البراهين ، وإنما هي سلسلة من السلطات ذاهبة من الرياضي إلى البنكي ، ومن البنكي إلى الفيلسوف ـ الصحافي، ومن كاتب المقالات إلى الصحافي . إنها أيضا قناة يتحرك فيها المال وكل أنواع الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية، الدعوات العالمية والاعتبار والتبجيل. نستطيع نحن السوسيولوجيين، وبدون أن نمارس التشهير، أن نقوم بتفكيك هذه الشبكات وبيان كيف أن دوران الأفكار هو مسنود بدوران السلطة؛ فهناك الأشخاص الذين يبادلون خدمات إيديولوجية مقابل مواقع بالسلطة. يتوجب أن نقدم الأمثلة، ولكن يكفينا أن نقرأ باهتمام لائحة الموقعين على ” عريضة الخبراء ” الذائعة الصيت. وما هو مهم بالفعل هو أن روابط مستترة في ما بين الأشخاص الذين يعملون عادة بشكل مستقل ـ حتى ولو كنا نراهم في الغالب يظهرون مثنى مثنى في مناظرات مغلوطة بالتلفزة ـ وفي ما بين معاهد وجمعيات ومجلات ..الخ يماط عنها اللثام من خلالها في واضحة النهار.هؤلاء الناس يستعملون جماعيا، وعلى قاعدة موضة التوافق، خطابا قدريا يتمثل في تحويل النزوعات الاقتصادية إلى قدر، بيد أن القوانين الاجتماعية والقوانين الاقتصادية ..الخ، لا تشتغل إلا على المستوى الذي ندعها تؤثر فيه. وإذا كان المحافظون من جانب دعه يعمل ، فذلك لأن هذه القوانين النزاعة تحافظ، وهي في حاجة لدعه يعمل من أجل أن تحافظ. إن قوانين الأسواق المالية خاصة، تلك التي يحدثوننا عنها باستمرار، هي قوانين للمحافظة في حاجة لدعه يعمل من أجل أن تنجز. يتوجب أن نبلور ونحاج ونعبر عن دقائق أفكارنا، وألتمس العذر عن الجانب التبسيطيي لما أتيت على قوله. وأما ما يتعلق بالحركة الاجتماعية، فبإمكانها أن تكتفي بالوجود؛ فهي بذلك تخلق ما يكفي من المتاعب، ولن نطالبها زيادة على ذلك بتقديم المبررات . أما بخصوص المثقفين الذين ينضمون للحركة الاجتماعية، فإننا نسألهم على الفور: ” لكن ما ذا تقترحون ؟ .. ” ونحن لسنا في حاجة للسقوط في فخ البرنامج، فهناك ما يكفي من الأحزاب والأجهزة من أجل ذلك، وما نستطيع عمله هو أن نخلق لا برنامجا مضادا، وإنما هيئة وترتيبا للبحث الجماعي في ما بين الأنظمة وعالميا يضم باحثين ومناضلين وممثلين للمناضلين .. الخ ، وكذا الباحثين بالنظر لدورهم المحدد : فهم يستطيعون المشاركة بصورة فعالة بشكل خاص في فرق عمل وتفكير، وذلك لأن تلك مهنتهم، بشراكة مع أفراد هم داخل الحركة . وذاك ما يستثني في الحال عددا معينا من الأدوار : فالباحثون ليسوا رفاق الطريق؛ أي الأسرى والضامنين، الآنية الخزفية الصينية والأعذار الذين يوقعون العرائض والذين نتخلص منهم حالما ننتهي من استخدامهم؛ إنهم ليسوا أيضا جدانوفيين يأتون لكي يمارسوا بداخل الحركات الاجتماعية السلطات ذات المظهر الفكري التي لا يستطيعون ممارستها بداخل الحياة الفكرية؛ وهم ليسوا حتى خبراء مضادين للخبراء، وليسوا أيضا أنبياء سيجيبون على كل الأسئلة بخصوص الحركة الاجتماعية وبخصوص مستقبلها. إنهم الأشخاص الذين يستطيعون المساعدة على تحديد وظيفة هيئات مثل هذه ، أو التذكير بأن الأشخاص الذين هم هنا ليسوا حاضرين هنا بوصفهم ناطقين باسم جهات يمثلونها، وإنما بوصفهم مواطنين جاءوا إلى فضاء للمناقشة والبحث وهم يحملون أفكارا وحججا، تاركين بمستودع الملابس لغات الخشب والسقوف المسطحة وعادات الجهاز، وذلك ليس بالهين ولا باليسير دائما. ومن بين عادات الجهاز التي يتهددنا خطر عودتها من جديد هناك تكوين اللجان واقتراحات التركيبات المعدة سلفا في الغالب ..الخ . إن السوسيولوجيا تعلمنا كيف تشتغل الفرق وكيف نستفيد من القوانين التي تشتغل وفقها الفرق من أجل محاولة إبطال هذه القوانين. يجب أن نبتكر صيغا جديدة للتواصل في ما بين الباحثين والمناضلين، أي تقسيما جديدا للعمل في ما بينهم . وإحدى المهام التي يستطيع الباحثون إنجازها أفضل من أي شخص آخر ربما تتمثل في مقاومة المَطرقة الإعلامية ؛ إننا نسمع طيلة النهار جملا معدة بعناية وإتقان، ولم نعد نستطيع فتح المذياع دون أن نسمع من يتحدث عن ” القرية الكونية ” وعن ” العولمة ” ..الخ ، إنها كلمات لا شكل لها ، ولكنها كلمات تمر عبرها فلسفة ونظرة للعالم بأكملها تفرز النزعة القدرية والتركيع. إننا يمكننا أن نناهض هذه المطرقة الإعلامية من خلال انتقاد الكلمات ومن خلال مساعدة غير المختصين على التزود بأسلحة خاصة للمقاومة، وذلك من أجل مقاومة التأثير السلطوي لسلطان التلفزيون الذي يلعب بشكل مطلق دورا مركزيا؛ فلا يمكننا أن نخوض اليوم صراعات اجتماعية دون التوفر على برامج صراع نوعية مع وضد التلفزيون، وأحيل على كتاب باتريك شامباني ” صنع الرأي ” الذي يجب أن يكون نوعا من كتاب المصارع السياسي المختصر (1). إن المعركة في هذا الصراع ضد المثقفين الإعلاميين معركة هامة. ومن جهتي ، فإن هؤلاء الأشخاص لا يذهبون النوم عن عيني و لا أفكر فيهم مطلقا عندما أكتب ، لكن لهم من زاوية النظر السياسية دورا في غاية الأهمية ، والمأمول أن تقبل شريحة من الباحثين اقتطاع جزء من وقتها ومن طاقتها وتخصيصه للبحث في الطريقة النضالية الكفيلة بمناهضة تأثيرهم .هدف آخر ؛ ويتمثل في ابتكار صيغ جديدة للفعل الرمزي؛ وأعتقد بخصوص هذه النقطة أن الحركات الاجتماعية ، مع بعض الاستثناءات التاريخية ، هي حركات متأخرة . إن باتريك شامباني يعرض في كتابه كيف يمكن لبعض أشكال التعبئة الكبرى أن لا تظفر على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة إلا بأماكن أقل من أماكن مظاهرات ضئيلة الحجم ولكنها منظمة بشكل يجعلها تثير اهتمام الصحافيين. و لا يتعلق الأمر بطبيعة الحال بمصارعة الصحافيين الرازحين بدورهم تحت ضغط إكراهات الهشاشة ، مع كل تأثيرات الرقابة التي تفرزها هذه الهشاشة على مستوى كل مهن الإنتاج الثقافي. لكن من الأساسي أن نعرف أن جزءا كبيرا مما يمكننا قوله أو عمله ستتم غربلته ، أي في الغالب إبطاله من خلال ما سيقوله عنه الصحافيون ، بما فيه ما سنفعله هنا ، وهذه ملاحظة لن يعيدوا إنتاجها في تقاريرهم … ولكي أنهي كلامي أقول بأن إحدى المشاكل تتمثل في أن تكون تأمليا ـ وهذه كلمة ثقيلة ولكنها لم تستعمل مجانيا ؛ فأمامنا كهدف لا فقط ابتكار صيغة جديدة لتنظيم فعل الاحتجاج والمنازعة وتنظيمهما ، وصيغ جديدة للفعل النضالي . وما يمكننا أن نحلم به نحن الباحثين هو إمكان أن يكون جزء من أبحاثنا نافعا للحركة الاجتماعية بدل أن يضيع كما هو الحال اليوم في الغالب ، وذلك لأنه ملتقط ومشوه من طرف صحافيين أو مؤولين معادين ..الخ . إننا نتمنى في إطار فرق مثل فرقة ” بواعث التحرك Raisons d’agir ” ابتكار صيغ تعبير جديدة تمكن من إيصال مكتسبات البحث الأكثر تقدما للمناضلين ، لكن هذا يفترض من جانب الباحثين تغييرا للغة ولحال الفكر . وحتى نعود للحركة الاجتماعية أعتقد كما قلت ذلك منذ قليل أننا بصدد حركات دوارة للصراع ـ كان بإمكاني أيضا ذكر إضرابات الطلبة والأساتذة ببلجيكا ، والإضرابات بإيطاليا ..الخ ـ ضد إمبريالية الليبرالية الجديدة ؛ صراعات لا يعرف بعضها البعض الآخر في الغالب الأعم ( والتي يمكن أن تتخذ صيغا ليست مسالمة دائما كبعض صيغ الأصولية ) . يجب إذن على الأقل توحيد الإعلام العالمي والعمل على نشره وإيصاله . يجب إعادة ابتكار النزعة الأممية التي تم التقاطها وتحويل مسارها من طرف الإمبريالية السوفياتية ؛ أي ابتكار صيغ التفكير النظري وصيغ الفعل العملي القادرة على التموقع في المستوى الذي يمكن أن تحدث فيه المعركة . وإذا كان صحيحا أن أغلب القوى الاقتصادية المهيمنة تتحرك على المستوى العالمي وعبر الأوطان ، فصحيح أيضا أن هناك مكانا فارغا وهو مكان الصراعات العابرة للأوطان ، مكان فارغ نظريا وذلك لأنه غير مفكر فيه ، وهو غير مشغول عمليا لغياب تنظيم عالمي حقيقي للقوى القادرة على مناهضة الثورة المحافظة الجديدة ، على المستوى الأوربي على الأقل.

باريس ، نونبر 1996.

======================================

(1ب. شامباني ، ” صنع الرأي ” ، باريس ، منشورات مينوي ، 1993.

تشريح التخلف

وليام أرثور لويس

تشريح التخلف

لقد جددت مقاربة أرثور لويس للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية نظرية التنمية بحثا عن توازن في ما بين السوق والتدخل العمومي.
  • بقلم : جيل دو ستالر
  • عن : ألتيرناتيف إيكونوميك عدد 254.
  • آرثور لويس

    عندما ولد أرثور لويس سنة 1915 كانت الجزيرة الصغيرة القديسة لوسي في جزر الأنتيل مستعمرة بريطانية ، وقد حصلت على استقلالها سنة 1979 . أما جزيرة بارباد التي توفي بها لويس فقد حصلت على استقلالها سنة 1966 . إن ساكنة هاتين الجزيرتين ، كأغلبية جزر الأنتيل ، ينحدرون في غالبيتهم العظمى من العبيد الذين شكلوا موضوع تجارة ثلاثية في ما بين بلدان أوربا وإفريقيا وجزر الأنتيل . وقد تم إلغاء العبودية بإنجلترا سنة 1833 ، غير أن المستعمرات البريطانية لم تتحول مع ذلك إلى حدائق وردية بالنسبة للسود.

  • لقد كان أرثور لويس تلميذا نابغة ، وقد غادر المدرسة عندما كان سنه 14 سنة للعمل في الإدارة العمومية ، وذلك لأنه كان متقدما على أقرانه ، كما أن سنه لم يكن يسمح له بدخول الجامعة . وعندما حصل سنة 1932 على منحة لمتابعة دراسته بإنجلترا ، تمنى أن يصير مهندسا ، لكن المناصب المخصصة لهذا التخصص كانت مغلقة ومحرمة على السود ، سواء في القطاع العمومي أو الخصوصي ، وهذا ما دفعه لدراسة التجارةقبل أن يتحول لدراسة الاقتصاد .
  • .لقد عرف لويس نفسه بكونه مناهضا للإمبريالية واشتراكيا ديمقراطيا ، وهو يتذكر اجتماعا للجمعية المحلية ماركوس كارفي كان أبوه قد اصطحبه إليه عندما كان سنه 7 سنوات . وعندما حل لويس بلندن انهمك في دراسة الممارسات الاستعمارية لبريطانيا العظمى وخالط المجتمع القانوني ، مهد مثقفي الحزب العمالي ، ونشر أولى كتبه تحت يافطة الحزب . إن لويس وهو طالب ثم أستاذ بمدرسة لندن للاقتصاد ، والتي كان يدير بها شعبة الاقتصاد حينذاك فريديريك هايك ، لم يكن يشاطر إيديولوجية دعه يعمل المهيمنة إذ ذاك تعاليمها
  • إن مناهضته للإمبريالية ، كما كتب لويس، هي التي قادته إلى الانكباب على مسألة التنمية ، بعد أن قام بجولة في دروب الاقتصاد الصناعي والتاريخ الاقتصادي ، وهو ما أدى به دون شك إلى توزيع وقته ما بين التدريس والبحث من جهة ، وعمله كمستشار وإداري من جهة أخرى . إن لويس لم يتوقف بالفعل عن الطواف بالبلدان المسماة حينذاك بلدان العالم الثالث مشيرا وناصحا لحكوماتها ولمسيري المؤسسات المالية بها في إطار عمله بمنظمة الأمم المتحدة ، إلى جانب اهتمام أساسي وكبير لديه يتمثل في التساؤل عن كيف يمكن تفسير ومحو الفوارق في التنمية والفقر الناجم عنها، وذاك يظل ، بطبيعة الحال ، أحد المشاكل الكبرى التي تواجه الإنسانية وتعمل جاهدة على حلها .
التخلف والاقتصاد المزدوج
  • لقد طفق لويس مبكرا ، عندما كان تلميذا بالسلك الأول ، يطرح التساؤلات حول التطور المقارن لأسعار المنتجات الصناعية وأسعار المنتجات الفلاحية المصدرة من قبل البلدان المتخلفة ؛ فالتقلبات الهامة وغير المتوقعة لأسعار منتجات التصدير في جزيرته الأصلية على سبيل المثال ، كانت تمنع تدبير الاقتصاد من خلال محاولة بلوغ استقرار معين. وقد اقتنع حينها أن النظرية التقليدية للأسعار ، تلك المؤسسة على التحليل الهامشي للعرض والطلب ، لا تسعف فتيلا في فهم تلك الظواهر . كما أن نموذج هيكشير وهلين ، أي الصيغة الحديثة لنظرية المزايا المقارنة لدى ريكاردو ، لا تمكن من تفسير المبادلات الاقتصادية الدولية بصورة مرضية وشافية للغليل.
  • وخلال تجواله ذات يوم من أيام شهر غشت سنة 1952 في شوارع بانكوك ، جاءه الحدس الذي سيجعله يكتب وينشر سنة 1954 أحد النصوص المذكورة أكثر من غيرها في النصف الثاني من القرن العشرين ، فلفهم طريقة اشتغال الاقتصادات المنعوتة بالتخلف، لا بد من التخلي عن الفرضية النيو كلاسيكية القائلة بأن كمية العمل ثابتة ، والعودة إلى التقليد الكلاسيكي من سميث إلى ماركس ، والذي بفضله يكون عرض الشغل بأجر الكفاف عرضا لا متناهيا و لا حدود له . ومن ثمة فإن النمو الاقتصادي يتأتى من تراكم للرأسمال المحدد من قبل توزيع المداخيل : ” إن الأنظمة الكلاسيكية تحدد بذلك في نفس الآن توزيع ونمو المداخيل ، أما الأسعار المتعلقة بالبضائع ، فتشكل مسألة أقل أهمية “.
  • إن بلدان العالم الثالث موسومة بثنائية تجعلها موزعة في ما بين قطاع رأسمالي حضري مصنع ، وقطاع للكفاف تقليدي وفلاحي بالأساس ، لكننا نجده أيضا في الأنشطة الحضرية غير المهيكلة. إن الإنتاجية في هذا الأخير جد متواضعة ، كما هو شأن مستوى المعيشة ، والنمو الديمغرافي به جد مرتفع ، كما هو شأن التشغيل الناقص والبطالة ، والعمال هم نقطة الالتقاء في ما بين هذين القطاعين الإثنين . إن القطاع الرأسمالي يتوفر بالفعل على عرض للعمل غير محدود بأجر ثابت للكفاف ، وهذا يؤمن له أرباحا يؤدي إعادة توظيفها واستثمارها إلى معدلات مرتفعة من النمو ، وهذا هو ما يفسر النمو الذي عرفته إنجلترا في نهاية القرن 18 وأواسط القرن 19 ، وهو النمو الذي من المنتظر أن تعرفه ، حسب لويس ، البلدان المصنعة الجديدة انطلاقا من الستينيات.
  • .إن تحليلا مماثلا ينطبق على تطور حدود المبادلات في ما بين المنتجات المانيفاكتورية المصدرة من قبل البلدان الغنية والمنتجات الفلاحية المصدرة من قبل البلدان الفقيرة؛ فصادرات هذه الأخيرة لا تشكل إلا نسبة ضعيفة ، أقل من 20 % من إنتاج فلاحي ذي إنتاجية جد ضعيفة . إن العرض اللامحدود للمنتجات المدارية يجعل من تأثير الطلب على الأسعار تأثيرا ضئيلا ، وبذلك فإن حدود المبادلات تتطور لصالح البلدان المصنعة
التنمية والتخطيط
  • لقد جدد كتاب لويس المخصص سنة 1955 لنظرية التنمية هذا المبحث ، وأطلق العنان لعدد من المناقشات والاختلافات في وجهات النظر مماثل لما أحدثه كتاب سنة 1954 ، عنوان الكتاب ” نظرية النمو الاقتصادي ” هو عنوان مخادع ما دام الأمر لا يتعلق بدراسة نماذج مجردة ورياضية من النمو تم تطويرها حينذاك سواء من قبل اقتصاديي ما قبل كينز أو النيو كلاسيكيين . إن لويس مقتنع بأن حل المشاكل الاقتصادية يقيم في تغير المؤسسات أكثر مما يقيم في  تغير الأسعار ، وعلى كل حال ، فليس تحرير التجارة الدولية هو ما سيشكل محركا لنمو البلدان المتخلفة . إن جزءا من الحل يقيم في التخطيط ، وهو الموضوع الذي نشر حوله لويس أحد كتبه في سنة 1949 ، والذي سيعود لموضوعه سنة 1966 ، كما يقيم في البحث عن توازن عادل في ما بين السوق ونشاط السلطات العمومية.
  • إن الاقتصاد لا يحتل كل اهتمام وتفكير لويس ؛ فالبعد السياسي يلعب دورا أساسيا ومحوريا . إن الأنظمة السلطوية والديكتاتورية المنتشرة بالعالم الثالث تشكل عائقا آخر في وجه التنمية ، وعلى التربية والتعليم ، اللذين خصص لهما لويس العديد من كتاباته مع شغله في نفس الآن لوظائف تدبير أكاديمية هامة ، أن يلعبا أيضا دورا أساسيا ومحوريا. هنا ينتقد أيضا تحليل وتقييم التربية والتعليم بحدود الكلفة والسعر والاستثمار والمردودية المالية ؛ إذ لا يجب أن تتكيف التربية وتتلاءم مع السوق ؛ فهي على العكس من ذلك أحد أقوى وسائل تغيير المجتمع ، والتفكير في التربية ينهض من الفلسفة أكثر مما ينهض من الاقتصاد .
  • إن مقاربة لويس للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية تتموقع خارج التيار المهيمن في الاقتصاد حاليا ، ولقد كانت ملهمة لعدد من الكتاب من أمثال أمارتي سن التي طورت نموذجا للاقتصاد المزدوج ، أو ألبير هيرشمان الذي استعار منه حججا لصالح سياسة للتصنيع والنزعة الحمائية . وقد تم تطبيق تحليله بحدود النزعة الثنائية أو نزعة الازدواجية في سوق الشغل بالبلدان المتقدمة من طرف بيتر دورينجر وميشال بيور على سبيل المثال.

سراب تغريب العالم

ليست التنمية التي يتم تقديمها غالبا كما لو كانت الحل الأمثل لكل مشاكل الجنوب إلا الوجه الآخر لتغريب العالم . وسواء كانت هذه التنمية ” مستديمة ” أو ” قابلة للدوام ” أو ” داخلية ” ، فإنها تندرج دائما ، وبصورة عنيفة نسبيا ، في إطار منطق التدمير المرتبط بالتراكم الرأسمالي ؛ إنها تعني الفوارق وتدمير البيئة والثقافات ، في حين أن بالإمكان تصور حلول أخرى تأخذ بعين الاعتبار تنوع المجتمعات واختلافها ، حلول تتأسس على تجارب اقتصادية غير تجارية تمت ممارستها هنا أو هنالك في أصقاع العالم المختلفة .
سراب تغريب العالم
عن : لوموند ديبلوماتيك ، عدد ماي 2001
الخلاص النهائي مما يسمى التنمية
تشبه ” التنمية ” إلى حد بعيد نجمة ميتة لا زلنا نرى بريقها حتى وإن انطفأت منذ مدة طويلة جدا وإلى الأبد
جيلبير ريست (1)

سيرج لاتوش

لقد مضت ثلاثون سنة على ميلاد أمل جديد ، أمل بالنسبة لشعوب

العالم الثالث هو بنفس عظمة الأمل الذي شكلته الاشتراكية بالنسبة لبروليتاريي البلدان الغربية ، أمل هو مشكوك فيه ربما بشكل كبير بالنظر لأصوله وأسسه ، ما دام الإنسان الأبيض قد حمله معه قبل أن يغادر البلدان التي سبق له أن استعمرها بعنف . غير أن المسؤولين والحكام والنخب بالبلدان الحديثة العهد بالاستقلال قدموا لشعوبهم هذه التنمية في الأخير كما لو أنها الحل الأمثل لكل مشاكلها .

لقد ركبت الدول الفتية صهوة المغامرة بشكل غير محكم ربما ، لكنها مع ذلك حاولت ، وفي الغالب بعنف ومجهود يائسـين . وقد كان المشروع ” التنموي ” هو المشروعية الوحيدة المعلن عنها لدى النخب التي هي في السلطة . أكيد أننا نستطيع أن نماحك إلى ما لا نهاية لمعرفة ما إذا كانت أو لم تكن الظروف الموضوعية لنجاح المغامرة الحداثية متوفرة بعد ، وبدون أن نفتح هذا الملف الضخم ، فإن كل شخص سيعترف بأن هذه الشروط لم تكن أبدا مواتية لا لتنمية قائمة على التخطيط و لا لتنمية ليبرالية .
لقد كانت سلطات الدول الجديدة المستقلة حديثا واقعة في براثن تناقضات لا حل لها ؛ فلم تكن قادرة لا على إشعال شرارة التنمية و لا على بنائها ، ومن ثمة لم تكن قادرة لا على رفض التبني أو الإنجاح لعملية تبييئ كل ما يسهم في التحديث : التعليم ـ الطب ـ العدالة ـ الإدارة ـ التقنية . إن ” الفرامل ” و ” العوائق ” و ” حالات الحصر ” من كل لون ، وهي المعشوقة لدى الاقتصاديين ، جعلت نجاح المشروع الذي يستلزم الانخراط في المنافسة العالمية في عصر ” العولمة الأعظم ” نجاحا لا يتمتع إلا بقليل من المصداقية .
إن التنمية القابلة نظريا لإعادة الإنتاج ليست كونية و لا تقبل أن تكون كذلك ، وذلك أولا لأسباب إيكولوجية : إذ أن محدودية الكرة الأرضية تجعل تعميم نمط الحياة الأمريكي مستحيلا ومتفجرا .
ومفهوم التنمية ذاته واقع في إحراج أو برهان ذو حدين : فهو إما يشير إلى كل شيء ونقيضه ، وبالأخص مجموع التجارب التاريخية للدينامية الثقافية في تاريخ الإنسانية ، للتجارب التاريخية من إمبراطورية الصين إلى إمبراطورية الأنكا ، وإذ ذاك لن يكون هناك أي معنى مجد لإنعاش وتنشيط سياسة ما ، بل يتطلب الأمر التخلص منها ، وإما أن لها محتوى خاصا ، وهي تحدد إذ ذاك بالضرورة ما تحوزه مما هو مشترك مع التجربة الغربية لـ ” إقلاع ” الاقتصاد كما تم وضعها منذ الثورة الصناعية بإنجلترا ما بين 1750 و 1800 ، وفي هذه الحالة ، فكيفما كان النعت الذي نلصقه بها فإن محتواها الضمني أو الصريح يتمثل في التنمية الاقتصادية وتراكم رأس المال مع كل التأثيرات الإيجابية والسلبية التي عرفناها ونعرفها .
غير أن هذه النواة الصلبة ، والتي هي قاسم مشترك بين حالات التنمية المختلفة وهذه التجربة هي مرتبطة بـ ” قيم ” تتمثل في التقدم والكونية والسيطرة على الطبيعة ، وكذا العقلانية الكمية . هذه القيم ، وبالأخص منها قيمة التقدم ، لا تتطابق أبدا مع طموحات كونية عميقة . إن هذه القيم مرتبطة بتاريخ الغرب وليس لها إلا صدى خافت في المجتمعات الأخرى (2) : فالمجتمعات الإحيائية على سبيل المثال لا تشاطر الغرب معتقد السيطرة على الطبيعة ؛ ففكرة التنمية هي فكرة مفرغة تماما من المعنى ، والممارسات المرتبطة بها هي ممارسات يستحيل بشكل صارم التفكير فيها ووضعها موضع التنفيذ لأنها مما هو محرم و ما لا يمكن التفكير فيه (3) . إن هذه القيم الغربية بالضبط هي ما يجب أن يوضع موضع تساؤل من أجل إيجاد حل لمشاكل العالم المعاصر وتحاشي الكوارث التي يقودنا الاقتصاد العالمي نحوها .
لقد كانت التنمية الحركة الأبوية الكبرى ( ” البلدان الغنية تضمن مآل ومصير البلدان الأقل تقدما ” ) التي غطت تقريبا فترة ” الثلاثينيات الظافرة ” (1975 – 1945 ) . لقد اقترنا بالتعدية وكل هذا انتهى إلى الإفلاس ، ودليل ذلك هو أن المساعدة المحددة في %1 من الناتج الداخلي الخام PIB لبلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) إبان العشرية الأولى للتنمية لدى الأمم المتحدة سنة 1960 ، والتي تم تخفيضها إلى %0,70 سنة 1992 بريو ، وسنة 1995 بكوبنهاغن لم تصل إلى حدود %0,25 سنة 2000 !(4) . وكدليل آخر أيضا هو كون معظم معاهد الدراسات أو مراكز الأبحاث أغلقت أبوابها أو هي في حالة احتضار.
إن أزمة النظرية الاقتصادية للتنمية المعلن عنها سنة 1980 هي في لحظاتها الأخيرة : فنحن في حضرة تصفية حقيقية ! إذ لم تعد التنمية تثير أحدا في المحافل العالمية ” الجادة ” : صندوق النقد الدولي FMI والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة OMC . . . الخ ، بل لم تتم حتى الإشارة إلى هذا ” الشأن ” في ملتقى دافوس الأخير . كما أنها مسألة لا تتم المطالبة بها في الجنوب إلا من قبل بعض ضحاياها وأتباعها المخلصين: أي المنظمات غير الحكومية ONG التي تتعيش منها (5) ، كما أن الجيل الجديد من ” المنظمات غير الحكومية بدون حدود ” محور أيضا ” تجارة الصدقة ” بشكل كبير حول الشأن الإنساني والتدخل العاجل أكثر مما محورها حول الانطلاقة الاقتصادية .
وزيادة على ذلك فقد كانت التنمية ضحية إفلاسها الذي لا يقبل الجدل بالجنوب بشكل أقل من نجاحها بالشمال . إن هذا ” الانسحاب ” المفهومي ( التصوري ) يتطابق مع التحويل الناجم عن ” العولمة ” وما يعتمل خلف هذا الشعار المخادع . لقد كان المنتظر أن تنتهي تنمية الاقتصادات الوطنية ، وبشكل أوتوماتيكي تقريبا ، بجعل الاقتصادات عابرة للأوطان وبجعل الأسواق شمولية.
لا يوجد في اقتصاد معولم أي مكان لنظرية خاصة بالجنوب ؛ فكل مناطق وجهات العالم هي منذ اليوم ” نامية ” (6) ، ومقابل عالم واحد هناك فكر واحد وأوحد ، كما أن رهان التغيير ليس سوى اختفاء ما يمنح أسطورة التنمية بعض التماسك ، ألا وهو Trickle down effect أي ظاهرة الانعكاسات الإيجابية على الجميع .
استعمار المخيالات
لقد ضمن توزيع ثمار النمو الاقتصادي بالشمال ( من خلال التوافق الكينزي ـ الفوردي ) ، بل وحتى فتاته بالجنوب ، تماسكا وطنيا معينا ، إلا أن الشعارات الثلاث ( التحرير ـ الانفتاح ـ التعامل المباشر بدون وسيط ) أطاحت بالإطار الدولتي للتقنينات ممكنة بذلك لعبة الفوارق والتفاوتات من أن تتوسع بدون حدود . وقد بلغ تقاطب الثروة في ما بين الجهات وما بين الأفراد قمما غير مسبوقة . وإذا كانت الثروة على مستوى البسيطة ، حسب التقرير الأخير لبرنامج الأمم المتحدة حول التنمية قد تضاعفت ست مرات منذ سنة 1950 ، فإن العائد المتوسط لسكان 100 بلد من 174 بلد محصي هو في تراجع كلي كما هو شأن معدل أمل الحياة . إن الأشخاص الثلاثة الأكثر غنى في العالم يحوزون ثروة أكبر من الناتج الداخلي الخام لـ 48 بلدا من البلدان الأفقر في العالم ! وتتجاوز ممتلكات 15 شخصا من الأشخاص الأكثر غنى الناتج الداخلي الخام لكل بلدان إفريقيا ما وراء الصحراء . وأخيرا فإن ما يحوزه 48 شخصا من الأغنياء يتجاوز الناتج الداخلي الخام للصين بسكانها البالغ عددهم 1,2 مليار نسمة .
في هذه الأوضاع لم يعد هناك مكان للحديث عن التنمية وإنما فقط عن التقويم الهيكلي . وبخصوص البعد الاجتماعي يتم بشكل واسع استدعاء ما سماه بيرنار هورس بظرف زائد ” الإسعاف العالمي ” الذي تشكل المنظمات غير الحكومية الإنسانية ، وكذا المتدخلون في حالات الطوارئ أداته الأساسية (7) . وفضلا عن ذلك فإذا كانت ” الصيغ ” والتعابير تتبدل بشكل كبير ( وليست وحدها التي تتبدل ) ، فإن مخيالا بأكمله يظل هناك ملازما لمكانه . وإذا لم تكن التنمية غير استمرار للاستعمار بطرق ووسائل أخرى ، فإن العولمة الجديدة بدورها ليست إلا استمرارا للتنمية بطرق ووسائل أخرى ، والدولة تنمحي وتتوارى خلف السوق . إن الدول / الأمم الشمالية التي سبق لها أن كانت حذرة حذرا شديدا من انتقال المؤشر من الاستعمار إلى الاستقلال تختفي من الواجهة لتحل محلها ديكتاتورية الأسواق ( التي سبق لهاته الدول أن نظمتها وشيدتها …) مع أداتها التدبيرية المتمثلة في صندوق النقد الدولي FMI الذي يفرض على البلدان المتخلفة برامج التقويم الهيكلي . إننا نعثر دائما على تلازم بين تغريب العالم واستعمار المخيال عن طريق التقدم والعلم والتقنية . ولقد تم دفع إضفاء طابع الاقتصاد والتقنية إلى حدوده القصوى . لقد ساهم النقد النظري والفلسفي الجذري الذي مارسته بشجاعة جماعة صغيرة من المثقفين المهمشين ( كورنيليوس كاستورياديس ـ إيفان إيليتش ـ فرانسوا بورتان ـ جيلبير ريست على الخصوص ) في الانزلاق البلاغي ، لكن هذا الانزلاق لم ينته إلى إعادة النظر في قيم وممارسات الحداثة .
وإذا لم تعد البلاغة الخالصة للتنمية والتطبيق المرتبط بـ ” الخيرتوقراطية ” الإرادوية تغري أحدا ، فإن مركب الاعتقادات الإيسكاتولوجية ( الخاصة بعلم الآخرة )في ازدهار مادي ممكن بالنسبة للجميع هو مركب يمكن أن نعرفه بأنه ” نزعة تنموية ” يظل على حاله بدون مساس .
إن إفلات التنمية من موتها يتمظهر على الأخص عبر الانتقادات التي شكلت موضوعا وهدفا لها ، ومحاولة لتلافي تأثيراتها السلبية فقد تم الدخول بالفعل في عصر التنميات ( بالمفرد ) ” à particule  “(8) ؛ فقد شهدنا تنميات ” متمركزة حول ذاتها ” ” داخلية ” ، ” مساهمة ” ” جماعية ” ” مندمجة ” ” أصيلة ” ” مستقلة ذاتيا وشعبية ” ” عادلة ” ، دون الحديث عن التنمية المحلية والميكرو ـ تنمية والتنمية الداخلية ، بل وحتى التنمية الإثنية ! وبذلك قاد ذوو النزعة الإنسانية طموحات الضحايا ووجهوها . وتظل التنمية المستديمة أكبر نجاح لفن التشبيب والتلميع هذا لما تقادم وعلاه الصدأ ؛ لقد شكلت فبركة مفاهيمية استهدفت تغيير الكلمات في غياب تغيير الأشياء ، إنها بشاعة لفظية بفعل تناقضها المخادع ، وبذلك فإن ” المستدام ” هو ما مكن المفهوم من أن يعمر ويضمن البقاء على قيد الحياة .
في كل هذه المحاولات من أجل تحديد تنمية ” أخرى ” أو تنمية ” بديلة ” يتعلق الأمر بمداواة ” مرض ” لحق التنمية بشكل عرضي لا بشكل خلقي ، وكل من تجرأ على مهاجمة هذه النزعة التنموية ستقلب عليه حجته بدعوى أنه أخطأ الهدف ولن تقبل إلا بالنسبة لبعض أشكال التنمية الفاسدة ” التنمية المعوجة ” . لكن هذا القول الصاد المصنوع بالمناسبة ليس سوى خرافة ضالة ، فالشر في مخيال الحداثة بالفعل ليس بإمكانه أن يحقق التنمية لسبب وجيه وهو أن التنمية هي التجسيد الفعلي للخير . إن التنمية ” السليمة ” ، ولو أنها لم تتحقق في أي مكان ، هي عبارة عن حشو في الكلام ، وذلك لأن التنمية بالتعريف تعني نموا ” سليما ” ، وذلك أيضا لأن النمو هو بدوره عبارة عن خير ، و لا يمكن لأي قوة من قوى الشر أن تعلو عليه . إن غزارة الحجج ذاتها بخصوص خاصيته النافعة هي ما يكشف ويفضح بشكل جيد احتيال المفهوم المحصن أو إحدى جزيئاته (مكوناته ).
إنه من الواضح أن ” التنمية القائمة فعلا ” ـ بنفس الشكل الذي نتحدث به عن ” الاشتراكية الواقعية ” ـ أي تلك التي هيمنت على البسيطة منذ قرنين من الزمن ، هي ما يخلق المشاكل الاجتماعية والبيئية الحالية : إقصاء ، كثافة سكانية ، فقر ، تلوث بمختلف الأشكال . . . الخ ؛ فالنزعة التنموية تعبر عن المنطق الاقتصادي بكل صرامته ، و لا يوجد مكان في إطار هذا النموذج لاحترام الطبيعة المطالب به من قبل الإيكولوجيين ، و لا لاحترام الكائن الإنساني المطالب به من قبل ذوي النزعة الإنسانية .
إن التنمية القائمة فعلا تبدو إذن في حقيقتها هي والتنمية ” البديلة ” كخداع ومخاتلة . ومن خلال إلصاق هذا النعت بها ، فإن الأمر لا يتعلق حقيقة بإعادة النظر في التراكم الرأسمالي ، بل يتم التفكير على أكبر تقدير في أن إضافة بعد اجتماعي وبعد إيكولوجي للنمو الاقتصادي كما أمكن إضافة بعد ثقافي إليه في السابق . ومن خلال الانكباب على العواقب الاجتماعية ، كالفقر ومستوى المعيشة والحاجات الأساسية ، أو على الأضرار اللاحقة بالبيئة ، فإنه يتم تحاشي المقاربات holistes أو الشمولية لتحليل لدينامية البسيطة ، لآلة تقنو ـ اقتصادية أعظم تشتغل من خلال المنافسة المعممة بدون رحمة ، وهي منذ الآن بدون وجه .
ومنذ ذاك ، فإن النقاش بخصوص لفظة التنمية يتخذ كامل أبعاده ؛ فباسم التنمية ” البديلة ” يتم أحيانا اقتراح مشاريع أصيلة وجد متنوعة مناهضة للنزعة الإنتاجية وللرأسمالية ، مشاريع تستهدف إزالة آفات ” التخلف ” وتجاوزات ” التنمية المعوجة ” ، أو بكل بساطة تصفية العواقب المدمرة للعولمة . إن مشاريع هذا المجتمع المرجو لم تعد لها أية علاقة مع التنمية إلا ” عصر الوفرة لدى المجتمعات البدائية ” أو النجاحات الإنسانية والجمالية القيمة لدى بعض المجتمعات ما قبل الصناعية التي تجهل كل شيء عن التنمية (9) .
الإسم الآخر للحرب الاقتصادية
لقد عشنا هذه التجربة بكل أبعادها في فرنسا ذاتها ، أي تجربة التنمية ” البديلة ” ؛ وقد تمثلت في تحديث الفلاحة في ما بين السنوات 1945 و 1980 كما تمت برمجته من قبل التقنوقراطيين ذوي النزعة الإنسانية وتم تنفيذه من قبل المنظمات غير الحكومية المسيحية التي هي متوأمة مع المنظمات غير الحكومية التي تجتاح بلدان العالم الثالث (10) . لقد شهدنا عمليات المكننة والتركيز والتصنيع بالبوادي ، وكذا إثقال كاهل الفلاحين بالديون والاستخدام الكلي للمبيدات والأسمدة الكيميائية وتعميم التغذية الواطئة . . .
وسواء أردنا أم لم نرد فلم يكن بإمكان التنمية أن تكون مختلفة ومغايرة لما كانته ولما هي إياه : أي عملية تغريب العالم . إن الكلمات منغرسة في التاريخ ، إنها مرتبطة بتمثلات تنفلت في الغالب من قبضة الوعي لدى مستخدميها لكنها مسيطرة على عواطفنا . هناك كلمات لطيفة ، كلمات تبعث على السعادة ، وهناك كلمات جارحة ، هناك كلمات تجعل شعبا بأكمله في حالة هياج وتربك العالم ، ثم هنالك كلمات سامة ، كلما ت تتسرب إلى الدم كمخدر فتفسد الرغبة وتشوش على ملكة الحكم ، وكلمة التنمية هي من هذه الكلمات السامة . إن بالإمكان بكل تأكيد أن نعلن منذ اليوم بأن ” التنمية السليمة تتمثل أولا وقبل كل شيء في إغناء ما صنعه الآباء ، أي أن تكون لك جذور (11) ” أي تعريف كلمة بنقيضها . لقد كانت التنمية دائما وستكون ، وهي أولا وقبل كل شيء عبارة عن عملية اجتثاث للجذور ، فقد أحدثت في كل مكان تعميقا للتبعية والخضوع للغير على حساب الاستقلال الذاتي للمجتمعات .
هل يجب أن ننتظر أربعين سنة أخرى حتى ننتبه إلى أن التنمية هي التنمية القائمة فعلا ؟ ..فليس هناك شيء آخر غيرها . والتنمية القائمة فعلا هي الحرب الاقتصادية ( مع المنتصرين فيها بطبيعة الحال ، لكن وبشكل أكبر مع المنهزمين فيها أيضا ) ، هي الاستنزاف بدون حدود للطبيعة ، هي تغريب العالم وجعل الكرة الأرضية على نمط واحد ، وهي أخيرا تدمير كل الثقافات المغايرة .
وهذا هو السبب في أن ” التنمية المستديمة“، أي هذا التناقض في العبارات ، هي في نفس الآن مرعبة وباعثة على اليأس وفقدان الأمل ! فقد كان بإمكاننا على الأقل مع التنمية غير المحتملة أن يكون لدينا أمل بأن يكون لهذه السيرورة القاتلة نهاية ، وأن تكون ضحية لتناقضاتها ولكبواتها ولطبيعتها التي لا تحتمل بفعل استنزاف الموارد الطبيعية . . .
بذلك يمكننا أن نفكر ونعمل من أجل ما بعد التنمية ، وأن نصنع ما بعد حداثة يتسمان بالقبول . وعلى الأخص إعادة الاعتبار للشأن الاجتماعي والسياسي في علاقات التبادل الاقتصادي ، إعادة تحديد هدف المصلحة العامة والحياة الكريمة في التجارة الاجتماعية ، وذلك لأن ” التنمية المستديمة ” تحرمنا من أي أفق للخروج منها ، لأنها تعدنا بالتنمية إلــى الأبد .
لا يمكن للبديل أن يتخذ صيغة نموذج أوحد ؛ فما بعد التنمية هو بالضرورة تعددي ؛ فالأمر يتعلق بالبحث عن أنماط وضروب للازدهار الجماعي لن تعطى فيها الأولوية لازدهار مادي مدمر للبيئة وللحمة الاجتماعية . إن هدف العيش الكريم يتخذ صورا وصيغا متعددة بحسب السياقات .
وبعبارات أخرى فإن الأمر يتعلق بإعادة بناء ثقافات جديدة ، ويمكن أن نسمي هذا الهدف بالعمران ( الازدهار ) كما هو الحال لدى ابن خلدون أو swadeshi – sarvodaya ( تحسين الظروف الاجتماعية للجميع ) كما هو الحال لدى غاندي ، أو bamtaare ( أن نكون معا في أحسن حال ) كما هو الحال لدى التوكولور . . . المهم هو أن يعني ذلك القطيعة مع آلة التدمير التي تدوم وتستمر تحت اسم التنمية أو إسم العولمة . و لا يمكن أن يتعلق الأمر لدى المقصيين والمنكوبين جراء التنمية إلا بنوع من التركيب في ما بين التقاليد المفتقدة والحداثة العصية على الاختراق . إن هذه الإبداعات الأصيلة التي يمكن أن نقف هنا أو هنالك على بدايات لها ولعملية إنجازها تشرع أبواب الأمل في تنمية يمكن أن نعتبرها ما بعد التنمية.
—————————————————————————–
1)جيلبير ريست ، ” التنمية ، تاريخ معتقد غربي ” صحافة العلوم السياسية ، باريس ، 1996 ، ص : 377 .
(2 إقرأ جان مارك إيلا ، ” مسارات النهضة الإفريقية ” مانيار دو فوار رقم 51 ، إفريقيا الناهضة ، ماي ـ يونيه 2000 .
(3أنظر بخصوص هذا الموضوع على الأخص جيلبير ريست ، نفس المرجع السابق .
(4 إقرأ جان بيير كوت ” التعاون الفرنسي في حالة فشل ” ، لوموند ديبلوماتيك ، يناير 2001 .
(5 ” لقد انتهت كلمة التنمية ، كما قال برتراند كابدوش في خاتمة كتابه (المسيحيون بالعالم الثالث) [كارتالا ، باريس 1990 ص : 255 ] بفقدان جاذبيتها بفعل العديد من التجارب الفاشلة ، غير أنها تظل التعبير الوحيد المتقاسم من طرف كل البشر للتعبير عن آمالهم ” .
(6لقد كان على الاقتصاد الاجتماعي للتنمية أن يحل منذ ذلك الحين محل علم الاقتصاد العادي ، غير أن العكس هو الذي حدث ، على الرغم من بعض الاهتزازات في هذا الاتجاه.
(7 بيرنار هورس ، ” الإيديولوجيا الإنسانوية أو حفل الغيرية المفقود ” ، هارماتان ، باريس ، 1998 .
(8 حسب تعبير مارك بونسولي ، ” يوتوبيا ما بعد ـ عالم ثالثية ” هارماتان ، باريس ، 1994 .
(9ليس لكلمة التنمية في عديد من البلدان الإفريقية أي مقابل في اللغة المحلية ، وذلك للغياب الكبير للمخيال الذي يؤسس هذه المسألة .
(10 إقرأ باول غورنيغ ، ” رحلة إلى قلب FNSEA ” لوموند ديبلوماتيك ، يناير 2001 .
(11 أليدو ساوادوغو ، مذكور من قبل بيير براديرفاند ، “ Une Afrique en marche ” ، بلون ، باريس ، 1989 ، ص : 109 .

ميادين تأثير الفلسفة الماركسية

نظرية الإمبريالية ، فلسفة التاريخ ، الفرويدية الماركسية ، سوسيولوجيا الطبقات ، الشغل ، الدولة ، … الخ . لقد مارست الماركسية خلال القرن الـ 20 تأثيرا عميقا على حقل العلوم الإنسانية بأكمله.
  • في السياسة

1920-1900انطلاق الأممية الثانية (1914-1889) التي انتشر في حضنها تيار اشتراكي – ديمقراطي ” تحريفي ” (ك. كاوتسكي ، و. برنشتاين ) وتيار بولشفيكي (حوالي1903 ) . وستعرف الماركسية على الخصوص انتشارا وتوسعا بوسط أوربا وشرقها.
  • في الفلسفة

1950-1920˜ماركسية فلسفية
الفيلسوف الهنغاري الشاب جيورجي لوكاش (1971-1885) ينشر “ التاريخ والوعي الطبقي“(1923) ، وفيه يطور نظرية الاستلاب ، وكارل كورش ينشر ” الماركسية والفلسفة“(1923) .
المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1937-1891)المسجون من قبل نظام موسوليني ما بين 1934-1926 يكتب ” دفاتر السجن “ التي نجد بها خاصة نزعة إنسانية ماركسية متحررة من نزعة اقتصادية ضيقة وكذا نظرية المثقف والثقافة .
  • في علم النفس

˜ الفرويدية الماركسية
وليم رايش (1975-1897) كتب “ وظيفة الذروة الجنسية “ (1927) وأسس مركز الجنس ببرلين سنة 1930 (جمعية من أجل سياسة جنسية بروليتارية )
  • في علم الاجتماع

˜1960-1925
سوسيولوجيا المعرفة والثقافة
كارل مانهايم (1947-1893)يقرر في “ الإيديولوجيا واليوتوبيا ” أن الإيديولوجيا هي دائما تعبير عن مصالح وعن وجهة نظر جماعة اجتماعية ، والمثقف “ الذي هو بدون روابط اجتماعية ” يستطيع مع ذلك تحقيق نوع معين من الموضوعية . وقد حلل مانهايم بعد ذلك مبينا كيف أن اليوتوبيات الاجتماعية ظهرت خلال التاريخ بعلاقة مع جماعات اجتماعية معطاة.
فلاسفة آخرون طبقوا الماركسية في تحليل الأعمال الأدبية : ج. لوكاش ؛ ل. جولدمان ؛ ت. أدورنو ؛ ديلا فولبي ؛ إ. بلوخ .
˜1915-1910نظرية الإمبريالية.
سيؤدي تطور الرأسمالية بالمستعمرات وعافيتها بالبلدان الغربية وتجابه القوى الكبرى الماركسيين في بداية القرن إلى إقامة نظرية للإمبريالية : روزا لوكسمبورغ (1919-1871) ”تراكم رأس المال “ 1911 ؛ ر. هيلفيردينغ (1941-1877) ” رأس المال المالي “ 1910 ؛ لينين (1923-1870) ” الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية “ 1916 .
  • في التاريخ

˜1905-1895
فلسفة التاريخ .
لقد اهتم كل المثقفين الماركسيين الأوائل بنظرية المادية التاريخية : من الإيطاليين أنطونيو لابريولا (1904-1843) ” محاولات حول التصور المادي للتاريخ “ (1902) و بينيديتو كروشي “ المادية التاريخية والاقتصاد الماركسي “ (1901) ؛ ج. بليخانوف “ حول التطور الواحدي للتاريخ “ (1895) و “ دور الفرد في التاريخ “ (1898) ؛ ف. ميهرينغ (1919-1848) ” عن المادية التاريخية “ (1893).
1945-1920الثورة الروسية ، انطلاق الأممية الشيوعية الثالثة (1943-1919) . فشل الثورة الألمانية (1923) ، الستالينية ، تصفية المثقفين الروس وظهور ” كتاب مقدس “. إنشاء الأحزاب الشيوعية في بلدان العالم الثالث ؛ بآسيا (الصين ، الهند ـ الصينية ، أمريكا اللاتينية …) . المثقفون الأوربيون يكتشفون الماركسية (بداية رابطة مالرو الثقافية ، أ. جيد ، أراغون ونيزان …).
1970-1920˜مدرسة فرانكفورت
تيار الفكر هذا سيولد بألمانيا من طرف فلاسفة كماكس هوركهايمر (1973-1895) ، ثيودور أدورنو (1969-1903) ، والتر بنجمان (1940-1892) ، هربرت ماركوز(1978-1898) ، إريك فروم (1980-1900) ، ثم بعد مدة طويلة يورجن هابرماس (المزداد سنة 1929 )وهو الوريث المركزي لهذه المدرسة .
وقد اقترح هذا التيار “ نظرية نقدية ” تريد أن تكشف خلف وهم العقل الكوني الخطاب المهيمن لفعالية ولخبرة وإيديولوجيا مستلبة . إن العقل الحديث سيخفي بالفعل مصالح التكنوقراط والرأسماليةوالبيروقراطية التوتاليتارية .
ه. ماركوز (1979-1898) ينشر سنة 1963 ” إيروس والحضارة ” .
˜1975-1955
سوسيولوجيا الطبقات ، الشغل ، الدولة
لقد وسمت بشكل خاص سوسيولوجيا الطبقات الاجتماعية : ر. داهرندروف “ الطبقات وصراع الطبقات في المجتمع الصناعي “ (1975) حاول توسيع مفهوم الطبقات .
·وقد عبرت سوسيولوجيا الطبقات عن ذاتها بفرنسا في أعمال ب. بورديو “ الورثة ” و نيكوس بولانتزاس “ الطبقات الاجتماعية في رأسمالية اليوم “ (1974) .
·تأثير آخر في سوسيولوجيا الشغل ، ج. فريدمان و ب. نافيل نشرا معا “ موسوعة سوسيولوجيا الشغل “ (1962) ؛ هاري برافمان “ الشغل والرأسمالية الاحتكارية “ (1974) .
·السوسيولوجيا النقدية للحداثة والحياة اليومية : ه. لوفيفر (1991-1901) ” مدخل للحداثة “ 1962 ؛ أ. جيدنس “ الرأسمالية والنظرية الاجتماعية الحديثة ” 1971
  • في الاقتصاد

˜ 1970-1950 الرأسمالية الجديدة
نمو اقتصاد البلدان المصنعة والتشغيل التام سيجبران الماركسيين على التفكير في وجود مرحلة جديدة من الرأسماليـــة .
الاقتصادي البلجيكي إ. ماندل نشر “ رأسمالية العصر الثالث ” (1972) قبل أن يتساءل عن الموجات الطويلة للرأسمالية .
بالولايات المتحدة ب. باران (1964-1910) و ب. سويزي يتفرغان للتفكير في هذه الحقبة “ الاحتكارية ” الجديدة . بول بارانينشر“ الاقتصاد السياسي للنمو ” (1957) ومعبول م. سويزي “ الرأسمالية الاحتكارية ، محاولة حول المجتمع الصناعي الأمريكي ” (1966) . بفرنسا سيطور بعض الاقتصاديين (ب. بوكارا ؛ ب. هيرزوغ ) في حضن الحزب الشيوعي أطروحة مشابهة لأطروحة رأسمالية الدولة الاحتكارية (CME) التي ستحقق مجدها في السبعينيات.
˜ إسطوغرافيا الثورة الفرنسية
لقد اتسمت بتيار ماركسي ويعقوبي مثله ج. مارتينيز (1932-1874) ؛ ج. لوفيفر (1959-1874) ؛ أ. سوبول (1982-1914) ، وفي ما بعد لحق تأثير الماركسية بمدرسة الحولياتف. بروديل ؛ ج. دوبي … ).
1965-1945العالم منقسم إلى كتلتين :رأسمالية وشيوعية . الفكر الماركسي يتجمد في المذهب الستاليني الدوغماطيقي ، وفي نفس الآن ينخرط جيل من المثقفين في صفوف الشيوعية (وخاصة بفرنسا وإيطاليا) . الإشعاع الفكري للماركسية يصبح أثقل وزنا : وتلك حقبة رفاق الطريق الوجوديين (سارتر ، ميرلوبونتي) . لكن مع المحاكمات الستالينية (1948 ثم 1965 ) وموجة محو آثار الستالينية سينفصل بعض المثقفين عن الماركسية ، مثلا بفرنسا تم إنشاء مجلة (حجج Arguments ) ( ب. نافيل ، دوفينيون ، إ. موران)
˜1960-1945 ماركسية وجودية ؟ ..
ولو أنهم لم يكونوا في أي وقت من الأوقات ماركسيين فإن ج.ب. سارتر و ميرلو بونتي هم “ رفاق طريق ” باشرا حوارا نقديا مع الماركسية التي اعتبرت “ فكر عصرنا الذي لا يقبل التجاوز ” (سارتر ) ، ميرلو بونتي ، ” مغامرات الديالكتيك ” (1955) ، وسارتر “ نقد العقل الجدلي (1960).
˜ علم نفس النمو
ل. فيكوتسكي (1934-1896) يباشر مع ر. لوريا “ إعادة التفكير في النظريات السيكولوجية على أساس القواعد الماركسية ” . في “ التفكير واللغة ” أقام نظرية علم نفس ـ ثقافية للحياة النفسية حيث يتعلم الطفل من خلال علاقاته بالوسط الاجتماعي .
  • في الأنثروبولوجيا

1975-1965. تشكل تيار أنثروبولوجي ماركسي بفرنسا حول م. جودوليي (أفق ، مسارات ماركسية بالأنثروبولوجيا 1973ك. ماياسو ؛ و. تيراي ؛ ب.ب.ري.
˜1970-1960نظرية التخلف
مدرسة التبعية : وهي ليست تيارا موحدا ولو أنها ذات استلهام ماركسي اللهم إلا عبر فكرة تحليل التخلف باستخدام ألفاظ مثل الاستغلال ، التبعية …. أندريه غوندر فرانك ؛ سمير أمين ؛ سيلزو فورتادو ؛ أ. إيمانويل ، ” التبادل اللامتكافئ ” (1969) .

بورتو أليغري

ببورتو أليغري ، في هذه المدينة القديمة بجنوب البرازيل ، انعقد ما بين 25 و 30 يناير 2001 الملتقى العالمي الأول لا من أجل الانعقاد كما حدث بسياتل وواشنطن وبراغ وغيرها ضد كل أشكال الظلم والفوارق والكوارث التي تتسبب فيها ضروب الإفراط في الليبرالية الجديدة ، وإنما لمحاولة اقتراح إطار نظري وعملي جديد يمكن من تصور عولمة من نوع مغاير ، والتأكيد على أن عالما آخر أكثر إنسانية وأكثر تضامنا هو مسألة ممكنة .

بورتو أليغري

  • بقلم : إغناسيو راموني
  • لوموند ديبلوماتيك ـ عدد يناير 2002

بورتو أليغري

يبتدئ القرن الجديد ببورتو أليغري، حيث سيجتمع بالفعل كل أولئك الذين ينازعون في العولمة النيوليبرالية أو ينتقدونها بطريقة أو بأخرى ، وذلك ما بين 25 و 30 يناير 2001 . وفي هذه المدينة القديمة بجنوب البرازيل حيث سينعقد الملتقى العالمي الأول، لا من أجل الانعقاد كما وقع بسياتل  وواشنطن وبراغ وغيرها ضد كل أشكال الظلم والفوارق والكوارث التي تتسبب فيها ضروب الإفراط في الليبرالية الجديدة تقريبا في كل مكان من العالم ، وإنما وانطلاقا من روح إيجابية وبناءة هذه المرة ، لمحاولة اقتراح إطار نظري وعملي جديد يمكن من تصور عولمة من نوع مغاير، والتأكيد على أن عالما آخر أكثر إنسانية وأكثر تضامنا هو مسألة ممكنة.

إن هذا الضرب من الأممية الثورية ينعقد ببورتو أليغري، في الوقت ذاته الذي ينعقد فيه بدافوس ( سويسرا ) الملتقى الاقتصادي العالمي الذي يضم منذ عشرات السنين أسياد العالم الجدد ، وعلى الخصوص كل أولئك الذين يقودون العولمة بشكل ملموس ، تلك العولمة التي لم يعودوا يكتمون تخوفاتهم اتجاهها ، وقد أخذوا ينظرون إلى احتجاجات المواطنين بشأنها بالجدية اللازمة ، تلك الاحتجاجات التي أخذت من سياتل إلى نيس تنعقد بشكل منتظم إبان كل قمة من قمم كبريات المؤسسات التي تقود العالم بالفعل : المنظمة العالمية للتجارة OMC ، صندوق النقد الدولي FMI ، البنك العالمي BM ، منظمة التنمية والتعاون الاقتصاديينOCDE ، مجموعة السبعة G7 .

لقد سبق لأحداث سياتل في السنة الأخيرة أن زعزعت أصحاب القرار المجتمعين بدافوس بشكل عميـــــق ” فكل سنة ، كما أشار إلى ذلك أحد الصحافيين على سبيل المثال ، يشكل موضوع ما أو أحد الشخصيات نجم الملتقى الاقتصادي العالمي ، أما في سنة 2000 فقد كانت أحداث سياتل هي نجم ملتقى دافوس بدون منازع ، وقد تمركز الحديث على الأخص حول سياتل وأحداثها ” . ولأنهم واعون بالإفلاس الديمقراطي المصاحب للعولمة ، فإن منافحين آخرين عن النموذج المهيمن والسائد لم يعودوا يترددون في إعلان ما يلي : ” سنفكر بشكل جدي في مسألة تغيير معايير وإجراءات اشتغال الشمولية في اتجاه أكثر ديمقراطية ” ، وقد أصبح السيد ألان غرينسبان ذاته ، وهو رئيس الاحتياطي الفيدرالي بالولايات المتحدة يؤكد منذ اليوم : ” لا يمكن للشركات أن تنجح عندما تعتبر قطاعات هامة وذات دلالة اشتغال هذه الشركات اشتغالا غير عادل “.

إن هذه ” القطاعات الهامة وذات الدلالة ” التي جاءت من جهات العالم الأربع ، والتي تعارض البربرية الاقتصادية الحالية ، وترفض الليبرالية الجديدة بوصفها ” أفقا عصيا على التجاوز ” ، ستحاول في إطار مسعى لا بد من وصفه بأنه مسعى تجديدي ، أن ترسي قواعد سلطة مضادة حقيقية ببورتو أليغري.

لماذا سيحدث ذلك في هذا المكان بالضبط ؟ .. لأن بورتو أليغري أضحت منذ بضعة أعوام مدينة رمزا . وبحكم أنها عاصمة ولاية ريو غراندي دو سول ، في أقصى جنوب البرازيل ، على حدود الأرجنتين والأوروغواي ، فهي عبارة عن ضرب من المختبر الاجتماعي الذي ينظر إليه بعض الملاحظين الدوليين بنوع من الافتتان.

فباعتبارها مدينة حكمت بطريقة أصيلة منذ 12 سنة من قبل تحالف يساري تزعمه حزب العمال PT ، فقد عرفت هذه المدينة في عديد من الميادين ( السكن ، النقل العمومي ، السكك الحديدية ، جمع النفايات ، المستوصفات والمستشفيات ، قنوات المياه ، البيئة ، السكن الاجتماعي ، محو الأمية ، المدارس ، الثقافة ، الأمن … الخ )  تطورا ملحوظا ، فماذا كان السر في نجاح مثل هذا ؟ .. إنه ميزانية المساهمة ، أي الإمكانية التي لدى سكان مختلف الأحياء لكي يحددوا بشكل ملموس وديمقراطي مآل الأموال البلدية ، أي أن يقرروا أي نوع من البنيات التحتية يرغبون في إيجاده وتحسينه ، وكذا إمكانية التتبع اللصيق وعن كثب لتقدم الأشغال ومسار الالتزامات المالية: وبذلك لم تكن هناك أية إمكانية للسطو على هذه الأموال و لا لممارسة الشطط ، وكانت الاستثمارات مستجيبة بالضبط لرغبات أغلبية سكان الأحياء.

وتتم هذه التجربة السياسية ، كما يجب أن نشير إلى ذلك ، في مناخ من الحرية الديمقراطية التامة ، ومن خلال مواجهة واحتكاك مع معارضة سياسية حادة. إن حزب العمال لا يسيطر على كبريات الجرائد اليومية المحلية و لا على الإذاعة و لا حتى على التلفزيون الذي هو في يد كبريات المجموعات الإعلامية المتحالفة مع الباطرونا المحلية المعادية لحزب العمال . وأكثر من ذلك ، فحزب العمال المطالب باحترام الدستور الفيدرالي البرازيلي ، والذي ليست لديه إلا هوامش للاستقلال السياسي الذاتي جد محدودة ، وعلى الأخص في مجال الضريبة ، لا يمكنه أن يتصرف كيفما شاء ، ومع ذلك ، فإشباع حاجات المواطنين هو من التحقق حتى أن مرشح حزب العمال أعيد انتخابه مرة أخرى في أكتوبر 2000 على رأس البلدية بأكثر من 63 % من الأصوات.

في هذه المدينة الفريدة حيث تنتعش ديمقراطية ليست كالديمقراطيات الأخرى ، سيحاول الملتقى الاجتماعي العالمي وضع أسس عولمة مغايرة ، عولمة ليس من شأنها أبدا أن تقصي الشعوب ، فالرأسمال والسوق يرددان منذ عشر سنوات أنهما، وعلى النقيض مما تؤكده اليوتوبيات الاشتراكية ، هما اللذان يصنعان التاريخ وسعادة الناس وليس الشرور والمهالك.

ببورتو أليغري، في هذا القرن الذي انطلق ، سيذكر بعض الحالمين الجدد بالمطلق بأنه ليس الاقتصاد وحده هو الشأن العالمي الوحيد ؛ فحماية البيئة وأزمة الفوارق الاجتماعية والانشغال بحقوق الإنسان هي أيضا قضايا عالمية ، وأن أمر الإمساك بها والتقرير بشأنها هي مسألة تعود في الأول والأخير لمواطني هذه البسيطة .

الذهب الأزرق

من أجل صندوق تعاوني عالمي للماء

  • بقلم : ريكاردو بيتريلا *
  • لوموند ديبلوماتيك ـ عدد نونبر 2003

لم تنته المطالب الكبرى الصادرة عن القمم العالمية مؤخرا ( نيويورك ـ مونتيري ـ جوهانسبورغ ـ إيفيان ـ كيوطو ) ، والمتعلقة بـ ” الأولوية ” التي يجب أن تعطى لقضية الوصول إلى الماء بالنسبة لـ 1200 مليون نسمة المحرومة منه ، بأي تحقيق جدي لمضامينها. أما بالنسبة للشركات المتعددة الجنسيات التي جعلت من هذه الأولوية ذريعة وبهارات لتشكيل ” صورتها ” وتزويقها ، فلا زلنا ننتظر منها أدنى تمويل غير مغرض(1) ، إذن، فأمر خلق شروط تعبئة بغرض إنشاء صندوق تعاوني عالمي للماء يعود للمواطنين ، وعليهم تحمل مسؤوليته ، هذا الصندوق الذي يجب أن يتم إنشاؤه وتمويله بالطريقة التالية :

1.  عن طريق ضريبة عامة ، وذلك بتخصيص نسبة %0,01 من الناتج الداخلي الخام PIB في البلدان الأعضاء في منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي OCDE ، والتي تقدر بحوالي 33000 مليار دولار باحتساب مبلغ مالي يتجاوز 3 مليار دولار كل سنة.

2.  عن طريق ضريبة مخصصة أساسا للماء تتخدد قيمتها في 3 ” سنتيمات ” .

-          ” سنتيم السلام ” : سنتيم عن كل دولار يصرف على التسلح ، وهو ما يترجم بحوالي 9 مليار دولار من المداخيل سنويا.

-          ” سنتيم من أجل استهلاك آخر ” : وهو سنتيم عن كل أورو يتم اقتطاعه عن كل قارورة ماء  معدني تباع ، وهذا الإجراء الذي شرع في العمل به منذ مدة بمنطقة توسكان بإيطاليا سيوفر تقريبا 1 مليون أورو من المداخيل.

3.  عن طريق الإلغاء الفوري للدين العمومي عن البلدان الأكثر فقرا ومديونية.

4.  عن طريق خلق صناديق تعاونية محلية للتوفير ، وطنية ودولية وعالمية ، مكلفة بجمع الأموال الموفرة ؛ فالماء بطبيعة الحال هو المجال الذي يمكن انطلاقا منه إبداع تجارب جديدة ومجددة ، وتنميتها وتعميمها. وسيتعلق الأمر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ، وكذا في البلدان المتقدمة ، ببلورة وتطوير صيغ جديدة من الأدوات المالية شبيهة بما قامت به حركة الصناديق الشعبية بكيبيك ما بين الستينيات والثمانينيات ، وشبيهة بالتدبير التعاوني المنجز بمدينة كوريتيبا بالبرازيل ، وبالتعاضديات العمالية والفلاحية في القرن 19 بأوربا ، وبالتعاونيات الاستهلاكية ، كتعاونيات ” الكوب COOP ” بإيطاليا حاليا على سبيل المثال لا الحصر.

5.        عن طريق الاقتصادات المنجزة بالشمال كما بالجنوب عن طريق تدبير فعال للبنيات التحتية الموجودة حاليا.

وفي لحظة انتقالية أولى ، يتوجب وضع الصندوق العالمي التعاوني للماء تحت إشراف مجلس أمن اقتصادي ومالي يتوجب خلقه ضمن الإطار الحالي للأمم المتحدة ، كما يتوجب أن يتم تدبيره على المدى الطويل تحت مسؤولية سلطة عالمية للماء تشكل جزءا لا يتجزأ من منظمة عالمية للتنمية البشرية والاجتماعية مكرسة لتجسيد وتعويض منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة FAO والمنظمة العالمية للشغل OIT والمنظمة العالمية للتجارة OMC ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم UNESCO .

و لا أحد يحتاج إلى انتظار حصول هذه التغيرات الجذرية في النظام المؤسساتي العالمي كي يعمل على تقدم إنجاز الحق في الماء بالنسبة للجميع قبل سنة 2020 ؛ فالصندوق يمكن بالفعل إنشاؤه منذ اليوم ، حتى بدون أن يكون من الضروري توقيع معاهدة دولية في هذا الإطار، فبإمكان صناديق توفير تعاونية وصناديق تعاضدية وأبناك تعاونية وجماعات محلية أن تأخذ المبادرة من الآن .

ويمكن للمنتدى الاجتماعي الأوربي بباريس وسان دوني وبوبينيي وإيفري أن يوفروا فرصة تشكيل أول أعمدة هذا الصندوق عن طريق إنشاء صندوق مواطن من أجل الماء.

وسيجتمع في 10 دجنبر بروما ستون برلمانيا ومنتخبا محليا ، وممثلين عن الحركات الاجتماعية عبر العالم للمطالبة بالحق في ” الوصول إلى الماء الذي هو ملك مشترك وحق إنساني كوني وفردي وغير قابل للتقادم “.

*********************************************

*  أستاذ بالجامعة الكاثوليكية بلوفان ( بلجيكا ).

(1) إقرأ محمد العربي بوكرة ” معارك الماء ، من أجل ملك إنساني مشترك ” مجموعة ” رهانات البسيطة ” ، منشورات أتوليي ومنشورات شارل ليوبولد مايير ، باريس 2003 و ” الماء ملك عمومي أم بضاعة ” تحت إدارة ” ريكاردو بيتريلا ” لا ديسبوت ، باريس 2003 .

الشروط التاريخية والاقتصادية – الاجتماعية

موضوع هذا الفصل هو تبيان أن العلم ليس نشاطا مورس من طرف الإنسان منذ الأزل ودائما بنفس الصيغ ، أو أنه ولد ذات يوم مكتملا في عقل عالم ما ، وإنما هو [ أي العلم ] محدد عن طريق شروط تاريخية اجتماعية ـ اقتصادية ـ تكنولوجية ،وإيديولوجية ونفسية.

1) الشروط التاريخية والاقتصادية ـ الاجتماعية:

إن العلم إنجاز اجتماعي : فمكان ولادته ووجوده ليس عالما واسعا من الأفكار أو ” الحقائق العلمية ” ، وإنما هو المجتمع ذاته الذي يشكل العالم بالنسبة إليه ” منتجا ” للأفكار والنظريات والتجارب. إن هذا الإنتاج له بدون شك سمة خاصة ( فالعلم لا ينتج البضائع أو الآلات بشكل مباشر ) ، ولكنه يظل مع ذلك خاضعا لنفس الشروط الاجتماعية التي تخضع لها الإنتاجات الأخرى. ولقد سبق لنا أن رسمنا الخطوط الكبرى للفكرة القائلة إن علوم الطبيعة التي يُختزل إليها العلم غالبا ، ولدت مع الحدث المتعلق بميلاد النسق التجاري والرأسمالي. إن البورجوازية الصاعدة ، ثم المتحكمة في السلطة ، في فترة ما قبل الرأسمالية وفي نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه ، كانت في حاجة لنسق إنتاجي يمكنها من الاستغلال المطرد والمتنامي للطبيعة ، ويفترض هذا النسق الإنتاجي وجود عامل من نوع جديد ضمن العمال الأحرار ( بمعنى أكثر تحررا من الآخرين ) هو العالم الذي لا يهتم ، باستثناء الآخرين ، إلا باستخراج القوانين العامة للطبيعة ، أما العمل المنتج بشكل خاص ( إنتاج الخيرات الاستهلاكية ـ الآلات . . . إلخ ) فكان موكولا في البداية إلى المصانع ، ثم أوكل إلى عامل تحول بسرعة إلى عامل ضروري مع تطور الإنتاج ، هو المهندس الذي لا تتمثل مهمته إلا في استخدام اكتشافات العالم النظرية في تطبيقات خاصة.

إن الوضعية الخاصة التي منحت لرجل العلم في ظل النظام الرأسمالي تسمح لنا أن نفهم كيف أن العالم يمكن أن يبدو في نفس الآن كشخص منفصل تماما أو كليا عن المجتمع ، أي عن الإنتاج ( ما دام لا ينتج بشكل مباشر ) ، من جهة ، ويبدو من جهة أخرى بالفعل كأحد المساهمين في عملية الإنتاج. من هذه الوضعية الغامضة ( المفارقة ) يتولد مفهومان للعلم كلاهما خاطئ : أحدهما يدافع عن أطروحة تقول أن للعلم نموه الخاص والمستقل عن الحياة الاجتماعية ( وتلك أطروحة وجهة النظر الداخلية لدى كويري خاصة ) ، أما الأخرى ، فتدعي على العكس من ذلك أن العلم لا يوجد إلا من أجل التطبيقات التقنية التي يستطيع إحداثها ، ويجهل بالتالي تبعا لذلك كل مجانية؛ إحدى هاتين الأطروحتين تجعل من العالم قرصا نيرا تائها بين السحب ، أما الأخرى فتجعل منه عميلا مباشرا للإنتاج، مسؤولا بالتالي وعلى أعلى المستويات عن المضار التي يمكن أن يقترفها النظام الاجتماعي الذي يعيش بين ظهرانيه. إن النشاط العلمي لا يقبل أن يعرف هكذا من طرف مثالية موجزة ومجتزئة، و لا من طرف ماركسية ميكانيكية؛ ففي فرنسا على سبيل المثال توجد منظمات للبحث الخالص ، وهي متبناة من قبل شركات خاصة؛ فالحكمة الكبرى لدى الرأسمالية في ميدان العلم يمكن أن تقود نحو المثال القديم القائل ” من الممكن أن يكون نافعا على الدوام “, نستطيع من جهة أخرى ملاحظة أن رأسمالية المركز ( رأسمالية الدولة ) ، وهي الوجه الحالي للرأسمالية ، تنحو أكثر فأكثر نحو فصل المهام ، وتجسيد القسمة بين العمل الفكري العلمي والعمل الفكري أو اليدوي المنتج بداخل المؤسسات : فالدولة هي التي توفر البحث الأساسي عبر مؤسسات مثل المركز الوطني للبحث العلمي CNRS من جهة ، والشركات الخاصة هي التي تقتبس من اكتشافات العلم التقنيات الجديدة لمضاعفة أرباحها من جهة أخرى.

إن الاستقلال النسبي للعلم ، أو بمعنى آخر ، إن توقفه النسبي على المجتمع ، وهو ما يفسر موضوعية خلود نتائجه ( ليس هنالك بصريح العبارة علم رأسمالي أو علم بروليتاري : فالإلكترونيك يمارس في هيوستن وباكو ، والفيزياء النووية تمارس في أورساي وبكين ) هو في نفس الآن الثمن المدفوع من قبل الرأسمالية لتسريع عملية إنتاجيتها ( يمكن أن يكون العلم مضرا لنفسه وخادما لقوى مضادة له : فالبيولوجيا مثلا يمكن أن تنبه إلى مضار مواد مكونة لأدوية معينة وتجعلها بذلك مواد غير قابلة للبيع ) ، والوسيلة التي تمكنها من نشر وتوسيع سلطتها ومصالحها ( فاشتقاق تقنية معينة من نظرية علمية موجودة سابقا عن طريق اختصاصيين هو أقل كلفة من إنتاج المعارف النظرية الضرورية في كل مرة يكون فيها من الضروري إبداع تقنية جديدة ) .

في النصين التاليين سنرى كيف أن العلم ولد من جهة من حاجات الإنتاج الصناعي المتنامية، وكيف يتم إدماج العلم في سيرورة الإنتاج الرأسمالي من جهة أخرى. وتأسيسا على ما سبق ، سيفهم أننا نبدي تحفظا اتجاه النص الثاني بخصوص مفهوم العلم كقوى منتجة مباشرة ، ولو استند هذا المفهوم على ذكر الكتابات الأولى لماركس ، وعلى إيراد فقرة من ” الرأسمال ” ( النص الأخير ) المؤول بتسرع نسبي.

1) انطلاق العلم مواز لصعود البورجوازية

” موازاة لصعود البورجوازية نستنتج الانطلاقة الكبرى للعلم ، وقد كانت العلوم مثل علم الفلك والميكانيكا والفيزياء والتشريح والفيزيولوجيا قد نمت في ذلك الوقت؛ فلقد كانت البورجوازية في حاجة، لأغراض تطوير الإنتاج الصناعي ،  إلى علم يدرس الخصائص الفيزيائية للأشياء الطبيعية وأشكال الفعل لدى قوى الطبيعة. وحتى ذلك الحين لم يكن العلم إلا الخادم الأمين للكنيسة التي لم تسمح له أبدا بتجاوز الحدود الموضوعة من قبل الإيمان ؛ لقد كان العلم حينها أي شيء ما عدا كونه علما . ونتيجة لكون البورجوازية لا تستطيع فعل أي شيء بدون الاعتماد على العلم ، فإنها ستعلن العصيان في وجه الكنيسة ، وستلتحق بذلك بحركة الثورة”.

فريديريك إنجلز

إنجلز : المادية التاريخية

في : دراسات فلسفية

المطبوعات الاجتماعية 1968 – ص :  124

2) العلم في ظل النظام الرأسمالي

” لأن المعرفة العلمية ناجمة عن ممارسة تحويل الطبيعة ، ولأنها تتحول بدورها إلى عامل في عملية تحويل الطبيعة الإنسانية ، فإن تطورها يتم بانسجام مع التغيرات الحاصلة في نمط الإنتاج؛ أولا في الصناعة التقليدية ، ثم في الصناعة . عندما تتحول الأشكال الاجتماعية ما قبل الرأسمالية إلى بنيات رأسمالية ، فإن المعرفة الأمبريقية الشعبية تغدو متحولة في الطور الأول من العلم المعاصر. إن العلم، كالرأسمالية، يشكلان قوة ” محضرة ” بداخل حدود معينة. ولإعطاء مثالين ؛ فإن الثورة الجاليلية في ميدان الكوسمولوجيا دمرت نموذج بطليموس القائل بعالم ممركز حول الأرض، ومأمور بشكل كلي من قبل الإله. وفيما بعد كان على داروين أن يجعل من الإله عاملا هامشيا بخصوص خلق العالم والإنسانية ، فبدا العلم هكذا كمعرفة نقدية ومحررة للإنسانية من جبروت الخرافة التي بوجودها في نسق الفكر الديني ، شكلت المفتاح والدعامة الإيديولوجية للنظام الاجتماعي السابق. إن نمط الإنتاج المؤسس على الرأسمالية يستلزم تجديدا مستمرا على جميع أصعدة الحياة: كخلق موضوعات جديدة وأفكار جديدة وتقنيات جديدة وأشكال اجتماعية جديدة. إنه يتطلب كما يقول ماركس: ” تطور علوم الطبيعة إلى أقصى درجاتها “.

ويستمر ماركس موضحا كيف تصبح شروط العلم هاته قوت منتجة مباشرة : ” إن الطبيعة لا تنتج لا الآلات و لا القاطرات و لا السكك الحديدية و لا التلغراف ولا الجرارات . . .إلخ، إنها منتجات الصناعة الإنسانية من مواد طبيعية محولة إلى أدوات ، من إرادة إنسانية مفروضة على الطبيعة ، أو من المساهمة الإنسانية داخل الطبيعة، إنها أدوات العقل الإنساني مبتكرة بفضل يد الإنسان وقدرة الموضعة في المعرفة الإنسانية. إن تطور الرأسمال الثابت يشير إلى أي مدى تحولت المعرفة الاجتماعية إلى قوة منتجة مباشرة ، وبالتالي ، إلى أي درجة تم إخضاع شروط مسار الحياة الاجتماعية ذاتها لرقابة الذكاء العام ، وكيف تم تحويلها بشكل موافق لها” .

إن الرأسمالية تحمل في ذاتها ، وفي نفس الآن ، تناقضا ” يحد من مسارها المحضر ” ، والذي بتحديده ذاك يخلق قوة لا تقاوم تعمل على تدمير ذاتها،  هذا التناقض هو بطبيعة الحال تناقض العمل والرأسمال.

لكن ، ما شأن العلم هنا ؟ .. هل يظل بداخل التقليد الجاليلي – الدارويني مستمرا كقوة محررة ، أم يساهم في هذا التناقض العام ؟ .. إن ماركس واضح بهذا الخصوص ؛ ففي إطار الرأسمالية تفقد الطبيعة طبيعتها ، والإنسانية إنسانيتها، ويساهم العلم بشكل كلي في هاتين السيرورتين.

وبالفعل ، فالطبيعة تتحول إلى مجرد شيء بالنسبة للإنسان، لكنه شيء نافع، ولم يعد يعترف بها كقوة ، وتصبح للذكاء النظري لقوانين الطبيعة كل خصائص الحيلة التي تستهدف إخضاع الطبيعة للحاجات الإنسانية ، سواء باعتبارها حاجات استهلاكية أم باعتبارها وسائل للإنتاج.

وكما يتعاظم المجد المادي مع نمط الإنتاج الرأسمالي ، يجد العامل ذاته مفرغا من القيمة بشكل متعاظم ، مستلبا مما ينتجه ومن ذاته ، ومن كينونته الخلاقة : ” إن تحقير عالم الإنسان ، كتب ماركس ، هو بشكل مباشر متناسب مع القيمة المتنامية لعالم الأشياء “. إن علاقة العامل بالإنتاج تنتج في نفس الآن السلطة الهائلة والغنى للعمل ، والوهن والعوز بالنسبة للعامل ، لأن المنتجات التي ينتجها ليست ملكا له ، إذ من الممكن أن يبني شقة فارهة في الوقت الذي يعاني فيه هو ذاته من مسكنه الحقير، أو من انعدام سقف يؤويه ، ويبدو ما أنتجه بيديه شيئا غريبا عنه وعدوانيا ، وفي ملك الآخرين وليس في ملكه هو، إضافة إلى أن العامل مستلب في فعل الإنتاج ذاته ، فهو لا يعمل لأنه يحس برغبة في ذلك ، وإنما يعمل من أجل أن يعيش. هكذا يتحول العمل إلى تضحية مستمرة للأنا الفردية ؛ ذلك لأنه وبالنسبة لماركس، يعتبر الإنتاج – أي قدرة الإنسان على التموضع وعلى خلق الأشياء – سمة مميزة للنشاط الإنساني في كائن مستلب ، هو كائن مستلب من كينونته الخلاقة ، أي من نوعه الإنساني ذاته ، والمسألة هي أن العلم ، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه ، يساهم كليا في الاستلاب المتعلق بالعمل: ” إن علوم الطبيعة تتدخل بشكل أكثر عملية في الحياة الإنسانيةوتحولها ، وتمهد للتحرر الإنساني ، كما بإمكانها أن تنجز بشكل مباشر عملية إفراغ الإنسان من إنسانيته . إن الصناعة هي العلاقة التاريخية الواقعية للطبيعة، و بالتالي لعلاقة علوم الطبيعة بالإنسان “.

يتجلى هذا الاستلاب من طرف علوم الطبيعة بشكل صارخ في الأشكال التكنولوجية الخاصة التي تستعملها الصناعة؛ فليس العلم بمعنى عام غير منفصل عن سيرورة الإنتاج ويعمق الاستلاب فقط ( ولو أنه يوفر أرضية اختفائه في نفس الآن ) ، ولكنه في الآن الذي تتطور فيه القدرة الإنتاجية للصناعة ، يصير هو ذاته قوة منتجة ، قوة تؤدي بتناميها إلى إضعاف الكفاية الفكرية والفيزيائية للعامل الذي يغدو تبعا لوصف ماركس (سنة 1848) مسمار ا في آلة.

” إن القدرات الذهنية للإنتاج تتطور من جانب واحد ، وذلك لأنها تختفي في كل الجوانب الأخرى. إن ما يفقده العمال ( المتفرقون ) يتركز إزاءهم في شكل رأسمال . إن التقسيم الحرفي ( المانيفاكتوري ) يقوم في تعارض مع القوى الذهنية للإنتاج. . . ويبدأ هذا الانشطار في الظهور في التعاونية البسيطة . . . ويتطور في المانيفاكتورة التي تشوه العامل إلى درجة جعله جزءا ذاتيا منها ، ويكتمل في النهاية مع الصناعة الكبرى التي تتخذ من العلم قوة منتجة مستقلة عن العمل ، وتوظفه في خدمة الرأسمال”.

” أكيد أن العمل ( العلاقة المباشرة بين العامل والإنتاج ) ينتج العجائب للأغنياء، . . . إنه ينتج الفكر، غير أنه ينتج البلادة والغباء لدى العامل”.

ولو أن ماركس وإنجلز لا يتحدثان عن امتدادات الآلية في إنتاج العلم المعاصر ، مما يعني الانتقال من داخل العلم ، ومن داخل مانيفاكتورة الصناعة التقليدية إلى مانيفاكتورة الصناعة الحديثة ، فمن الواضح أن العلم هنا متصور من طرفهما كفرع من فروع الإنتاج ، خاضع للقوانين العامة لهذا الأخير. وهكذا ، ففي حين كان العلماء في القرن 19 يعملون لوحدهم ، ( أو بمساعدة تقني – مجرب ) ، فإن العمال – العلماء يوجدون الآن ، مجتمعين في الغالب ، في مختبرات وحول تجهيزات من أعلى مستوى، وما فعلته آلة النسيج لخلق عمال المصنع، أنجزه تسريع الجزيئات بالنسبة للعمال – العلماء. ” ليس الدين والأسرة والدولة والقانون والأخلاق والعلم والفن . . . إلخ إلا أنماطا خاصة للإنتاج تندرج في إطار القانون العام”.

ولأن إضفاء الطابع الاجتماعي على الإنتاج العلمي تلا إضفاء هذا الطابع على الإنتاج عموما ، فإن صفة الاستلاب المرتبطة بالعمل العلمي لم تكن لتنجلي بوضوح إلا بعد وفاة ماركس وإنجلز. وكما تعاظم ” الذكاء العام ” للعلم ، فقد تشوه العمل العلمي مرة واحدة على مستوى الذكاء، وعلى مستوى المهارة اليدوية. أكثر من ذلك ، وكأي عمل مستلب ، فقد استخدم إنتاج العامل – العالم لاضطهاده هو ورفاقه في العمل سيرورة ظهرت سابقا في منتصف القرن 19 ، كما أشار إلى ذلك ماركس في الرأسمال: ” قد يكون ممكنا وصف تاريخ كامل للإنجازات المحققة منذ سنة 1830 ، والتي يتمثل هدفها الوحيد في منح الرأسمال الأسلحة ضد ثورة الطبقة الشغيلة”. [ الحديث هنا ليس بالفعل عن العلم ، وإنما عن التقنيات العسكرية] “.

هيلاري وستيفن روز

” الإرث الإشكالي : ماركس إنجلز وعلوم الطبيعة”

في الإيديولوجيا ، ومن : في العلم

سوي 1977 ص ص : 23 – 26

إن إنتاج الأفكار العلمية ليس مستقلا عن نمط الإنتاج الرأسمالي وعن وجهه الإمبريالي : وكما سنرى من خلال أمثلة متعددة في النص التالي ، فإن الأبحاث الأقل إيذاء والأكثر لا مبالاة ظاهريا ، تجد بالضرورة ذات يوم تطبيقات تقنية تحمل طابع اللامساواة والاستغلال من قبل النظام الاقتصادي حيث تم إنتاجها ، والذهاب بها إلى تخليد الاستغلال وتقويته ، ” تجد بالضرورة ” كما قلنا ، وذاك تلازم غريب للصدفة والضرورة ! وتلك بحق مع ذلك هي وضعية العلم الذي حتى إذا حصل ولم يكن موجها لغايات فورية تتمثل في الربح والتحكم ، ولم يكن العلماء فيه غالبا مستخدمين في مهام تقنية تشتم منها رائحة العسكرة ، فإن الاكتشاف فيه سيكون من ميدان لا يمكن استبصاره ، في حين أن استغلاله هو دائما استغلال اجتماعي.

3. لا يفلت البحث العلمي من السياق السياسي والاقتصادي

أو كيف يتولد العلم من CIA.

” اندهش الأنثروبولوجيون الذين كانوا يدرسون الأنظمة الاجتماعية في القبائل الجبلية ، وذلك عندما علموا أن CIA تجمع معطيات أعمالهم لاستخدامها في عمليات مناهضة عصيان السلطة ، وبذلك فقد خلق علماء النفس الذين كانوا يبحثون في معاملات الذكاء الإنساني لأغراض ” علمية خالصة ” ، وبدون علمهم ، أدوات لقياس الذكاء انفلتت من بين أيديهم عند اكتمالها ، لتخدم الآن مصلحة السلطات العسكرية في مجال توظيف رجال لحرب الفييتنام ،وكذا مصلحة الجيش الأمريكي بخصوص التحكم أكثر في فعالياته ، وأكثر من ذلك ، فإن هذه الأدوات التي تسمح بقياس الذكاء ، تشكل جزءا أساسيا في النظام المدرسي للفرز ، والذي يبدأ منذ سنوات العمر الأولى ، في تقليص حظوظ أطفال الطبقة العمالية في الانتقال إلى مستويات عليا من التكوين والحراك على المستوى الاجتماعي.

ومع الأسف ، لا تتوقف مشاكل تقييم البحث الأساسي عند حدود التطبيقات المخربة التي أتينا على ذكرها ، إذ يجب أيضا القيام بفحص للنتائج الاقتصادية لهذا البحث، وهي نتائج تنشأ عن الرأسمالية الخاصة التي نعيش في ظلها.  إن المعرفة العلمية ومنتجاتها ، كأي بضاعة أخر ى في مجتمعنا ، هي معرفة معروضة للبيع من أجل الربح ، بمعنى أنها ليست موزعة بطريقة عادلة ، وليست في متناول أي شخص ، وليست قابلة للاستعمال بشكل عادل من طرف كل شرائح البشر. وإذا كانت تلك المعرفة تؤمن شروط الحياة المادية لكثير من الأفراد ، فإنها مع ذلك موجهة عبر قنوات تنظيم وتوزيع النذرة ، وبطريقة تسمح بعقلنة نظام الاستغلال الاقتصادي وضبط المجتمع بكليته ، وهي تتحول من جهة أخرى إلى امتياز للطبقات الوسطى والعليا ، مما من شأنه أن يؤدي إلى تعاظم الحيف اللاحق بقطاعات هي قبلا الأكثر عرضة للظلم والإجحاف من بين قطاعات الشعب.

وما يمكن استنتاجه من هذه الأمثلة ، التي يمكن بسهولة استعراض مثيلاتها وتنويعها ، هو أن الإنجازات المحتملة للتكنولوجيا العلمية لا تفلت من السياقين السياسي والاقتصادي، بل بالعكس تظهر على شكل منتجات موزعة منهجيا بطريقة غير عادلة لكي تتحول إلى أدوات أخرى للسيطرة وللإنجاز الدقيق للأهداف الاقتصادية لدى أولئك الذين يحوزون السلطة ويمتلكونها.

إن المعارف الجديدة التي لا تقبل التطبيق، والتي تمكن من التخفيف من أشكال الظلم والإجحاف التي هي لصيقة بالرأسمالية والإمبريالية ، هي إما غير مستعملة بالدرجة الأولى ، وإما هي فاقدة لقيمتها بالنظر إلى محدودية الموارد لدى الضحايا”.

بيل زيمرمان وأليي

علم من أجل الشعب

في : أ. م . لوبلوند – نقد العلم .

نقط 1975 ص ص : 59 – 61.

وضعية علوم الإنسان

3ـ المشكل المطروح على كل تصنيف:

وضعية علوم الإنسان

يمكن للمشكل الذي يطرح بالنسبة لتصنيف العلوم أن يقفنا على أربعة مشاكل : ما هي وضعية الرياضيات وعلم المنطق؟.. كيف ترتبط علوم الطبيعة فيما بينها؟..هل يمكن تصنيف البيولوجيا التي تدرس الإنسان أيضا ضمن علوم الطبيعة ؟.. وهل يمكن اعتبار العلوم الإنسانية علوما؟ ..

نريد أن نعالج هنا فقط علوم الإنسان التي توضع خاصيتها العلمية بين قوسين عن طريق صوت الشعب  la vox populi  أكثر مما توضع بين القوسين عن طريق القنوات الإيديولوجية، ومن طرف بعض العلماء والإبستمولوجيين أو الفلاسفة المهيمنين والمعتدين بأنفسهم.


لنحاول أولا تنظيم مختلف هذه الانتقادات وصياغتها:

1)      اعتراض أول صادر بالخصوص عن الفلاسفة الذين أرادوا بالاستناد إلى حس شعبي سليم ، يشتركون فيه لوحدهم ، حماية حديقة الفلسفة من أي اختراق علمي، رافضين بذلك حتى إمكانية وجود علوم للإنسان، وبذلك يقررون بأن الإنسان لا يمكن بفعل جوهره الإنساني أن يشكل موضوعا للعلوم. في معرض نقده لمواقف حراس المعبد هؤلاء ، والذين لا يمكن إحصاؤهم ، يختصر بيير تويليي هذا الدور الفاسد الذي يزعم الفلاسفة حصر إنسان العلم داخله؛ هكذا ” يقرر (…) أنه يجب أن تدرس علوم ” الفعل الإنساني الكلي ” ما دام الإنسان قد عرف باعتباره حرية سحيقة الغور لا تقبل الإرجاع قبليا للمقاربة العلمية، وليس مدهشا أن العلوم الإنسانية لم تستطع أبدا التوصل إلى إرضاء التعاقد المفروض عليها. إن التعاقب واضح : فإما أن المسعى علمي، لكنه لا يستطيع دراسة الإنسان “ الكلي ” ، وإما أن الموضوع المدروس هو حقا الإنسان ” الكلي ” ، لكن المسعى حينذاك لا يمكنه أن يكون علميا بشكل قبلي ” ( ألعاب ورهانات العلم  ص 199 ). إن هذه المطالب التي تبدو بدون معنى ، والمطروحة على العلم من قبل فلسفة ” كلية ” تصاحب باعتراضات تبدو ظاهريا أفضل تأسيسا : فالعلم لا يستطيع معرفة ” المعيش ” الذي يبدو أنه البعد الجوهري للفعل الإنساني، ويصطدم من جهة أخرى بمشكل منهجي تجهله علوم الطبيعة : فالإنسان هنا هو في نفس الآن ملاحظ (بكسر الحاء) وملاحظ ( بفتحها). وأخيرا تبدو الوقائع الإنسانية وقائع شخصية ومن طبيعة كيفية ، في حين أن العلم حسب الإبستمولوجيا الأولية التي يعشق باشلار التشهير بها لدى بعض الفلاسفة ” تكوين الروح العلمية ص 55 وما يليها ) لا ينشغل و لا يهتم إلا بما هو عام وكلي . إن موقفا فلسفيا كهذا له ” عمله الخاص به ” ينتهي بإدانة واتهام كل علم إنساني وبالخصوص علم التاريخ ، أو على الأقل تصورا معينا لتاريخ حكائي بشكل جوهري ، لا يمكنه أن يدعي سوى رص الوقائع الخاصة والجزئية.

2)      توجه ثان إزاء علوم الإنسان ، هو توجه الأمبريقيين : فهؤلاء لا يدينون علوم الإنسان، وإنما يحاولون دائما تشجيعها ، لكنهم يطرحون في مواجهتها مطالب منهجية تؤدي إلى اتهامها على الدوام بالدونية مقارنة بعلوم الطبيعة، وبالفعل ، فأمبريقية كارناب على الخصوص ، أو أمبريقية لازارسفيلد ، تتطلب من كل علم أن يستنسخ مناهجه عن مناهج الفيزياء ( عزل المتغيرات وإنشاء علاقات وظيفية بين هذه المتغيرات . . إلخ ) ، كما تقرر من جهة أخرى أن العلوم الإنسانية مطالبة بتبني مسعى إرجاعي ( على سبيل المثال يتم إرجاع الوقائع الاجتماعية في السوسيولوجيا الأمبريقية إلى وقائع نفسية ترجع بدورها إلى سلوكات) ، وأخيرا ، وباستثناء علم النفس ، ترتب النزعة الأمبريقية العلوم الإنسانية في أسفل السلم ، ما دامت لا تستطيع أبدا امتلاك الكرامة القصوى التي تتمتع بها العلوم التجريبية ( فنحن لا نستطيع إحداث ثورة لدراسة وقياس تأثيراتها الناجمة عنها ).

3)      نقد ثالث للعلوم الإنسانية يريد أن يكون إبستمولوجيا : فبمعارضة العلوم الإنسانية بعلوم الطبيعة ، وافتراض موضوعية مطلقة لدى هاته الأخيرة ، يؤكد هذا النقد أن العلوم الإنسانية لا يمكنها أن تدعي تحقيق نفس الدرجة من الموضوعية : إذ أن هنالك بالنسبة لنفس الموضوع في العلوم الإنسانية كثرة وتعدد وتنوع في المقاربات، وهكذا فنحن نجد في مجال اللسانيات المقاربة البنائية والمقاربة التوليدية اللتان تتعارضان جذريا ، كما نجد في مجال علم النفس الإبستمولوجيا التكوينية وسيكولوجيا الشكل والنزعة السلوكية . . . إلخ.

4)      وأخيرا نجد نزوعا رافضا بشكل جذري لعلوم الإنسان هو نزوع التيار الألتوسيري ، ويستند هذا الموقف على حقيقة اجتماعية لا تقبل الجدل : فبعض العلوم الإنسانية على الأقل ( لنقل الاقتصاد وعلم الاجتماع على الخصوص ) ليست إلا أردية نظرية للممارسات الاجتماعية ( إنشاء مؤشرات الأثمنة ومنحنيات من جميع الأصناف مستعملة لغايات الدعاية الرأسمالية ـ إعداد أدوات سبر أو قياس للرأي العام تستخدم لترويز واختبار سوق اقتصادي أو سياسي ، ولتقييم رغبات المستهلك أو المواطن ، واستثمارها للتأثير فيهما لتحقيق المكاسب والأرباح أو للحفاظ على السلطة) . غير أن الأطروحة الألتوسيرية تتأسس على قواعد إبستمولوجية مغلوطة : فهي تقرر أن كل الأبحاث في العلوم الإنسانية باستثناء السيكولوجيا الفرويدية ، وبفعل الخيط الغريب الذي يربط فيما بين ” لاكان ” وألتوسير ، ليست لها في مجتمعنا إلا وظائف إيديولوجية ، وهو ما يؤدي إلى نفي إمكانية وجود أبحاث لها محتوى إيجابي وقيمة معرفية موضوعية ، باستقلال عن تطبيقاتها العملية في نمط الإنتاج الرأسمالي.إن هذا التصور الوظيفي للعلم ، والذي يريد أن يكون مع ذلك ماركسيا ، هو تصور غائي بشكل غريب ؛ فهو يعرف حقلا علميا معينا عن طريق تقنيات التطبيق التي يسمح بإنتاجها: وهكذا كتب ميشال بيشو على سبيل المثال قائلا : ” تجد البيولوجيا ( ميدانها التطبيقي تاريخيا ) في الممارسات الطبية باعتبارها معالجة وتكييفا لقوة العمل ” (حول تاريخ العلوم ـ ماسبيرو 1969 ص 41) و لا تعترف بالاستقلال الذاتي النسبي للعلم عن التقنية في نمط الإنتاج الرأسمالي.

إن النزوعات السلبية الأربعة إزاء علوم الإنسان التي أتينا على استعراضها تقوم كلها على تثمين مفرط لمناهج ونتائج العلوم المسماة بالعلوم ” الدقيقة ” وتحدث ” قطيعة إبستمولوجية ” بين العلم الموضوعي غير القابل للجدال ، والمجسد في علوم الطبيعة وبالأخص الفيزياء من جهة ، والعلوم الإنسانية التي هي علوم ذاتية من جهة أخرى. إلا أنه من اليسير رفض كل هذه الأطروحات الإيديولوجية إذا ما أخذنا في الحسبان فتاوة وجدة العلوم الإنسانية التي ولدت كلها في نهاية القرن التاسع عشر ، ويمكننا أن نقول إن مختلف المقاربات للظواهر الإنسانية تنزع أكثر فأكثر نحو الاستناد على المنهج العلمي. ليس هنالك علم إنساني يدرس ” الإنسان الكلي “، وبدل أن تكون هذه البديهة عرضا من أعراض اللاعلمية ، فهي بالعكس من ذلك مؤشر على تقطيع علمي للظواهر الإنسانية ، فلا يمكن أن يوجد علم يشكل الإنسان موضوعه( إذ لن يكون إذ ذاك إلا ميتافيزيقيا) ، مثلما لا يوجد علم يدرس الطبيعة في كليتها. إن تعدد الأبحاث ليس انعكاسا لموضوعية نجهلها ، وإنما يترجم بالعكس من ذلك تنوع الموضوعات ( هكذا على سبيل المثال تدرس نفسية الإنسان بشكل تنافسي من طرف علم النفس وطب الأمراض النفسية والتحليل النفسي وعلم النفس التكويني الذي يدرس تكون نفسية الطفل ، وعلم نفس الشكل الذي يدرس الإدراك بشكل خاص . . . إلخ). يحدث بطبيعة الحال أن هذه المقاربات تتعارض في بعض المجالات ، حيث يعاد تطبيق موضوعاتها ( مثلا ينسب علم الاجتماع الانتحار لأسباب اجتماعية في حين أن علم التحليل النفسي ينسبها لأسباب نفسية)، غير أن هذا النوع من الصراع فيما بين العلوم ليس خاصا أو وقفا على العلوم الإنسانية ؛ فالفيزياء والميكروفيزياء مثلا تعرضان تفسيرات متباينة ومختلفة لظواهر الطبيعة. وفيما يخص الاعتراضات على المبادئ أو على المناهج ، فغنها فقط أكثر ظهورا وبروزا في العلوم الإنسانية التي لا زال الكثير منها في بداية طريق التكون ، في حين أن بعض علوم الطبيعة تجاوزت وبشكل واسع هذه المرحلة، لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة للفيزياء ، ألم تفند الأزمة الواقعة في نهاية القرن الأخير حقيقة بعض النتائج أو مشروعية بعض الإجراءات ؟ .. إن الصراع فيما بين مقاربات العلوم الإنسانية ليس من طبيعة من شأنها أن تفرمل أو توقف الاكتشافات العلمية في هذا المجال : فهناك حدسيون في ميدان علم النفس ( علم نفس الشكل ) أو في اللسانيات ( اللسانيات التوليدية ) تتعارض مقارباتهم مع مقاربات التجريبيين ( علم النفس التكويني ـ النزعة السلوكية ) أو مع مقاربات الأمبريقيين ( اللسانيات البنائية ) ، لكن هنالك أيضا تعارضات مماثلة بين الحدسيين والمنطقيين والشكلانيين في مجال علم الرياضيات، رغم أن هذا العلم ينظر إليه باعتباره أكثر ” دقة ” من العلوم الدقيقة.

غ. باشلار

إذا قبلنا إذن ، كما يوحي بذلك واقع الممارسة العلمية ذاتها ، بأنه ليست هناك ” قطيعة إبستمولوجية ” Coupure تحدث مرة واحدة ونهائية بين ما هو علمي وما هو غير علمي ، وإنما هناك بالعكس من ذلك في العلم ” انقطاعات “  Ruptures متجددة باستمرار مع المعرفة العامية ، ومن ثمة فهو سيرورة تنهض مما سيكون لا مما هو كائن ، إذا قبلنا ذلك فإننا لا نستطيع أن ننكر على العلوم الإنسانية وجودها ومشروعيتها ، وبشكل أكبر ، إمكانية تشكلها عبر تنازع المبادئ والمناهج ومقارنة النتائج ، أي تنازعا ” جدليا ” حسب تعبير غاستون باشلار.