“أسطورة التنمية ” هو عنوان كتاب لصاحبه الكاتب البيروفي أوسفالدو دي ريفيرو،أعرض هنا للقراء الكرام ترجمة لمقدمته ليكونوا فكرة عن موضوعاته الساخنة.
قراءة ممتعة mythe-de-developpement10
أسطورة التنمية
21 مارس 2009 by maarouf66نرجس وبروميثيوس
17 يناير 2009 by maarouf66
إن معنى الاحتضار هو الصراع ، هو المعركة، فكيف يمكننا في اللحظة التي يبدو فيها أن مجموع الأوجه الثقافية للحضارة الغربية قد تم جعلها مشرفة على الموت أن لا نتساءل عن الصراعات أو المعارك التي تنخرط فيها الثقافة ؟ .. إن كلا من المثقف والفنان والمبدع يعرف جيدا أن المجتمعات الغربية بلغت مرة أخرى نقطة مفترق الطرق ، فلقد دقت ساعة الاختيار من جديد ، لكن لا معالم هناك من أجل معرفة اتجاه المسير في لحظة الانحطاط هاته التي تسبق ميلاد عصر جديد . إننا نلج حقبة انهارت فيها اليقينيات ـ كما لاحظ ذلك إدغار موران ـ والعالم في لحظة غير مؤكدة بشكل خاص لأن كبريات المفترقات التاريخية لم يتم الانطلاق فيها بعد ؛ إننا لا نعرف إلى أين نمضي ، و لا نعرف إن كانت ستحدث هناك عمليات نكوص كبرى ، وما إذا لن نم
ضي حثيثا نحو حروب متسلسلة . إننا لا نعرف ما إذا كانت سيرورة التحضر ستؤدي إلى وضعية تعاون قليل أو كثير على مستوى البسيطة . إن المستقبل غير آكد بشكل كبير .
من المثقفين قد حلت أخيرا ، مجتمع مؤسس على الفضائل الديمقراطية ، على الأخلاق والمسؤولية ، مجتمع لن يكون الجوهري فيه هو الربح والسلطة ، وإنما روح الجماعة واحترام الآخر . 




السعي نحو اجتذاب ثروة كبرى في مجتمع فقد أسس يقينياته الجماعية . إن اللعب والمقامرة هما الوسيلة الوحيدة التي أصبح يعتمد عليها مجتمع تحيق فيه البطالة بشكل أعمى حتى بأكثر الناس جدارة ، وذلك من أجل تغيير مسار القدر . إن السعادة في فترة الأزمة هاته يتم تحسسها كما لو كانت عبارة عن كم منته . واللاعقلي يجتاح السياسة أيضا ؛ ألم نشهد خلال الانتخابات الأخيرة بكل من المملكة المتحدة وفرنسا ظهور حزب القانون الطبيعي الذي اقترح بجدية لا مزيد عليها كحل للخروج من الأزمة تنمية وتطوير الوساطة المتعالية وتشجيع التحليق والطيران عن طريق اليوغا ؟ .. 
والمال والماس بقيمة مليون فرنك ! ..
المراقبة الشاملة
17 يناير 2009 by maarouf66” في الماضي لم تكن لدى أية حكومة سلطة إبقاء مواطنيها تحت مراقبة دائمة ، أما اليوم فإن بوليس الفكر يراقب الجميع . . . وبشكل دائم “
جورج أورويل 1984
بقلم : إغناسيو راموني
لوموند ديبلوماتيك عدد غشت 2003.
كان على أولئك الذين عولوا هذا الصيف على الذهاب إلى الولايات المتحدة أن يعلموا أنه سيتم تقديم معلومات شخصية عنهم للجمارك الأمريكية دون موافقتهم طبقا لاتفاقية موقعة ما بين اللجنة الأوربية والسلطات الأمريكية ، وذلك عن طريق شركة الخطوط الجوية التي سيسافرون على متنها ، ومن ثمة فإن السلطات الأمريكية ، وحتى قبل أن تطأ أقدامهم أرضية المطار، ستعرف أسماءهم وأنسابهم وأعمارهم وعناوينهم وأرقام جوازات سفرهم وبطاقات السلف والحالة الصحية والاختيارات الغذائية ( التي يمكن أن تكشف انتماءاتهم الدينية ) وأسفارهم ورحلاتهم السابقة . . الخ.
إن هذه المعلومات سيتم تقديمها لجهاز للغربلة يسمى CAPPS ( جهاز حاسوب للمراقبة الوقائية ) ، وذلك للكشف عن مشكوك فيهم محتملين؛ حيث سيقوم هذا الجهاز بتقدير درجة خطورة المسافر من خلال التعرف على هويته ومقارنتها بالمعلومات المتوفرة لدى مصالح الشرطة ووزارة الدولة ووزارة العدل والأبناك وتصنيفه ضمن لون معين : الأخضر بالنسبة للمسالمين ، الأصفر في حالة الشك ، والأحمر بالنسبة لأولئك الذين سيتم منعهم من دخول الطائرة . وإذا كان الزائر مسلما أو من منطقة الشرق الأوسط ، فإن اللون الأصفر سيتم إلصاقه به بشكل أوتوماتيكي ، وبرنامج الأمن على الحدود يرخص لرجال الجمارك بأخذ صور للزوار وكذا بصماتهم.
الأمريكيون اللاتينيون هم أيضا مستهدفون ؛ فقد اكتشفنا أن 65 مليون مكسيكي و 31 مليون كولومبي و 18 مليون من دول وسط أمريكا وضعت لهم بطاقات دون علمهم ، وفي كل بطاقة تجد تاريخ ومكان الازدياد والجنس وهوية الأبوين والوصف الفيزيقي والأحوال المدنية ورقم جواز السفر والمهنة المصرح بها.
وفي الغالب تدون بهذه الملفات معلومات سرية أخرى كالعناوين الشخصية وأرقام الهواتف والحسابات البنكية وأرقام السيارات وكذا البصمات . ورويدا رويدا ، وبهذه الطريقة ، سيتم تبطيق كل الأمريكيين اللاتينيين من قبل واشنطن.
” الهدف هو إقامة عالم أكثر أمنا ، ويجب أن نكون على علم بالمخاطر المحتملة التي يمثلها الأشخاص الذين يطأون أرض بلادنا ” ، ذاك ما أكده السيد جيمس لي ، وهو أحد مسؤولي مقاولة Choicepoint التي تشتري هذه البطاقات أو الملفات من أجل إعادة بيعها للإدارة الأمريكية (1) ؛ وذلك لأن القانون الأمريكي يحظر تخزين المعلومات الشخصية ، لكنه لا يمنع من مطالبة شركة خاصة بالقيام بذلك لصالح الحكومة. وهذه الشركة التي يتواجد مقرها على مقربة من أتلانتا هي شركة معروفة وغير مجهولة ؛ فإبان الانتخابات الرئاسية بفلوريدا سنة 2000 كانت الدولة قد كلفت فرعها المسمى ( تكنولوجيا قواعد المعلومات Technologie Data Base DBT ) بإعادة تنظيم اللوائح الانتخابية بهذه الولاية . النتيجة هي حرمان آلاف الأشخاص من حقهم في التصويت ، وهو ما أدى إلى تغيير نتيجة الانتخابات التي فاز بها السيد بوش ب 573 صوتا زيادة فقط . . ونحن نتذكر أن هذا النصر الصغير هو الذي مكن بوش من الوصول إلى سدة الحكم (2) .
إن المراقبة الصارمة واللصيقة ليست منصبة على الأجانب وحدهم في أمريكا ؛ فالمواطنون الأمريكيون بدورهم لا يفلتون من البارانويا السائدة حاليا ، لذلك فإن أنواعا جديدة من المراقبة التي يقرها قانون باتريوت Patriot Act تعيد النظر في الحياة الخاصة الشخصية للناس وكذا في سرية المراسلات، أما السماح بالتنصت على الهواتف فهو مسألة لم تعد ضرورية ؛ حيث يمكن للمراقبين الوصول إلى المعلومات الشخصية المتعلقة بالمواطنين دون أخذ إذن بذلك، وهكذا فقد طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI من المكتبات إيفاءه بلوائح الكتب والمواقع الإلكترونية التي يطلع عليها ويرتادها زبناؤها (3) من أجل رسم ” بروفيل فكري وثقافي ” لكل واحد منهم.
لكن أكثر مشاريع التجسس اللاشرعية هذه هذيانا هو المشروع الذي وضعه البانتاغون تحت عنوان Total Information Awareness (TIA) أي نظام المراقبة الشاملة للمعلومات (4) والذي كلف به الجنرال جون بواندسكتر المتهم في الثمانينيات بكونه كان المحرض في قضية إيران كونترا . ويتمثل المشروع في تجميع ما لا يقل عن 40 صفحة من المعلومات عن كل ساكن من سكان الأرض البالغ عددهم 6 مليارات نسمة ، ومعالجتها وتحليلها عن طريق حاسوب عملاق . والبانتاغون يزمع من خلال تحليل ومعالجة كل المعطيات المتوفرة عن كل شخص رسم صورة أكثر ما تكون تكاملا عنه ـ الأداءات عن طريق البطاقة البنكية ، الاشتراك في وسائل الإعلام ، حركة الحساب البنكي ، المكالمات الهاتفية ، مواقع الأنترنيت المرتادة ، البريد الإلكتروني ، البطاقات البوليسية ، ملفات التأمين ، المعلومات الطبية والمتعلقة بالضمان الاجتماعي.
وكما هو الحال في فيلم ستيفن سبيلبرغ Minority Report ، فإن السلطات تعتقد أن بإمكانها أن تتنبأ بالجرائم قبل وقوعها : ” سيتقلص هامش الحياة الشخصية ، لكن مقابل أمن أكثر ، كما يعتقد ذلك السيد جون ب. بيتيرسن ، رئيس معهد إرلينغتون ، وسنستطيع أن نستبق المستقبل بفضل مقارنة كل المعلومات المتعلقة بكم ، وغدا سنعرف كل شيء عنكم (5) ” ، وهكذا يجد الأخ الأكبر نفسه متجاوزا . . .
هوامش :
(1) لاخورنادا ، مكسيكو 22 أبريل 2003 .
(2) الغارديان ، لندن ، 5 ماي 2003 .
(3) الواشنطن بوست ، النشرة الوطنية الأسبوعية ، 21 ـ 27 أبريل 2003 .
(4) وقد تم تغيير الإسم نتيجة احتجاجات المدافعين عن حرمة الحياة الشخصية إلى الإسم المذكور (TIA) ، إقرأ أرمان ماتلار ” تاريخ مجتمع المعلومة ” ، لاديكوفيرت ، باريس ، الطبعة الجديدة ، أكتوبر 2003.
(5) إيل باييس ، 4 يوليوز 2002.
العلم
17 يناير 2009 by maarouf66مــا هـــو الـــعلـــم ؟ ..
العلم نشاط خاص لم تكن له على الدوام ، لا القوة ، و لا الانتشار اللذين يعرف بهما اليوم . جغرافيا ، ظهر العلم في حوض البحر الأبيض لمتوسط وأوربا الغربية ، ولم يمتد إلى أجزاء الكرة الأرضية الأخرى إلا مؤخرا ( القرن 19 ) وبشكل لا متكافئ . تاريخيا ، نستطيع القول إن له عقدين للميلاد : فقد ظهر أولا ، وبشكل خاص ، على شكل رياضيات ومنطق وعلم فلك ، وذلك منذ القديم . هذه العلوم ـ التي ذهبت بها شعوب معينة بالحوض المتوسطي إلى درجة من الاكتمال مبهرة ـ كانت علوما تأملية خالصة ، بمعنى أنه في مجتمع كمجتمع أثينا ـ مثلا ـ لم يكن لهذه العلوم أي ميل لخدمة أي تقدم تقني ، بل كانت وظيفتها ، الترويح عن النفس ، وتثقيف المواطنين العاطلين عن العمل بإعطائهم تصورا عن العالم . وقد ظهر العلم بعد ذلك في القرن 17 في أوربا الغربية في خضم منافسة مع النسق التجاري ، ولكن بشكل أكثر مغايرة هذه المرة للسابق : حيث ، وباعتباره ظل أبعد ما يكون عن الصبغة التأملية ، فقد حاول ، ما في وسعه ، لتحصيل المعارف المشبعة للحاجات العملية . وهذا هو السبب في كون العلوم المنحدرة من هذا المهد الثاني ، تختلف جذريا ، من حيث موضوعاتها ومناهجها ، عن العلوم التأملية الخالصة : إنها ستحاول معرفة العالم المشخص الفيزيقي ( في القرن 17 كانت ” الفيزياء ” تعني كل علوم الطبيعة ) ، وستطبق المنهج التجريبي لإنجاز هذه المهمة . و لا يتعلق الأمر مطلقـــا ، وبطبيعة الحال ، بادعاء أن كل الأبحاث كانت لها غايات عملية ، و لا أن كل الاكتشافات أمكن استيعابها كاكتشافات مشتقة من من الحاجات التكنولوجية . ومع ذلك فإن العلم المولود في القرن 16 لم يبق متجاهلا من طرف عقول خالصة ، وفر لها استعباد الآخرين فرص التفلسف مجانا ، ولكنه أصبح علما شكّل موضوع اهتمام البورجوازيين أو التجار الذين ، مع أنهم لم يمارسوه بأنفسهم بل تركوا أمره للاختصاصيين ، فإنهم حلموا بتملك العالم بواسطته ، كما باشروا ذلك فعليا عن طريق نشاطهم الاقتصادي . وكما بشر بذلك ديكارت ، فإن العلم ، منذ ذلك الحين ، استهدف ” جعلنا أسيادا متملكين للطبيعة ” . ولكن تجديد العلم في القرن 17 لم يفعل سوى أنه فتح أمام العلم قارة أخرى : قارة ” الفيزياء ” ، وساهم أيضا بالتدريج ، وبروح نفعية ، في استخدام العلوم القديمة التأملية من رياضيات ومنطق في دراسة الطبيعة . وهذا هو السبب في أننا عندما نتكلم اليوم عن العلم المعاصر ، فإننا نتجاهل مكتسبات العلم القديم وعلوم القرون الوسطى ، التي لا يمكن اعتبارها مكتسبات بدون معنى، لكي نشير ونعني بشكل جوهري العلم الأمبريقي أو التجريبي ، هذان النعتان اللذان يشيران في نفس الآن للموضوع ( الطبيعة ) وللمنهج ( الاختبار التجريبي ) العلميين (1).
إن العلم معرفة موضوعية تنشئ بين الظواهر علاقات كلية وضرورية تسمح بالتنبؤ بالنتائج ( المعلولات ) التي نحن قادرون على التحكم فيها تجريبيا ، أو تحديد سببها عن طريق الملاحظة . لنوضح حدود هذا التعريف :
1 ] إن العلم معرفة : من زاوية النظر الوحيدة هاته ، يماثل العلم ما نسميه : المعرفة الأمبريقية ، بمعنى المعرفة المؤسسة على التجربة الفورية التي هي غالبا خاطئة ( النار تحرق ـ الصوف يحتفظ بالحرارة ..الخ ) ، والمعرفة التقنية ( فن صناعة البواخر ـ والنار ..الخ ) . غير أن المقارنة تتوقف عند هذا الحد : إذ المعرفة الأمبريقية وكذا المعرفة التقنية تتحددان بواسطة الحاجات الفورية التي تستجيبان لها ( أتعرف على النجوم من أجل أن ترشدني ـ أسوق سيارتي لغرض التنقل … الخ ) ، في حين لم تكن للمعرفة العلمية أبدا ، وبمعنى معين ، تطبيقات فورية : إنها بالفعل إجراء ثقافي وفكري خالـص ، ولو أنها أُنشئت لغاية تطبيقات عملية محددة . لقد استطاع علماء معينون ـ مثلا ـ دراسة علم القذائف بغية تحسين مردودية قطع المدفعية ، إلا أنهم كانوا مطالبين باستخلاص قوانين عامة صالحة بالنسبة لجميع الأجسام المقذوفة . وقد استُخدمت هذه القوانين في ما بعد من طرف رجال المدفعية ، ولكن ، أيضا ، من طرف الصناع ، وحديثا من طرف المهتمين بإطلاق المكبات الفضائية إننا نجد أن العلم ، وربما كان ذلك هو السبب الأقوى لميلاده في المجتمع التجاري ، يفترض تقسيما للعمل : إنه يتعارض مع المعرفتين الأمبريقية والتقنية في أن الإجراءات الفكرية الخالصة وكذا المادية الخالصة مفصولتان عن بعضهما في العلم والتقنية ، كما أن الأشخاص القائمين بهذه الإجراءات هم أنفسهم منفصلون عن بعضهم البعض ومقسمون إلى علماء وتقنيين .
2 ] إن المعرفة العلمية معرفة موضوعية أو تنزع نحو الموضوعية : فهي تتمثل في قضايا ( قوانين ) و/أو أنسقة من القضايا ( نظريات ) هي مطالبة ، وفي الآن نفسه ، بالاستجابة لمعايير الصلاحية ( التماسك المنطقي الداخلي لقضية أو نسق من القضايا ) ولمعايير الحقيقة ( التطابق بين القضية والوقائع ) . وهذان النوعان من المعايير ( خاصة المعايير الثانية ) مستقلان أو يحاولان الاستقلال عن كل تقدير ذاتي . هكذا يلغي العلم ، لا فقط قضايا اللغة الدارجة أو الشعرية التي تتضمن تناقضا داخليا ( ” هذا التلميذ متوسط الذكاء لأنه ينتمي إلى وسط متواضع ـ متوسط ـ ” أو ” الأرض زرقاء كبرتقالـة ” ) ، بل أيضا القضايا المتناقضة مع أخرى ( ” الشمس هي مركز الكون وهي لا تتحرك ” هي قضية غير متسقة مع القضية التالية : ” الشمس تدور حول الأرض ” ) ، بل وأيضا حتى القضايا التي تم تكذيبها بواسطة التجربة أو الملاحظة ( ” الطبيعة تخشى الفراغ ” هي قضية تم تكذيبها عن طريق التجربة ) . وبإرضاء هذين الشرطين يستطيع العلم أن يدعي الموضوعية والحصول على موافقة ( إجماع ) الجماعة العلمية ( المجتمع ) . ثم ، بمقدار ما يتشرب العلمُ الجسد الاجتماعي ( بواسطة مجموع الأنسقة والأنظمة التربوية ) للمجتمع بأكمله . وهذه الملاحظة الأخيرة تبين أن الموضوعية لا تحصلها المعرفة العلمية بشكل فوري ومباشرة ، لأنها مسألة يمكن امتلاكها بالتدريج ، نتيجة التعديل المتعاقب للأخطاء ، والتدقيق والإرهاف المستمرين للنظريات . فالعلم يترك دائما في بعض الجهات مناطق تشكل غنيمة سهلة للذاتية : ليست الموضوعية ، إذن ، محمولا جوهريا (2) للمعرفة العلمية ، إنها بمعنى ما ، النواة الصلبة للعلم ، وهي متأتية من محيط معين من الاحتمال والارتياب … الخ : إنها لا تنتمي إلى ما هو كائن ، لأنها من صنف ما يصير ويكون .
سمة مميزة أخرى تضع العلم في حال تعارض مع الحس المشترك ( المعرفة العامية ) تتمثل في كونه يستخدم مفاهيم وحيدة المعنى ، تجعل من المعرفة العلمية معرفة موضوعية : فبتعارض المفاهيم العلمية ، بهذا الخصوص ، مع المفاهيم اللسانية ( مفاهيم اللغة المتداولة ) تتميز بكونها ليس لها ، أو تحاول أن لا يكون لها إلا معنى واحدا محددا من طرف العالــم ، وذلك لتغطية مجموع من الظواهر أو العلاقات ، في حين أن المفاهيم اللسانية ملتبسة بطبيعتها : فهي تغطي عدة مجموعات من الظواهر ، وهي معرضة لانزلاق المعاني وللتشوهات مثلا ، أو لترابط غير لائق للأفكار . إن مفهوم العطالة مثلا في اللغة العلمية يشير إلى خاصية تنسحب على كل الأجسام الصلبة ، وعليها وحدها فقط ، وحسب هذا المفهوم فإن جسما متروكا لحاله يظل في حالة اللاحركة ، أو في حالة حركة دائمة ما دام لم يتعرض لأي شيء يغير حركته . وبالعكس من ذلك في اللغة المتداولة ، تُتمثل العطالة باعتبارها غيابا للحركة ، أو كمقاومة لها ( قوة العطالة ) ، كما يمكن سحب هذا المفهوم على الأجسام والأرواح معا ، إلى حد أنه يتحول أحيانا إلى مرادف للجمود والبلادة . نرى بوضوح إذن أنه لا يمكننا إقامة أية معرفة موضوعية انطلاقا من التصور اللساني للعطالة ، وذلك لأنه ليست هنالك أية علاقة مشتركة بين عطالة الفتاة الشابة المغمى عليها ، وعطالة السيد ” دوبون ” الذي يرفض مغادرة كرسيه لممارسة عملية غسل الأطباق المنزلية ، أو العطالة الاجتماعية التي تمنع النواب الجيسكارديين من القيام بالإصلاحات الضرورية . إن المفهوم العلمي ، بالعكس من ذلك ، لا يسمح بأي شيء على الأقل خلا بناء كل الميكانيكا المتعلقة بالأجسام الصلبة .
3 ] يدرس العلم الظواهر : و لا نعني بهذا اللفظ الأشياء أو الوقائع التي يستطيع أي إنسان ملاحظتها في ما حوله ، بل نعني به الأشياء أو الوقائع المحددة ، والمنتقاة ، والمصنوعة من طرف العلماء . فالكيمياء ، على سبيل المثال ، لا تدرس ماء الحنفية أو ماء سيدي حرازم ، بل تدرس مركبا كيميائيا H2O ، والفيزيائي الذي يريد تبديه قانون السقوط الحر للأجسام لا يهتم بالانتحار والسقوط من النافذة ( بالنسبة للأشخاص ) ، وذلك لكي يحصر اهتمامه وانتباهه في دراسة كويرة معدنية تتدحرج فوق سطح مائل ، في الوقت الذي يدرس فيه عالم الطيور سلوك العصافير المحصية والمفهرسة قبليا ، والمصنفة حسب معايير مورفولوجية وإيكولوجية … الخ .
4 ] يقيم العلم علاقات كلية وضرورية : وبذلك يتجاهل الحالات الخاصة والجزئية ، و لا يهتم إلا بالظواهر التي تحدث دائما في ظروف محددة . إن العلاقات المقامة بين حدوث الظواهر والشروط والأسباب التي تؤدي إلى حدوثها هي ضرورية بمعنى أن الظاهرة لا يمكن أن لا تحدث عندما تجتمع وتتوفر شروط حدوثها . والعلاقات المستخلصة بهذه الصورة تحمل صفة ” قانون ” . وسنرى في ما بعد أن قوانين علمية معينة هي قوانين وصفية خالصة ، في حين أن قوانين أخرى هي قوانين سببية .
5 ] يمكِّن العلم من التنبؤ انطلاقا من القوانين التي ينشئها : وهنا يجب أن نميز بوضوح بين نشاطات وإمكانيات العلم في مجال التنبؤ ونبوءات وتكهنات العرافين الممارسة بكل أصنافها من طرف بائعي الأوهام والدجالين . إن التنبؤ العلمي هو في نفس الآن أكثر فعالية وأكبر محدودية من تنبؤ أو فراسة العرافة : فالتنبؤ يفترض بالفعل التحكم الكامل في سيرورة ما ، بمعنى معرفة سبب ما وتأثير ما ، و نتيجة لذلك تتوفر لهذه المعرفة ميزة مطلقة . على سبيل المثال يمكن التنبؤ وبدقة لامتناهية بحالات الخسوف كما هو الشأن بالنسبة لمسارات المركبات الفضائية . وإذا كانت التنبؤات المناخية ( الأرصاد الجوية ) ـ والتي ليست بالسوء الذي يزعمه البعض ـ لا تضمن في شيء الحالة الجوية المثلى ( المتنبئ بها ) لعطلنا الأسبوعية أو الكبرى ، فإن مرد ذلك فقط إلى التعقد والتفاعل بين الظواهر التي لا نعرفها بشكل جيد دائما ، وإلى صعوبة ملاحظتها بالامتداد والاتساع الضروريين . وبالمقابل ، يتميز التنبؤ أو التكهن المبني على التنجيم أو على قراءة فنجان القهوة بعدم فعاليته كليا ، لأنه لا يقيم أية علاقة ضرورية بين سبب ونتيجة . وإذا كان مدى التكهن لا نهائيا ( حيث نستطيع التكهن بموت أحد السياسيين بشكل أفضل من التكهن بزواج نجمة من نجوم الطرب ) فإن الثقة التي نضعها في هذا التكهن تساوي صفرا .
وهكذا فإن العلم ـ بفضل موضوعيته ، وبفضل الضرورة المطلقة للعلاقات التي يقيمها ، والتنبؤات التي يقوم بها ، وأيضا بفضل التواضع والحذر المصاحبين لكل قضية من قضاياه ـ هو معرفة من طبيعة أخرى مغايرة لطبائع أنواع المعارف الأخرى ، صحيحة كانت أم خاطئة .
1 ـ خصائص المعرفة العلمية :
ـ العلم والرأي : [ بادئ الرأي ] .
ليس العلم معرفة مختلفة عن تلك التي يمدنا بها الرأي فقط ( أو المعرفة العامية ) ، ولكنه لا يمكن أن يوجد أيضا ، كما أوضح ذلك وبقوة جاستون باشلار في جميع أعماله ، إلا بإحداثه قطيعة إبستمولوجية مع الرأي ؛ فالمعرفة العلمية مطالبة حتى تنتج معرفة إيجابية ، بإنكار شبه ـ معرفة سابقة ، وبالنسبة لباشلار فإن المعرفة العلمية هي دائما مفارقة [ رأي مغاير للرأي السائد ] تؤكد ذاتها ضد حكم مسبق .
هكذا لن ننزعج ، تبعا لإشكالية باشلار ، من أننا نتحاشى الطرح المغلوط للتعارض بين المعرفة العلمية والرأي الشخصي ( الإحساس ـ الذاتية ) ، والذي عودنا التقليد الفلسفي على حله باللجوء إلى ” ثياثيثوسنا ” أو إلى مقدمة أرسطو الكبرى ” لا علم إلا بما هو كلي ” ؛ إذ يتعلق الأمر هنا بإبستمولوجية طفولية تختزل رادة المعرفة العلمية إلى العمومية ، إلى المفهوم ، بفصله عن إطاره المتمثل في العالم المحسوس ـ وهو ما يعتبر تعسفا ـ ؛ فتأسيسا على إبستمولوجيا مثل هاته لا يمكن لأي علم أن يتشكل ما عدا الرياضيات والمنطق ، ما دامت ترفض مفاهيم العلم الأمبريقي المعاصر : أي تلك المتعلقة بالكم والقياس ، فالثياثيثوس ـ مثلا ـ يقصي مستثنيا التيرموميتر ( مقياس الحرارة ) 0
وإذا كنا نريد تعريف العلم بالعلاقة مع الرأي فعلا ، فيجب أن نمنح لهذا الأخير لا معنى الفكرة الشخصية الذاتية ، بل بالعكس معنى الفكرة المتلقاة ؛ فليس للعلم ، أو لم يعد من مهامه الصراع ضد المعيش ، بل هو مطالب بالمصارعة الدائمة وغير المهادنة للإيديولوجيا .
في أي شيء إذن يختلف العلم عن بادئ الرأي المتمثل بهذا الشكل ؟ .. إن بادئ الرأي ، صادقا كان أم كاذبا ، لم يكن أبدا مُحفّزا إلا من طرف حاجة اجتماعية : فالفكرة القائلة بأنه في مناطق ساحلية معينة تجلب الرياح الغربية الأمطار والعواصف ، هي فكرة تستجيب لضرورة حيوية لدى الفلاحين للحفاظ على إنتاجيتهم الفلاحية ، ولدى البحارة لكي يعرفوا إن كان بإمكانهم الإبحار بدون مخاطر ، ونفس الشيء يذكر بالنسبة للفكرة القائلة بأن المحار البحري مهيج للشهوة الجنسيــة ، فهي فكرة ليس لها من معنى إلا ما تشهد به ـ على سبيل المثال ـ عدة لوحات لدى المجتمع الفلاماندي الراقي في القرن 17 حيث كان الاهتمام بالغا بالنتيجة الناشئة عن التهام هذه الرخويات أكثر من الاهتمام بالسيرورة التي تؤدي لهذه النتيجـــة . إن بادئ الرأي يبحث عن نتيجة ، عن معلول ، في الوقت الذي يقيم فيه العلم علاقة . ألم يكن باشلار إذن محقا في القول بأن بادئ الرأي لا يمكن أن يكون على صواب ، حتى ولو كان صائبا بالصدفة وانطلاقا من الوقائع ، ” إن بادئ الرأي هو بحق خاطئ دوما ” . إن العلم ينشغل ويحرص بالفعل على إضفاء المشروعية على أحكامه وإثباتاته بدون أن يهتم بنتائج وتأثيرات محتوياتها ، أما الرأي ، فهو على العكس ، لا يبالي بتفسير الظاهرة ولا يفعل سوى أن يقرر وجودهـــا ، و لا تهمه إلا المنفعة التي يمكنه أن يجنيها منها . سنرى في ما بعد أنه يمكن إيجاز التعارض بين العلم وبادئ الرأي في الكلمات التالية : يبحث العلم عن الأسباب الفاعلة في حين يتجه بادئ الرأي مباشرة صوب الأسباب الغائية .
وإذا كنا نريد تقدير وقياس أهمية القطيعة الإبستمولوجية التي يحدثها العلم ، فإننا نستطيع مساءلة أنفسنا عن معنى إصلاح النظام التربوي المسمى إصلاح ” هابي ” [ في فرنسا ] في ميدان التعليم العالي : فهذا الإصلاح ينزع ، في ميدان التعليم الابتدائي والإعدادي نحو إبدال الخبرات المعرفية العلمية ، المتهمة بأنها صعبة المنال ، متجهمة ،جافة ، وغير منفتحة على الحياة ، بمعارف يزعم أنها نافعة ( كما لو أن المعارف العلمية الحقة ليست كذلك ) ومباشرة ، كما ينزع نحو تعويض التفسير العلمي للظواهر بالخبرات العملية savoir faire . في هذا الميدان الذي يهمنا بالدرجة الأولى ، نتناول من جديد مشعل باشلار ، ولا نسمح للعلم بالتنازل لبادئ الرأي كي يستحوذ على الساحة التي استوطنها العلم بصبر وأناة .

(1) الرأي بحق ، خاطئ دوما .
” إن العلم في حاجته إلى الاكتمال ، كما في مبدئه ، يعارض بإطلاق الرأي . وإذا حدث له في نقطة معينة أن يجعل من الرأي موقفا مشروعا ، فذلك لغايات أخرى غير تلك التي تؤسس الرأي ، بشكل يجعل من الرأي دائما موقفا خاطئا . إن الرأي يفكر بشكل سيء ، بل إنه لا يفكر : إنه يترجم الحاجات العملية إلى معارف ، وبتحديده للأشياء انطلاقا من مردودها العملي يعوق ذاته عن معرفتها . لا يمكن أن نؤسس أي شيء على الرأي إذ يجب أولا تدميره ، فهو أول عائق يجب تجاوزه ، ولا يكفي مثلا تعديله في نقاط معينة ، والاحتفاظ به كشكل من الأخلاق المؤقـتة ، كمعرفة عامية مؤقتة . إن الروح العلمية تمنعنا من اتخاذ رأي حول مسائل لا نفهمها ولا نستطيع صياغتها بشكل واضح . يجب أن نعرف أولا وقبل كل شيء كيفية طرح المشاكل . ومهما قلنا عن الحياة العملية ، فإن المشاكل لا تطرح من تلقاء ذاتها ، وهذا المعنى بالضبط هو الذي يسم الروح العلمية الحقيقية ؛ فكل معرفة ـ بالنسبة للروح العلمية ـ هي جواب عن سؤال . وإذا لم يكن هنالك سؤال ، فلا يمكن أن تكون هنالك معرفة علمية . إذ لا شيء ينبثق من ذاته ، لا شيء معطى بذاته ، فكل شيء يبنى ” .
ك . باشلار : ” مكونات الروح العلمية ” .
فران 1967 ص : 14 .
لا يسجل العلم فقط ـ بالنسبة لباشلار ـ قطيعة مع بادئ الرأي في اللحظة التي يتكون فيها : إنها قطيعة أبدية دائمة ؛ ففكرة علمية ما تستطيع دائما أن تصير رأيا معقِّما متى ما تم إقرارها وتكريسها . لا يمكن ، إذن ، اعتبار تاريخ الفكر العلمي تاريخا لتطور مستمر متصل ( الأطروحة التي يساندها الإبستمولوجيون القائلون بالاتصال ) ، بل بالعكس ، تاريخا لثورة دائمة تبرز خلالها أفكار مناقضة لأفكار أخرى ، ووقائع مناقضة لوقائع أخرى … الخ . وتحدد هذه ” الجدلية ” الأبدية الحركة الذاتية للعلم المتمثلة في تعديل دائم للأفكار بواسطة الوقائع ، وللوقائع بواسطة الأفكار .
(2) التقدم العلمي متتالية من القطائع .
” يعلن التقدم العلمي دائما عن قطيعة ، عن قطائع أبدية بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية ، وذلك كلما تناولنا علما متطورا ، علما هو بفعل هذه القطائع ذاتها ، يحمل ميزة المعاصرة .
كي نعطي لمشكلة التقدم العلمي أفقها الفلسفي ، علينا أن نفحص عن قرب بعض الاعتراضات المصاغة من طرف أنصار الاستمرارية الثقافية ( . . . ) .
أحد الاعتراضات الطبيعية لأنصار الاستمرارية الثقافية يستدعي استمرارية التاريخ ؛ فما دمنا نقوم باستعراض استمراري للوقائع ، فإننا نظن بسهولة في إمكانية إعادة إحياء الحوادث في استمرارية الزمن ، ونعطي بدون انتباه لمجمل التاريخ صفة وحدة واستمرارية كتاب ما ( . . . ) .
إن الاستمراريين شغوفون بالتفكير في الأصول ، إنهم يهتمون بالبحث عن العناصر الأولى للمعرفة ؛ فالتقدم العلمي يحدث ببطء شديد ، ويظهر أنهم أكثر بطئا وأكثر استمرارية . وكما أن العلم يخرج ببطء من جسد المعارف العامية ، فإنهم يعتقدون في إمكانية امتلاك اليقين النهائي بالاستمرار بين المعرفة العامية والمعرفة العلمية . وفي المحصلة ، هذه هي المصادر الأساسية للإبستمولوجيا الموضوعة من طرف الاستمراريين : ما دامت البدايات بطيئة فإن أنواع التقدم مستمرة . لذلك لا يذهب الفيلسوف بعيدا ، فهو يظن أن لا جدوى من معايشة الأزمنة الجديدة حيث تنفجر أشكال التقدم العلمي من كل جهة مفجرة معها بالضرورة الإبستمولوجيا التقليدية ( . . . ) .
طريقة أخرى لتمويه الانقطاعات في التطورات العلمية تتمثل في نسب استحقاقها لحشد من الخدام المجهولين ؛ حيث يُعشق الادعاء بأن التطورات كانت ” في الهواء ” عندما حيّنها رجل [ العلم ] العبقري . وبذلك تؤخذ بعين الاعتبار ” الأجواء ” و ” التأثيرات ” . وكلما كنا بعيدين عن الوقائع ، كلما كان سهلا استدعاء ” التأثيرات ” التي تستدعى بدون توقف من أجل الأصول الموغلة في البعد ، فهي تمرّرُ عبر العصور والقارات .غير أن مفهوم التأثير هذا العزيز على الفكر الفلسفي ليس له من معنى في ميدان بلوغ الحقائق والاكتشافات في حضن العلم المعاصر . إن العاملين [ في المختبرات ] يجتمعون بدون شك ، وبدون شك يتعاونون في مجال البحث ، وهم يشكلون الآن فرقا ومدارس ، ولكن عبقرية مختبرات ما تقوم في نفس الوقت على النقــد والتجديد ؛ والنقد الذاتي لدى عمال المختبرات يدحض من جوانب متعددة كل ما ينهض من ” التأثير ” ( . . . ) إنه وصف للفكر العلمي باعتباره فكرا موجها داخل دوغماتية حقيقة لا تناقش ، وتلك ممارسة لعلم ـ نفس كاريكاتوري عفا عليه الزمن ، إذ أن نسيج تاريخ العلم المعاصر هو النسيج الزمني للجدال ، والبراهين التي تتقاطع فيه هي كذلك [ ناجمة عن ] فُرص الانقطاعات .
نوع ثالث من الاعتراضات مستعار من طرف أنصار الاستمرارية الثقافية من مجال البيولوجيا ؛ فما دمنا نعتقد في الاستمرار بين المعرفة العامة والمعرفة العلمية ، فإننا نعمل على الاحتفاظ بها ونجعل مسألة تقويتها إلزاما لنا ، ونريد أن نستخرج من الحس السليم ، بتؤدة ورفق ، أصول ومبادئ المعرفة العلمية ، وننفر من ممارسة العنف ” بالمعنى العامي ” . زفي مناهج التعليم الأولية نزجي ، كما في لحظات الاستمتاع ، ساعات التلقين الخصبة ، ونتمنى الاحتفاظ بتقليد العلم الأولي ، العلم البسيط ، ونجعل من واجبنا إشراك التلميذ في جمود المعرفة الأولى .يجب عكس ذلك التوصل إلى نقد الثقافة الأولية ، فنلج بذلك مملكة الثقافة العلمية الصعبة والمعقدة .
ها هنا حالة انقطاع لا يمكن محوها بسهولة باستدعاء نزعة نسبية بسيطة : فمن البسيط والسهل أصبحت الكيمياء فجأة صعبة ومعقدة . إنها لم تصبح معقدة بالنسبة لنا فقط ، ولا بالنسبة للفيلسوف فقط ، ولكن وبشكل أكبر صعبة في ذاتها . لن يقبل مؤرخو العلم بدون شك أن توصف الثقافة العلمية لعصرنا بأنها ثقافة صعبة بشكل خاص . إنهم سيعترضون بأنه ـ خلال حركة التاريخ ـ كانت كل أشكال التقدم صعبة ، وسيكرر الفلاسفة أن أطفالنا يتعلمون اليوم في المدرسة وبيسر ما تطلب مجهودا ضخما من العباقرة المتفردين للأزمنة المتطورة . ولكن هذه النسبية الواقعية والبديهية لا تفعل سوى إبراز السمة المطلقة لصعوبة العلوم الفيزيائية والكيميائية المعاصرة متى توجب علينا الخروج من مملكة العناصر الأولية ” .
ك . باشلار : ” المادية العقلانية “
المطبوعات الجامعية الفرنسية 1972 .
ص ـ ص 213 – 207 .
إن القطيعة الإبستمولوجية هي بالبداهة أكثر ظهورا في العلم المعاصر منه في العلوم عند ولادتها . وباشلار هنا يوضح كلك بواسطة مثال مستعار من تقنية ” عقلانية ” هي عقلانية المصباح الكهربائي الذي يفترض وجوده ذاته لا فقط التخلي عن بادئ الرأي الذي يقنعنا بأن مصباحا لا يمكنه أن يضيء إلا بإحراق مادة معينة ، بل أيضا تشكيل وتأسيس مجموعة بكاملها من المعارف العقلانية تسمح بتصور وصنع الموضوع التقني البالغ التعقيد المتمثل في المصباح [ الكهربائي ] .
(3) مثال تقني ـ علمي للقطيعة : المصباح الكهربائي .
” لنوضح ( . . . ) كيف أن التقنية التي صنعت المصباح الكهربائي ذي الخيط المتوهج تقطع حقيقة مع كل تقنيات الإنارة المستخدمة من طرف الإنسانية كلها حتى القرن 19 . فلكي ننير مكانا في التقنيات القديمة وجب إحراق مادة ما . أما الفن التقني في مصباح أديسون فيقوم على تجنب الإحراق . إن التقنية القديمة هي تقنية الاحتراق ، أما التقنية الجديدة فهي تقنية اللااحتراق .
ولكي نتمكن من هذه الجدلية ، [ نتساءل ] عن المعرفة العقلانية الخاصة التي يتوجب امتلاكها عن الاحتراق | إن أمبريقية الاحتراق لم تعد كافية للذي يكتفي بتصنيف المواد القابلة للاشتعال والاحتراق ، وبتضخيم قيمة المواد القابلة للاحتراق أكثر من غيرها ، وبتمييز بين المواد القابلة للاحتفاظ بالاحتراق والمواد غير القمينة بذلك . يجب أن نمتلك فهما مؤداه أن احتراقا ما هو تأليف لإعاقة الاحتراق ، وليس نموا لقوة جوهرية . وقد أصلحت كيمياء الأوكسجين في العمق ، وبشكل جذري المعرفة المتعلقة بالاحتراق .
في [ إطار ] تقنية اللااحتراق ابتكر أديسون المصباح الكهربائي ، زجاج المصباح المغلق ، المصباح الذي لا يسحب ( الأوكسجين الضروري للاحتراق ) . إن المصباح لم يصنع لكي يعوق توهج المصباح ذاته بفعل التيارات الهوائية ، بل صنع للمحافظة على الفراغ حول السلك المتوهـج ، فليس للمصباح الكهربائي مطلقا أية خاصية مشتركة مع المصباح العادي ، والخاصية الوحيدة التي تسمح بالإشارة إلى المصباحين معا باستخدام نفس اللفظ هي أن كليهما ينيران الغرفة عندما يحل الظلام ، وحتى نجعلهما متقاربين ومتقابلين ، فإننا نجعل منهما هدفا لسلوك حياتي مشترك . لكن هذه الوحدة في الهدف ليست وحدة للفكرة ، إلا لمن لا يفكر في أشياء أخرى غير الهـــــدف ( . . . ) .
ما نريد البرهنة عليه هو أنه في العلم الكهربائي ذاته ، هناك تأسيس لتقنية “غير طبيعية ” ، لتقنية لا تتلقى دروسها من اختبار تجريبي للطبيعة ؛ إذ لا يتعلق الأمر بالفعل ، كما سنشير إلى ذلك ، بالانطلاق من الظواهر الكهربائية كما تعرض للفحص المباشر والفوري .
في العلم الطبيعي للكهرباء في القرن 18 طُرح بدقة التساوي الجوهري بين المبادئ الثلاثـــة : نار ـ كهرباء ـ نور . وبكلمة أخرى ، فإن الكهرباء أخذت من الخصائص البديهية للشرارة الكهربية ؛ فالكهرباء نار ونور ” التيار الكهربائي ، يقول l’abbé bertholon ( كهرباء النباتات . ص : 25 . ) نار محورة ، أو هو بنفس المعنى تيار مشابه تماما للنار والنور ، ذلك لأن له معهما أكبر العلاقات ، وهي المتمثلة في الإنارة واللمعان ، والاشتعال والإحراق ، أو تذويب أجسام معينة : وهذه ظواهر تثبت أن طبيعته هي طبيعة النار ما دامت تأثيراته العامة مشابهة لتأثيرات النار ، ولكنه نار محورة ما دام يختلف عنها من بعض الأوجه ” . وليس هذا الكلام حدسا معزولا لأننا نجده بسهولة في كتب عديدة خلال القرن 18 .
هكذا لا تستطيع المعرفة العامية أن تتطور بتأصلها في القيم الأولى ؛ إنها لا تستطيع هجر أمبريقيتها الأولى ، إن لها من الإجابات أكثر مما لديها من الأسئلة ، إن لديها جوابا عن كل شـيء . وسنرى ذلك في المثال المختار التالي : إذا كانت عصا resine راتنج [ مادة صمغية لزجة تفرزها بعض النباتات لاسيما الصنوبر ] تقذف الشرارات لأقل احتكاك ، فلأنها مليئة بالنار . فلماذا نندهش من هذه الظاهرة الجديدة ؟ … ألم نكن نصنع منذ عهود غابرة مشاعل بواسطة الراتنج ؟ … وهذه الشرارات ليست فقط نورا باردا بل حارا ، وتستطيع أن ماء الحياة ملتهبا ، ماء النار . كل هذه الملاحظات في النمط الأمبريقي للقرن 18 تثبت الاستمرارية بين الحس المشترك والتجربة العلمية . إن الظاهرة التي فاجأتنا أولا لم تكن أبدا إلا مثالا لسريان النار في مجمل الطبيعة وفي الحياة ذاتها ، وكما قال بوت pott باستخدامه للكلمة العالمة phlogistique مصدر اللهب [ سائل تصوره الكيميائيون القدامى لتفسير الاحتراق ] ، ولكن بالتفكير ضمنيا في الكلمة الشعبية : النار : ” إن امتداد هذه المادة ( le phlogistique = مصدر اللهب ) يذهب أبعد في الكون ، فهو منتشر في الطبيعة كلها ولو في توليفات جد مختلفـــــة ” . هكذا ، ليس هناك من حدوس عامة غير الحدوس الساذجة ، والحدوس الساذجة تفسر كل شيء ( . . . ) .
إن صورا كهاته ـ والتي يمكن مضاعفتها ـ توضح بشكل كاف بأي بساطة ينشئ أمبريقي من الملاحظة نسقه ، ومدى السرعة التي يغلق بها هذا النسق . إننا نرى ذلك ؛ فالمعارف العلمية الكهربائية كتلك التي يكونها الملاحظون الأوائل مُلحقة ، وبسرعة ، بكوسمولوجية للنار . ولو تم إنجاز مصباح كهربائي في القرن 18 ، فإن السؤال التالي كان سيطرح لا محالة وهو : كيف يمكن أن تصير النار الكهربائية الكامنة نارا ظاهرة ؟ .. كيف يمكن أن يصير نور الشرارة نورا دائما ؟ .. وكثيرة هي الأسئلة التي تستهدف جوابا مباشرا ، و لا واحدة من هاته النظرات للكون استطاعت أن تقود وتهدي تقنية معينة.
لنعد إذن إلى فحص الظاهرة ـ التقنية . إن التاريخ الفعلي قائم هنا لإثبات أن التقنية عقلانية ، تقنية ملهِمة بواسطة قوانين عقلانية وقوانين جبرية ( الجبر ) ، ونحن نعلم جيدا أن القانون العقلاني الذي يضبط ظواهر المصباح الكهربائي في توهجها هو قانون ” جول ” الذي يخضع للمعادلة الجبرية التالية :
W = RI2t
( W = طاقة ، R : مقاومة ، I : قوة التيار ، t : زمن )
هاهنا علاقة مضبوطة لمفاهيم محددة بدقة . W تسجل في العداد ، RI2t تستهلك بداخل المصباح . إن التنظيم الموضوعي للقيم يتصف بالكمال .
من المعلوم أن الثقافة المجردة شطبت على الحدوس المحسوسة الأولى ؛ إننا لم نعد نقول ـ أو نعتقد بالكاد ـ أن النار والنور يتجولان في خيط الكهرباء العجيب ، لأن التفسير التقني يذهب إلى المعنى المعاكس للتفسير الجوهراني ، وهكذا فإننا عندما نريد أن نحدد بشكل أفضل آثار المقاومة نستدعي المعادلة التالية : . R = P L
s
( P = مقاومة المعدن ، L : طول الخيط الكهربائي ، S : القطع المخروطي للخيط الكهربائي ) . وسندرك الضرورة التقنية لاستعمال خيط طويل ودقيق لتصعيد المقاومة ، وسنتعجب لدقة الخيط المرتعش . إن العامل p يحتفظ بدون شك بتحفظ معين اتجاه الأمبريقية ، ولكنها أمبريقية مؤطرة جيدا ، مؤطرة عقلانيا . ومن جهة أخرى ، يستطيع علم أكثر تطورا أن يأتي في ما بعد ليضاعف فتوحاته ضد هذه الأمبريقية . إن الصناعة المعاصرة بالتصاقها وتشبثها بتقنية محددة ، وباشتغالها على مادة مصفاة بعناية كما هو شأن فلزات ” تنغستن ” تنتهي إلى نوع من عقلنة المادة ؛ فبالنسبة للمعمل الذي يصنع المصابيح ذات السليكات من نوع تنغستن لم يعد العامل p يحتفظ أبدا بأية مفاجأة امبريقية ؛ فهو بمعنى ما منزوع الفردية ماديا ، إذا كنا حساسين اللطائف الفلسفية التي لا يمكن أن يفوتها الاعتراف بالدور الفعلي للعقلنة في صناعة المصابيح الكهربائية بالجملة .
نستطيع إذن أن نؤكد أن المصباح الكهربائي هو موضوع للفكر العلمي ، وبهذه الصفة ، هو مجرد مثال بالنسبة لنا ، ولكنه مثال واضح تماما لموضوع مجرد ـ مشخص ، لنفهم وظيفته ، يجب القيام بانعطاف يقودنا نحو دراسة علاقات الظواهر في ما بينها ؛ أي نحو علم عقلاني معبّر عنه جبريا ” .
ك . باشلار
” العقلانية المطبقة “
المطبوعات الجامعية الفرنسية 1949 .
ص ص 109 – 105 .
إن للتصور الباشلاري الذي يعرّف العلم كمتتالية من القطائع مع المعرفة العامية نتائج من الأهمية بمكان : فلا يجب أن نبحث للاكتشافات العلمية عن سوابق أو أسلاف . إن باشلار يريد محاربة فكرة ، هي مع ذلك أكثر انتشارا ، يتم الإحساس وفقها بكل المعارف العلمية مسبقا ” في خطوطها الكبرى ” قبل أن يتم بناؤها بشكل صارم . وهكذا فإن القول بأن لوكريس ـ أو لماذا لا ديمُوقريطس ـ هو مبتكر النظرية الذرية للمادة ، هو قول لا معنى له . إنها نظرة للعقل ليؤكد ، كما فعل جوزيف نيدهام ذلك ، أن الاكتشافات المعاصرة حول النسبية والتطور كانت بشكل مسبق متضمنة في الفكر الفلسفي والديني للصين القديمة [" العلم الصيني والغرب " ـ نقط ـ 1973 . ص 45 وما يليها ] . إنه خلط للفكر العلمي ـ الذي يجهد في إقامة قوانين صارمة ونظريات متماسكة ومثبتة بواسطة التجربة ـ مع أمواج الحدوس الميتافيزيقية . إن الظاهرة النفسية التي تغطي هذا الخلط والبلبلة هي مماثلة للخلط الذي نجده في الحلم المنذر [ بوقوع أحداث معينة ] ، وللطريقة ذاتها التي نلصق بها معنى خاصا بالحلم [ المنذر ] الذي ، بخلاف كل الأحلام الأخرى ، يبدو ومع ذلك أنه يعرض الواقع بشكل فضفاض . وبالمثل فإن من بين النظريات الفلسفية حول المادة والتي لا تحصى ، فإننا لا نحتفظ به من بينها إلا تلك التي لها علاقة ، هي غالبا محض لسنية ، مع الاكتشافات العلمية ( فهناك هوة عميقة بين ذرة لوكريس وذرة روثرفورد ) . ونحن في الحالتين معا نعزو للضرورة ما هو ناشئ عن مجرد الصدفة .
نفس الشيء يقال عن الإبداعات التقنية : فمما لا معنى له ، وما هو ساذج أن ننسب لليوناردو دافينشي اختراع مظلة هبوط المظليين أو الهيليكوبتر أكثر من كوننا نجعل من جول فيرن أب الرجال ـ الضفادع ؛ فهذا النوع من السخافات المروّجة تجاريا ببراعة وتعالم شديد الخطورة ، حيث تنزع إلى اختزال قيمة هذه الابتكارات وتجعل منها مجرد أفكار فضفاضة هي في مقدور أي عقل متخيِّل .
” لقد رضينا أن نذل ونهان “
16 يناير 2009 by maarouf66حوار مع المهدي المنجرة :
” لقد رضينا أن نذل ونهان “
-
سؤال : ما هو رد فعلكم على شنق صدام حسين ؟ ..
-
سؤال : كيف تحللون دور الولايات المتحدة في العراق ؟ ..
-
سؤال : كيف تفسرون هذه الحملة الساخنة على العراق ؟ ..
-
سؤال : كيف تقرأون التاريخ القريب للعراق تحت هيمنة هذه ” الفوبيوقراطية “؟ ..
-
سؤال : ما هي عواقب هذه ” الفوبيوقراطية ” ؟ ..
-
سؤال : أنتم تعتقدون إذن أن الأمم المتحدة لم تعد تشكل اليوم أداة لمواجهة هذه الانحرافات . . .
-
سؤال : هل الوضعية الحالية بالعراق هي في نظركم ثمرة ما أسميته منذ سنة 1991 ” الحرب الحضارية ” ؟ ..
-
سؤال : ما هو الخطر الذي كان يشكله العراق على الغرب من زاوية نظر ” حضارية ” ؟ ..
-
سؤال : لكن الغرب مع ذلك ، وعلى رأسه الولايات المتحدة ، يدعو إلى الديمقراطية ويعلي من شأنها ، فما هي عواقب هذا التناقض ؟ …
-
سؤال : ما الذي يشكل المحرك الأساسي هذه ” الحرب الحضارية ” ؟ ..
-
سؤال : لماذا ؟ ..
-
سؤال : ما هو الترياق الذي تقترحونه لهذه ” الحرب الحضارية ” ؟ ..
-
سؤال : بمعنى ؟ ..
موسيقى الملحون
18 نوفمبر 2008 by maarouf66
مهندسو الثورة
9 اغسطس 2008 by maarouf66المصدر: مجلة العلوم الإنسانية
لقد حدد ماركس وإنجلز مفهوم الثورة انطلاقا من تحليل حقبتين ثوريتين: إحداهما سياسية (الثورة الفرنسية) والأخرى اقتصادية (الثورة الصناعية). ولأن ماركس شهد أحداث 1830 بفرنسا وأحداث 1848 بأوربا، فقد حدد في البيان الشيوعي الشروط الضرورية لنجاح الثورة: من جهة، معرفة موضوعية بالأسباب الحقيقية وراء بؤس البروليتاريا، ومن جهة أخرى، وجود منظمة سياسية لإيقاظ ضمائر المقهورين. وفي المرحلة الثورية يقترح ماركس الإقامة المؤقتة لديكتاتورية البروليتاريا، لكن بدون أن تتمدد أكثر من اللازم. وستشكل هذه النظرية الماركسية بخصوص المسعى الثوري موضوع عديد من التأويلات وإعادة التقييم تبعا للسياق الاجتماعي، الثقافي والسياسي. إذن فبدل الحديث عن الماركسية بالمفرد، يستحسن جدا الحديث عن الماركسيات من زاوية النظر السياسية. وإذا كانت هذه الماركسيات تتفق على ضرورة تجاوز الرأسمالية، فإنها تختلف بخصوص الوسائل الكفيلة بتسريع عملية التجاوز هاته.
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
- الإصلاحيون:
لقد حاولوا الجمع بين الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية بالدخول إلى الاشتراكية بدون ثورة ولا ديكتاتورية البروليتاريا. وهذا التوجه الاشتراكي الديمقراطي تم تبنيه في حياة ماركس في ألمانيا من قبل فرديناند لاسال الذي أوصى سنة 1863 بالائتلاف في ما بين مختلف مكونات الحركة العمالية. وبعده سيوصي إدوارد برنشتاين بتحويل تدريجي للمجتمع الرأسمالي إلى مجتمع اشتراكي، وهو ما أدى إلى نعته بأنه “مرتد” و”مهرطق” من قبل الماركسيين الأورثودوكسيين قبل أن يتم احتواؤه من قبل أكثرهم أهمية (كاوتسكي). في فرنسا، جعل الإرث الثوري لسنة 1789 قراء ماركس “الاشتراكيين” ينعطفون نحو نزعة إنسانية مثالية (جان جوريس، ثم ليون بلوم)، أو على العكس نحو تركيب في ما بين الماركسية والنزعة الفوضوية-النقابية (جورج سوريل). ووحده الحزب العمالي الفرنسي بزعامة جولس جيسد سينخرط في برنامج ماركسي تماما . بالنمسا ، ألهمت مسألة القومية الماركسية النمساوية حول أوتو بووير، بينما شكل الاشتراكيون مبكرا بالبلدان الأنجلو-سكسونية مكسبا للنزعة الإصلاحية. وسيلهم فشل الثورات التي حدثت بأوربا في نهاية الحرب العالمية الأولى (بألمانيا وهنغاريا) إصلاحيين آخرين، إن لم يكن رفضا للماركسية كما هو الحال لدى الإيطالي بينيديتو كروتشه. بعد الحرب العالمية الثانية، انخرطت الأحزاب الاشتراكية الغربية بشكل نهائي في النزعة الإصلاحية (التخلي بألمانيا عن الأفق الثوري من قبل الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD سنة 1957). وقد ابتعدت الأحزاب الشيوعية بدورها عن الدوغما: كنتيجة “للتوافق التاريخي” في ما بين الحزب الشيوعي الإيطالي PCI والديمقراطية المسيحية (1977)، وتخلي الحزب الشيوعي الفرنسي PCF عن فكرة ديكتاتورية البروليتاريا 1976 .
![]() |
![]() |
![]() |
|
جورج سوريل |
جان جوريس |
لاسال |
- الماركسية-اللينينية:
وتنحدر من تأملات لينين حول إمكانية إطلاق سيرورة الثورة في بلد متخلف (كروسيا) أو مستعمر. ومن ثمة حدد لينين المنهجية الثورية في ما يلي: فضدّ النزعة العفوية التي دافعت عنها روزا لوكسمبورغ، أوصى لينين بتشكيل طليعة تجمع ثوريين متخصصين (الحزب البولشفيكي)، وحالما تتحقق الثورة تتم إقامة ديكتاتورية البروليتاريا. وباعتماد هذه الماركسية اللينينية كمرجع تشكلت مع الأممية الثانية (1919) الأحزاب الشيوعية ومن بينها الحزب الشيوعي الفرنسي PCF بفرنسا والحزب الشيوعي الإيطالي PCI بإيطاليا، وهما أهم التنظيمات الشيوعية الغربية. وستفرض الماركسية اللينينية ذاتها بوصفها العقيدة الرسمية لمختلف الأنظمة الشيوعية لما بعد الحرب إلى حدود سقوط جدار برلين، لكن هذه الماركسية الرسمية غطت في الواقع تنويعات مختلفة:
- أولها الستالينية التي يمكن تحديدها على المستوى النظري باعتبارها محاولة لتكييف المشروع الماركسي مع الظروف الواقعية للاشتراكية بروسيا، وفي فترة ما بعد الثورة؛ فضدّ ليون تروتسكي الذي كان مناصرا “للثورة الدائمة” استدعى ستالين السياق العالمي (صعود الفاشية، “الحصار” من قبل البلدان الرأسمالية) من أجل تبرير متابعة التجربة الاشتراكية في بلد واحد؛
- هناك ثانيا تنويعات الماركسية اللينينية التي ظهرت أساسا ببلدان أوربا الشرقية وآسيا كرد فعل على هيمنة النموذج السوفياتي، أو/و بفعل أشكال التهجين مع الثقافات الوطنية: الماوية، مذهب تيتو…؛
![]() |
![]() |
- وهناك أخيرا الماركسيات-اللينينية بالبلدان النامية أو المستعمرة سابقا (إثيوبيا، الكونغو، أنغولا، بينين…) التي وفرت في ما وراء تنوعها نفس الامتيازات لنخبها الحاكمة: شبكة قراءة تبرر الصراع من أجل الاستقلال، ونموذج هو في نفس الآن نموذج للتنمية الإرادية وسلطة الدولة، و”خبرة عملية” في مجال قمع “الأعداء الداخليين” وهيمنة الطبقة الحاكمة(1).
- ثيولوجيات التحرير:
ظهرت بأمريكا اللاتينية في السبعينيات، وهي ترسخ تحالفا في ما بين المسيح وماركس. ومن خلال تبني شبكة القراءة الماركسية لوصف المجتمعات الأمريكية الجنوبية فقد حددت للفئات الأكثر فقرا من الساكنة الدور الثوري المسنود كلاسيكيا للبروليتاريا من طرف الماركسية الأوربية(2). ومن بين كل بلدان أمريكا اللاتينية انخرطت كوبا ونيكاراغوا وحدهما في السبل المستلهمة من الماركسية-اللينينية: مذهب كاسترو والنزعة الساندينية.
الساندينيون |
فيدال كاسترو |
المسيح |
- النزعة اليسارية:
إنها إسم جنس تحيل على تيارات جد متنوعة كالنزعة الفوضوية، التروتسكية، مذهب تشي غيفارا،… الخ، التي تطورت بالغرب خلال الستينيات والسبعينيات، كلها تتقاسم نفس ألفاظ وكلمات الماركسية المبسطة وتتقاسم بالخصوص إيمانا بـ” فعالية ” الثورة.
وإذا لم يعد المشروع الثوري يشكل بديلا ذا مصداقية لليبرالية، فإنه يبدو أنه لا زالت هناك أيام جميلة أمام معجم الألفاظ الماركسي: فخيبة الأمل المنسوبة لليبرالية ولسيرورة العولمة تنحو نحو إعادة تنشيط الخطابات النقدية الموجهة للرأسمالية في غياب أحلام المساء الكبير…
![]() |
![]() |
*******************
(1) زكي العايدي وأليي ، الاتحاد السوفياتي منظورا إليه من العالم الثالث ، كارطالا ، 1984.
(2) ميكائيل لووي ، الماركسية بأمريكا اللاتينية ، ماسبيرو ، 1980.
الشخصية
9 اغسطس 2008 by maarouf66
يمكن مقاربة الشخصية إما من زاوية فلسفية تحصرها في ماهية الشخص وكيفية عمله كنظام باعتباره ذاتا مفكرة مريدة وحرة ومسؤولة أخلاقيا وقانونيا ، تمثل غاية وقيمة في ذاتها تستوجب الكرامة والاحترام وتعبر عن إنسانية الإنسان كطبيعة عاقلة وإرادة تسن قوانين وتشريعات وقيما كونية، وإما انطلاقا من وجهة نظر العلوم التي تعتبر الشخصية بناء تجريديا ونموذجا نظريا لفهم سلوك وسيرة الشخص من خلال أنظمة نفسية واجتماعية، وضمنها من خلال نظريات تختلف باختلاف الأوليات التي تنطلق منها.

1) نظام الشخص :
المقاربة الفلسفية : ديكارت ـ إدموند هوسرل ، جان بول سارتر ـ كانط .
كيف يتأتى للإنسان إدراك شخصيته انطلاقا مما يميز ماهيته كشخص؟ .. وكيف يتحدد الشخص كنظام في ضوء ذلك ؟ ..
يحيل مفهوم الشخصية لدى كل من ديكارت وابن سينا وكانط على مفهوم الشخص باعتباره ذاتا عارفة تعي وجودها وإنيتها وقيمتها الأخلاقية.
فالوعي لدى ديكارت وابن سينا يتم بإدراك الإنسان لماهيته كشخص عبر إدراكه لما هو ثابت وقار خلف الحالات التي يمر منها وكل التغيرات التي لا يتوقف بدنه عن معرفتها. إن وحدة الشخص لدى هذين الفيلسوفين ليست متمثلة في المعطى البيولوجي الصرف الذي يجسده البدن ، وإنما هي قيمة سامية لخصها ديكارت في العقل أو مفهوم الذات المفكرة ، في حين لخصها ابن سينا في مفهوم النفس أو الإنية.
ينطلق ديكارت في نص : الذات المفكرة من السؤال : ما الإنسان أو ما الأنا ؟ .. وانطلاقا من منهجيته القائمة على الشك من أجل بلوغ اليقين الذي لا شك فيه شك في كل الأفكار التي كانت لديه عن نفسه محاولا إيجاد الجواب اليقيني عن السؤال : من أنا ؟ .. حدد ديكارت للجسم مجموعة من الخصائص ، ووجد أن هذه الخصائص لا تعلق لأي منها بالنفس ؛ فخاصية النفس الأساسية هي التفكير ، في حين أن خاصية الجسم هي الامتداد ، فاستنتج من ذلك أن الأنا شيء مفكر ؛ أي ذهن أو روح أو فكر أو عقل ، والتفكير دليل الوجود ، ومن هنا الكوجيطو القائل : ” أنا أفكر ، إذن أنا موجود ” ، والشيء المفكر هو شيء يشك ويفهم ويتصور ، يثبت وينفي ويريد ويتخيل ، إلا أن تعدد هذه العمليات الفكرية لا يعتبر تعددا للأنا.

و لا يختلف ابن سينا عن ديكارت عندما يرى بدوره أن وحدة الشخص تتمثل في النفس أساسا وليس في البدن ؛ فلا يمكن للإنسان أن يغفل عن وجوده وإثبات هذا الوجود المسمى ” إنية ” حتى لو افترضنا إنسانا معلقا في الهواء ” برهان الرجل الطائر ” لا يبصر أجزاءه و لا تتلامس أعضاؤه ، فإنه مع ذلك لن يغفل عن إثبات إنيته ، بل حتى النائم في نومه والسكران في سكره لا يمكنه أن يغفل عن إنيته ، تلك الإنية التي لا يتم إدراكها وإثبات وجودها عن طريق المدركات الحسية أو عن طريق الفعل والحركة ، وإنما عن طريق العقل وقوة أخرى غير المشاعر وبدون وسيط.
إن هذا الوعي المعلق لدى كل من ديكارت وابن سينا ، والذي يبدو كما لو أن لا علاقة له بالوجود وبالعالم الخارجي ، لأنه مكتف بذاته ، لم يسلم من وجود معارضين منتقدين رأوا في هذا النوع من الوعي وعيا ميتافيزيقيا ، إذ أن هوسرل انطلاقا من مفهوم ” القصدية ” الذي يعني افتاح الذات واندفاعها نحو العالم والآخرين ، يرى أن الوعي هو

أحد أقطاب الفلسفة الوجودية
دائما وعي بشيء ما ، ووعينا بذواتنا إنما يمر عبر العالم والأشياء والآخرين ، وليس هناك وعي مجرد أو مفصول عن العالم .
كما أن سارتر يرى أن وعينا لذواتنا يتوقف أساسا على وجود الآخر الذي يلعب دورا أساسيا في إماطة اللثام عن حقيقة الذات خلف ما تتبدى به لنفسها أو ما تتوهمه كواقعها.

الفيلسوف النقدي
إن الإنسان لدى كانط، كظاهرة من ظواهر الطبيعة وكحيوان عاقل يسعى لتحقيق غايات نفعية، لا يكتسب بذلك إلا قيمة نفعية خارجية ، وبذلك يمكن الحديث عن قيم الناس في هذا المستوى كما لو كنا أمام تجارة للبشر . لكن الإنسان باعتباره ذاتا لعقل عملي أخلاقي ( الشيء الذي يدخل ضمن مفهوم الفضيلة ) يمتلك قيمة كبرى ومطلقة ( كغاية في ذاته ) تتمثل في امتلاك الكرامة واحترام الذات ، وهنا يتساوى الناس فيما بينهم ، ومن هنا أيضا ضرورة الوعي بالخاصية السامية لتكوين الإنسان الأخلاقي ، وعلى الإنسان أن يسعى نحو غاياته النفعية ، لكن بشكل لا يؤدي إلى الحط من قيمته الأخلاقية .
(2 النظام النفسي:
إذا كانت الشخصية من المنظور الفلسفي تتماهى مع نظام الشخص على مستوى الوعي وعلى مستوى البعد الأخلاقي، فإن العلوم الإنسانية ، وبكيفية خاصة علمي النفس والاجتماع، قد أسست تصورها للشخصية انطلاقا من اعتبارها نموذجا نظريا لفهم وتفسير سلوك وسيرة الشخص .
اختلفت مدارس علم النفس بخصوص ما يشكل حقيقة الحياة النفسية : فالمدرسة الشعورية مع وليم جيمس رأت أن هذه الحقيقة تتمثل في المستوى الشعوري الذي نحسه ونشعر به ، والذي يمكننا اكتشافه والتعرف عليه من خلال آلية أساسية سماها أقطاب هذه المدرسة “ الإستبطان Introspection ” الذي يمكننا من معرفة الحالات النفسية المختلفة وتكوين معرفة علمية بصددها .
أما المدرسة السلوكية ( واطسن ـ بافلوف ) ، أخدا بالتقليد العلمي في ميدان العلوم الحقة وبخاصة منهجها التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة ، فقد رأت أن هذه الحقيقة تتمثل في المظاهر الخارجية للسلوك التي يمكن رصدها ملاحظة ( اصفرار الوجه ـ توثر العضلات للهجوم أو للهرب ـ وقوف شعر الرأس ـ جحوظ العينين ـ إفراز مادة الأدرينالين في الدم ـ تقلص المعدة ـ تصبب العرق . . . الخ ) . ويمكن ، كما يرى ذلك واطسن ، رد مجموع سلوكات الشخصية إلى مجموعة من المنبهات والاستجابات ، باعتبار أن كل السلوكات الإنسانية هي أفعال منعكسة شرطية ( تجربة بافلوف ) تم تلقيها عن طريق التربية ، بالشكل الذي يمكِّننا من التنبؤ بالاستجابة متى ما عرفنا المنبه ، والعكس صحيح أيضا ، ومعنى هذا أنه يمكن رد كل السلوكات الإنسانية إلى قانون عام هو ( منبه = استجابة ) . لقد كان واطسن يقول : أعطني عددا معينا من الأطفال ، وأنا أصنع لك منهم الأستاذ والمحامي والطبيب والنجار والقاتل و . . . الخ .
لقد نظرت هذه المدرسة إلى الإنسان كما لو كان حلقة مفرغة من الشعور عندما أهملت البطانة الوجدانية المصاحبة للمظاهر الخارجية للسلوك ، في الوقت الذي أهملت فيه المدرسة الشعورية هذه المظاهر عندما اعتبرت حقيقة الحياة النفسية متمثلة بالأساس في الشعور الداخلي فقط .
أما المدرسة الثالثة وهي المدرسة اللاشعورية بزعامة

أب التحليل النفسي
سيجموند فرويد فترى أن حقيقة الحياة النفسية لا تتمثل لا في المستوى الشعوري و لا في مستوى السلوك الظاهري لأنها توجد في مستوى آخر خفي ومحدِّد بشكل أساسي للشخصية كما هو المحرك الأساسي لكل السلوكات الصادرة عن الشخصية ، إنه المستوى اللاشعوري الذي اكتشفه فرويد من خلال ملاحظاته المتعددة وهو يدرس في باريس في مستشفى الدكتور برويير المختص في علاج الأمراض العصبية لدى النساء خاصة ؛ لقد لاحظ فرويد أن عديدا من المريضات يتحدثن أثناء تنويمهن المغناطيسي عن أحداث لا يتذكرنها في حالة اليقظة ، فاستنتج من ذلك وجود مستوى لاواعي من الحياة النفسية سماه اللاشعــور ، كما وقف على مدى تأثير هذا المستوى ومدى أهمية التعرف على مكوناته لضرورتها في معالجة الأمراض النفسية والعصبية .
ثم ستتوالى بعد ذلك فتوحات التحليل النفسي الذي اقترن تأسيه وبلورته بالبحث في خبايا اللاشعور وبالخصوص الخبايا المسببة للمرض النفسي بأنواعه وأشكاله المختلفة . وبالنسبة للتحليل النفسي ، يلعب التطور الجنسي ـ النفسي للطاقة الحيوية الدافعة للغرائز الجنسية ( الليبيدو ) لدى الطفل الدور المركزي في تكوين شخصيته ، وبذلك تعطي الصدارة للجنس كمكون أساسي في حين تفرد أهمية ثانوية للعوامل الأخرى . وتلعب عقدة أوديب دورا أساسيا في النمو الجنسي ـ النفسي المذكور لدى الطفل : فالليبيدو لديه يتخد أحد الأبوين كموضوع لاختياراته الغرامية الأولى ، وكبت هذا التوجه النفسي ـ الجنسي في أعماق اللاشعور ينشأ عنه المركب المركزي لكل عصاب ( عقدة أوديب ) ، وهو الذي يحدد في ما بعد أشكال التعامل مع الواقع لدى الطفل .
ويتوقف البناء النفسي السليم للشخصية على الحل السليم لهذه العقدة ، إذ أن عكس ذلك تنشأ عنه في ما بعد اضطرابات عصابية تحتاج إلى علاج . ومعنى هذا أن السنوات الأولى من عمر الطفل تلعب دورا مركزيا في تحديد شخصيته المستقبلية .
إن المحرك الأساسي للشخصية من وجهة نظر التحليل النفسي يتمثل في ما يسميه فرويد ” الجهاز النفسي ” الذي يتكون خلال ” مراحل النمو النفسي ” الخمسة الأساسية :
1 ـ المرحلة الفمية
2 ـ المرحلة الشرجية
3 ـ المرحلة القضيبية ( الأوديبية )
4 ـ مرحلة الكمون
5 ـ ثم مرحلة المراهقة .
فما هي مكونات الجهاز النفسي للشخصية ؟ … وما هو الدور الذي يلعبه كل مكون من هذه المكونات في بناء الشخصية على المستوى النفسي ؟ …
يتكون الجهاز النفسي من ثلاث قوى افتراضية هي :
ـ الهو Le ça : وهو يتضمن دوافعنا وغرائزنا التي ورثناها عن الأجداد والتي كُبتت بفعل الحضارة ، وهو متمركز حول نزعة أساسية ( الليبيدو ) أو نزعة الجنس ، همها طلب اللذة واجتناب الألم ، إذ المبدأ الذي يخضع له الهو في سلوكه هو ” مبدأ اللذة ” .
ـ الأنا Le moi : وهو جزء من اللاشعور انفصل عنه نتيجة الاحتكاك والاصطدام بالواقع وإكراهاته لذلك فهو يمثل الجانب الذي يلامس الواقع من شخصيتنا ، ويتكون من جملة من الأفعال الإرادية واللاشعورية التي أفصحت عن نفسها وتلاءمت مع الواقع بصورة ما ، ومهمته تحقيق توازن بين متطلبات الهو ومتطلبات الواقع وكذا متطلبات الأنا الأعلى ، والمبدأ الذي يخضع له في سلوكه هو ” مبدأ الواقع ” .
ـ الأنا الأعلى Le super – moi : ويمثل سلطة المجتمع والدين والأخلاق وغيرها من المبادئ والضوابط التي تنظم العلاقات بين الناس وتحكم سلوكهم ، والتي امتصها الفرد من المجتمع عن طريق التربية والتنشئة الاجتماعية ، وأصبحت تعبر عن نفسها لديه بشكل فردي في ما يسمى الضمير .
إن هنالك آليات يلجأ إليها الأنا لحفظ توازن الشخصية : كالتعويض والتأجيل ، والتصعيد ، والتبرير ، والكبت ، والنكوص و . . . الخ ، واختلال توازن الشخصية معناه عدم قدرة الأنا على إرضاء متطلبات السلط المتحكمة فيه وفي سلوكه ، ويتمثل ذلك في الأمراض النفسية التي تتراوح بين العصاب والذهان .
إننا هنا أمام حتمية سيكولوجية تتحكم في السلوك الإنساني وتوجهه ، والسلوكات الإنسانية اللاحقة في مرحلة البلوغ ليست إلا تكرارا بشكل من الأشكال للخبرات الطفولية الأولى . فإلى أي حد يمكن الحديث هنا عن انتفاء الحرية ؟ .. وإلى أي حد يمكن اعتبار عقدة أوديب قانونا شموليا ؟ ..
(3النظام الاجتماعي:
إذا كان المستوى النفسي من مكونات الشخصية فإن الشخصية أيضا ثقافة وتعيش داخل أشكال من التنظيمات والمؤسسات الثقافية التي تشكل البعد الاجتماعي للشخصية ، مما يمكننا من الحديث عن حتمية أخرى متحكمة في السلوك الإنساني وموجهة له هي الحتمية الاجتماعية . فكيف ترتبط الشخصية بالمجتمع ؟ .. وما هو دور المجتمع في تشكيلها ؟ .. 
تختلف أنماط الشخصية من مجتمع إلى آخر تبعا للانتماء إلى جماعة معينة وثقافة وبيئة جغرافية ، وهذه العوامل تخلق لدى كل مجتمع على حدة شخصيته المميزة التي يسميها علماء الاجتماع بالشخصية الأساسية التي تتمثل في مجموعة من القيم والتصورات المشتركة .
وإلى جانب الاستجابات الموحدة لدى أفراد المجتمع المعني ، هناك استجابات مرتبطة بمجموعات محددة اجتماعيا داخل المجتمع ( الرجال ـ النساء ـ المراهقون ـ الراشدون ـ الطبقات الاجتماعية . . . الخ ) وكل هذه الاستجابات المرتبطة بمجموعات محددة تخلق في المجتمع ما يسمى بالشخصية الوظيفية . وتتوقف الشخصية الوظيفية على الوضع والدور ، إذ أن كل وضعية محددة ترسم مجموعة من السلوكات وردود الأفعال المنتظرة والمحددة من طرف الوضع والدور . ولذلك فهي تلعب دورا بالغ الأهمية في حسن سير المجتمع بتمكين أعضائه من التعامل بنجاح دون الاعتماد على أي شيء آخر سوى الدور الذي تشير إليه الوظيفة .
وهكذا تلعب العوامل الاجتماعية والثقافية بشكل عام الدور الأساسي في بناء الشخصية وطبعها بطابع خاص ؛ فالأفعال والعواطف والسلوكات المختلفة للأفراد إنما تتحدد عن طريق المجتمع والثقافة والدور المحدد اجتماعيا .
الإشكال المركزي الذي يطرح هنا يتعلق بالتساؤل عن علاقة الشخصية بالحتميات المحددة لها والفاعلة فيها ، أهي علاقة تبعية وخضوع لهذه الحتميات والمحددات ؟ … أم علاقة تستطيع الشخصية من خلالها التحرر من هذه الحتميات والتحكم فيها ، وبالتالي السيطرة على الحاضر والقدرة على بنائه وكذا بناء المستقبل ؟ …
إذا كانت مجموعة متعددة من العوامل المختلفة : النفسية والاجتماعية والبيولوجية والثقافية تتدخل في بناء الشخصية ، باعتبارها مجموعة من الحتميات والشروط الفاعلة فيها ، فإن الإشكال الذي يطرح يتمثل في: التساؤل عن علاقة الشخصية بحتمياتها وشروطها أي : إلى إي حد يمكن القول إن علاقة الشخصية بهذه الحتميات هي علاقة خضوع وتبعية ؟ أم علاقة تحرر واستقلال ؟ .. إلى أي حد يمكن للشخصية أنتتحكم في حاضرها وتصنع مستقبلها ؟ …
لقد انتهت معظم العلوم الإنسانية ، وبخاصة المتشبعة منها بالروح الوضعية وما تقتضيه من وقوف عند حدود الظواهر ، إلى أن ماهية الإنسان التي أجهد الفلاسفة أنفسهم في تعريفها والوقوف على كنهها لا تمثل إلا ماهية فارغة وطبيعة شكلية ، لقيامها على وهم الذات وسراب الميتافيزيقا ، لأن الإنسان في الحقيقة ليس إلا شيئا من الأشياء تتحدد سماته وشخصيته بما يفرضه عليه واقعه بمختلف أبعاده ، وما يتحكم فيه من محددات ، المعقول منها واللامعقول الظاهر منها والخفي … والإنسان تبعا لهذا الطرح لا يعدو كونه مفعولا به ونتاجا لتفاعل بنيات وقواعد مؤسسية مختلفة تمارس عليه فعلها وإكراهها من مختلف زوايا ومستويات حياته ، فقد كشفت هذه العلوم عن أن شخصية الإنسان لا يحكمها إلا ما ليس بإنساني من قوى متعالية قاهرة : لغة ، برنامج وراثي ، لاشعور فردي ، لاشعور جمعي ، ضمير جمعي … وكلها محددات كان الإنسان يستبعدها من ذاته كي لا يرى فيها إلا التعقل والوعي والمسؤولية والحرية …وباسم العلم والقطع مع الإيديولوجيا وإقصاء الفلسفة من آخر معاقلها، تعلن هذه النزعة الوضعية في العلوم الإنسانية عن موت الإنسان وموت التاريخ وتنظر للإنسان كما لو كان آلة مبرمجة تؤدي عملها بوعي أو بدونه، كما حدد لها من طرف كل الحتميات المتحكمة في السلوك الإنساني . فهل يكفي تقرير ضرورة إقصاء عمق الذات من حياة الشخص وتحويله إلى مجرد موضوع وإلى صنف نمطي من النماذج والعلاقات والمعادلات التي يضعها العلم لقتل الإنسان فيه ؟ … هل يمكن قتل الإنسان بتصريفه وتجزيئه إلى شخصية ” أ ” من الوجهة السيكولوجية ، وشخصية ” ب ” من الوجهة الأنثروبولوجية ، وشخصية ” ج ” من الوجهة الإقتصادية ؟ …
إن الشخص قوة مبادرة واختيار ، من وجهة نظر محمد عزيز الحبابي ، بوصفه ممثلا للفلسفة الشخصانية

فيلسوف الشخصانية
المستندة إلى مرجعية دينية إسلامية ، وذلك لأن الشخصية استقلال ذاتي ؛ فالاعتراف بوحدانية الله واستقلاله المطلق انطلاقا من شهادة التوحيد ، هو اعتراف كذلك من طرف الشخص بأنه هو الآخر واحد ومستقل رغم أن وحدانية الكائن البشري واستقلاله ليسا مطلقين كما هو شأن وحدانية اللـــه .
إن مفهوم الاستقلال الذاتي يتمثل في ما هو خاص بكل شخص ؛ فالناس ليسوا على نمط واحد إذ لكل شخص وجهته وتطلعاته الخاصة ” لكل وجهة موليها ، فاستبقوا الخيرات ” البقرة آية 147 . ويتعزز هذا الاستقلال الذاتي عندما يرفض الشخص الطاعة العمياء سواء للأشخاص أو الأشياء ، ويعترف بالقيمة العليا للعقل والفكر . إن الشخص رغم استقلاله وحريته يبقى تحت تصرف المشيئة الإلهية المطلقة ، لذلك كان طرفا المعادلة غير متساويين .

عضو الحزب الشيوعي الإيطالي
وعندما نتساءل ـ مع غرامشي كممثل للفلسفة الماركسية ـ عن ماهية الإنسان ، نجد أنه ليست هنالك ماهية ثابثة للإنسان ؛ لأن هذه الماهية نتاج الفعل والحركة الإنسانيين ، ومضمون السؤال : ما الإنســــان ؟..هو: ما هو مصير الإنسان ؟ …وإلى أي حد يمكن أن يتحكم الإنسان في حاضره ويصنع مستقبله ؟ .. أي أن التساؤل يتعلق بمدى حرية الإنسان أو خضوعه لمجموع إشراطاته .
إن الإنسان بؤرة تلتقي فيها مجموعة من العوامل التي يعتبر الإنسان نتاجا لها ، وهي نتاج لفعله في نفس الآن ، وتتمثل في الفرد نفسه والآخرين والطبيعة ( طبيعة الإنسان الداخلية والطبيعة المحيطة به ) . فإذا كانت هذه العناصر فاعلة في الإنسان ومؤثرة فيه ، بل منتجة له ، فإن للإنسان القدرة على وعي هذه الحتميات والتأثير فيها بتغييرها ، حيث كلما غير هذه الحتميات غير نفسه ذاتها ، ومن هنا العلاقة العضوية والجدلية القائمة بين الإنسان والحتميات الفاعلة فيه ؛ فالعلاقة بينهما هي علاقة تبادل الأثر والتأثير ، بحيث تصير الحرية الإنسانية وعيا بالضرورات حتى يتسنى التأثير فيها وتغييرها : ف ” الحرية وعي الضرورة ” كما يقول ماركس ، وليست هناك حتمية مطلقة ، كما ليست هناك حرية مطلقة ، وإنما تتحدد الشخصية من خلال التفاعل الجدلي القائم بين الفعل الإنساني الواعي وحتمياته وشروطه المحيطة به .

فيلسوف الوجودية
وانطلاقا من مبدأ الفلسفة الوجودية لدى ج . ب . سارتر : “ الوجود يسبق الماهية ” اعتبر الإنسان مشروعا مستقبليا منفتحا على المستقبل أكثر من انفتاحه على الماضي ، مشروعا متوقفا على الاختيار والإرادة الإنسانية بما هما حرية .
إن الفعل الإنساني تركيب جدلي يقوم على التجاوز والاحتفاظ ، تجاوزا لمكونات الفعل الإنساني المتمثلة في النقيضين : شروط الفعل الإنساني الموضوعية بما هي مجموع الحتميات المحيطة بالإنسان من جهة ، والفعل الإنساني الذاتي الذي يمثل الاختيار والإرادة من جهة أخرى .
إن فهم السلوك الإنساني إذن لا يتأتى بتفسيره تفسيرا آليا برده إلى مكوناته الموضوعية ؛ لأنه ليس إعادة إنتاج لشروطه وحتمياته، كما لا يتأتى برده إلى الفعل الإنساني الاختياري ؛ لأن الفعل الإنساني مركب نوعي يختلف عن مجموع مكوناته ، مركب منفتح أساسا على المسقبل وعلى مجموعة من الإمكانات التي يتحقق بعضها دون البعض الآخر . وهكذا يبدو مستحيلا رد النظام الثقافي إلى النظام الطبيعي .
بهذا المعنى يمكن أن نرى في الشخصية نظاما مندمجا يتشكل في الجزء الأساسي والإبداعي منه من خلال الأنا أو نظام الشخص ، وفي جزئه الآخر من خلال محددات موضوعية وحتميات يمكن أن يعيها وأن يتحرر منها بحكم عبقريته إبداعيته ، وأن يتعامل معها لا كمجرد منفعل وإنما كوعي وفعالية ، كإرادة ومسؤولية . وبهذا المعنى يفهم قول ميرلو بونتي : ” أنا لست مجرد نتيجة أو نقطة التقاء العديد من العمليات التي تحدد جسمي أو نفسيتي . إني ل

فيلسوف وجودي
ا يمكن أن أتصور ذاتي كجزء من العالم وكمجرد موضوع لعلم النفس ولعلم الاجتماع وللبيولوجيا . . . إنني المنبع [ المصدر ] المطلق ، ووجودي لا يصدر عن مقدماتي وعن محيطي الفيزيائي والاجتماعي ، بل يتجه نحوها ويدعمها . . . “ وبهذا تستعصي شخصية الشخص على أن ” تُعلّب ” في قوالب أعدتها نظريات تعتبره مجرد موضوع ، لأن الشخصية كما عبر عن ذلك إ . مونييه : ” ليست موضوعا ، بل هي بالذات ما لا يمكن في أي إنسان أن يعامل بوصفه موضوعا “.
الشغل
9 اغسطس 2008 by maarouf66- الشغل ( من وجهة نظر كارل ماركس ) فعل يتم بين الإنسان والطبيعة ، يشكل الإنسان من خلاله قوة طبيعية ( تتمثل في أعضاء الجسم ) مؤثرة في الطبيعة وعليها ، وهو من خلال تأثيره في الطبيعة وتغييرها لإشباع حاجاته الخاصة، يغير ذاته وينمي ملكاتها وقواها.
- وإذا كان الحيوان يمارس أعمالا قد تضاهي أعمال الإنسان ، فإن الفارق الأساسي بين الشغل الإنساني والشغل الحيواني هو أن هذا الأخير غريزي لا أثر فيه للوعي ، في حين أن الأول قائم على الوعي والتفكير والتخطيط المسبق.
ويمكن تقسيم مسار الشغل الإنساني إلى ثلاثة مكونات أساسية :
- الشغل الإنساني ( الإنسان ذاته ) ؛
- الموضوع الذي ينصب عليه الشغل ويشكل موضوعه؛
- الأداة أو الأدوات المستخدمة في الشغل.
إن الشغل أو العمل منتج للقيم ، وقيمة المنتجات إنما تتحدد بقيمة العمل والجهد المبذول في إنجازها.
ومن وجهة نظر هيجل ، فإن الشغل وساطة تتم بين الإنسان والطبيعة ، وساطة متخصصة يستخدمها الإنسان للتأثير في الطبيعة وتحويلها إلى منتجات استهلاكية ، وبذلك يكتسب قيمته وأهميته ، كما أن هذه الوساطة تمكن الإنسان من اكتساب نوعين من الثقافة :
- ثقافة نظرية : تتمثل في التمثلات والمعارف المكتسبة انطلاقا من مجال الشغل ، والتي تؤدي حركيتها وسرعتها وترابطها إلى إدراك العلاقات المعقدة والكلية.
- ثقافة عملية : تتمثل في عادات المهنة عموما التي يؤدي التمرس بها إلى التعود على النشاط الموضوعي واكتساب خصال كلية تتمثل أساسا في تجريد الشغل مما يؤدي إلى التخصص وتقسيم العمل الذي ينعكس بدوره على المهارة حيث تزداد ، وعلى كمية المنتوج أيضا . ومن هنا يساهم كل فرد بثقافته في الثروة الكلية للمجتمع ويشبع حاجات الآخرين في الوقت الذي ينتج فيه لإشباع حاجاته الخاصة.
- إلا أن الشغل يقتضي مجموعة من الحركات المنضبطة والمعقلنة والمغايرة للحركات المنفلتة من عقالها ، يقتضي حركات يكون فيها حساب الجهد ثابتا بالنسبة لمستوى الإنتاجية، ومن ثمة كان الشغل مجموعة موانع كابحة وقامعة لحرية الإنسان.
علاقة الشغل بالملكية
إذا كان الشغل ظاهرة إنسانية بامتياز لارتباطه بالفكر الإنساني وتميزه عن العمل الحيواني ، وإذا كان تقسيم الشغل سواء بمعناه التقليدي أو الآلي ضروريا من أجل الزيادة في الإنتاج وإشباع الحاجات الإنسانية المختلفة والمتنامية باستمرار ، فإن الشغل الإنساني لا يتم إلا في إطار علاقات إنتاج محددة تميز بين المالكين وغير المالكين لوسائل الإنتاج ، لذلك فإن الإشكال المطروح بهذا الخصوص هو كالتالي :
كيف نشأت الملكية ؟ .. وما هو أساسها ؟ .. و ما قيمتها ؟ .. وما علاقتها بالشغل ؟ .. هل يمكن اعتبارها منتجة لوحدها ؟ .. ومتى ، وفي ظل أية شروط ، يمكن اعتبارها منتجة ؟ ..
1) إن أول من سيج أرضا وصاح قائلا : ” هذا لي ” ، ووجد أناسا سذجا صدقوه وصادقوا على كلامه ، كان هو أول مؤسس حقيقي للمجتمع المدني القائم على سلطة القوانين والمؤسسات والمتجاوز للمجتمعات الطبيعية الأولى ، أو حالة الطبيعة ، التي كانت الأرض وخيراتها فيها ملكا للجميع من وجهة نظر جان جاك روسو . ولما كان الحفاظ على الملكية من جهة ، والرغبة في التملك من جهة أخرى ، تدفع الناس إلى التقاتل والصراع فيما بينهم ، فإن أساس الملكية وسبب ظهورها الأول هو السرقة والعنف ، وليس المجتمع المدني إلا حيلة اصطنعها الأغنياء للحفاظ على ممتلكاتهم وتأبيدها ، وإخضاع الجنس البشري للعمل والعبودية لمصلحة هؤلاء الأغنياء ، بدعوى أن هذا المجتمع من شأنه تأمين حرية الأفراد وضمان ممتلكاتهم.
2) بخلاف ذلك يرى فريدريك إنجلز ـ كممثل للفلسفة الماركسية ـ أن الملكية ظهرت من القديم في المجتمع المشاعي ، ولكنها اقتصرت على بعض الأشياء البسيطة ، وتطورت داخل هذا المجتمع نتيجة التبادل مع الآخرين إلى أن أخذت شكل بضاعة ، حيث كلما قل إنتاج جماعة من أجل الاستهلاك الخاص ، وازداد إنتاجها الموجه للتبادل ، كلما أدى ذلك إلى مزيد من تقسيم العمل وتفاوت الناس من حيث الغنى ، وانحلت بذلك المشاعية القديمة لتحل محلها الملكية الخاصة.
إن الأسباب الاقتصادية إذن ، والمتمثلة في تغير علاقات الإنتاج والتبادل ، هي التي أدت إلى ظهور الملكية الخاصة ، و لا يمكن أن يعزى ظهورها لأسباب أخرى كالسرقة والعنف كما هو الشأن لدى روسو.
3) إن الملكية وحدها عقيمة وغير منتجة ، ولكي تغدو كذلك لا بد من توفير ثلاثة شروط أساسية هي : الأرض المنتجة ـ العمل المنتج ـ والرساميل والأدوات المنتجة. إن الإنتاج هو ثمرة هذه العناصر الثلاث الضرورية مجتمعة ، ولو انفصلت عن بعضها فستكون عقيمة ؛ فالأرض لوحدها بدون تدخل الإنسان الذي يحول أشياء الطبيعة، بفضل عمله وجهده، إلى بضاعة قابلة للاستهلاك والتبادل ، تعتبر غير منتجة . والأدوات والرساميل هي بدورها غير منتجة بدون تدخل المجهود الإنساني وبدون موضوع منتج ينصب عليه العمل الإنساني.
4) وإذا كان جورج فريدمان ـ من منظور اقتصادي ليبرالي يستند إلى مرجعية قانونية رومانية ـ يرى أن مقتضيات العقل والعدالة تقتضي أن تكون الملكية فردية ، لصاحبها الحق المقدس في التصرف فيها إيجابيا أو سلبيا ، مدعما وجهة نظره بمعطيات التجربة الحياتية التي تؤكد أن الملكية لا تكون أكثر خصوبة وإنتاجا إلا عندما يكون المالك أكثر حرية في الانتفاع بها حسب رغبته ومشيئته ، فإن فريدريك إنجلز، يرى على العكس من ذلك، أنه إذا كان التبادل قد تم ـ في بداية النظام الليبرالي ـ بين قيم متساوية ، فإن تطور الإنتاج ، في ظل نظام الإنتاج الرأسمالي ، لم يؤد إلا إلى احتكار وسائل الإنتاج والعيش من طرف طبقة واحدة وقليلة العدد مع تدهور الطبقة الأخرى التي تشكل الأغلبية الساحقة إلى مستوى بروليتاريين غير مالكين ، إضافة إلى الأزمات والفوضى في الإنتاج التي هي ناتجة بالأساس عن نمط الإنتاج الرأسمالي.إن الطبيعة الاجتماعية للإنتاج تفترض بالأساس الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج ، وهو الحل الذي يبشر به النظام الاقتصادي الاشتراكي.
5) إن الملكية في الإسلام ، بخلاف الأطروحتين السابقتين ، مسؤولية ؛ إنها جملة من الواجبات والمسؤوليات ، وهي ليست حقا مطلقا لاستعمال الأشياء ؛ فالمالك مسؤول عن ملكيته ، ومطالب بتنميتها وتطويرها بما يخدم مصلحته ومصلحة المجتمع وفق المقتضيات الشرعية التي تحرم الربا والاحتكار والسرقة والتحايل ، تحت طائلة نزع الملكية أو فقدانها إذا ما أهملها صاحبها أو لم يستثمرها بالشكل الذي يخدم مصلحة الأمة جمعاء.
الشغل ـ الاستلاب ـ التحرر
إن الشغل ظاهرة تتم بين الإنسان والطبيعة ، ولكنها لا تتم إلا بدخول الناس فيما بينهم في علاقات تسمى ” علاقات الإنتاج ” ؛ تحدد المالك لوسائل الإنتاج من غيره ، وتحقق نوعا معينا من الملكية. كما أن الشغل يفترض تقسيما معينا للعمل ، سواء في شكله التقليدي أو شكله الآلي والتقني المعاصر ، مما يسم الشغل الإنساني ببعدين أساسيين هما : البعد الإنساني المتمثل في علاقات الإنتاج والملكية ، والبعد التقني الآلي ـ في عصرنا ـ وما يطرحه من مشاكل تنعكس على الإنسان. لذلك فالإشكال الذي يطرح بهذا الخصوص يتمثل في التساؤلات التالية :
- هل يحقق الشغل ماهية الإنسان وحريته ؟
- أم على العكس من ذلك هو قتل للرغبة والحرية ونفي للذات الإنسانية ؟..
- وما هي الشروط الإنسانية والموضوعية التي بإمكانها أن تجل من الشغل عاملا لتحرر الإنسان واكتمال شخصيته وتفتحها ؟ ..
1) بخصوص هذا الإشكال تتعدد الأطروحات والإجابات وتختلف نوعيا عن بعضها انطلاقا من المرجعية التي تنطلق منها ؛ فهذا جورج فريدمان ينتهي ، انطلاقا من نظرة فاحصة ومميزة للجوانب السلبية والإيجابية للتقدم التقني المعاصر في الصناعة وعلاقة الإنسان به ، إلى التضحية بالإنسان المنتج لصالح الإنسان المستهلك ؛ فإذا كان الشغل في ظل النظام الآلي المعاصر مهمة قاسية وغريبة عن اهتمامات الإنسان ، فإنه ضروري لتحقيق حاجاته الاستهلاكية المتزايدة والمتنامية باستمرار ، ومن شأن تنظيم المجتمع وهيكلته بشكل جيد أن يضمن استفادة جميع أفراده من نتائج التقدم التقني ، كما أن من شأن أوقات الفراغ أن تمكن الإنسان من الاستمتاع بالثقافة والفن ، لما فيه إمكانية تفتح شخصية الإنسان وتحقيقها.
صحيح أن التقنية حررت العامل من كثير من المهام الصعبة والشاقة ، بحيث لم يعد مستعبدا من طرف الآلة ، ولكن هذا الاستعباد حل محله الاستعباد الذهني للعامل الناشئ عن التمييز المفرط بين النظرية والممارسة ، بين العمل الذهني والعمل اليدوي ، مما أبعد العامل عن كل تفكير ذهني ، وبالخصوص في المجتمعات القائمة على نظام يتوخى الربح أساسا ، وهو ما يهدد التوازن النفسي للإنسان ومصيره الروحي .إلا أن مفاضلة سريعة بين نظام الإنتاج الآلي وانعكاساتها على الإنسان باعتباره مستهلكا من جهة ، وباعتباره منتجا من جهة أخرى ، تدفعنا حتما إلى التضحية بالإنسان المنتج لصالح ولفائدة الإنسان المستهلك.
2) إن الإغراق في الشغل ـ من وجهة نظر نيتشه ـ والسرعة في إنجازه جريا وراء الربح والفوز هو سمة الإنسان في المجتمعات المعاصرة ، وهي سمة تؤدي بالإنسان إلى استنفاذ كل طاقاته الذهنية وحرمانه من ممارسة التأمل والاحتكاك بالفنون ، بل إن هذا الوضع أفرز قيما جديدة تقوم على احتقار الراحة والتأمل والاشتغال بالفن ، على عكس ما كان سائدا في الماضي ، وفي ذلك ما فيه من إهدار لكرامة الإنسان لا يتيح لشخصيته التفتح ولا النمو و لا الحرية . إن الشغل إذن بشكله الحالي في المجتمعات الليبرالية هو قتل وقضاء مبرم على الرغبة والحرية الإنسانيين.
3) إن مملكة الحرية إذن ـ من وجهة نظر كارل ماركس ـ لا تبدأ في الواقع إلا حينما ينتهي الشغل الذي تفرضه الحاجة والضرورة الخارجية ، إنها توجد إذن خارج دائرة العمل، لكن هذا لا يعفي الإنسان من مواجهة هذه الضرورة لإرضاء وإشباع حاجاته والمحافظة على حياته ، تلك الحاجات التي تتنامى وتتنوع مما يزيد من اتساع دائرة مملكة الضرورة.
إن ” الحرية وعي للضرورة ” ، وهي لا تزدهر إلا استنادا إلى مملكة الضرورة ووعيها ، وتنظيم قوى الإنسان عقلانيا للسيطرة عليها دون الاستسلام لها بأقل الجهود الممكنة ، وذلك بتوفير الظروف ـ على مستوى علاقات الإنتاج وعلى مستوى الشغل ذاته ـ التي هي أكثر تلاؤما مع الكرامة والطبيعة الإنسانيين ، تلك الظروف التي على رأسها تحويل الملكية من ملكية فردية إلى ملكية جماعية ، وكذا امتلاك الوسائل العلمية والتكنولوجية التي تضمن ازدهار القوة الإنسانية التي تشكل غاية في ذاتها.
4) ومن منظور إسلامي لا يرى محمد باقر الصدر في العمل وسيلة لقتل الرغبة أو القضاء على الحرية الإنسانية ، وإنما يرى فيه وسيلة لتأكيد الإنسان لذاته وتطويرها تحقيقا لمهمة الارتقاء الإنساني التي تتحقق من خلال قيم مادية وقيم روحية يؤدي بعضها إلى البعض الآخر ، ويشكل العمل الإنساني وسيلتها.
إن العمل ، وخصوصا العمل الصالح ، يؤدي إلى إثراء الشخصية الإنسانية ونموها ماديا وروحيا ، وقد أعطى الله ذاته المثال بخلق السماوات والأرض عندما خلقهما بتدرج ، ولم يستعمل قدرته لخلقهما دفعة واحدة ، وذلك حتى يعلم البشر أن العمل يتطلب التدرج والجهد والذأب . كما أن إصرار القرآن على أن كل الرسل كانوا يعملون هو تأكيد على منزلة العمل الإنساني في إثراء الشخصية باعتباره وسيلة السمو الروحي من خلال العمل الجسدي.
بدايات التفكير الفلسفي
9 اغسطس 2008 by maarouf66
اليونان القديمة

عرفت أثينا خلال عهد بريكليس ازدهارا ورفاهية وصلا حد القمة ، وبعد وفاته سنة 429 قبل ميلاد المسيح ، غرقت المدينة اليونانية في أزمة سياسية تواجه فيه أنصار الأوليغارشية وأنصار الديمقراطية. غير أن الصعود القوي والمثير للنظام الملكي المقدوني في عهد فيليب الثاني والإسكندر الأكبر أضعف النفوذ اليوناني إلى حد أن قضى عليه نهائيا غداة اندحار شيروني سنة 338 ق . م .
![]() |
![]() |
![]() |
لقد عرفت الفترة الهيلينية انتشار مذهبين فلسفيين سيؤثران لوحدهما في كل الفلسفات التي ستليهما ؛ ويتعلق الأمر بالمذهبين الأفلاطوني والأرسطي . لكن السؤال الذي يطرح ذاته هو كيف يمكن مباشرة الحديث عن هاتين الفلسفتين دون الحديث قبل ذلك عن سقراط الشخصية / وسقراط اللغز ؟ .. ذلك أننا لا نعرف عن سقراط إلا ما ذكره معاصروه ، ولأن الشهادات بشأنه اختلفت وتناقضت ؛ لقد قدمه تلميذه أفلاطون في محاوراته كحكيم يشد خطابه السامع إليه شدا ، ولكن الشاعر الهزلي أرسطوفان يضعه ، على العكس من ذلك في مسرحيته المعنونة ب:les nués et le dépeint ،في خانة السفسطائيين. من هو سقراط إذن حقيقة؟ ..
![]() |
![]() |
![]() |
إن اليقين الوحيد هو أنه كان أستاذا وملهما لأفلاطون، ولأرسطو بمعنى ما . وبخلاف ما قبل السقراطيين الذين لا نعرف عنهم إلا بعض الشذرات ، التي وصلتنا عن طريق الصدفة وحدها ،فقد جاءتنا أعمال أفلاطون كاملة تقريبا، باستثناء بعض المحاورات وعدد من الرسائل غير الأصلية .ويتفق المعلقون على الاعتراف بأصالة المحاورات الأكثر أهمية . أما بخصوص نصوص أرسطو الأصلية فإننا لم نتوصل بها ، ولكننا نحوز محاضر لدروسه لدى تلامذته على شكل مجموعات هي كافية ،من حيث أهميتها وتماسكها، لإعادة بناء مجموع الفلسفة الأرسطية. وفي ما وراء مشكل الأصول هذا ، تختلف أعمال هذين الفيلسوفين من حيث الأسلوب والنط ؛ فمحاورات أفلاطون تتميز بشخوصها العديدين ، وتبعا لذلك ، تتبلور البراهين والحجج ضمنها بطريقة حرة فيما يبدو ، في الانتقال من موضوع إلى آخر ، وباللعب على مختلف الطرق كالعرض المنهجي واللجوء إلى الأسطورة. أما أعمال أرسطو ، فهي على العكس من ذلك موسوعية ؛ حيث يحتوي المنطق الصارم الملاحظة الدقيقة للطبيعة وللأنظمة السياسية . و لا شيء فيما يبدو يفلت من حب الاستطلاع لدى الفيلسوف الذي يتخذ بين لحظة وأخرى هيئة البيولوجي والسيكولوجي والفيزيائي والميتافيزيقي ، منطقيا كان أم بلاغيا . يجعلنا هذان التوجهان نحزر علاقتين متباينتين لهما مع معاصريهم ؛ وهكذا فإن رد فعل أفلاطون اتجاههم تمثل في مجادلة السفسطائيين الذين اعتبرهم في محاورات الشباب الأعداء الرئيسيين للفلسفة ، لأنهم يرفضون كل معايير الحقيقة. أما أرسطو فقد كان أكثر موضوعية ، وذلك عندما عرض نظريات الأسلاف ، ولكنه ، على كل حال ، لم يتورع عن محاسبتهم أحيانا انطلاقا من نظريته الخاصة وعلى ضوئها، وتلك طريقة مغلوطة في النقد.وبالموازاة مع ذلك نجد تقليدا منحدرا من سقراط متمثلا في المدارس السقراطية الصغيرة ، كالمدرسة الميغارية أو السينيكية ( نسبة إلى الفيلسوف سينيكا ) ، ورثت عن سقراط السخرية والاهتمامات الأخلاقية، و أتباع هاتين المدرستين يجعلون من ذلك ” الذي يعرف أنه لا يعرف شيئا ” الشكاك الأول. وإذا كان التقليد لا يحكم علاقاتهما الفكرية ، فإنه يتوجب مع ذلك التذكير بأن هذه المدارس ساهمت في تعميق الفلسفتين الأفلاطونية والأرسطوطاليسية اللتين تجمدتا بعد وفاة مؤسسيهما، في نزعة دوغماطيقية أقل فأقل احتراما.
![]() |
![]() |
إن ” صغار ” السقراطيين إذن ساهموا في التمهيد الواضح لكبريات مدارس القرن الثالث قبل الميلاد ؛ فبعد وفاة الإسكندر الأكبر سنة 323 ق م بدأ العصر الهيلينستي الذي أضحت فيه الثقافة اليونانية ملكا مشتركا بين دول البحر الأبيض المتوسط من مصر إلى إسبانيا.
![]() |
![]() |
أما أثينا فقد ظلت مركز الحياة الفكرية ، وظلت اللغة اليونانية لغة الفكر والثقافة ، ولكن أيا من فلاسفة القرن 3 ق م لم يكن يونانيا قحا ؛ فغالبيتهم انحدرت من مدن لم تكن تمتلك تقاليد الديمقراطية والاستقلال الوطني التي ميزت أثينا القرن الرابع ق م . . . وهكذا أفلت الاهتمامات والطموحات السياسية لدى الفيلسوف مع لامبالاة أبيقور الذي رأى أن من واجب الفيلسوف أن يعيش على هامش المدينة ، أو وفق التقليد الأبيقوري، حيث تفقد أي مدينة أو أمة معناها الخاص عند انعدام الانتماء السياسي. إن ما أضحى ذا بال هو الأخلاق ، إلى حد أن أنها تحولت إلى الهدف الوحيد من المعرفة : فالأبيقورية والرواقية تستهدف بناء علم عقلاني للطبيعة لأن فيزياء كهاته ضرورية لامتلاك الحكمة والسعادة.























